الواقــع الحـالي  للمخطــوط العُمـاني
 كثـيرٌ مـن كنـوزه حبيسة الأدراج
 خلو المكتبة العُمانية من فهرس شامل ودقيق له

 

وليد محمود خالص


أودّ أن أبدأ حديثي هنا بما انتهت إليه الندوة التي عقدها المنتدى الأدبي- في شهر  فبراير 2006 - وهي بعنوان ]من أعلام الطبّ في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين[، وقد شاركت فيها مع عدد من الدارسين ببحث عن الجوانب المنهجية، والأدبية في مؤلفات الطبيب راشد بن عميرة، وقد كشفت تلك الندوة جانباً من الواقع الحالي للمخطوط العُماني، إذ كان معتمد المشاركين، ومنهم أنا، على المخطوطات وحدها وهم يدرسون محاور تلك الندوة ما عدا كتاب واحد للطبيب راشد بن عميرة طبعته وزارة التراث والثقافة، وهو فاكهة ابن السبيل، وبمعنى أوضح هو أنَّ قسماً ثـريـاً مـن التراث الفكـري العُمــاني لا يزال حبيس مخطوطاته لم تمسّه الطباعة بسحرها، وانتشارها بعد.«

 

ولهذا الأمر أكثر من دلالة، ولا نريد لهذا الموضوع أن يتشعّب، ويطول فيفقد المضمون الحقّ منه، بل نريد التركيز على جملة من النقاط وهي تنضوي تحت محورين كبيرين هما الواقع، والحلّ، إذ لا يكفي أحدهما لتقديم صورة دقيقة عن هذا الواقع، إذ بينما يرصد المحور الأول تفاصيل الواقع، يعمد الثاني إلى تجاوزه بجملة من الخطوات لعلّها السبيل النافع لهذا التجاوز، ولم يدفع لسلوك هذا الطريق إلا الرغبة الصادقة في أن يجيء هذا الأمر منهجياً منضبطاً من جهة، ومبتعداً عن الإنشائية، والحماسة اللتين ابتليت بهما الخطابات العربية من جهة أخرى.

فأمّا الواقع الذي نلمسه من خلال التجربة، والمعاينة، والفحص فهو واقع ليس فيه من الإشراق إلا القليل، ومردّ هذا الإشراق إلى الجهات التي تولّت العناية بأمر المخطوطات العُمانية، والمحافظة عليها، ونشرها، نذكر منها وزارة التراث والثقافة، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، بالإضافة إلى الجهود الفردية، وهي قليلة بالقياس إلى ما سبق، وأمّا ماعدا هذا فليس هناك ما يذكر، مع أنَّ عمل الجهات السابقة محتاج إلى تطوير، واستمرار كي يأتي العمل أُكُلَه على الوجه السليم، ومن الممكن ردَّ هذا الواقع إلى أسباب أهمّها:

١- التشتّت والتفرّق، وهما الداءان اللذان يصيبان المخطوطات العربية عموماً، لا ينفرد المخطوط العُماني وحده بهما، ونريد به تبعثر المخطوطات في المكتبات العامة والخاصة، بيد الأفراد، والمؤسسات، وإذا كانت بعض المؤسسات تقدّم للمخطوط ما يستحقّه من جهة الحفظ الجيد، والإدامة المستمرة ممّا يتيح له عمراً أطول، أقول إذا كان هذا مع المؤسسات فإنَّه لن يتحقق مع الأفراد، إذ أصبح حفظ المخطوطات اليوم علماً منفرداً برأسه، له خبراؤه، والعارفون بتفاصيله، ومن البديهي غياب هذه الخبرة المطلوبة لدى الجمهرة من الأفراد، والنتيجة معروفة، تتمثّل في التلف الذي يصيب المخطوطات بحيث تصبح بعد وقت ليس بالطويل حملاً ثقيلاً على أصحابها يقتضي التخلص منها، وقد حصل، ومعلوم أنَّ المكتبات الخاصة عند الأفراد تعتبر المخطوط جزءاً من إرث العائلة تسمح بالإطلاع عليه وفق رغبتها، وهذا حقّ لا يماري فيه أحد، بَيْد أنَّ النظرة الأخرى التي ترى في المخطوط إرثاً وطنياً قومياً تتعارض مع النظرة السابقة، ومن هنا وجب التوفيق بين تينك النظرتين وفق وسائل معروفة مثل الشراء، أو التصوير، وما إليهما.

