|
|||||
|
إبان الإعداد لهذه الدراسة رحل عن دنيانا الطبيب والأديب والسياسي والمنور الدكتور عبدالسلام العجيلي (1918- 2006) يوم الاربعاء (٥) ابريل (2006) مخلفاً حوالي (50) عملاً ابداعياً. حيث ووري الثرى دون تأبين رسمي أو حشد، وذلك بناء على وصيته في جنازة تقتصر على أهالي بلدته. وقد منح الراحل، من رئيس الجمهورية العربية السورية وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة عام (2004) فالى روحه النبيلة ومسلكيته الخيّرة هذه الجهد المتواضع. احتل الموضوع الفلسطيني بعد حرب 1948، مكان الصدارة في نتاج أغلب الأدباء العرب من شعراء وروائيين وكتاب قصة، إلا أن القصص التي كتبها (عبدالسلام العجيلي) عن فلسطين وقضيتها(١)، تتميز بنكهة خاصة، هي نكهة الذاتية الممزوجة بالموضوعية، وهي أيضا، نكهة المكاشفة التي بداخلها النصح، وذلك بفعل التجربة المميزة التي لعبدالسلام العجيلي، كونه قد شارك في حرب فلسطين، وواكب القضية الفلسطينية التي صارت تجمع بين الخبرة والعبرة، طريقا عبدالسلام العجيلي الى قصٍ متفرد، ممتع ولماح، يستدرك أسباب تاثيره، بدرايته العالية بفنون السرد شرقاً وغربا، قديماً وحديثا، أضف الى مزايا «الذات المبدعة» في تأصيل موروثها ومورّثها، وفي اكتسابها المؤصل بالمقدرة والدرَبَة والمران، القائمة على تجربة انسانية قلما تسنت لسواه. كان عبدالسلام العجيلي وقتها نائباً عن بلدته الرقة في المجلس النيابي السوري، وعندما قامت حرب فلسطين تطوع مع عدد من زملائه النواب في جيش الانقاذ الذي تألف وقتها برئاسة فوزي القاوقجي، ومهمته دخول فلسطين قبل نفاذ قرار التقسيم في 15 أيار 1948، وبالفعل دخلت أفواج منه فلسطين، وكان عبدالسلام العجيلي في الفوج الثاني الذي سمي بفوج اليرموك..ولكن الحرب لا تفضي الى شيء، رغم مكابدة المتطوعين لكثير من أهوالها، وبلائهم فيها البلاء الحسن، فاضطر المتطوعون الى الانسحاب، وعلى الخصوص، بعد التقسيم، وتأييد الدول له، الأمر الذي نتج عنه لجوء الفلسطينيين الى الديار المجاورة بعد أن تخلى الانجليز عن الأرض لليهود، وعرضوا الشعب الفلسطيني الأعزل لمجازر الصهاينة، فلجأ وقتها الى البلاد العربية ما يزيد عن مليون فلسطيني. وقد كُتبت لعبدالسلام العجيلي النجاة، في حين لاقى عدد من أصدقائه وأقاربه حتفه، وعندما عاد من فلسطين، عاد بذكريات صار يكتب عنها كلما سنحت الفرصة(٢) فكتب عن المجاهدين فيها، والمتطوعين ورسم لوحات عن الحرب نفسها، كما كتب عن تسليح المجاهدين، ثم عن القضية الفلسطينية وتطورها، ومن ذلك قصة (كفن حمود) (٣) في رثاء ابن عمته الذي استشهد في حرب فلسطين فتبرعت أمه بكفنه الى لجنة التسليح. هذه المشاركة الفعلية في حرب فلسطين تركت أثرها في قصص عبدالسلام العجيلي، وهي على كل حال، معدودات، ست أو سبع قصص، إلا أنها شيقة وثمينة لما فيهامن تحليلات ووقائع عن فلسطين والكفاح الفلسطيني، وهو ما سنبينه في القصة