اللهجات العُمانية المتأصلة بأذواق أوروبية ناقدة
جغرافية اللهجات كما رصدها: روجر وبستر  وكلايف هولز

 

خـــالصة الأغبرية


كانت اللهجات العربية ولا تزال موضع فخر واعتزاز العربي في شبه الجزيرة العربية، فهي تشكل جزءا لا يتجزأ من هويته وثقافته وتراثه الضارب في أعماق التاريخ، ويُستدل من خلالها على أصول القبائل العربية وهجراتها المحلية. وعلى الرغم من اختفاء الحدود، وتداخل المناطق العربية بعضها ببعض، وبالتالي احتمالية الاحتكاك بسكان المناطق المتاخمة، إلا أن العربي ظل محتفظا بخصوصيات لهجة المنطقة التي ينتمي إليها، واستطاع بحدسه وقوة ملاحظته أن يُرجع كل لهجة إلى موطنها الأصلي، لاسيما عند الالتقاء بالغرباء من المناطق المتاخمة.

ولئن كانت الاختلافات التي تميز لهجة عن غيرها في شبه الجزيرة العربية طفيفة جدا ويصعب قياسها في أحيان كثيرة، نظرا لتقارب الأمكنة وظهور بعض المفردات والتراكيب اللغوية في أكثر من لهجة بعينها، إلا إن وجود مثل هذه الاختلافات يضفي ثراء ثقافيا ولغويا بعيدي المدى، فمما لا شك فيه أن الاحتكاك بين القبائل العربية ساعد على نشوء لهجات أخرى تجمع تراكيب ومفردات لهجتين أو أكثر مما أدى إلى تنامي اللهجات العربية وتمايزها.

 

تعرضت عمان شأنها في ذلك شأن باقي مناطق شبه الجزيرة العربية لتيار مستمر من الهجرات العربية التي ما لبثت أن استقرت في الأماكن الجبلية والصحراوية في عمان، محتكة بطبيعة الحال بالسكان الأصليين، مما أكسب ذلك خصوصية فريدة لعمان حيث امتزجت ثقافتها ولهجاتها مع من احتكت بهم وانصهرت لهجات عديدة في بوتقة واحدة أكسبت لهجات عمان ثراء تاريخيا ميزها عن غيرها من لهجات شبه الجزيرة العربية وظلت في الوقت ذاته محتفظة بخصوصياتها اللغوية الأساسية.

تمتاز اللهجة العمانية (أو بالأحرى اللهجات العمانية) بعفويتها وسلاسة تراكيبها اللغوية التي بلا شك تعكس أصالة أهلها وبساطتهم ونطاق تفاعلهم مع من حولهم، واستقطبت هذه اللهجات دراسات لغوية تبناها أوروبيون لم تسحرهم طبيعة عمان الخلابة بصحاريها وجبالها وتقاليد أهلها فحسب، وإنما استهوتهم ايضا لهجاتها المتميزة. وكان من أبرز أولئك روجر وبستر (Roger Webster)  وكلايف هولز (Clive Holes) وروبرت راكتليف  (Robert Ractliffe) وجياكر (Jayakar). وسأترجم  ما كتبه بعض من هؤلاء حول اللهجات العمانية وأبدأ أولا بدراسة وبستر للهجة أهل البادية في رمال آل وهيبة، وسأتحدث  عن دراسة هولز.

وبالرغم من شمولية هذه البحوث ودقتها إجمالا، وتطلع الباحثين الغرب إلى إبراز النواحي اللغوية مقترنة بدراسة تفصيلية لحياة أهل عمان وتقاليدهم، إلا أن بعضها يوصف بالرتابة وسوء تنظيم مادة البحث، ولا يتعدى بعضها الآخر كونه قواميس تضم المفردات المكونة للهجات العمانية الدارجة ومعانيها دون النظر إلى السياق الذي تُستخدم فيه هذه المفردات ومدى قربها أو بُعدها من الإطار التصنيفي للهجات شبه الجزيرة العربية، كما يهمل بعضها بيان المنطقة التي يستخدم فيها مفرد بعينه، فكما نعلم أن عُمان مترامية الأطراف وتنقسم جغرافيا إلى مناطق وولايات وما يستخدمه سكان منطقة بعينها قد لا يعرف معناه سكان المناطق المجاورة، الأمر الذي يجعل ترجمتها جميعها صعبا ومشوشا. لذلك آثرت انتقاء ترجمة الأنسب من هذه الدراسات من حيث تنظيم المادة البحثية والتخصصية والشمولية.      

سأنقل ما كتبه وبستر عن حياة آل وهِيبة وسمات لهجتهم المحلية، وسيتضح للمتتبع لهذه الدراسة أن وبستر لم يقدم وصفا كاملا للهجة آل وهيبة فحسب، وإنما ألقى الضوء على بعض الخصائص اللغوية والإثنوجرافية (المتعلقة بجغرافية المنطقة وأصول سكانها العِرقية) التي يتضمنها سياق جنوب شرق شبه الجزيرة العربية بأكمله والتي تعد رمال آل وهيبة جزءا لا يستهان به من مساحتها الشاسعة.   

في الفترة (1985- 1987) شارك البريطاني روجر وبستر (Roger Webster) في دراسة استكشافية متعددة الأغراض لرمال آل وهيبة نظمتها الجمعية الجغرافية الملكية في بريطانيا بالتعاون مع ديوان البلاط السلطاني في مسقط، واستطاع وبستر خلالها التنقل في رمال آل وهيبة بشكل واسع، وزار القبائل البدوية التي تقطن شمال وشرق تلك الرمال الفسيحة، وكان من ضمن القبائل التي تعرف عليها وبستر قبيلة آل عامر وآل بوعيسى والحكمان والهشم والجنبة، وتهدف دراسته الى رصد الحياة الاجتماعية والإثنوجرافية في عمان، كما تُعّد هذه الزيارة دراسة لغوية تسعى إلى توثيق لهجة بدو آل وهيبة  وإدراجها ضمن إطار تصنيف اللهجات العربية المتعارف عليه. وأرى أنها -إضافة إلى ذلك- فرصة للفت أنظار الباحثين والمهتمين بالدراسات العربية إلى ما تتميز به عمان من بُعد لغوي يستدعي سبر أغواره وتسليط الضوء عليه.   

