الثقافة العُمانية
كما تبدو فـي المرايا المشَظَّاة
 لكاتب يعيش في مسقط

 

حســـين العــــبري


إن هذا المقال لا يُلقي الضوء على المشهد الثقافي العماني لأن كاتبه لا يستطيع أن يكون محايدا، ولا يستطيع أن يصعد فوق المشهد لينظر إليه من علٍ، لكنّه، أي المقال، يبعثر العديد من الحزم الضوئية من الداخل لتتفرق شرقا وغربا دونما تخطيط ولا تنظيم، ودون أن يكون هناك هدف آخر مقصود سوى بعثرة تفاصيل المشهد ليتسنى بعد ذلك رؤية كل تفصيل بالدقة المتوخاة. إن هذا المنهج بالتالي لا يدّعي أنه واصلٌ إلى حقيقة معينة (إن كان ثمة حقائق معينة في هذا الوجود). لكنّه يدّعي أنه يتلكأ عند بعض الملاحظات الجديرة باقتناص الأنظار، وأنه يحفر في بعض المسائل المطمورة تحت ركام مجاملات ذات طابع جمعي، ويطمس بعض المسائل التي يتهافت عليها الكثير.

 

لذا لن ينعم القارئ حال وصوله إلى نقطة النهاية بتلك المتعة المتأتية من تحصيل رؤية كلانية شاملة حول ماهيّة الأمور الثقافية والكتابية في عمان، بل إنه ربما تأذى من عدم قدرته على جمع الشظايا الناشئة من عملية التشظية المقصودة. وإن هذا المنهج في حد ذاته ليس جيدا أو سيئا، أي بمنحه قيمة، لكننا ربما وصفناه بقدر أكثر جودة حين ننعته بالمتعب وبالمهلك وبالمجدي وبغير المجدي وبالاقتراب أو بالابتعاد عن لب الموضوع. وربما سيكون زائدا عن الحاجة القول أنه ربما أُخذ على غير ما أراده كاتبه، لكنّ ذلك ليس بمشكلة إذا اقتنعنا بوجهة النظر التي يعتنقها كاتب المقال في أن المقالات لا تُعبّر عن آراء واضعيها إلا بقدر ما تُعبّر حالاتهم ومزاجاتهم العابرة عن شخصياتهم وطبائعهم الثابتة، بل إن ردود أفعال قارئيها هي المحك الأزلي والأبدي. إن هذه المقدمة ليس يُقصد بها محاولة التنصل من مسؤولية المحتوى (مع أن دعاوى المسؤولية والالتزام لا بد أن تسقط بالتقادم كما هو الحال في بعض الجرائم) لكنّها تؤكد على أن الشكل الذي مورست به الكتابة كان له تأثير كبير، وأن ثمة مقاصد مخفية عند صاحب المقال يود بها دفع الإبهام والتمويه والمخاتلة إن لزم الامر إلى العقول التي تميل إلى التصديق، أو دفع الشك والتحفيز والوخز إلى العقول التي تميل إلى التكذيب.