إنَّ هذا التشتت كفيل بتغييب الصورة الحقيقية للمنجز الثقافي العُماني بحسبان افتقاد الوثيقة بيد الباحث بينما هي موجودة فعلاً ولكنّ الباحث لم يستطع الوصول إليها بسبب هذا التشتت، وعند ذاك تأتي الأحكام قائمة على هذا التغييب ممّا يفقد الحركة الثقافية كثيراً من أركانها بسبب غياب الوثيقة، وليس بسبب غياب المشاركة، أو التأليف في هذا الجانب أو ذاك من حقول الثقافة المختلفة، وفي هذا غبن أيّ غبن، وتضييع للجهود السابقة بلا مبرّر معقول.

٢- ويرتبط بالنقطة السابقة ارتباطاً جوهرياً خلوّ المكتبة العُمانية من فهرس علمي شامل يضمّ بين جنباته الوصف الدقيق للمخطوطات العُمانية الموجودة داخل السلطنة، ويمدّ بصره إلى الخارج فيضع في حسبانه المخطوطات العُمانية التي تحويها المكتبات خارج السلطنة، ولعلَّ ما قامت به وزارة التراث والثقافة من صنع فهرس للمخطوطات التي تمتلكها الوزارة هو الخطوة الأولى المنهجية على هذا الطريق، ويبقى هذا العمل جهداً جزئياً مشكوراً، ولكنّه لا يقدّم الصورة المثلى للفهرس المرجوّ، وهذا لن يتحقق إلا بترابط النقطتين معاً.

٣- ومن الضروري أن تقود النقطتان السابقتان إلى ثالثة هي أشبه بالمصبّ لهما، وهو طبع المخطوط العُماني، وإخراجه إلى النور، وتهيئة الوسائل الكفيلة بإيصاله إلى القارئ، ويشير الواقع الحالي إلى أمرين ظاهرين أولهما قلّة ما هو مطبوع بالقياس إلى وفرة المخطوطات الموجودة، فعلى سبيل المثال ترك الطبيب راشد بن عميرة ثمانية كتب لم يطبع منها سوى كتاب واحد، وقد كشفت الندوة التي افتتحنا الحديث بها عن أهمية منجز هذا الطبيب الطبي، وأخذه بالوسائل العلمية المتاحة في وقته، ولا تزال كثير من آرائه، وتشخيصاته حية إلى اليوم، ويقال مثل هذا عن الفكر والشعر السلوكيين وهو جانب من التراث العُماني اهتممت به شخصياً، إذ لا يزال الكثير من كنوزه حبيس مخطوطاته، مع ما يرافق هذه المخطوطات من صعوبة الحصول عليها، ومعلوم أنَّ الطبع يقدّم للدارس مادة [جاهزة] يقيم عليها درسه، وليس من المفترض في الدارسين جميعهم أن يكونوا خبراء في قراءة المخطوطات، ومعرفة خطوطها، وأعمارها، ونوع الحبر الذي كُتبت به، ونمط الخطّ المستعمل في الكتابة إلى غير ذلك من الأمور التي يعرفها المشتغلون بالتحقيق. إنَّ تقديم مخطوط محقّق بنشرة نقدية هو أشبه بنهاية المشكلة التي تبدأ بالعثور على المخطوط، وتمرّ بدرسه وتحقيقه، وتنتهي بهذا النشر المنتظر، ويتمثّل الأمر الثاني فيما هو مطبوع فعلاً، وينضوي تحت ثلاثة أقسام أولها وهو القليل إذ تهيأ لهذا القسم محقّقون عارفون بشرائط التحقيق، آخذون بأسبابه فجاءت النتائج مبشرة بالخير، مجلّية صورة التراث العُماني كما يريده المشتغلون بتحقيق التراث، وثاني الأقسام يتجلّى في اعتناء بعض [ المحقّقين ] بالمخطوطات وهم إمّا غير سابرين أغوار هذا الفنّ الدقيق، أو ضنّوا بجهدهم في خدمة المخطوط الذي وقع بين أيديهم فجاء عملهم مشوباً بالنقص، جائراً على النصّ، محتاجاً إلى تحقيق آخر يصلح الخلل، ويسدّ الثلمة بل الثلمات، أمّا ثالث الأقسام هو أغزرها، وأوفرها فيأتي المطبوع على هيئة المخطوط، صورةً أخرى له بيد أنّه مختلف عنه في الشكل فقط، المخطوط مكتوب، والمطبوع تناولته حروف الطباعة بلا تغيير، أو تدخّل، أو عناية من أيّ نوع كانت، وهذا النمط من الطباعة يخلّص المخطوط من الضياع، وصعوبة التعامل معه بيد أن النواقص تظلّ عالقة به من حيث افتقاده إلى تلك الشرائط التي تحدّثنا عنها سابقاً، هذا هو واقع المطبوع، وهو محتاج إلى جهود مضنية لتغليب القسم الأول على القسمين الثاني والثالث.