ويقول وبستر مبينا نُدرة الدراسات اللغوية للهجات بدو عمان في الفترة التي أجرى فيها بحثه «لم يُعرف سوى القليل عن البدو الذين يعيشون في هذا الجزء من عمان قبل مشروع رمال آل وهيبة، فقد قام هولز  (Holes)مؤخرا بنشر أمثلة للهجات الدارجة هناك، واقترح مخططا تصنيفيا يُعد أساسا لدراسة جغرافية اللهجات في شمال عمان (هولز 1989)، في الوقت الذي نالت فيه لهجات البدو في وسط وشرق الجزيرة العربية نصيب الأسد ذلك لأنها دُرست وصُنفت بشكل أكبر من غيرها (هولز 1983، انجهام 1982 (أ)و(ب)، جونستون 1961 و1964و1965 و1967)، وقد أظهرت الدراسات المقارنة التي أجريت للتعرف على توزيع بعض الخصائص اللغوية للهجات الحالية أظهرت اهتماما بهجرات السكان في الماضي، وأكدت ما رصده التاريخ وأعراف الشعوب التي تناقلتها أجيال تلك المناطق. فقد توافدت الهجرات البرية (عن طريق البر) للقبائل العربية إلى عمان منذ فترات الإسلام الأولى إلى وقتنا الحالي ( إلى عام 1987، المترجمة) متخذة طريقين للنزوح إلى عمان أحدهما: طريق شمالي يبدأ من شمال الجزيرة العربية ويمتد على طول الخط الساحلي للخليج العربي ويشمل حاليا الإمارات العربية المتحدة، وثانيهما: طريق جنوبي يبدأ من حضرموت وظفار ويغطي أطراف الربع الخالي (ويلكسون 1985، دوستال 1967) وتشترك اللهجات الموجودة في عمان حاليا في بعض خصائصها اللغوية مع اللهجات المنتشرة في هذه المناطق، كما تتمتع بخصائص أخرى تميزها عن هذه اللهجات».

وفي محاولة لمعرفة أصل آل وهيبة وخط نزوحهم إلى عمان يقول الباحث «لم يستطع رواة آل وهِيبة (ممن اعتمد عليهم وبستر كمصدر لدراسته اللغوية، المترجمة) الاستشهاد بأعراف تسوق أصول قبيلتهم وأصروا أنهم كانوا دائما من البدو الذين استوطنوا رمال بني وهيبة منذ زمن طويل بينما نزحت القبائل الحضرية المحلية كالحجريين حديثا من اليمن، كما ادعوا أن منطقة آل وهيبة تمتد على نحو كبير إلى الجنوب لتشمل ساحل الدقم الذي أخضعته قبيلة (الجنبة) لحدودها، وربما يفترض القارئ أن منطقة آل وهيبة قد خضعت لانجراف تدريجي يماثل ما تعرضت له قبائل جنوب ووسط شبه الجزيرة العربية. يحمل أحد أجزاء آل وهيبة اسم البحارنة (مفرده بحراني)، ويشير ذلك إلى احتمال احتواء المنطقة على أعراف بحرينية الأصل. ومن الناحية الثقافية عموما فإن آل وهيبة يمتازون بخصائص قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية».

وحينما تحدث وبستر عن لهجات البدو كمؤشر ثقافي، أسهب قائلا « نشأت معرفتي باللهجات البدوية في قطر والسعودية وخاصة من خلال احتكاكي بقبائل آل مرة، لقد أحسست بالرضى حينما قادتني لقاءاتي الأولى بقبيلة آل وهيبة إلى الاعتقاد بأنه على الرغم من اختلاف لهجتها عن لهجة قبيلة آل مرة في نواح عدة- أهمها على الإطلاق نطق «الجيم» «ييم» وتفاوتها على مستوى المفردات الدارجة بين البدو عامة إلا أن لها نبرة مألوفة نسبيا للعربية المستخدمة عند الشعوب الحضرية في مسقط والقرى والمدن الصغيرة الواقعة على حدود رمال آل وهيبة، وكم كانت سعادتي غامرة حينما اكتشفت أن سكان آل وهيبة يتفقون معي في الرأي، فقد ساعد ذلك دراستي كثيرا. وأرجع بعض سكان آل وهيبة لهجتي العربية المختلطة إلى بدو الغرب «السعودية».

 ويعلق وبستر على الأنشطة الاقتصادية التي تمارسها القبيلتان كمصدر للبقاء في الصحراء قائلا «لا تلتقي قبائل آل مرة وآل وهيبة عادة في أنشطتهم الرعوية وإنما يقضي الفتيان من قبيلتي جنوب شرق الجزيرة العربية سنوات عديدة في الخدمة العسكرية التي عادة ما تتخذ الإمارات العربية المتحدة وقطر مقرا لتدريباتها. وتعتبر القوات المسلحة والمنشآت الأميرية في الجزء السفلي من الخليج ملتقيات مشتركة للعالم البدوي الذي يشمل مناطق بدوية وقومية واسعة النطاق.»

«لدى البدوي وعي حاذق «باللهجة» إذ يعتبرها دليلاً يتعرف من خلالها على هوية القبائل، حيث يعد عيبا أن يُسأل الغريب بشكل مباشر عن أصله وقبيلته. وإنما يعتمد البدوي على الملاحظة الدقيقة والتخمين الصائب ليتعرف على هوية الغريب. وقد أدت الطبيعة المكشوفة التي تتسم بها حياة البدوي قديما إلى الموت في أيام الغارات والنهب، أما اليوم فإن من سيم البداوة الاحتفاظ بمخبأ ملائم في حالة وجود الغرباء، هذا ويتم تخمين قبيلة الغريب اعتمادا على لهجته ولباسه وهيئته الخارجية في نهاية اللقاء وتتخذ طابع اللعبة المسلية، وتكلل هذه المهمة بنجاح عند معرفة صيغ الترحيب التي يستخدمها البدوي الغريب بالتفصيل، والتي تكون بدرجة أكثر في اللهجات البدوية عنها في الحضرية، وكلما ازدادت صيغ الترحيب تفصيلا وقياسا قلت مصادفة استخدامها بالشكل الصحيح، مما ساهم في معرفة القبيلة أو المنطقة التي ينتمي إليها هذا البدوي بشكل أدق. وتعد صيغ الترحيب والردود عليها (سواء معروفة أو مجهولة) أدلة يتعرف البدوي بواسطتها على من هم من نفس قبيلته ويكتشف الغرباء، ويحفظ الأطفال هذه الصيغ عن ظهر قلب كجزء من ترويضهم وتربيتهم على الاحتكاك بعالم الكبار في المجالس.»

ثم يتحدث وبستر بشيء من التفصيل عن اللهجات العمانية معتمدا في تقسيمه لهذه اللهجات على تصنيف هولز (1989) الذي قسم لهجات عمان إلى أربع مجموعات شأنها في ذلك شأن قبائل شبه جزيرة العرب: اللهجات الحضرية ويستخدمها سكان الجبال من جهة واللهجات البدوية لسكان البادية والصحراء، وبالتالي خلص هولز إلى وجود المجموعة البدوية (أ) والمجموعة البدوية (ب) والحضرية (أ) والحضرية (ب). وما يهمنا في هذا السياق هو ما ذكره هولز عن لهجة بدو آل وهيبة حيث قال «قبائل عمان البدوية تتحدث اللهجة البدوية (ب) وتتضمن قبائل آل وهيبة والجنبة والدروع والحراسيس» وتتميز اللهجة البدوية (ب) بنطق الجيم قاف (وجدت تعارضا بين ما ذكره المؤلف عن لهجة آل وهيبة في بداية حديثه والآن، حيث قال سابقا بأن آل وهيبة ينطقون الجيم ييم، المترجمة) ونطق الياء جيم معطشة.