إن مقولات عامة أصبحت ذات تأثير حاد فيما  يتعلق بالموضوع الثقافي في عمان لكنها مع هذا لا تلبث أن تتضح هناتها حين الغوص قليلا في تفاصيلها، وهي بالتالي، أي التعميمات، تحاول أن تضع الأمور والأشياء بشكلها المبسط والمُخلّ لكي يصل القارئ بعد ذلك إلى فهم ومعرفة أمور ذات طبيعة معقدة متشابكة بجهد بسيط وكسول. إن هذه المقولات العامة تختزل ولا تشرح وتُغطّي ولا تفصح، ومن فرط سهولتها تحتفظ بمصداقيتها المُتوهمة لكنها لا تعدو أن تكون مقولات مدرسية هدفها التلقين، زوبعة داخل فنجان من أجل فرجة خُلّب. إحدى أهم هذه المقولات العامة هي الحديث عن جدة الحركة الثقافية في عمان. فهذه تفترض أن الثقافة حدث لها بترٌ كامل في عصور معينة ثم لم تُستأنَف الحركة الثقافية التقليدية هذه بل أُوجِدت حركة ثقافية معاصرة إن صح التعبير هكذا فجأةً، وزُرِعت عنوةً داخل المجتمع إبّان النهضة الحديثة في البلاد. وهذا ليس فقط خيانة تاريخية يُفترض بها تشويه الوقائع والحوادث بل إنها تفصل الثقافتين عن بعضهما، أي تلك الثقافة التقليدية التي كانت تُعنى بالفقه واللغة والعلوم اللغوية وبعض العلوم الدنيوية والآداب وبين تلك الثقافة التي أنتجها العصر الحديث بماكيناته الصحفية والإعلامية ومن جراء الكتب المدرسية المقننة والدعاية الموجهة وأخيرا وسائل الاتصال الحديثة. إن هذا الفصل المتعمد وغير المتعمد يستتبع فيما يستتبع إلغاءً للماضي المؤثر في الحاضر، ويجعل منه، أي الماضي الثقافي، مجرد تراث غابر، ماضٍ له مجد ساطع لكنه لا يؤثر على الحاضر الراهن ولا المستقبل المُؤمَّل. إن هذا الأمر بالذات هو الذي استتبع ذلك المفهوم التائه في عمان حول مسألة التراث والتي تتبدى متداخلة وغير مفهومة وتحفة مقننة مزججة  للعرض، لكنها غير قائمة بالتدافع المطلوب بين ما هو ماضٍ وما هو حاضر، أي غير فاعلة فيما يخص هيكل الثقافة الكلي وخط توجهه في الزمن. بالتالي ينعدم في عمان ما يمكن أن يُسمى الخط الثقافي الصاعد والنازل والمتدرج والمتغير لتَحلّ محلّه نقط مفترضة في الفراغ وغير محكية ومغطاة بطبقة نسيان غليظة. وهو، أي هذا البتر الثقافي، هو الذي يجعل من مفاهيم اجتماعية وسياسية معينة ذات دلالات مزدوجة ومشوشة من قبيل مفاهيم القبيلة والدولة والانتماء والطبقة ومن هو العماني ومن هو غير العماني في الساحة الداخلية لعمان. إن حديثا جديا عن هذه الأمور في صلب قضية الهوية العمانية التي لا بد أن تجد طريقها للساحة الثقافية وتحظى بالاهتمام  آجلا أو عاجلا حين سيحكم الواقع المعيش والإشكالات الحديثة بالحاجة الماسة إلى تفسير وتحليل الثقافة العمانية وغربلتها.

القول بجدة الحركة الكتابية والثقافية في عمان يستتبع قضية أخرى ما فتئ الجميع يرددها منذ أمد: هذه الجدة تعني أن الناتج الثقافي مهما تكن جودته وقيمته الفنية والفكرية ما زال في طور النمو وأننا بحاجة إلى رعايته وحمايته إن صح التعبير حتى يستقيم عوده وتتشكل فروعه. إن هذه مخاتلة واضحة؛ فحتى لو سلمنا جدلا أن قضية الجدة هذه قضية حقيقية وليست مفتعلة، كالعديد من القضايا الأخرى الترويجية والدعائية، فإن مضي أكثر من خمسة وثلاثين عاما على البداية المفترضة لحركة الثقافة الحديثة في عمان تخرجها من جدتها المفترضة، وتجعلنا أمام نتاج فكري وأدبي بحاجة إلى نقد حقيقي وغربلة حقة ليُعرف الغث من السمين من غير تدخل أرعن من قبل مؤسسات ذات عقليات مدرسية. لا تبدو هذه الجدة المتوهمة إلا آلية دفاع غير ناضجة، مِجَنّ نتقي به ضربات أسهم نقد صائبة.

إن هذا الفصل يجعل تلك العملية المتواصلة في صلب المجتمع وعقول أفراده المسماة بـ -الثقافة- حائرة وتائهة بين فجوات أجيال مفتعلة. فليس النتاج الكلي للأفراد في عمان هو نتاج المؤسسة التربوية فقط؛ فهؤلاء الأفراد إبّان دراستهم كانوا حتما يعودون إلى بيوتهم حيث يلتقون بالجيل المتقدم غير المُعترَف بثقافته والمهضومةِ حقوقه من غير مبررات. فنتاج العقول والنظرة الكلية للأشياء عند الكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي ليست بالتالي وليدة محور واحد هو المؤسسة التربوية والإعلامية بل هي متشابكة ومتقاطعة مع عوامل أخرى متجذرةوغائرة في الزمن. هذه النظرة، التي ربما استدعاء للمرح نسميها بالنظرة المدرسية للعالم، هي التي تؤطر حركة الثقافة التي تتبناها المؤسسة حتى الآن، النظرة المدرسية التي ترى باستمرار أنه ثمة مدرس ومشرف ومرشد وآمر وموجه هو الذي يمتلك الحقيقة العليا غير المشكوك فيها وغير القابلة للزعزعة في مقابل تلاميذ غير واعين لما يهمهم وغير مدركين للمعنى الحقيقي للعالم. المؤسسة تفترض سلفا أنها ضمن إطار تربوي يقف فيه المواطن والفرد تلميذا وليس ندا، مُعطَى ومُستقبِلا وموهوبا وليس ذا حقوق مدنية مقننة وواضحة. هذا الأمر ينعكس في الشأن الكتابي الذي ظل لفترة طويلة نسبيا واقفا أمام باب المؤسسة يستجدي الاعتراف والمباركة.