التي آثرنا تحليلها مستأنسين بالألسنية (٤) وهي قصة (نبوءات الشيخ سلمان) (٥) لقيمتها الفنية والذهنية، والتي تتميز بعرضها رؤية نضالية عن فلسطين. وبالفعل إذ كان عبدالسلام العجيلي يتحدث في قصة (كفن حمود) عن استشهاد ابن عمته، او يتحدث في قصته (أينما كان) (٦) عن شيخ فلسطيني وأولاده الذين أبلوا البلاء الحسن في صدِّ عدوان اليهود عن قادة المجاهدين، أو يتحدث في قصته (بنادق في لواء الجليل) (٧) عن تسليح المجاهدين والمتاجرة بسلاحهم في السوق السوداء، فانه في قصته (نبوءات الشيخ سلمان) يعرض رؤيته في الكفاح العربي الفلسطيني. ومن هنا كانت هذه الدراسة التحليليةلقصة (نبوءات الشيخ سلمان) والتي استطاع المؤلف ببراعته المعهودة أن يرشقك في جوف السر، حين يقتادك الى سراديب تشبه سراديب (ألف ليلة وليلة) فما ذاك إلا لأنه يحاول أن يبحث وإياك، عن آنة العمق، وهي الآنة المفارقة للواقع، ولكن المحايثة لنسيجك الداخلي، فملكوت السموات فيكم على حد قول ابن مريم، وفي مثل هذا البحث لا يسعى الكاتب والقارئ إلا وراء شيء واحد: أن يعانق روحه التي بين جنبيه، فلست أحسب أن الانسان يكتب أدباً إلا سعياً وراء هذه الغاية..» (٨). التي تقوم عند عبدالسلام العجيلي على التوازن المحكم بين الحدث والنفسيات والقدرة على تكثيف العقدة الدرامية التي تؤثر هي، قبل غيرها، منذ أول نصوص نشرها هذا الانسان، الذي أسهم في معارك جيله بدون أوهام، ولكن بدون التزام (٩) هو الذي أفاد من تجاربه وتجارب الآخرين، كما يظهر ذلك في (نبوءات الشيخ سلمان)، وعلى الخصوص أناسي الشعب، فجعل مكانها خمارة الشاب الظريف، وزمانها في تقديم مسروديتها بعد خمسة عشر عاما من انتهاء حرب فلسطين، وتقديم رؤية، كما أسلفنا، نضالية عن الكفاح الفلسطيني. يضاف الى ذلك أن قصة (نبوءات الشيخ سلمان) تعكس كثيراً من الخصائص الفنية التي تميز الأدب القصصي أي العفوية في الترسل القصصي، والتحرر في نوعيته، فجمعت بين السرد والمقال والريبورتاج، أو هي تقوم على تضايف(10) مع بذرة قول اتخذ شكل ريبورتاج، وبالتالي جمعت بين الخبرة والمكاشفة والانتقاد. وبين العبرة والنصح والنوعية. التضايف السردي (نبوءات الشيخ سلمان) تقوم قصة (نبوءات الشيخ سلمان) على تضايف قصصي هو بمثابة تأطير لمضمونها الذي هو النبوءات. إذ قدم المؤلف لحادثة اجتماع بطله المتكلم بالشيخ سلمان، وسماعه الى نبوءاته بالحديث عن رهانٍ على كأسين، يربحهما البطل المتكلم إذا كانت قصة جديدة وممتعة، وبذلك استطاعت القصة أن ترتفع من ترسل مقال يتخذ شكل ريبورتاج الى قصة في تضاعيفها الوعي والتوعية. ومن هنا ظهرت القصة بحبكتين متضايفتين، الحبكة الأولى: هي حبكة الرهان على كأسين، وزمانهما هو زمان سرد المتكلم، قصته التي راهن عليها. والحبكة الثانية: وهي الأساسية: هي حبكة اجتماع المتكلم الذي كان متطوعاً في جيش الانقاذ بالشيخ سلمان، وسماعه نبوءاته، وزمانها هو زمان