أكتفي هنا بترجمة ما يتعلق بلهجة آل وهيبة، ثم ألحقه بالتصنيف  الكامل للهجات عُمان الذي كتبه هولز.

ولن أقوم كذلك بترجمة ما أورده وبستر حول لهجات البدو إجمالا إذ يعد ذلك خارج نطاق الموضوع وإنما سأوجز ما قاله عن لهجة آل وهيبة. لقد توصل وبستر إلى بعض الملاحظات العامة التي تمتاز بها لهجة بدو آل وهيبة، كما سجل بعض الاختلافات التركيبية والاصطلاحية التي تميز لهجة هؤلاء البدو عن بدوان الغرب (كما يطلق عليهم وبستر، المترجمة). لا يوجد حرف الجيم في لهجة آل وهيبة عموما إلا في المفردات الدخيلة مثل «جيش» و«جندي» و«جواز» التي يطغى استخدامها في اللهجات الحضرية (والتي فرض التطور الحضاري الذي تمتعت به عمان في تلك الفترة وجودها، المترجمة). يستخدم بدو آل وهيبة «هين»و«هيش» للسؤال عن أينوماذا وهم بذلك يختلفون كليا عن قبائل الغرب في نجد الذين يستخدمون «وين»و«ويش»، وقد لاحظ وبستر أن الفعل «رأى» ومضارعه «يرى» أكثر شيوعا واستخداما عند بدو آل وهيبة من «شاف»و«يشوف». كانت نتيجة هذه الدراسة المستفيضة للهجة بدو رمال آل وهيبة أن وضع وبستر قائمة شاملة تضم دراسة مقارنة للمفردات المستخدمة عند بدو آل وهيبة وغيرهم من بدو الغرب. وفيما يلي الجدول الذي وضعه وبستر ليقارن بين مفردات آل وهيبة وآل مرة:

وفي سياق هذا الموضوع يقول وبستر «ولا يختلف بدو عمان عن غيرهم من البدو في وسط شبه الجزيرة العربية في مصطلحات الحياة البدوية الصحراوية وحسب وإنما يختلفون أيضا في أدواتهم التقليدية وأنشطتهم وأساليب حياتهم وعاداتهم. وقد قام دوستال (1967) بدراسة التقسيم الثقافي الواسع لبدو شبه الجزيرة العربية (تشمل عمان وحضرموت) من جهة وبدو وسط وشمال شبه الجزيرة العربية من جهة أخرى. وينجم الاختلاف بين هؤلاء البدو عن العزل الجغرافي الذي يُعاني منه بدو الجنوب وبدو جنوب شرق شبه الجزيرة العربية الذين يفصلهم الربع الخالي عن التطورات التي تتمتع بها قبائل البدو في وسط شبه الجزيرة العربية.»

وحينما قارن وبستر بين ما توصلت إليه دراسته مع نتائج الدراسات السابقة خلص إلى أن «التقسيم اللغوي بين لهجات بدو الشمال والجنوب والقبائل المحيطة بالربع الخالي وضعه بيرترام توماس (1936:268)، وقد اعتمد انجهام (1986:٢٧٢) لاحقا على هذا التقسيم وهناك احتمالية تناسُب هذا التقسيم طردا مع التقسيم الثقافي ولا شك أن هذا التقسيم نفسه قد ساهم في تشكيل ثقافة البدو بشكل عام».

وسأبين ما اشار اليه وبستر عن الحياة الاجتماعية والإثنوجرافية لبدو آل وهيبة، يمتاز سرد وبستر هنا بعنصر التشويق إذ يعرض حياة آل وهيبة من خلال تعايشه معهم واحتكاكه المباشر بهم أثناء مدة دراسته ويربط ذلك بالمفردات اللغوية التي يستخدمونها في حياتهم العامة (ومن يقرأ بين السطور هنا سيجد كرم الضيافة والتعاون الجلي الذي أبداه مضيفو وبستر لإتمام هذه الدراسة، المترجمة).  

«هذا وتعد ثقافة بدو الجنوب أكثر تحفظا حيث تنقصها أساليب التكنولوجيا المتطورة التي صاحبها قلة الترحال واستخدام الخيم السوداء (بيوت الشعر) بينما يتمتع بدو الجنوب باقتصادهم الرعوي والزراعي (دوستال 1967، وبوليت 1975) ويلعب الصيد وتجارة الأسماك عموما دورا بارزا في الأنشطة التجاريةوالاقتصادية لبدو آل وهيبة وجيرانهم»

«وفي حالة انعدام الخيام يستفيد بدو آل وهيبة من المخابئ التي توفرها الطبيعة حيث تعد ظلال الأشجار أبسطها على الإطلاق، وتكثر أشجار السنط وأنواعاً أخرى من الأشجار، في الجزء الشمالي من عمان وخاصة على طول الوديان، ويعد هذا الملجأ الطبيعي مؤقتا ويسكنه البدو لفترة قصيرة. أما مواقع الخيام شبه الدائمة فتعد أكثر تطورا حيث تحتوي على ظلال الأشجار التي تشير إلى وجود تجمع سكاني «فريج» ويقضي البدو فيها قرابة 10 أشهر، ويضع البدوي سجادة أو غطاء على فروع الشجر للحصول على ظلال أوفر، كما يستخدم أعمدة خشبية ينصبها فوق الأرض من دون الحاجة إلى حبال بهدف توسيع مساحة الخيمة.»   

«وتعتمد معظم العوائل البدوية (حوالي خمس القبيلة الواحدة) في معيشتها على الصيد ونقل الأسماك وتسويقها، وتعيش جماعات البدو التي تعتمد على الصيد في خيم شبه دائمة على طول الساحل، وتشبه حياتها حياة الرعاة في الداخل، ولديها مخزون وفير من السردين المجفف تقتات عليه مواشيهم الهزيلة في الساحل، ويستخدم بدو الساحل تروس السلاحف أحواضا للشرب.»

«كانت شباك وحبال الصيد تصنع من ألياف النخيل في الماضي أما الآن فقد اعتمد الصيادون على شباك الصيد المستوردة من الخارج. وعندما تهب رياح موسمية جنوبية غربية (تسمى بكوس الخَراف، لا تزال معروفة بهذا الاسم استنادا إلى معلوماتي الشخصية، المترجمة) على الساحل في أواخر موسم الصيد، يغادر الصيادون الساحل ويستقرون في القرى البرية لمنطقتي جعلان والشرقية تاركين خيمهم مهجورة قرابة ٩ إلى 10 أشهر في السنة. ولا تختلف لهجة جماعات الصيادين وعاداتهم ولباسهم وطرق معيشتهم وتنظيماتهم الاجتماعية عن جماعات الرعاة البدو وخاصة أولئك الذين ينتمون لنفس القبائل، ويكمن الاختلاف الوحيد في أن الصيادين لديهم احتكاك بسيط جدا مع الغرباء وسكان المدن، كما أنهم أقل تأثُرا (في لباسهم وممتلكاتهم المادية) بالتغيرات الحديثة».