نتيجة لذلك فإن النشاط الثقافي هو «نشاط» في نهاية المطاف، وفعاليات من غيرما توجه حقيقي لتنشيط الفعل الثقافي. «سنحتاج إلى فعاليتين هذه السنة حتى نثبت أن المؤسسة باتجاهها الصحيح، أما ما عدا ذلك فلا حاجة لنا به». الشأن الكتابي والثقافي بالتالي يفقد مصداقيته وأهميته لأنه مجرد «نشاط» على هامش منهاج مقرر وأمور ذات شأن أعلى وأكبر. إن الكتابة مثلا تغدو ترفا يُعلَّق عليه بابتسامة متواطئة وتصفيقة مهذبة بينما تُفعَّل الأمور في أماكن أخرى (في غرف المدير والمدرسين)، وكل مدرس سوف يتباهى في النهاية بما قدمه تلاميذه الأوفياء.(الكثير من الجعجعة والقليل من الطحن).

هذا الدفع الداخلي في اتجاه تعميق الفجوة بين الثقافتين المقطوعة بخط زمني فاصل وحاد قَابَلَه دفع عالمي باتجاه تفعيل التراث وفلكرة (من فلكلور) الأنماط الثقافية وأنثربلجتها (من أنثروبولوجيا) الأمر الذي جعل الكُتّاب مثلا مسرنمين باتجاه ماضٍ لا يبت لهم بصلة ظاهريا؛ فهم في حاجتهم للاعتراف، وفي عملية تطوير ذواتهم الابداعية والفكرية، عرفوا أنهم لا بد أن يلتفتوا للقديم وللإرث الشعبي وللقرى السادرة على سفوح الجبال. الأمر الذي أنتج تلك المحاولات المهزوزة (حتى الآن) لتشكيل رموز واتكاءات أدبية وفكرية مصدرها القرية والعالم الهائم في التهويمات السحرية من غير فهم ووعي حقيقي لهذه الرموز والاتكاءات.  

وعلى ضوء هذه التفاعلات النابعة من الداخل والوافدة من مصادر أخرى نشأت تلك القضية التي شغلت ولا تزال تشغل الرأي الثقافي العماني والتي تُحزِّب المهتمين بالشأن الثقافي إلى حزبين: حزب محسوب على المؤسسة، من يسبحون بحمد السلطة والريال (إن صحّت عبارات مناوئيهم)، والبناؤون العاقلون (إن صحّت عباراتهم)، وحزب آخر يقف ضد هذه المؤسسة، المثقفون الأحرار (إن صحّت عباراتهم)، والتائهون بامتياز (إن صحّت عبارات مناوئيهم). طبعا لن يفوتنا هنا أن نشكّك في كلا الكلمتين المستخدمتين في الوسط الثقافي العماني، وهما كلمتا المؤسسة والمثقف. فالحق أن كلمة المؤسسة تحيل أمر الثقافة إلى جهة واحدة، وهو أمر ليس بصحيح؛ فالمؤسسة هذه تنقسم إلى دوائر حكومية ومديريات وأفراد ذوي توجهات مختلفة، وفي أحايين كثيرة إلى أناس بعينهم من غير أن يكون هؤلاء قادرين فعلا على البتّ في أي شأن ثقافي حقيقي، ومن جملة هؤلاء كتابٌ هم أيضا يرون أنفسهم واقفين كأعلام على جبل الثقافة الهائل. في المقابل يندرج تحت كلمة مثقف كل من قام بالكتابة حتى وإن كان ذلك من أجل أن يطرح خاطرة ما في صفحات بريد القراء. ويفتعل معظم الكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي أهمية الثقافة التي ينتجونها والأفكار التي يطرحونها (حتى وإن خلت من الأصالة والابداع)، ومن جملة هؤلاء من هم في صلب المؤسسة الثقافية المفترضة.

هذه الزوبعة إن صحّ التعبير، والجعجعة إن صحّتْ طريقة السخرية، تجعل بؤرة الرؤية ترتكز على محور المؤسسة- المثقف تاركة على الأطراف قضية أهمية النتاج الأدبي والفكري وجودته بالمقارنة مع الراهن الثقافي العالمي والعربي. وقد ولّدت هذه القضية قضيتين هامتين هما: الرأي العام العماني (رأي الشارع) في معنى الثقافة وأهميتها، والاحساس بالاضطهاد (بارانويا المثقف العماني) الذي يتفشى بين المثقفين مثل داء معد يُحدِّره سلفهم إلى خلفهم.