إنَّ هذه الأمور مجتمعة ترسم صورة هي أقرب إلى واقع المخطوط العُماني، وهي صورة تقترب في تفصيلاتها من واقع المخطوطات في الوطن العربي، ولكنّها تكتسب في عُمان أهمية خاصة لسبب نراه جوهرياً وهو أنَّ عُمان تمتلك تراثها الخاص الذي يعبّر عن تاريخها، وجغرافيتها، وفكرها في مناحيَ شتى من الثقافة، فنحن نتنقل في هذا التراث بين حقول معرفية متنوعة منها تفسير القرآن الكريم، والحديث الشريف، وعلم الكلام، والسلوك، والطبّ، وعلم البحار، والنجوم، واللغة، والنحو، والشعر، ويطول الكلام لو رحنا نستقصي هذه الحقول المعرفية، وهي مكتوبة بأقلام عُمانية هيّأ لها التراكم الزمني أن يتّسع مداها، ويغزر عددها، وتتعمّق مادتها، ومن هنا أصبح الالتفات إليها ضرورة وطنية في المقام الأول، وعلمية في المقام الثاني.

وأودّ الانتقال إلى المحور الثاني وهو الحلّ مستهدياً بالحكمة القائلة: أن تشعل شمعة خير لك من أن تلعن الظلام، فمادام الواقع كما بيّناه سابقاً فهل نستسلم له، ونستكين، ونترك الأمور تجري على أعنّتها بلا محاولة جادّة لتجاوز ذلك الواقع إلى ما هو أفضل منه؟ إنَّ المنطق والطموح المشروع يهديان إلى الأول، وهذا الأول محتاج إلى خطوات من الممكن تلخيصها فيما يأتي:

١- لعلَّ خلاصة الخلاصات، والأساس الثابت السليم الذي ننطلق منه هو الإيمان بأهمية المخطوطات، وكونها جزءاً أصيلاً من الذاكرة العُمانية، وركناً ركيناً من بناء الحاضر، والمستقبل، إذ بدون هذا الإيمان لا يمكن تحقيق شيء على الإطلاق، وخاصة في ظلّ تكاثر الدعوات التي تحمل بريقاً خلابا من مجاراة العصر، والانغماس فيه، والاهتمام بمشاكله، ومحاولة اللحاق بركبه إلى غير هذه الأقاويل، وكأنَّ الاعتناء بالمخطوطات والحرص عليها، ومحاولة نشرها يعيق ذلك كلّه، ومن هنا يأتي الإيمان المقرون بالإصرار ليكون أساس البنيان كلّه إذ بدونه لا يستقيم شيء البتّة.