«وتشكل الأغنام جزءا أساسيا من المواشي التي يربيها هؤلاء البدو، وتحتفظ بعض العوائل بالخراف. وتزوِد الأغنام أصحابها بالحليبواللحم في حين يستفيد البدو من صوف الخراف التي عادة ما تكون غير حلوبة. وفي حين يفضل سكان الأجزاء الشمالية من عمان لحوم الأغنام فإن سكان نجد يفضلون لحوم الخراف الحلوبة على الأغنام، حيث ترتفع أسعار الأغنام في شمال عمان (نظرا للإقبال الكبير عليها، المترجمة)، وتمتلك معظم عوائل آل وهيبة ما بين ٢ إلى ٨ جمال، ونادرا ما يزيد العدد عن ٨ جمال، وتُستخدم هذه الجمال في حمل البضائع عند الترحال، أما الآن فتستخدم في سباقات الهجن وبما أنها تنتج كميات غير منتظمة وقليلة نسبيا من الحليب فإن أهل عمان ونجد لا يعتمدون عليها كليا في غذائهم».

«يطلق بدو آل وهيبة مصطلح «إبل» على الجمال التي يستفيدون منها في غذائهم ليميزوها بذلك عن جمال الترحال التي يطلقون عليها «دلايل» وجمال السباق المعروفة باسم «هيين»، ولا يستخدم آل وهيبة مصطلح «بوش» الذي يعتبر أكثر شيوعا في أجزاء كثيرة من عمان (تعارض آخر، انظر إلى الجدول، المترجمة). أما البدو الذين يتمتعون بوفرة في العشب فيمتلكون بقرة أو اثنتين لتزويدهم بالحليب، ولديهم بعض الدواجن.»

«وحينما يتوفر سعف النخيل وأليافه من أشجار النخيل التي تنمو بالقرب من الواحات في الصحاري يستخدمها البدوي ليصنعوا منها حصائرهم وأغطيتهم. أما في وقتنا الحالي فقد حلت الخامات المستوردة كصفائح الألمونيوم والخيزران وغيرها محل المواد التقليدية، وبالإضافة إلى خيامهم التي يعيشون فيها والتي تسمى «بيوتا» يتخذ البدو مبنى أو اثنين لتبييت مواشيهم غالبا ما تكون بالقرب من خيمهم. وتتمتع هذه المباني بتصميم متماثل إلا أنها تُبنى من مواد بدائية ويحتفظ البدو بمؤونتهم من التمور والأسماك المجففة والحبوب في مستودعات يطلقون عليها اسم «داموس» أو «يردا» وتكون مصنوعة من جذوع النخيل الثقيلة، أما بُنية «الفريج» فتُصنع من كميات كبيرة من الحطب التي يصعب نقلها، وعندما تهاجر القبائل البدوية إلى المراعي الخصبة في فصل الربيع يظل جزء كبير من خيامهم المهجورة سليما، بينما تحمل هذه القبائل معها أغطيتها وبعض أعمدة الخيام إلى المراعي الخصبة حيث تنشئ أكواخا مشابهة ولكنها أقل بساطة، وتقل الأشجار أو تنعدم في الرمالوالقفار المتاخمة لأماكن العشب. تبنى الخيام المؤقتة بالقرب من الأشجار الوارفة الظلال أو تُقام «ذرا» وهي خيام مكونة من ثلاث أو أربع أعمدة وتغطى بواسطة أشجار واقية من الريح (كألياف النخيلو«فيلي» أو الأغطية المستوردة) وعندما ينتهي فصل الربيع تعود العوائل إلى أماكنها الأصلية في الوديان المحاطة بالأشجار وتعيد بناءها إلى ما كانت عليه سابقا، ويسمي البدو الأماكن المهجورة بـ«الديران» مفرده «دار» بينما يُعرف الموقع الرئيسي الذي يشمل عددا من المساكن شبه الدائمة بـ«الوطن».

تضفي دراسة روجر وبستر لحياة آل وهيبة الاجتماعية والإثنوجرافية بعدا تاريخيا إذ توفر دراسة بحثية (مختصرة نوعا ما) نستطيع من خلالها تتبع التطورات الحياتية التي مرت بها هذه القبائل إلى وقتنا الحاضر، كما توفر معلومات قيمة عن اقتصاد هذه القبائل، وهجراتهم وتكيفهم مع ظروف الحياة القاسية، ومن الناحية اللغوية تمتاز لهجة بدو آل وهيبة بثرائها اللغوي الذي يعكس ثقافة القبائل البدوية في رمال آل وهيبةوأصالتها، كما توفر البيانات اللغوية (أعني المفردات) قاعدة لبحوث مستقبلية تساهم في فهم أعمق للهجة آل وهيبة.

نستكمل الحديث عن الدراسات الأوروبية للهجات العمانية بغية إظهار جانب آخر من جوانب الاهتمام الأوروبي بالثقافة العمانية عموما وباللهجات المحلية خصوصا. رأينا سابقاً أن عمان تحوي مقومات تاريخية ساهمت في جذب اهتمام العين الأوروبية الزائرة، التي حرصت على أن تنقل بدقة واحتراز ما رأته من خلال تفاعلها المباشر مع سكان عمان، وشدّها رغبة العمانيين الصادقة في إبراز ثقافتهم وعاداتهم وثرواتهم المادية منها والمعنوية، وفوق كل ذلك لفت انتباههم التعاون المنقطع النظير الذي أظهره العمانيون المضيفون مع الباحثين الأوروبيين لتسهيل مهمتهم البحثية.

تضيف دراسة البريطاني كلايف هولز (Clive Holes) للهجات العمانية ملاحظات جديدة حول ما تتمتع به هذه اللهجات من خصائص لغوية وتركيبية تميزها عن غيرها من اللهجات في شبه الجزيرة العربية، كما تسعى إلى إدراج هذه اللهجات في الإطار اللغوي الشامل المتفق عليه في تصنيف لهجات شبه جزيرة العرب. وقد اعتمدت دراسته على تحليل بيانات (استقاها من محادثات وحوارات) قام بتسجيلها أثناء فترة عمله في عمان في الفترة(١) (1985 -1987)، تغطي هذه البيانات نحو ثلاثين موقعا قرويا في الجزء الشمالي من عمان، ويبلغ متوسط أعمار الرجال والنساء ممن حاورهم هولز 35 سنة فما فوق، ويتمتع بعضهم بمستوى تعليمي بسيط في حين يوصف البعض الآخر بالأمية، ومعظمهم إما متقاعدون عن العمل أو ممن يمارسون الحرف التقليدية كالزراعة وصيد الأسماك وصناعة الفخار وتربية المواشي. ومعظم هذه البيانات قد جمعت في سياق دراسة طبية قامت بها زوجة هولز لوزارة الصحة العمانية، وتغطي هذه الدراسة الطبية أوبئة الروماتزم، حيث اختار هولز عينة عشوائية من البالغين والمصابين بهذا الوباء ليجري عليهم دراسته اللغوية، وقد أُجريت المقابلات لهؤلاء إما في منازلهم أو مواقع عملهم.