فأما عن رأي الشارع العماني في من هو المثقف وما هو دوره وما هي أهميته فإن هناك صورة نمطية تتشكل عن لا جدوى الثقافة العمانية أو حتى انعدامها مقارنة بما عليه الثقافة في بلدان أخرى عربية، وهم لا شك خاطئون إذ يحكمون هكذا بترجيعة صوت واحدة أنه لا ثقافة كتابية ذات مغزى حقيقي وذات هدف أصيل. لكنّنا لن نعدم أن نجد لهم العذر فإن الصحافة التي تضخم الكُتّاب والمثقفين من خارج الوطن ذات غزارة أكبر، وتَظهر باستمرار أسماء نقاد كبار وهم يروّجون لكتب ونتاجات أدبية وفكرية ليست بذات قيمة عالية أحيانا، لكنّ المتلقي العام المُسوق بسطوة الإعلام لا يهمه في النهاية إلا عدد صور الكاتب التي نشرت في الجرائد والصحف، وكم مرة قدّمه وقدّم له ناقد كبير، وما هو المكتوب على غلاف كتبه من إنجازات، ونحو ذلك من الشكليات التي تُخفي تفاصيل بورتريه الكاتب الحقيقية. ثم أن المتلقي العام لم يتخذ بعدُ أبعاده الفعلية، وكلمة من مثل رجل شارع (بالمعنى الإيجابي) في عمان ليست بعدُ ذات معنى متحقق كليا بل لربما نقول متفائلين أنها في طور التحقق. إن هذه الرؤية الانهزامية (إن صح الوصف) هي وليدة تصور أن المجتمع ما زال يحمل في داخله نزعات تخلفية، وأن نقصه واضح للعيان، في مقابل الآخر المتحقق كتابيا وثقافيا، وهي نظرة تعميمية ذات أبعاد مغلوطة. لكنها، أي هذه النظرة الانهزامية، ليست قاصرة على الشأن الكتابي والثقافي بل تمتد لتشمل حقولا أخرى كثيرة، وهي ربما تكون نابعة من أخطاء المؤسسة من جانب في إنماء الطابع الاتكالي لدى الأفراد، ونابعة كذلك من ذلك التذمر الذي أضحى علامة نضج (أنت فاهم جيدا إن كنت تتذمر كثيرا). لكن مع هذا وذاك فإن الرأي العام يتّبع في الأعمّ الأغلب تلك الشائعات المُغرِضة التي تُسوّق بغزارة من أن ثمة كتابة وثقافة يصنعها كتاب ومثقفون لا هم لهم إلا الهدم والتشويه. والمثقف النمطيّ لدى العديد هو ذلك القابع في الحانات الضارب بالتقاليد المتوارثة والأعراف المتداولة عرض الحائط والغارق في تهويماته الخاصة وخيالاته المريضة. في المقابل فإن النخبة (التي تقرأ بتمعن وتحاول أن تكون عادلة في تصوراتها) ترمي بكامل العبء على من تسميهم مثقفين، وترى فيما ترى أن وظيفة الكاتب والمثقف ليس فقط فعل الثقافة والكتابة والتغيير بالقلم بل يُلقون على عاتقه أسباب التخلف جميعها وأنه القادر على فعل المستحيل وتطوير المتخلف وتنوير المظلم. وبالتالي فإن انعدام تحقق هذه التوقعات ما هو إلا دلالة واضحة على ضعف هذا المثقف وعدم فعاليته. وهم هنا بالذات يُدخلون إلى الصورة قضية الخلافات الشخصية الكائنة بين المثقفين والكتاب. وبناء على هذا ينقسم هؤلاء إلى مع أو ضد هذا المثقف أو ذاك، ومع أو ضد المؤسسة في الصراع المتوهم.