الترسل الريبورتاجي عن ذلك الاجتماع، الأمر الذي أكسبها قيمتها الذهنية كرؤية نضالية فلسطينية. ومن حيث ان بذرة الترسل القصصي في (نبوءات الشيخ سلمان) هي بذرة المقال الذي يتخذ شكل ريبورتاج عن حصول البطل المتكلم على هذه النبوءات، ومن حيث ان الحصول جاء صدفة أثناء مسيرة عسكرية للمتطوعين، ولم يكن، هدفاً عمل البطل المتكلم له، فالقصة تحقق شرطاً ألسنياً في البنية السردية، لأنها تقوم على تحول مضمون فعل، هو السعي للحصول على نبوءات، إلى مضمون حال هو الفوز بهذه النبوءات (١١) خلل بناء سردي تتكئ فيه الكتابة بلا تمثل مصدرين- أساس اشتملت وسائلها على صور متعددة، ازدادت بمسلكية العجيلي الانسانية وسبل اطلاعه ومعارفه وتنوعها: - استثمار أصول القص العربي، استثماراً فذا، يجعله وريثا شرعياً لأصفى ما في هذه الأصول من شفوية مرويّة، مع استفادة من تقنيات أجناسها التراثية القديمة. - إغناء فن السرد العربي باتكاء مدروس على الأشكال المطورة الأوروبية وغير الاوروبية وخصوصا في تعدد وجهات نظر الرواية.(12) من الواجب، هنا، إذن، ألسنيا وفنياً التنبيه الى ان الحدود السردية الأولية التي للترسل الريبورتاجي في العقبة، رغم انها نمّت عن حصول المتكلم على نبوءات، إلا أن ذلك لا يشكل بنية سردية هي برنامج عمل استهدفه البطل أو رفاقه، وإنما هذا الحصول جاء صدفة، والكلام عن طريق تضايف قصصي وريبورتاجي أيضا، والأنسب فنياً وتحديداً ألسنياً هو استجزاء القصة الى أجزائها، ثم تحليل مقوماتها، وخاصة الضمائر. بعبارة أخرى ان السرد في القصة استنفدته الريبورتاجية، وخيوطها، أي مجريات الأمور في مسيرة مجاهدين يتجهون الى مقارعة العدو في فلسطين، فيكون أن يسمع المتكلم رأي الشيخ سلمان في حملته، وهو ما سماه نبوءات، في حين أن الرأي كما سنرى يثمن الكفاح الفلسطيني ومستقبله. ويمكن تجزئة القسم الريبورتاجي الى أحد عشر جزءاً تتسلسل في زمان صاعد: ١ - اتجاه المجاهدين الى بيت جن في الجليل.. ٢ - أهل القرية يستقبلونهم استقبالاً بارداً. ٣ - المتكلم وبعض رفاقه ينزلون عند الشيخ سلمان. ٤ - الوصف الحسي والمعنوي للشيخ سلمان، طباعه وفضله. ٥ - المتكلم يحطم صورة لملك انجلترا معلقة في الغرفة، ثم يندم على فعلته. ٦ - اجتماع بين المتكلم والشيخ سلمان، قراءة أشعار، ثم معاتبته على كسر الصورة. ٧ - الشيخ سلمان يقول للمتكلم لو كان ولأصدقائك عقل، كما كنت هنا، وذلك تفكير، وليس علما، وأما العلم فهم عاجزون عنه. ٨ - اهتمام المتكلم بما سمعه، أرقه، ثم اجتماعه باكراً بالشيخ سلمان، حيث يسمع منه ما يسميه نبوءات، وهي مجرد رأي شمولي في أحوال الكفاح الفلسطيني. ٩ - مفاد حديث الشيخ سلمان، أو النبوءات هو: أن هؤلاء المتطوعين الذين قدموا لحرب اليهود سيموتون بالجسد في المعارك أو بالروح عند عودتهم، إلا أن ذلك كله لا يكفي لانقاذ فلسطين، وأنه بعد أن يموت الناس، ويحكم الفاسق، والعاجز، والخائن، والفاجر، تحبل الأمة بالألم، فتلد المنقذ المطهر. 