ونظرا لما تتصف به دراسة هولز من صرامة الطرح ودقته والتعاطي مع موضوع البحث في إطار لغوي ونظري بحت، حيث يقدم بحثه دراسة لغوية ونظرية تفصيلية تعنى بالدرجة الأولى بتصنيف اللهجات العمانية تبعا لعدد من الخصائص والمتغيرات اللغوية التي تمتاز بها، فإنني لن أقوم بترجمة الدراسة بأكملها وسأكتفي بنقل الأجزاء الرئيسة منها تاركة المجال للمهتمين بهذا الموضوع ومن يرغبون بالتوسع للرجوع إلى الدراسة الأصلية.

تحدث هولز في بداية دراسته عن الدراسات السابقة للهجات العمانية قائلا «إن الدراسات والأبحاث التي أجراها اللغويون عن اللهجات العمانية قليلة جدا، ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة الوصول إلى عمان في تلك الفترة، حيث أن معظم الدراسات الجديرة بالاهتمام كانت قد أجريت مع بداية القرن المنصرم، والتي من ضمنها دراسة جياكر (Jayakar) (1889) حول لهجة مسقط الحضرية ودراسة رودوكاناكيس (Rhodokanakis)  (1908 - 1911) عن اللهجة العربية في محافظة ظفار ودراسة رينهاردت (Reinhardt)  (1894) التفصيلية للهجة بني خروص، حيث اعتمد الأخير على العمانيين الذين استقروا شرق أفريقيا كمصدر لبياناته، وقدم رينهاردت دراسة مستفيضة لهذه اللهجة من حيث قواعدها اللغوية والتركيبية (المتعلقة بتصريف الأفعال والأسماء) والفنولوجية (المتعلقة بعلم الصوتيات الكلامية)، كما نُشرت دراستان حديثتان حول اللهجات العمانية أحدهما: دراسة جالووي (Galloway)(1977) التي تقدم مسحا للخصائص التركيبية (الصرفية تحديدا) للهجات عمان، وتتضمن قاموسا لمعظم المفردات الشائعة في عمان وبعض النصوص الكلامية. وعلى الرغم من أهمية هذه الدراسة إلا أنها تعد محدودة من وجهة نظر الجغرافي المهتم بدراسة توزيع اللهجات حيث ينقصها التصنيف الدقيق للنصوص والتراكيب اللغوية مع ذكر مواقع كل منها، أما الدراسة الثانية فهي عبارة عن قاموس تفصيلي أعده بروكت (1985) (Brockett)، يغطي المصطلحات الزراعيةومصطلحات أخرى تقنية تتعلق بأساليب المعيشة وأنظمة الاقتصاد في ولاية الخابورة بساحل الباطنة، وتحتوي هذه الدراسة(٢) على ملاحظات مختصرة للقواعد اللغوية والتركيبية والصوتية للهجة أهل الخابورة.»

ويقول هولز موضحا الهدف الرئيسي من دراسته هذه «وما ينقصنا هو مسح جغرافي شامل للهجات عمان، يكشف علاقتها بلهجات المناطق المجاورة. وما هذه الدراسة إلا خطوة أولى في بداية هذا المشوار الطويل، حيث تقتصر هذه الدراسة على وصف توزيع بعض المتغيرات اللغويةوالتركيبية والفنولوجية الشائعة للهجات السائدة في شمال عمان ووسطها، هذا وقد دُرست هذه المتغيرات بشكل واسع في الدراسات اللغوية للهجات المجاورة في شبه جزيرة العرب (جونستون Johnstone  1963- 1965 -1967)، و(إنجهام  Ingham  1982- 1986)  و(هولز Holes  1983- 1987). وتعد هذه المتغيرات ذات أهمية قصوى في تصنيف اللهجات العربية على مستوى أنواع اللهجات البدوية والحضرية منها بشكل عام (انظر بلانك Blanc  1964).

ولم تشمل دراسة هولز لهجات عمان جميعها، حيث استبعدت لهجتي مسقط وصلالة لأسباب يوضحها هولز في قوله «ولأسباب مختلفة استبعدت هذه الدراسة محافظتي مسقط وظفار. فقد عاصرت العاصمة مسقط تغييرات اجتماعية جذرية منذ 1970، وصاحبت هذه التغيرات نزوح العمانيين من مختلف المناطق ومن شرق أفريقيا إلى العاصمة، كما اعتراها فيضان من هجرات الأجانب من مصر والهجرات الدائمة وشبه الدائمة لغير المتحدثين بالعربية من شبه القارة الهندية، وقد أضافت هذه الهجرات تغييرات لغوية إلى المجتمع المحلي المتعدد اللغات آنذاك، فمعظم العائلات المحلية تتحدث لهجتين عربيتين أو ثلاثة إضافة إلى اللغة السواحيلية والهندية اللتين تشكلتا بفضل النشاط البحري والتجاري النشط لعمان في تلك الفترة (يرجع السبب الأساسي في نزوح العمانيين من مناطقهم وقراهم النائية واستقراراهم في مسقط في تلك الفترة بالتحديد إلى توفر الوظائف في الوزارات والمؤسسات الحكومية التي أنشئت مع مطلع 1970، المترجمة). ومما لا شك فيه أن الوضع اللغوي في مسقط هو حقل عمل غني لدراسة عدد من الظواهر اللغوية الاجتماعية كتعدد اللغات والانتقال المفاجئ من لغة لأخرى أثناء الحديث، وتوفر مسقط بوتقة تضم في جعبتها خصائص لغوية عديدة تحملني على استثنائها من هذه الدراسة.»

ويقول هولز مبررا استبعاده للهجة العمانية التي يتحدث بها أهل صلالة «وفيما يتعلق بجنوب عمان، فلم أتمكن من جمع بيانات كافية من مدينة صلالة، كما لا تتوفر لدي أية بيانات تعود إلى المجتمعات البدوية، وبالتالي استبعدت هذه المنطقة من دراستي الحالية.»

وفي محاولة لتصنيف اللهجات المحلية الموجودة في عمان اعتمد هولز على تصنيف جونستون (1967) الذي أورده في الصفحات (١- ٣) من دراسته، ويشمل تصنيف جونستون كل اللهجات العربية في شبه الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها وتضم أربع مجموعات:

- لهجات شمال الجزيرة العربية (تشمل كل قبائل الجنوب في صحراء سوريا وغرب العراق ونجد ومنها قبيلة آل مرة التي تستوطن الحافة الشمالية من الربع الخالي ومشيخات الخليج).