أما بارانويا المثقف العماني فهي مزيج من الإحساس بالعظمة والإحساس بالاضطهاد من قبل الآخرين: المؤسسة الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومما هو لافت للنظر أن الحديث عن مسألة الاضطهاد والقسر والقطع والرقابة تحتل مساحة في المناقشات السائدة في الأوساط الثقافية أكثر مما تحتله مسائل الثقافة ذاتها. بل وأحيانا تمر على الجميع إصدارات جديدة فكرية أو أدبية جادة من غير ان تستولي على اهتمام أحد في حين أن قضية الاضطهاد والاحساس بالغبن تظل متألقة وتذكيها بين الفترة والأخرى أقلام الكتاب ذاتهم وتضخيمهم لحجم الضغط والقلق الذي يجابهونه من جراء فعل الكتابة: هذا القدر المحتوم الذي يعصر المعدة من الداخل، ويُلقي بالمثقف غارقا في لجة هموم الوطن والانسانية المعذبة. هل سنبتعد عن الحق لو قلنا أن الاحساس بالاضطهاد هو من أهم الاسباب الدافعة والمحركة للكتابة في عمان؟ إن الاحساس بالاضطهاد هو الوجه الآخر للإحساس بالعظمة وبالأهمية. وقد يُحتج أن مثل هذه الأحاسيس عوامل طبيعية ومتوفرة بكثرة لدى معظم الكتاب، داخل عمان وخارجها، فليست القضية إذن غير الطبيعة التي للكتابة التي تلقي بظلالها على نفس الكاتب وتحيله مصابا بتوهم لعظمة مرجوة بحق وبدون حق. إلا أن هذا ربما يكون صحيحا لو كانت الادعاءات والعظمات المتوهمة متناسبة إلى حد ما مع نتاج الكاتب أو المثقف لكن أنْ يكون ذلك بشكل غير متناسب وغير متناسق فلربما كان بالتالي مدعاة للتساؤل إن لم يكن وسيلة لمجابهة قلة الإبداع وانعدام القدرة على الكتابة؛ فالاضطهاد معناه أننا قادرون على الكتابة والفعل الثقافي، «لكنْ ماذا يمكن أن نفعل في ظل مثل هذه الأوضاع؟»، «كيف أستطيع أن أكتب من غير أن تتوفر لي الحرية الكافية للكتابة؟!». ولكأن الحرية ليست من المكتسبات التي تنجزها الكتابة  بل هي شرط سابق، ولن تحصل الكتابة إلا بعد أن تتوفر الحرية بكاملها. وقد يكون في هذا الأمر أخذ ورد لكنّ الجميع ربما يوافق على أن فقدان الحرية وتدخل الرقيب ليس أمرا تحتكره السلطة والمؤسسة الثقافية، أي من هم في كراسي القرار الصحفي والمؤسساتي، بل إن هذا الفقدان قائم بالصيغة الاجتماعية المعيشة وبالواقع البشري الكائن في هذه البقعة من العالم. أي أن إصبع الفساد والتخبط التي يُشار بها إلى المؤسسة بشكلها الرسمي يجب أن يُشار بها كذلك إلى مؤسسات مجازية أخرى من بينها العقلية الاجتماعية والنمط القبلي والجغرافيا وأشياء أخرى كثيرة تجعل من أمر الكتابة والثقافة رازحة تحت نير الاستبداد (إن وصلنا بالكلمات إلى مداها العنيف).

ثمة أمر مرتبط أشد الارتباط بمحور المثقف\ المؤسسة وهو النزاعات الشخصية، أو سوء التفاهم (إن كنا مهذبين كفاية)، والذي يطالب المثقف والكاتب علناً بتبني هذا الموقف أو ذاك، أو بالوقوف على هذا الطرف أو ذاك. ولكأن الوحدة والاتحاد يجب أن تشمل المثقفين فيقولون قولة واحدة كل مرة تُعرض عليهم مسألة ما. وهذا تضييق وشخصنة للمواقف الثقافية بقدر ما هو اشتغال بسفاسف الأمور. وهو إلى هذا منع من التعددية المثرية التي وجودها علامة صحية في أي بناء ثقافي مكتمل وناضج. إن المنطقة الجغرافية صغيرة، وحين تضيق الجغرافيا يحتدم الصدام، ويصبح طبيعةً جائزاً لقلة الموارد، لكنّ ما هو غير جائز أن تتحكم أهواء فردية وصراعات شخصية على أغلب الساحة الثقافية وتحجب عن الأنظار النتاجات الجيدة والجهود الجميلة. وهذا ما يجعل من المواقف والتوجهات التي يتبناها البعض تبدو مجانية وظالمة. لا بد أن نتفق بداية أن كل مثقف وكل كاتب له وجهات نظره وشخصيته المستقلة، وهو الذي يجب ان يقول ما إن كان يريد أن يجعل من نفسه في إحدى طرفي المسألة أو المشكلة المثارة، لكنّه مع هذا يتمتع بكامل الحقوق أن يقول «أن هذا الأمر خارج عن دائرة اهتماماتي» أو «أنني أحبذ ان أكون صامتا هنا». ولا يجب بعد ذا أن نحكم على نتاج هذا الكاتب من مجرد ردات أفعاله حول أمور قد لا تدخل في دائرة اهتمامه. (من أغلق بابه عليه فهو مثقف، ومن شحذ قلمه فهو مثقف، ومن قال لا أدري فهو مثقف!). إن ما ينبغي إشهاره أن الصمت ليس دائما منقصة وجبنا وليس هو حكمة مفتعلةوخيانة للجماعة كما يحبذ البعض أن يقول؛ فلكلٍ بعد ذا طريقته في الاحتجاج.