10 - صدى النبوءات في رفاق الخمارة، والمتكلم يقول انه، الآن، بعد خمسة عشر عاماً من سماعه لها، فهذه النبوءات صحيحة، وما زلنا بانتظار تطهير فلسطين من الدنس. وأما التقديم التضايفي للقصة، ثم القفلة، أيضا، التضايفية، وما يترتب عليهما من مداخلات وتعليقات، فنكتفي منها بما يكشف عن صلة أنا المتكلم بأنا المؤلف. ومنها: - مكان رواية هذه القصة خمارة الشاب الظريف، في القصة متكلم وحيد هو (..).، ولكن اسمه لا يهمنا بشيء، انهم ينادونه بالاستاذ (ص113). - لا أحد يستطيع الجزم بأن ما يرويه الأستاذ واقع، او أنه من نسيج الخيال، أثناء روايته هذه القصة، يقاطعه بعض الحضور هازئين أو مشاركين، بجمل متفرقة غير مثبتة هنا، لأنها ليست ذات أهمية، أو لأن مفادها يرد في رد الأستاذ على من يقاطعه.(ص114). - أنا أحب السياسة؟ معاذ الله يا أبا معروف.. لماذا تلصق بي تهمة كهذه؟ ألأني أحب سماع كلام المعلق؟ تخطئ أنت، إذا كنت تظن انه يتحدث في السياسة، انه يتحدث عن الحرب، عن الضرب، عن الثأر، عن اليوم الذي ننتظره، أنتظره انا بفارغ الصبر.(ص115) - تقول أنك حفظت وحفظ جلساء الخمارة معك كل أحاديث جهادي! حسنا، ما رأيك، إذن، لو حدثتك الليلة بحديث جديد لم تسمع منه كلمة واحدة قبل الآن، تراهنني، بماذا؟ بكأس عرق؟.. بكأس واحدة إذا كان الحديث جديدا، وبكأسين اذا كان الحديث فوق جدته يلذك!.. اتفقنا! (ص116). - حسنا يا سادة يا كرام، قبل أن أبدأ الحديث أريد ان أسأل أبا معروف. هل تعرف بيت جن.. لا يا سيدي، بيت جن بفتح الجيم لا بكسرها.. أنت لا تعرفها.. هل تقر بذلك؟ حديثي الذي جرت وقائعه في هذه القرية جديد عليك إذن، وإذن، فهات كأس عرق.(117) - قصدنا في بيت جن من سحماتا في ممرات وعرة لم يكن قادراً على سلوكها إلا البغال، البغال التي حملتنا كانت تحمل الاثقال، وإلا الحمير التي كانت الأوهام! أية حمير؟! الحمير الآدمية التي كناها نحن المجاهدين. - كان بيننا بعض الأسود، وبعض الثعالب، وكان بيننا كذلك ضباع، ولكن أكثريتنا من الحمير أيها الاخوان.. ليس هذا رأي وحدي. فكذلك كان رأيك الشيخ سلمان، قاله لي بأسلوب لطيف صريح ومقنع.(119). - نعم ماذا كنت تفعلون أنتم في تلك الايام؟ أنت يا أبا معروف كنت اصغر منك اليوم بخمسة عشر عاما، وانت يا أستاذ زهير أنا اذكرك جيدا، فقد كنت تجاهد بقلمك أعنف جهاد، تقتل كل يوم خمسمائة صهيوني(118). - وأنت يا فتى ما اسمك؟ سمير؟ وفلسطيني أيضا؟ منذ خمسة عشر عاما كنت في الخامسة من عمرك؟ إذن، أنت لم تولد في مخيم، ولا مضافة، أنت اذن من الذين هربت بهم أمهاتهم حين انطلقت رصاصات الارهاب الأولى، أطلقها رجال الهاجانا.(٩١١). - وكنا ندري هل اعتبر أبومعروف نفسه خاسرا، أو كاسباً في الرهان، فقد تركنا خمارة الشاب الظريف، وأبومعروف يلملم أقدامها، ويطفئ أنوارها.. وقد غادرها كل الرواد ما عدا الأستاذ... الخ.(139).