- اللهجات الحجازية (سواحل البحر الأحمروتبدأ من خليج العقبة إلى حدود اليمن الشمالية).

- لهجات جنوب غرب شبه جزيرة العرب (اليمن وحضرموت وتشمل هذه اللهجات كذلك صلالة).

- اللهجة العمانية (عمان الحديثة باستثناء محافظة ظفار).

يقول هولز معلقا على تصنيف جونستون للهجات عمان كلهجة متفردة بذاتها «يعد تصنيف لهجات عمان (باستثناء لهجة محافظة ظفار) كلهجة متفردة بذاتها غير نهائي، وذلك لأنه مبني على دليل واحد كان متوفرا في تلك الفترة وهو بحث مشترك قام به جياكر ورينهاردت، لكن عمان دولة كبيرة إذ تساوي مساحتها مساحة فرنسا، وتتمتع بتنوع جغرافي يشمل صحاري واسعة وسلاسل جبلية يتعذر اجتيازها ومناطق ساحلية خصبة، ولا تحوي طرقا معبدة أو وسائل اتصال تربطها ببعضها حتى وقتنا الحالي (لم يكن التمدن الحضاري الذي تمتعت به مدينة مسقط منذ عام 1970 قد وصل إلى مناطق عمان الأخرى آنذاك، المترجمة)، كل ذلك يجعلها تبدو لأول وهلة وكأنها تحوي تنوعا كبيرا في اللهجات، إلا أنه وبعد تقص دقيق تبين أنه توجد تقسيمات نوعية واضحة في عمان نظرا لوجود مجموعة من الخصائص اللغوية التي تشترك فيها لهجات عمان مع لهجات شبه الجزيرة العربية وخصائص أخرى تشترك فيها كل اللهجات العمانية ولا توجد في لهجات المناطق المجاورة. ويكمن التقاء بعض خصائص لهجات عمان مع خصائص لهجات المناطق المجاورة في وجود أواصر تربط جماعات سكانية مختلفة من عمان مع غيرها في الخارج، حيث تربط هذه الجماعات بغيرهم خارج عمان وشائج أسرية وقبلية واقتصادية واجتماعية.»

ولا يختلف تصنيف هولز عن غيره من اللغويين ممن درسوا لهجات شبه جزيرة العرب، حيث اعتمدوا جميعهم على تقسيم اللهجات نوعيا إلى بدوية وحضرية، ويؤكد هولز هذه الملاحظه قائلا «أما من ناحية اللهجات فيكمن الاختلاف النوعي الأساسي في عمان بين لهجات الحضر ممن يعيشون في المدن والقرى المحيطة بالجبل الأخضر وشمال جبال الحجر (كما هي مبينة بالجدول«ح») من جهة، واللهجات البدوية للسكان القاطنين في الصحراء الغربية وجدة الحراسيس ورمال آل وهيبة (كما هي مبينة بالجدول «ب») من جهة أخرى. وهذا الاختلاف بين لهجة الجبال والصحراء غير مطلق نسبيا حيث توجد أماكن انتقالية تحوي خليطا من البدو والحضر وبالتالي تتشكل لهجة بدو-حضرية (مزيج من اللهجتين معا، المترجمة)، ويصدق هذا الوضع على قرى ومدن الشرقية أمثال الدريز والمنترب، حيث تلتقي رمال هذه المناطق بالمدن المتاخمة وبالتالي يختلط مربو الجمال ورعاة المواشي الذين يهجرون الصحراء وقتا من العام بمزارعي الحضر. وتعد المراكز الإدارية والاقتصادية للمناطق نقاط اتصال لغوي دائم بين البدو والحضر على الرغم من تمركز هذه المراكز في أماكن معينة كأماكن التجمع الحضري في عبري في الشمال الغربي، وعموما يوصف هذا الاتصال بالسطحية والتخصصية حيث يقتصر اتصال البدو والحضر على التعامل في النواحي الحياتية والاجتماعية المشتركة بينهما ولا يمتد ليشمل الجوانب المعيشية المتباينة في المنطقتين.»

ويقول هولز معلقا على علاقة اللهجات بجغرافية عمان «تتميز عمان بخاصية جغرافية ثالثة لا تقل أهمية عن الجبالوالصحاري وهي السواحل الممتدة، فمن حدود دولة الإمارات في خطمة ملاحة يتوغل سهل الباطنة نحو ٠٥٢ ميلا جنوب شرق ممتدا إلى مطرح ومكونا حلقة متصلة من السكان والمناطق الزراعية، ومن الناحية الديموغرافية فإن سهل الباطنة المزدهر وما يوفره من نشاط ملاحي (يتمثل في اعتماد غالبية سكان سهل الباطنة على صيد الأسماك، المترجمة) يجعله مفتوحا للمؤثرات الاجتماعية واللغوية الخارجية، حيث يعد بوتقة انصهرت فيها عناصر متفاوتة عبر قرون عديدة. شهد سكان الساحل القديم الذي يلتقي فيه البلوش وسكان الخليج توافد هجرات العمانيين العائدين إلى أرض الوطن وهجرات العمانيين من المناطق الجبلية الداخلية الذين تستهويهم حياة الساحل البسيطة نسبيا.»

«ويعد الساحل الجنوبي الشرقي لمسقط حتى رأس الحد أقل خصوبة وسكانا على الرغم من وجود مدن كبيرة وهي قريات   وصور، كما أن اقتصاد الساحل الشرقي وجزءا بسيطا من ساحل الباطنة يعتمد على الصيد والتجارة البحرية، وبالتالي فقد ساهم ذلك في ازدياد الاتصال بعيد المدى مع سكان الساحل في شبه جزيرة العرب وخاصة في المرافئ الخليجية وبعض المناطق البعيدة نسبيا كالمكلا وعدن.»

وقد اعتمد هولز في بياناته على أربعين عمانيا من خمسة عشر موقعا مختلفا، تم اختيار كل منهم كممثل للهجة التي تستخدمها منطقته والمناطق المجاورة بتعقيداتها الاجتماعية الخاصة (بدوا أو حضرا)، ويقول هولز «أن مصطلحي بدوي وحضري يشيران الآن إلى أصول قبائلية تعد أكثر رمزية من العوامل الحقيقية المكونة لتشكيل الهوية الشخصية، ولكنهما لا يزالان يتناسبان طردا مع الاختلاف في العمل وأشكال الاتصال الاجتماعي بين البدو والحضر، ولهذا يظلان عاملين لغويين اجتماعيين لهما ارتباط وثيق بدراسة اللهجات العمانية.»