إن من الملاحظات المثيرة للانتباه أن المشتغلين بالهمّ الثقافي في عمان هم إما صحفيون وإما أدباء، ويَغيب أو يُغيّب عن المشهد، إلا ما ندر، الأفراد الآخرون السياسيون والاقتصاديون والمفكرون والمتفلسفون. وهذا أمر ربما يُعلَّل كون الشأن الثقافي عموما، وحتى الآن، مجال ملتصق بالكتابة، وبما أن كلا الطرفين يمارس الكتابة صنعةً ووظيفةً وهوايةً فإنهم الأكثر وقوعا في شرك الاهتمام بالثقافة. لكنْ بسبب أن هاتين الفئتين تتعاملان بشكل خصوصي مع اللغة والأساليب فإن التوجه الفكري يقف أحيانا رهين حركتين: حركة احتقار اللغة وغوغائيتها الصحفية ومنح الكلمة أقل مما تستحق من أهمية، وحركة تضخيم اللغة أدبيا وإعطاء الكلمات أكثر مما تستحق في عالم الفكرة والثقافة بحيث تبدو الفكرة المطروحة شيئا ثانويا.

ولعلنا ننتقل الآن إلى مسألة أخرى جديرة بالانتباه ومرتبطة بشكل كبير بالأقوال سالفة الذكر: تلك الثقافة التي أسميناها في مقدمة المقال بالتقليدية، والتي قلنا أنها تهتم بالفقه واللغة والعقيدة وبعض العلوم الدنيوية والآداب، هل هي حقا ذات قيمة؟ إن هذا السؤال ليس سؤالا تحقيريا، كما قد يبدو في صيغته الظاهرة، بل هو سؤال تشكيكي يُراد به التشكيك في الأهمية من أجل الإثبات أو النفي؛ فإن المقولات الجاهزة سلفا والمُقولبَة تدّعي الأهمية الكبيرة لهذا التراث، وهذا أمر قد يكون صحيحا وهو مما يثلج الصدر(في بلد ترتفع فيه الحرارة حد ذوبان الأدمغة)، ويجعل الجيل الجديد قادرا بعنفوان ورغبة متوثبة أن يحاول أن يَصِل نتاجه بذلك النتاج التراثي العظيم. لكنّ الحق الذي يجب أن نجابهه بشكل مباشر هو أننا لم نحقق تراثنا  بشكل جيد حتى الآن، وحين نقول تراثنا فإننا نعني التراث العماني الذي كان معزولا إلى حد كبير بالجبال وبالجغرافيا القاسية وبالعوامل السياسية من أن يجد طريقه إلى عامة العرب فيصبح تراثا مشتركا وعاما. إن التاريخ العماني بأكمله محتاج إلى إعادة صياغة إن لم يكن إلى إعادة تمحيص وتدقيق، ليس فقط حتى يتسنّى لنا نحن الجيل الجديد أصحاب الثقافة الجديدة الناهضة (إن سبحنا مع التيار بمرح) أن نقرأ هذا التراث بل حتى نعرف الحقيقة التاريخية والأدوار التي عيشت على هذه البقعة من العالم ومن أي السلالات المجيدة أو العنيفة أو المتسامحة تحدّر هؤلاء الأفراد. إن البحث في التاريخ العماني حتى الآن كان يتضمن فيما يتضمن اتفاقا سريا بأنه مضيء وساطع ومثال يُحتذى لذا فإن غربلةً حقيقيةً وقسوةً عادلةً مما يمكن أن يُوضّح العديد من الأمور الملتبسة، ويفتح لنا آفاقا حقة في فهمنا لسيرورة التاريخ العماني وتطوره أو تدهوره.