الضمائر وصلتها بالمؤلف وأبطاله في هذه التضايفات، إذن، الشيء الذي يلفت النظر ألسنيا، هو الضمائر المستهلكة فيها: أنا، نحن، أنت، أنتم، هو، هم، الخ. والتي تكشف عن تدخل صريح للقاص المؤلف في المسرودية التي يقدمها بطله الأستاذ. والاستعمالان اللذان يؤكدان تمام التأكيد هذه التسوية في القصة، هما، أولاً قول المؤلف في مطلع القصة: - اسم المتكلم لا يهمنا بشيء، انهم ينادونه بالاستاذ (ص113). وثانياً قوله في نهايتها: لسنا ندري هل اعتبر أبومعروف نفسه خاسراً.. فقد تركنا خمارة الشاب الظريف (ص139). حيث الضمائر التي للمتكلم، وهي المتصلة في (يهمنا، لسنا، ندري، تركنا.). هي للقاص المؤلف نفسه الذي يقدم القصة، وأطرها المختلفة إذا اعتبر نفسه من الحضور، بين رواد خمارة الشاب الظريف في حين كان يمكن عدم التدخل في ذلك. أما بقية ضمائر صيغة المتكلم، المنفصلة، منها او المتصلة، فالموقف الألسني هو تفحصها من زاوية ما يعرف من حياة المؤلف، كما سنرى، عاداته، سجاياه، طباعه..(113). ولذلك نحن نرجح منذ الآن ان (أنا) المؤلف ظلت انا البطل، وأن الملفوظية واحدة فيهما، بدليل أن القصة ذكريات ريبورتاجية عن حرب فلسطين، صاغ المؤلف منها هذه الرؤية، ما سيتأكد لنا عندما نتفحص هذه النبوءات، خاصة، ان البطل المتكلم نفسه، يعترف أن الشيخ سلمان لم يسمعها كذلك.(132). كما انه يعود فيقول: - هكذا ألقى على الشيخ سلمان نبوءاته، أو موعظته، أو تهديداته، سموها ما تريدون، مما يدل على أن الذي جعلها نبوءات هو المؤلف نفسه. النبوءات: يحكم الفاشل، ثم العاجز.. ثم الخائن.. أما النبوءات، وهي المضمون الاساسي للقصة بمجموع عمليتها القصصية، فهي ما قاله الشيخ سلمان لراوي القصة، البطل المتكلم، وفيما يلي أهم نقاطهخا: - جئتم تنقذون فلسطين، أهلاً وسهلاً بكم هل تظنون سهلاً أن تطهر هذه الأرض بمائة او مائتين من المتطوعين، وبعض البنادق والرشاشات؟ في قديم الزمان كان يموت الانبياء، وتسبى الشعوب، وكانت تهدم الهياكل، وتسيل الدماء أنهاراً حين يتدنس حجر من هذه الأرض، فمن أنتم حتى تطهر بموتكم وحدكم فلسطين؟.. الطيبون وحدهم الذين يموتون هنا، وليس فيكم من الطيبين ما يكفي لتطهير هذه الأرض من الدنس فيها...، وقد قلت لك أنك ستعود الى أهلك سالما، أنت وأمثالك، ستعودون سالمين، من فشلكم هنا ستكسبون قوة، وسيصبح لكم سلطان، ومع أنكم لستم طيبين، فأنتم غير خبثاء، لذلك فانكم ستموتون في بلادكم في سبيل فلسطين، ستموتون إن لم يكن بالجسد فبالروح، ثم لا يكفي هذا لانقاذ فلسطين. - جماعات اثر جماعات تتعاقب، ثم تنقرض على هذا السبيل، يجيء الطيبون في البدء، ثم يذهبون، ثم الأقل طيبة، ثم يأتي الخبثاء، نعم الخبثاء لابدّ قادمون، أولئك الذين يبيعون أرضهم وملتهم ويتظاهرون بأنهم يضحون في سبيل الأرض، والملة، ويأتي الخونة الكاذبون، ثم خونة صادقون لا يبيعون الأرض، بل يتنصلون منها، كل هؤلاء سيأتي دورهم، وحين ذاك، بعد أن يموت الناس، ويحترق التراب، ويحكم الفاشل، ثم العاجز، ثم الفاجر، تهتز جنبات الأرض، وتحبل الأمة بالألم، فتلد المنقذ المطهر، هل فهمت ما اقول؟