وفي عنوان جانبي «صفات تشترك فيها جميع اللهجات العمانية» قال هولز «لقد أكد تحليل بيانات هذه الدراسة وجود معدل عال من الخواص الفونولوجية والتركيبية المتباينة التي تشترك فيها جميع اللهجات العمانية سواء البدوية منها أو الحضرية، وفي حين أن بعض هذه الخصائص تظهر أيضا في المناطق المحيطة لعمان إلا أن ظهورها كوحدة مترابطة من اللهجات لا يوجد إلا في عمان فقط (باستثناء البريمي)، وبالتالي تنتمي الخواص التالية لكلا اللهجتين (البدوية والحضرية)، كما تظهر أيضا في المناطق المجاورة، وتبدو هذه الخواص موزعة جغرافيا وليس اجتماعيا، ولا تعد القائمة التالية شاملة حيث أن التحليل سيظهر بلا شك خواص مشتركة أخرى»:

والخواص هي:

١. ضمير المؤنث المضاف في التملك والمفعول به هو «ش» و ليس «تش»، وتشترك لهجات الجنوب كاليمن (de Landberg 19191ص267)، ( Rossi 1939ص20)، (Fischer & jastrow 1980ص112) وحضرموت (دي لاندبيرج 1901ص358) وظفار (رودوكاناكيس 1908:٧٧) وأقاصي شمال ديرة آل مرة في جنوب قطروشمال الربع الخالي (إنجهام Ingham ٦٨٩١ص٧٨٢) ولهجة البحارنة في البحرين (هولز Holes 1983:ص24) في هذه الصفة.

٢. تضيف كل اللهجات العمانية حرف النون بين الفعل المبني للمعلوم وضمير الفاعل، على سبيل المثال: (موفرتنها الحكومة)، وقد سُجلت هذه الظاهرة لبعض الجماعات غير المعروفة في أبوظبي (قفيشة Qafisheh 1977ص٩-168) وفي لهجة البحارنة في البحرين (هولز 1983:24). ويتميز العمانيون في منطقة الخابورة بإضافة حرف النون في أفعال أخرى مثل (يضغطنهم) ويتمتع البدو بهذه الميزة اللغوية (Brocket   1985ص18)

٣. ينتشر في شبه جزيرة العرب نطقان أساسيان لكلمة قهوة وهما: قَهوة  بفتح القاف أو قِـهوة بكسرالقاف وفتح الواو. وتنعدم هذه الخاصية في لهجات عمان حيث تنطق قهوة بفتح القاف دائما.

٤. تظهر ضمائر التأنيث والصفات والأفعال المؤنثة بصفة دورية، وبالتالي تختلف هذه الميزة عن الخاصيتين الأولى والثانية اللتين تميزان جنوب شبه جزيرة العرب عن الشمال والوسط والشرق، حيث تشترك اللهجات العمانية مع لهجات وسط شبه جزيرة العرب وجنوبها في هذه الخاصية اللغوية.

٥. يكثر ظهور الأفعال المبنية للمجهول، وتشترك لهجات عمان مع لهجات نجد في هذه الخاصية.  

ويقول هولز معلقا على هذه الخواص «والمنطقة الوحيدة التي لا تشترك مع باقي المناطق العمانية في هذه الصفات هي الحدود الشمالية للبريمي، حيث تتفق لهجة هذه المنطقة مع اللهجات الأخرى في الخاصيتين الثانية والرابعة فقط، ولم أجد البيانات الكافية لمعرفة ما إذا كانت الصفة الخامسة موجودة في البريمي أم لا».

الخصائص الفونولوجية للهجات العمانية

هناك متغير أساسي أو بالأحرى مجموعة متغيرات اختارها هولز لإجراء تحليل مفصل لبياناته ومنها حروف القاف والكاف والجيم المعطشة، حيث أظهرت الدراسات التي أجريت على نطاق واسع من اللهجات العربية منها لهجة العراق وفلسطين أن لهجات عمان تغير من نطق هذه الأحرف، حيث تتوزع هذه الاختلافات اجتماعيا وجغرافيا كما يلي:

وقد قام هولز بدراسة توزيع هذه الاختلافات على ٥١ موقعا في عمان وهي كالتالي:

نظام لهجي (١): البريمي (ب) وصحار (ب) وصور (ب)

نظام لهجي (٢): راس الحد (ب)

نظام لهجي (٣): الدروع (ب) والدروع (ح) والسويق (ح) والحراسيس (ب)

نظام لهجي (٤): الدروع (ح)

نظام لهجي (٥): بهلا (ح) وكرشة نزوى (ح) وقلهات (ح) وإبرا (ح)

نظام لهجي (٦): وادي السحتن (ح) ومسفاة العبريين (ح)

«لقد أظهرت الدراسات والبحوث اللغوية السابقة انتماء النظامين (١) و(٢) للهجات البدو بشكل عام في الساحل الشرقي في شبه الجزيرة العربية (جونستون 1967 وهولز 1983)، أما في هذه الدراسة فقد تبين أن هذين النظامين يوجدان في ثلاث لهجات عمانية: الأولى تختص بأولئك الذين ينحدرون من أصل بدوي ويعيشون في أقصى المناطق الشمالية التي تقع على حدود الإمارات العربية المتحدة، كما تنتمي منطقتا صحار وصحم في الباطنة لهذين النظامين، وهذه المناطق تربطها روابط اجتماعية واقتصادية قوية بالبدو في أسفل الخليج، وأخيرا يوجد النظامان في أقصى الخط الساحلي الشرقي من صور لرأس الحد.»

بينما يوجد النظامان (٥) و(٦) في المناطق الداخلية من عمان حيث تتمتع بنيتها الاجتماعية بتكوين حضري، ويشير النظامان إلى بعض البدائل التي صاحبت التطورات الفونولوجية التي مرت بها المجتمعات الحضرية في شبه الجزيرة العربية.»

المتغيرات الصرفية للهجات العمانية

يكثر ظهور متغيرات لغوية تركيبية (في هذه الحالة تتعلق بتصريف المفردات في اللهجة العمانية، المترجمة) في أربعة تقسيمات صرفية للهجات العمانية، وحتى يتم رؤية التصنيف الصرفي الشامل للهجات العمانية قام هولز بمقارنة المتغيرات التي وصفها رينهاردت في لهجة بني خروص مع المتغيرات التي صنفها جونستون كنموذج لدراسة اللهجات البدوية في وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها. وإليكم هذه التصنيفات الأربعة:

أ. تتميز بالضمير (اوون)و(ايين) اللذين يضافان للأفعال المضارعة في حالة الجمع ومثنى التأنيث. وتُقارن هذه الصفة بالضمير (أو)و(اي) اللذين يظهران في اللهجات الحضرية، مثال ذلك (يكتبو) ومقابله (يكتبون).

ب. ضمير الهاء المفتوحة يُضاف للأفعال والذي يقابله ضمير الهاء المضمومة، حيث يعود هذا الضمير على المفعول بهوالتملك، مثال ذلك (نشربِه)، وفي المقابل (نشربُه) في اللهجات الحضرية.

ت. تتميز بياء المضارعة المفتوحة التي تقارن بياء المضارعة المضمومة، ومثال ذلك (ياخذ) و(يوخذ).