لنفترض أن أحدهم عالما كان أو باحثا أو ناقدا تطلبُ منه مؤسسة عمانية أن يقوم بعملية البحث والاستقصاء حول موضوع معين يمسّ التاريخ العماني أو الأدب العماني أو يحقق في أمر تراثي بعينه. إن المؤسسة، بعيدا عن كل ما يمكن أن يكون دافعها الحق في فعل الاستكتاب هنا، إنما تقول أمرين مهمين: أولهما عدم وجود هذا الباحث أو الناقد أو المستقصي داخل الوطن العماني لذا كان اللجوء إلى الخبرة الوافدة من أصقاع أخرى، وهذا بحد ذاته ليس منقصةً إن لم تُستمرَأ العملية ويصبح الآخر دائما هو المحقِق والمُدقِق في التراث. ولن يفوتنا هنا أن العالمَ عالمٌ مهما تكن أوطانه، لكنّ العلماء، كالمؤسسات، إنما تعتورهم هنات هذا الزمان وفعل الكينونة البشرية والطبيعة النفسية للكائن الخيّر/ الشرير الذي يبحث فيما يبحث عن مصالحه الخاصة. الأمر الثاني الذي يتضمنه إحضار هذا المحقق والمستقصي من الخارج أنه يجب ان يكون بعد كل هذا شاكرا وفاهما إلى حد ما «أننا» لا نريده ليقول لنا شيئا سيئا بل يُحبَّذ، ويُحبَّذ بشدة، أن يقول كلاما مبهجا وجيدا ويدفع بكل معلومة شائنة إلى الهوامش(إن لم يستطع أن يدسها بين طيّات النسيان)، ويضع أخيرا تلك النبرة التفاؤلية المدرسية بوضوح في المتن. وهذا هو الذي حدث ويحدث بالفعل من قبل نقاد ومؤلفين وباحثين؛ فهؤلاء حين الحديث عن عمان والتاريخ العماني والتراث العماني، لا يكونون مستقلين بآرائهم فيقعون بين فكّيْ ضرورة شرسة؛ فهم  (أو بعضهم) لا يريدون أن يقولوا غير الحق، وهم لا يريدون أن يخسروا الجهة المُموِلة، فإما أن يبيعوا ضمائرهم للشيطان، ولن يخسر أحد ما شيئا في النهاية (وإذا كان أصحاب الأمر راضين فلماذا تحشر أنفك أيها الغريب؟ وهل تريد أن تكون عمانيا أكثر من العمانيين؟). وإما أن يتشبثوا بضمائرهم المهنية، فيحاولون قدر الإمكان أن يُمسكوا بالعصا من منتصفها فيضخّمون ما هو جيد ويسترون ما هو سيء فتبدو الصورة على الشكل المُبتغى. وهنا كمنت وتكمن مشكلة يواجهها الكتّاب، فهؤلاء لأنهم عمانيون، إما أن يُغدق عليهم فيض من المديح الفارغ من قبل مرتزقة مُسفّة، أو أن يُصب عليهم سيل من اللعنات من قِبل مناوئين يحسبون أنه لا يستطيع شعب يعيش في أطراف الصحراء أن يكون منتجا. إن قضية المركز والأطراف التي تم إشباعها كلاما وأريق حولها مداد كثير لا تزال فاعلة هنا. وهذه بحد ذاتها مشكلة، فمن قائل أن الأدب والفكر الجيد لا يحتاج إلى وسيط وأنه يفرض نفسه بنفسه، ومن قائل أن هذا كلام حقيقي لو كانت النتاجات العربية والعالمية تُواجَه بنفس القدر من النقد والدعاية والإعلام، لكن ما دامت الحركة الثقافية يجب ان تُوصل بطريقة أو بأخرى إلى الآخرين فإن الإعلام ولعبة السياسة الثقافية هي الأخرى لها دور كبير. ولعلّنا هنا ربما ندلل بقضية الكتاب العرب الذين اشتهروا عن طريق كتاباتهم بلغة أخرى، ثم بعد ذلك تترجم أعمالهم بعد إضفاء المجد الغربي أو الأجنبي عليها، فيكتشف شعب بأكمله أن لديهم كاتبا جيدا كان مركونا على الرف ومدفوعا إلى الهامش حتى أشار له الغريب بإصبع الاحترام. وإذا كان هذا الأمر واضحا في بلدان تُتهم أحيانا بالثقافة الحقة، أو بالحراك الثقافي والإعلامي، فإن وضعا مثل هذا هو أكثر وضوحا في بلد يشكو من قلة الحراك الثقافي والإعلامي. ما أريد أن أقوله هو أن الطرف الثقافي العماني لم يُعط بعدُ حقه من النقد والاعلام وأنه لا يزال بعدُ حبيس جباله وأوديته، وحبيس عقليات إعلامية تريد أن تسكت المثير وتخرس المدوي وتحجب النور كيما يعيش العالم في اطمئنان وسلام، وكيما ينزرع في العقول نمط واحد وأسلوب واحد ووسطية عقيمة تُركس الابداع وتردم منابته. وحتى أولئك المشاغبين في بلدانهم، والذين كانوا ربما حاولوا يوما ما أو ما زالوا يحاولون ويحلمون بأمور اكثر عدالة وبسياسة أكثر حكمة، حتى هؤلاء، حين تقذفهم أقدارهم ذات مرح قاس إلى هذا الطرف من الصحراء فإنهم يتحولون إلى دعاة مسالمة وهداية وأطراف نخيل لدنة، فلكأن الجغرافيا بكامل قسوتها تُحيل هذا القادم من بلاد أخرى إلى خامة لدنة وتدرجه بلا هوادة في أنظومة الصمت والصحراء والشمس والجحيم.