(ص135-137). موقع هذه النبوءات في المسروديّة والتجربة أين موقع هذه النبوءات في القصة الفلسطينية، بل أين موقع هذه النبوءات في القضية الفلسطينية، هل هي شيء من صنع المؤلف للتعبير عن أفكاره، أم شيء حدث فعلا، ووجدوا المؤلف يعبر عن الحال الفلسطينية وموقفه منها؟ ليس من المستبعد حصول جميع الملابسات التي تصفها القصة بحبكتيها الأساسية والمتضايفة، وهي السرد لحادثة اجتماع البطل المتكلم بشيخ يقول موعظته، معبراً فيها عن موقفه من دخول المجاهدين الى فلسطين، لانقاذها، والقصة بالتالي من تجربة المؤلف ومن ذكرياته. التي يلجأ اليهما، عبدالسلام العجيلي، مستثمرا الوقائع والمشاهدات والتجربة، وهي غنية جداً في حياته لتجسيدها لصالح الفكرة، غالبا، ما تستر في اطار قيم القص الناجح، على بواعثها، لتصل بوضوح الى غاية، بصر العجيلي دائما، ان يضعها نصب عينيه ليقول رأياً ونصحا، تحذيراً او تنبيهاً كل ذلك في بنية سردية، غير خاضعة لمحمولاتها، التي لا تفرض عليها شرطا، يبعدها عن مقدرتها الجمالية. وربما، في هذا تكمن براعة عبدالسلام العجيلي، في خلق توازن سردي مُحكم يؤدي وظيفتيه الاساسيتين، شرطاً لتجانس القول السردي وفعله. ومع ذلك يمكن، دائما، للقاص، من الوجهة الألسنية، أن يوجد قصة، ليست كل مقومات بنيتها، كما هو معروف، من الواقع، فتعمل المخيلة على (قصة واقعية) أساسها (الافتراض).. ولكن بعض النقد، يضيف، في مثل هذه الحالة، عنصر التفتيش في السجل الشخصي للمؤلف، بحثاً عن وقائع تفسر المسرودية المعروضة، وبذلك يتأكد من واقعيتها أو وهجها.. وهو ينطبق تمام الانطباق، هنا، إذ أن القصة، وأيضا، مداخلاتها من تجربة صاحبها المؤلف، وهو الذي شارك، كما هو واضح ومذكور في حرب فلسطين وله فيها ذكريات، وكتابات... وهو ما يكشفه في نهاية المطاف تداخل الخصوصيات الذاتية مع الخصوصيات الموضوعية في القصة وسياقاتها المختلفة.. الذاتية والموضوعية في سياق المسروديّة السياقات السردية في الحبكتين(14)، الاساسية او المتضايفة تكشف عن خصوصيات ذاتية وموضوعية، تؤكد صدق حديث المؤلف عن هذه النبوءات.. وهي تتعلق بـ: ا - الزمان والمكان فان تحديد الزمان المتضايف بخمسة عشر عاماً بعد حرب فلسطين، والزمان الاساسي بأيام استضافة الشيخ سلمان للمجاهدين، هو من الخصوصيات التي عاشها المؤلف وتشكل جزءاً من تجربته، وأما تعدد اسماء القرى في الجليل، وعلى الخصوص، وصف وعورة المسالك إليها، سجاما، كسرى، ينوح، ميرون، والرأس الأحمر (ص139) فانه يدل على حس الواقع الذي تميز به المؤلف، وبالتالي صدقه فيما يكتب. ب - الغمز والتعريض الغمر كالذي في الحديث عن الفاصوليا المسوسة، أو التمور المدودة التي كانت تقدم لهم (ص119) والتعريض كالذي بمتاجرة السماسرة بقوت المجاهدين (ص119 نفسها). وسبق للمؤلف أن انتقد في قصص أخرى المتاجرة في السوق السوداء بسلاح المجاهدين.