ث. تتمتع بعض اللهجات العمانية بخاصية لغوية رابعة وهي اضفاء السكون على الحرف الأول لبعض الأسماء خاصة تلك التي دخلت اللهجة نتيجة للتطور الحضاري، مثال ذلك (مْدَرسة) التي تقارن ب (مَدْرسة) التي تفتح الحرف الأول، وبالتالي تخلق هذه الخاصية تنوعا في نطق الأسماء حيث يظهر النطقان معا في اللهجات العمانية (اعتمدت هنا على مثال من عندي ذلك لأن المؤلف استخدم مثالا غير واضح، المترجمة).

ويتناسب توزيع هذه المتغيرات الصرفية مع اللهجات الأربع التي فصلتها الخصائص الفونولوجية الآنفة الذكر، وإليكم التصنيف الصرفي للهجات العمانية:

ويضيف هولز أن هناك لهجات عمانية لا يمكن تصنيفها بشكل دقيق حيث لا تنتمي للتصنيفات الرئيسية التي يفترضها هذا التوزيع، فيعد تصنيف اللهجات إلى اللهجة البدوية (أ) و(ب) فونولوجيا بحتا، الأمر الذي أدى إلى ظهور تصنيف يشمل اللهجتين معا، ومن ضمن اللهجات التي أثارت دهشة هولز وبالتالي منعت من ادراجها إلى باقي اللهجات العمانية في تصنيف دقيق هي: لهجة الدروع الحضرية ولهجة أهالي صور ورأس الحد.

ثم انتقل هولز بعد هذا إلى تصنيف بهلا وقلهات وهو كالآتي:

أما لهجة السويق فهي من أكثر اللهجات تعقيدا وصعوبة في تصنيفها إذ تحتوي على متغيرات عديدة في الوقت ذاته:

ويقول هولز «يصعب تفسير هذه التناقضات، ولكن يبدو واضحا أن جميع اللهجات باستثناء بهلا تحتوي مزيجا من اللهجة البدوية والحضرية معا، كما قد يظهر تداخل (حالة انتقالية) بين اللهجتين البدوية والحضرية بسبب وجود اتصال قوي ومباشر بين البدو والحضر، حيث تتصل اللهجات البدوية اقتصاديا مع اللهجات الحضرية المتاخمة، ويبدو الأمر كذلك بالنسبة للهجة الدروع الحضريين الذين ينتمون في أصلهم إلى بدو الدروع ولكنهم يعيشون في مراكز حكومية في تنعم، وتوفر عبري إما وظائف أو أسواق لبيع منتوجات معظمهم.

«ويوجد مثل هذا التداخل كذلك في لهجة الصيادين والرعاة البدو في الشريط الساحلي الممتد من صور إلى رأس الحد، ومزارعي النخيل في قلهات والمناطق الجبلية التي تبعد مسافة ٥١ ميلا عن صور على حدود المنطقة الداخلية، وتعتمد المجتمعات هناك على الاقتصاد الزراعي وصيد الأسماك الأمر الذي جعل سهولة الاتصال اللغوي والاجتماعي بين هذه المجتمعات واضحا.»

 هذا وقد توصل هولز إلى أربع ملاحظات قيمة فيما يخص اللهجات العمانية، ألخصها في النقاط التالية:

١. تمتاز جميع اللهجات العمانية باستثناء لهجة البريمي بمجموعة من الخواص المتجانسة. وتشترك عمان مع بعض لهجات جنوب شبه الجزيرة العربية ووسطها في بعض الخصائص.

٢. ونظرا لاشتراك عمان في بعض الخواص اللغوية مع جيرانها في شبه جزيرة العرب فإنه يمكن الحصول على تشعب أساسي بين اللهجات العمانية، وهذا التشعب يتناسب طردا مع الأصول البدوية والحضرية من جهة والهوية الاجتماعية من جهة أخرى.   

٣. هناك لهجات انتقالية تضم خصائص بدوية وحضرية معا، تنتشر اللهجات البدو-حضرية في المناطق التي تمتزج فيها اللهجتان البدوية والحضرية نظرا للاندماج الاجتماعي، كما هو الحال في وسط البريمي وجنوبها، أو نظرا للاتصال المستمر كما هو الحال في مدن شمال الشرقية والمناطق المجاورة لصور وقلهات والصحراء المتاخمة لعبري.

٤. اللهجات التي تصنف من الناحية الاجتماعية تنقسم غالبا إلى مجموعتين جغرافيتين أساسيتين.

توفر دراسة هولز مسحا جغرافيا مبدئيا للهجات شمال عمان ووسطها، حيث تصنف هذه الدراسة لهجات عمان تبعا لعدد من الخصائص اللغوية (الصوتية والصرفية) التي كان قد وضعها مجموعة من اللغويين الأروبيين والمهتمين الغرب بلهجات شبه جزيرة العرب. وتوضح عددا من التقسيمات التي تشترك فيها لهجات عمان مع بعضها البعض من جهة ومع لهجات المناطق المجاورة من جهة أخرى.

إذ تنفي دراسة هولز تصنيف لهجات عمان كلهجة متفردة بذاتها نظرا لوجود عدد لا يستهان به من الخواص اللغوية المتجانسة التي تشترك فيها لهجات عمان مع لهجات شبه الجزيرة العربية.

كما ساهمت هذه الدراسة في رسم خارطة «جغرافية اللهجات العمانية»، وأسهبت كذلك في ذكر الخواص الفونولوجية والصرفية التي تتميز بها لهجات عمان جغرافيا واجتماعيا إذ تعد هذه الدراسة الأولى من نوعها.

وعلى الرغم من احتفاظ اللهجات العمانية ببعض المتغيرات اللغوية التي تحدث عنها هولز، إلا أن التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي فرض بعض التغيرات الطفيفة على هذه الخواص، الأمر الذي يستدعي زيارة مواقع هذه اللهجات لمعرفة التوزيع الدقيق للخواص الصوتية والصرفية للهجات عمان الحالية.

هذا وقد اتسم وصف هولز وتصنيفه للهجات عمان بالموضوعية لما يحويه من تصنيف دقيق للخواص اللغوية معتمدا على تفاعله المباشر مع من اعتمد عليهم كمصدر لدراسته، ولما يتصف به أيضا من الدقة في طرح التوزيع اللغوي للهجات عمان وتحليله في قالب لغوي ونظري.

المصادر:

 

            - Webster, R. (1991). Notes on the Dialect and Way of Life of the Wahiba Bedouin  of Oman. Bulletin of the School of Oriental and African studies. 54 (3). 473 - 485

     - Holes, C. (1989). Towards a dialect geography of Oman. Bulletin of the School of Oriental and African studies. 52. 446 - 62

 

١-  عمل كلايف هولز رئيسا لمركز اللغات بجامعة السلطان قابوس.

٢- اطلعت عليها أثناء تحضيري للماجستير بكندا. وقد تبنت جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة وضع هذه الدراسة القيمة في كتاب منفرد.

 

تصميم الحاسب الشامل