٢- وتتمثّل الخطوة الثانية في مكافحة ذلك التشتت المشار إليه سابقاً، فمن الضروري أن تعمد جهة مسؤولة إلى جمع المخطوطات المتناثرة في أرجاء السلطنة، ولهذا وسائل معروفة، كما تعمد مرة أخرى إلى تصوير المخطوط العُماني الذي تحتفظ به المكتبات المعروفة في العالم، ومن الممكن التعرّف على وجود هذه المخطوطات فيها من خلال فهارسها، وهو أمر يعرفه المشتغلون في المخطوطات العربية، وبعد ذلك كلّه تكون هذه الجهة هي المسؤول الوحيد عن حفظ المخطوطات العُمانية، وتصويرها، ووضعها بين أيدي الدارسين فتغنيهم عن التنقيب، والتفتيش، وتقدّم الدليل الساطع على خصوبة المنجز العُماني في تلك الحقول المعرفية.

٣- ويرافق هذا العمل، أي صنع الفهارس، القيام بعمل علمي نقدي لا يقلّ أهمية عما سبق، وهو ما نستطيع تسميته بـ[ الاصطفاء ]، أي فرز ما هو صالح للتحقيق فالنشر، وما هو غير صالح، وذلك بالاستناد إلى معايير علمية صارمة بهذا الصدد، ومعلوم أنَّ في التراث، أيّ تراث، جانبين، جانباً حركياً حيّاً، وجانباً سكونياً مواتاً، وفي الأول بذور التجدّد والنموّ، مع التبشير بقيم أخلاقية خيّرة، ينشر من خلالها روح التسامح، والتعارف، ويمثّل الجانب الأدبي فيه قيماً فنية أصيلة من الممكن أن تصبح عنصراً فاعلاً في نسيج الثقافة المعاصرة، يمدّها بنسغ من الحياة جديد، ويمكّنها من الارتباط بجذرها الطبيعي، فإذا أُخرج هذا الجانب من التراث بنشرات نقدية علمية يكون عاملاً قوياً في ازدهار الثقافة المعاصرة، وقيامها على أسس متينة، وليست حركات التنوير في الغرب، وحركات الإحياء في الوطن العربي سوى شواهد قوية على ما نقول. ومن الممكن أن يمثّل إخراج هذا الجانب إلى النور المرحلة الأولى من عملية إحياء التراث الشاملة، أمّا المرحلة الثانية فتتمثل في الاعتناء بالجانب الثاني أي السكوني، ولاشك في أنَّ أهمية هذا الجانب لا تتعدى القيمة التاريخية البحتة، وهو نافع - بلا ريب - لمن يريد درس حقبة تاريخية معينة، إذ يقدّم له هذا الجانب أنماط التفكير التي كانت سائدة في تلك الحقبة، والقوانين التي كانت تحكم ذلك التفكير، والمنهجية العامة له، ويكون الاعتناء بهذا الجانب في مرحلة تالية بعد أن تكون المرحلة الأولى قد استوفت شرائطها، وأدّت دورها في بثّ تلك القيم النبيلة التي أشرنا إليها سابقاً.

إنَّ هذه الخطوات مع الإصرار الذي يرافقها كفيلة بنقل واقع المخطـوط العُمـاني إلى آخر أفضل بكثير ممّا هو عليه، ويتيح لذلك التراث الخصب أن يظهر للنور، وتبرز مكانته الحقيقية بلا ادّعاء، أو تزيّد.

إنَّ رصد الواقع بجوانبه جميعها يتيح نظرة شاملة معمّقة تكون أشبه بحافز للانطلاق إلى تجاوز الواقع السابق، والعمل على سدّ النواقص فيه، مع النظر بموضوعية، وإنصاف إلى الجهود السابقة، وهي جهود مشكورة، وحين يتضافر الجهد السابق مع اللاحق، ويتمّ البناء عليه لن تكون النتيجة سوى واقع ثقافي مزدهر يرنو المخلصون إلى تحقيقه، وجعله ملموساً تراه العيون.

 

تصميم الحاسب الشامل