خصوصية حديث الشيخ سلمان وذلك أن هذا الحديث الذي هو رأي شخصي للشيخ سلمان، واعتبره البطل المتكلم، وايضا المؤلف، نبوءات تعكس خصوصية الاعتقاد الشعبي بالمنقذ المطهر... وان نقل هذا الحديث على حاله يدل على حرص المؤلف على التقيد بمعطيات الواقع الذي عايشه فترة تطوعه في حرب فلسطين.. وهناك خصوصيات فنية في ثنايا الحبكتين لا يصعب على القارئ تبينها وردها الى المؤلف. وباختصار، ان قصة (نبوءات الشيخ سلمان) رؤية في الكفاح العربي الفلسطيني، اضطرت المؤلف الى التضاعف السردي. لأن بذرتها بذرة مقال اتخذ شكل الريبورتاج.. إلا أن جميع المؤشرات تدل على أنها من تجربته وذكرياته، خاصة انها تجمع بين العظة بالماضي، والأمل في المستقبل والانتصار المشروع أو أن ما وفره لها المؤلف من فن في العرض والأداء، والمسلكية اللغوية الموحية العالية، والدقة في العرض والوصف، والصدق في المكاشفة، جعلها من أجود ما نقرأ أو ندرس من (قصص فلسطينية) في اطار ما يتناوله فن السرد العربي الحديث من تبعات قومية في أكثر أشكالها تراجيدية وأثراً. هوامش واحالات ١ - ولد الدكتور عبدالسلام العجيلي، على ما يرجح هو نفسه عام 1918 في مدينة الرقة بسورية، درس الطب في جامعة دمشق، طوال سني الحرب العالمية الثانية، وانتهى من الدراسة بانتهاء تلك الحرب عام 1945. مثل مدينته، كنائب في مجلس النواب السوري عام 1947، وتولى الوزارة عام 1962، بين نيسان وأيلول من ذلك العام في وزارة الثقافة ووزارة الخارجية ووزارة الاعلام. تطوع، وهو نائب، في حملة جيش الانقاذ بقيادة فوزي القاوقجي وهي الحملة التي كان مقررا لها أن تدخل فلسطين قبل أن يصبح قرار التقسيم نافذ المفعول في 15 ايار 1948. وقد أتاح لي - يقول الدكتور عبدالسلام العجيلي- تطوعي بهذه الحملة تجربة فذة ومعرفة غنية سواءمن الناحية الشخصية أو الناحية العامة. لقد اكتشف من خلال تلك الفترة التي قضيتها في فلسطين وفي ميدان المعارك، إذا صح لي أن اسميه هكذا، أشياء كثيرة عن خصائص شعبنا، وعن أقدار رجالنا، ومن سوء الحظ أن تجربتي قد تكشفت لي عما خيب أمل الشاب الذي كنته، ومن سوء الحظ كذلك ان سير أمورنا القومية منذ عام 1948 حتى اليوم جاء مؤيدا لتقديراتي السيئة عن وضعنا وامكاناتنا، تلك التقديرات التي وضعتها لنفسي في ذلك الوقت. راجع بهذا الصدد: - د. عبدالسلام العجيلي: أشياء شخصية، طبعة خاصة ومحدودة، دار الحقائق- الكرمل، دمشق، ٠٨٩١. - دراسات في أدب العجيلي. مساهمات ل: بروفيسور جاك بيرك، بروفيسور جان غوليه، جورج طرابيشي، د. حسام الخطيب، سليمان فياض، سامي عطفه، شوقي بغدادي، د. عبدالرزاق جعفر، عدنان بن ذريل، فريد جحا، د. محمود موعد، د. نعيم اليافي، يوسف سامي اليوسف، حرر الكتاب وقدم له د. ابراهيم الجرادي، دار الأهالي، دمشق، 1988. - أضاعوا فلسطين ولاحقوني على مسدس. يوميات عبدالسلام العجيلي في «جيش الانقاذ»، مجلة (الهدف)، العددان، (1154- 1155)، 18-٢/٧/1993. اجرى الحوار: د. محمد جمال باروت. - كتب العجيلي عن القضية الفلسطينية الكثير، قصة وذكريات، مقالات سياسية، مباشرة، شعراً.. ومن ذلك عملان معروفان كتبهما عام 1948، قصيدة (المجاهدون) ونشيد بعنوان (نشيد الزحف)، وفي الأدب السياسي له مقالات مبكرة منها: (في فلسطين ورثة شيلوك يردون الجميل) عام 1944 ومما ورد فيها: «.. وتلك العيون الدرهاء التي تطل منها دائما وأبداً نظرات شيلوخية تطالبك بشريحة من لحمك وزنها رطلا. لأنك تجاسرت فتنفست من الهواء الذي تنفسه وريث تاجر