لقد كانت الثقافة في عمان (أي الحديثة) ولا تزال محمولة على أكتاف الأدباء وهذا أمر خطير. فالأدب عموما ذو رسالة مشوشة؛ إننا لا نستطيع أن نصفه بأنه عمل بنّاء. وانما هو يميل أكثر ما يميل إلى الهدم حين يكون جادا. فأنظر إذن إلى ما يمكن أن يستحوذ على المشهد برمته حين يكون الأدباء عماد ثقافة الأمة وعمود خيمتها. إن هذا ليس انتقاصا من شأن الأدب ولا من شأن الأدباء لكنْ لكل شيء طبيعته وعمله وسيرورته، والأدب يقلب الأشياء ويريك ما لا تراه العين فهو مثل عدسة مكبّرة ومرايا عاكسة وحلم بالمستقبل، وإنه، أي الأدب، ليس هدفه البناء المنظم، وإن كان شيء أقرب إلى فحوى الأدب فهي اللاجدوى التي يستشرفها كل من عرف الإنسان واستطاع أن يلج داخل ثقوب ذواته وأنفسه. فإذا سلّمنا أن الوضع ليس كاملا وليس متطورا وليس واصلا وليس جميلا وليس متقدما فإن الحاجة الماسة تكون أدعى إلى ما هو بنّاء وما هو رافع وما هو منشّط، وإذا سلّمنا أن الأدب يفعل الهدم أكثر من البناء (على المدى الزمني القصير على الأقل) فإن الثقافة العمانية ربما، وأقول ربما، تكون في خراب. ولعل ما يجب أن يوازي هذا المعول الهادم في الثقافة وجود فئة المفكرين والمشتغلين بالفلسفة والعلوم الاجتماعية والانسانية والعلوم الطبيعية؛ فأولئك الأدباء يهدمون القديم ويكسرون ويخربون لكي يأتي هؤلاء فيبنون على أنقاضهم فتكتمل بالتالي فلقتا الحياة والموت والعبور والخلود والعدم والوجود، ويتضح بعد هذا القتام مشهد أكثر جمالا. في عمان كان الأمل معقودا (بخيبات شديدة العنف) على الجامعة وعلى خريجي الجامعة في أن يقوموا هم بهذا الدور فيبحثون ويحققون ويبعثون من تحت الأنقاض تراثا منسيا ويصلون ما انقطع ويوطِّئوا للجيل الذي بعدهم. لكن ما حصل أن الجامعة بالذات والمعاهد العلمية (العالية إن صح الوصف) ربما تكون عاملا سالبا في البناء الثقافي في أسوأ الأحوال، وربما تكون عاملا صفريا في أحسن الأحوال؛ فهي تحيل الأشياء والأفكار والناس إلى أصفار، واجهات شكلية وبناء فخم مهيب من الخارج وأجوف من الداخل (بئر معطلة وقصر مشيد).

إن هذه الفوضى التي يقذفها هذا المقال في الفراغ الأبيض (أو أيا كان لونه) لهذه الصفحات أو يحاول أن يقذفها ليست دلالة على سوء وليست دلالة على حُسْن، لكنها نتف مشظاة من هذا المشهد، وقد تكون هذه النتف جارحة ومُدمِية، لكننا يجب أن نكون قساة مع أنفسنا إن كنا لَننتج شيئا جيدا وذا بال، أما إن كنا لَنرضخ أمام تكالب الحياة وعنف قيد الزمن ووطأة شمس الصحراء وعنت لعنة الجغرافيا وظلم ذوي القربى فلن نكون إلا خاضعين وراكعين، عبيدا لظلم قدر قاهرلا فكاك منه، وغير راغبين في حركات رافعة تقذفنا وتدفعنا باتجاه عالم أكثر حرية وأجود ثقافة.

 


تصميم الحاسب الشامل