|
|||||
|
رأيتني ذات صباح، ككل صباح، أمسح حذاءه الضخم، يقف كالتمثال في مكان محدد أمام المرآة ذات القاعدة الذهبية في مدخل صالة ضخمة، آخر طقوس الجنرال أن أسجد فوق قدميه ماسحا جزمته العسكرية، يستمتع أن أنظفها مرتديها، رغم أنها نظيفة أكثر من وجهي.. رأيت وجهي كما يريده سيدي تماما، ليس نظيفا تماما، يومئ إلى الحذاء الأشد نظافة من وجهي، لا يريد سيدي أن يكذب في ذلك، وعلي أن أحتفظ بهذه المعادلة غير المتكافئة بين وجهي وحذاء سيدي. يتحرك سيدي قبل أن أنهي تلميع الحذاء كاملا، نظراته أحسها فوقي تتحرك كأنها تحدث عواصف بين المرآة والعينين الجامدتين، يرى نفسه، وأرى نفسي، حتى إذا رأيتني أذوب هوى في حذاء سيدي تحرك كأنه يريد أن يحرمني من متعة التماهي في جزمته، فأكاد أسقط متهاويا متتبعا العظمة التي تشق طريقها خروجا عبر الباب الكبير نحو السيارة التي تشبه نموذجا صغيرا لقصر سيدي. في صباحات لا عد لها رأيتني أجري كالجرو وراء سيدي أفتح له باب السيارة قبل أن يسبقني إلى هذا الشرف غيري، يلقي لي بعملة ورقية فأقفز كما يفعل الجرو وراء صحن طائر، الإمساك بالورقة صعب خاصة في الصباحات المحملة بالهواء، رأيتني أطير مع الهواء ألاحق ما جادت به يد سيدي، أحس ابتسامته الشمعية وهو يعبرني حين ألاحق الورقة النقدية رغم أني لا أراه وراء الزجاج الأسود للسيارة ذات الرقم الذي لا يتكرر كثيرا في بلادنا. يا أمي لو رأيت ما أرى، البوابة الحارسة لقصر سيدي، لقلت إن ثمنها أغلى من منازل قريتنا مجتمعة، ولو رأيت سيدي حين يهبط في حوض السباحة الكبير، لقلت إن الفلج يحتاج يوما لملء هذا الخزان المائي الذي يتشرف بملامسة جسد سيدي، لو رأيتني أكاد أنبح من الفرحة لأني أرى الجسد العظيم أمامي، سيدي دون ملابسه، يا لفرحتي وسعادتي، أحسه يا أمي كأنه لم يخلق من تراب مثلنا حتى وان بدت سمرته أكثر حين يكون كما خلقه الله، أيمكن يا أمي أن نكون مثل سيدي مخلوقين من طين؟! يا أمي لو رأيتني أرتعد مما رأيت، ذات مساء هبط على المزرعة أقوام أتوا على مركبات أرضية كأنها اللآلئ، أتوا مع أقمار وشربوا ما لم أذقه في حياتي، ورأوني كالجرو أوزع ما أؤمر به حول الحوض، حتى إذا مضى أكثر الليل يا أمي اظلم المكان، ونسوا وجودي، لا أستطيع أن أقول ما رأيت. رأيتني يا أمي أتكوم على نفسي وتتداخل أجزائي، هل كنت أحلم أم الصحو يأخذني لأرى الأجساد تعتنق بعضها كما شاءت لها الرغبة، وتتداخل وفق شهواتها، وأنا أغوص في بعضي حتى رأيتني أذوي وتبقى العينان تحصدان مشاهد لا هي بالحلم فتروى، ولا بالواقع فتصدق. آه يا أمي لو رأيتني في صباح تال كخرقة بالية ملقاة بين زجاجات وعلب فارغة، رأيتني ألقط جسدي قطعة قطعة أبحث عنه بين بقايا البارحة، يدي تحت سجادة، رأسي تحت أكوام المحارم الورقية، قدمي مرمية تحت إحدى شجرات المانجو المستديرة حول حوض السباحة، بقاياي وبقايا العلب وأشياء أخرى تطفو على ماء الحوض ومنها ما تغوص فيه، علي أن أجمع كل ذلك قبل أن يصحو سيدي، لا أدري لم صحوت دون ورقة توت تواري سوأتي على الأقل، كانت البارحة تتوارى كحلم عابر، وجاء الصحو بأكثر مما أحتمل. كرت الأحلام في مسبحة نومي، رأيتني مرات أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، ورأيتني أعب من زجاجات تأتي بها سيارات لا أتبينها من بعيد، ومرات أصير أرضا يمشي عليها سيدي وأنا أضحك كأن حذاءه العسكري وسادة ناعمة، ورأيتني أمسح الحذاء بوجهي، وفي عجلته ينسى سيدي حذاءه ويرتدي وجهي، وأبقى بلا وجه حتى يعود سيدي آخر النهار أو بدايات الليل، وربما آخره، قد أرتدي حذاء سيدي بدلا من وجهي، لكنني يا أمي لو رأيتني أرافق سيدي حين يرتدي وجهي بدلا من حذائه، أسير على السجاد الأحمر، وأرى ما لا يقال وأسمع ما لا يحكى.. أعود آخر المساء بوجه استخدم ساعات طويلة أحاول أن اعدل ما أمكنني من انبعاجاته. ورأيته يا أمي يلقمني الحصى فتتحول في فمي إلى قطع سكر، ومرات رأيته ينزع عني ملابسي، ويفتش أعضائي، رأيته في نومي مرات ومرات، وعندما أصحو أجد بقايا مما حدث في الحلم البغيض. ورأيتني يا أمي ككلب أهز ذيلي فرحا كلّما وضع يده على ظهري العاري، وأنبح إذا أخذته نشوة الملامسة، مرة رأيتني أجلس أمام التلفزيون حتى إذا لمحت سيدي في الشاشة الكبيرة رأيتني أهز ذيلي فرحا، وأهوهو مستشعرا اليد التي وراء الشاشة تخرج لتمسّد على ظهري. لو رأيتني يا أمي أكاد أشهق من الفرح لمّا رأيته سيدي يبتسم حين رآني أسير على أربع، ما أسعدني حين أذوب في عشق عبوديتي لسيدي، مرات أصير له البراق حين يحط جسده ممتطيا ظهري، يمسك زجاجة يعبها في فمه ويركل خاصرتي لأسير به، يا أمي، وأنت بعيدة عني في قبرك أشعر بحزنك على كفن استعرناه لتنامي بخرقة جديدة للمرة الأخيرة، يا أمي لا أدري لماذا تتساقط أحجار على هرم فرحي الزجاجي، وتنتابني مرات نوبات بكاء؟ لم أسأل عينيّ لم تتفجران دمعا، يكفيني من حياتي أن أرى سيدي. في مساء من مساءات الأحلام رأيته يا أمي يدخل أصابعه في عيني، وشعرت بأظافره تفجر ماءهما.. ورأيتني يا أمي.. معذرة، لم أرني، لم أر،، ولن........... |
|||||
|
|||||