البندقية». ويمكن العودة بهذا الصدد، أيضا الى: - عبدالسلام العجيلي: ديوان (الليالي والنجوم)، دار مجلة الأديب، بيروت، 1951. - طلعت سقيرق: عبدالسلام العجيلي، لبيك يا داعي الفدا، صحيفة (الاسبوع الأدبي) 14-٢-1998، العدد 1959. ٣ - من مجموعة (الحب والنفس)، دار الآداب، بيروت، 1959. ٤ - لا بدّ لصاحب هذا البحث أن يشير الى انه ليس (ألسنياً)، الا بمقدار ما يخدم هذا الاتجاه النص، في اطار عناصرأخرى، ولا يبتعد كثيراً في مساهمته هذه عن هذا الموقع، وآثر الاستفادة هنا من اجراءات الألسنية، كعناصر تستدعي الابتعاد عن استثمار محمول هذا البحث، الذي يقود بطبيعته، الى انفعالية مشروعة لا يسعى إليها صاحب هذه الدراسة. ٥ - من مجموعة (فارس مدينة القنطرة)، دار الآداب، بيروت، 1959. ٦ - من ممجموعة (الحب والنفس) مصدر مذكور. ٧ - من مجموعة (قناديل اشبيليا) دار الآداب، بيروت، 1956. ٨ - يوسف سامي اليوسف: دراسات في أدب العجيلي، مصدر مذكور، ص31. ٩ - جاك بيرك:دراسات في أدب العجيلي، مصدر مذكور، ص١٢١. 10 - تشغل موضوعة تقارب الفنون، وإلغاء الفوارق بين وسائل التعبير، حيزاً واضحا في الممارسات النقدية العربية الجديدة، ومنذ كتاب (اندريه بازان) الرائد، (العلاقة بين الفنون)، والحديث عن التأثيرات المتبادلة بين هذا الشكل وذاك، يتسع تنظيراً وممارسة. ولنا في هذا الاطار امكانية تثمين جهود د. رمضان بسطاويسي محمد، وتحديداً في عملية: علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت (المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1998) والفصل الرابع منه تحديدا. و(جماليات الفنون وفلسفة تاريخ الفن عند هيجل (المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1992). ١١ - يقرأ البرنامج السردي عند جريماس، تحديدا، على انه تحول مضمون فعل الى مضمون حال في ملفوظات العلاقة الذاتية لتحقيق قيمة. وللناقد السوري الراحل عدنان بن ذريل الفضل الاول في التحليل الألسني على الساحة النقدية السورية، واشاعة مصطلحاته ومواقفه، على الساحة العربية، من خلال آراء واجراءات لرولان بارت وجوليا كريستيفا، وفيدور يتودورف وجينيت وغيرهم في التحليل الألسني للمسرودات. وعلى صاحب هذا البحث ان يدين بالعرفان للاستاذ بن ذريل على ما قدم له في هذا الباب من خلال جهوده الكثيرة وملاحظاته المباشرة وتدخلاته الموحية. 12 - د. رياض عصمت: الصوت والصدى- دراسة في القصة السورية الحديثة، دار الطليعة، بيروت 1979، ص47. 13 - راجع بهذا الصدد: - محمد القاضي: تحليل النص السردي، دار الجنوب للنشر، تونس، 1997. - سمير المرزوقي، جميل شاكر: مدخل الى نظرية القصة، ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر، الدار التونسية للنشر، 1985 (سلسلة «علامات» التي يشرف عليها الأستاذ توفيق بكار). 14 - من الوجهة العلامية السيمولوجية، يقصد من مصطلح (مسنن سياقي) كل ما ورد في القصة من مفردات وتراكيب تتعلق بمجريات الأمور فيها، أي أنها، هنا، الخمارة، وروادها، والاستاذ، واجتماعه في حرب فلسطين بالشيخ سلمان... الخ. فكل هذه الأشياء تشكل، اذا استخدمنا سنناً او شيفرة- الترجمات الشائعة لـ - CODE أو مرموزات لها علاماتها، أي دلالتها على النص، وبثه، في حين يقصد بـ(مسنن ثقافي) كل ما ورد فيها من مفردات وتراكيب تتعلق بالأفكار والمعاني فيها، وابرزها ظهور المنقذ المطهر. والتي دلت المؤشرات على انها من موعظة الشيخ سلمان، قدمها القاص على انها نبوءات. |
|||||
|
|||||