|
|||||
|
كانت شخصية كمال سبتي شخصية إشكالية، بدءا من الأشياء الحياتية العادية وحتى التفاصيل الأدبية الخاصة جدا، حينما التقينا، نتيجة صدف وصداقات ناشئة قادتني سفراتي كشاعر ناشئ من مدينة لم تمنحني أنا القروي الدفء ولا الاعتراف، وبحثاً عن أشقاء روحيين، إلى مدينة الناصرية، هناك تعرّفت بين ما تعرّفت عليهم، كان كمال سبتي، الذي بدا لي آنذاك بأنه قد قطع شوطاً في الكتابة الشعرية وأجادها بحيث نجح في نشر بعض محاولاته الأولى، بينما أنا أضرب بعكازي الشعري في عماء قريتي ومدينتي المغلقتين... هذا التعارف الأول كان كافياً لتربطنا صداقة إجبارية فيها الكثير من التناقض والندّية التي تفرضهما هكذا أحوال، كما تفرضها أهواء سياسية تلوّنا بها آنذاك، أهواء سياسية تركت آثارها على مجرى حياتنا وطبعتنا بها، رغم كل التحوّلات السياسية والثقافية التي مررنا بها فيما بعد... اشتركنا، كل حسب طاقته ووعيه، في مناهضة الواقع القائم، أردنا اجتراح المعجزة الأدبية، قمنا بكل الخطوات التي كانت ممكنة بالنسبة لكل واحد منا آنذاك، بتخطيط أحيانا، وبتخبط في أغلب الأحيان، بفشل ونجاح.. ففي الوقت الذي فيه ماشى كمال سبتي الحالة القائمة آنذاك، وقفت ضدها وتركت البلاد مجبرا، لا حلّ آخر أمامي.. هنا بدا وكأننا قد وقفنا على أقدامنا، وقفة وهمية كما تأكد لنا هذا الأمر فيما بعد.. ربما بعد أشهر قلائل، فلا أحد منا استطاع أن يمسك بالجرة الذهبية، فكل ما كان بين أيدينا مجرد نتف من أصواف مغبرّة طائرة في الهواء، وهكذا كنا نسير لآخر مرة في خريف عام 1978 ونتداول الأمر على جسر الرصافة ببغداد.. حيث أعلنت لكمال وجهة نظري النهائية وبأني موشك على السفر، فيما كان رأيه مخالفاً لرأيي.. وهكذا اتجه كمال إلى مقهى البرلمان، مكاننا القديم، فيما اتجهت أنا إلى شارع الرشيد صاعداً إلى ساحة الأمة... فلم يبق لي صديق أجالسه، ومن بقي منهم لا يريد مجالسة أحد، عزلة اجتماعية ووجدانية قاسية، أنها الغربة البغدادية من جديد، بعد غربة القدوم الأول.. انفلش حزام الود وتفرّق أصحابه، ضاعوا، هجروا أو هجّروا... ما مرّ عام على إقامتي بفرنسا، وأنا أحاول استعادة أنفاسي، أن أتعلّم اللغة وأن أعرف طريقي ومشواري في العالم الذي وجدتني مقذوفاً فيه بلا أدني تحضيرات.. عالم ليس في مكنتي التعامل معه، أنا الذي يملك تجربة فقيرة في الحياة لا تتجاوز ضياع اختياري ببغداد ونتف من قراءات كانت كافية لجعلي أختار فرنسا.. لكني قبلت بصمت قدري الجديد بمختلف كوابيسه.. وتذوقت الضياع الحقيقي والانقطاع عن كل مسببات الحياة العادية.. انها الحماقة بعينها التي جعلتني أصدّق أحاديث المغامرين قبلي.. تصوّرت نفسي مسافرا وسافرت وها أنا أتذوق نتيجة قراراتي.. وفي خضم هذه الأيام القاسية وفي قمة اليأس وإذا بكمال سبتي يلحقني حيث وجدني جالسا على مصطبة في ظل شجرة أمام معهد تعلّم الفرنسية بمدينة تور.. هناك، لم أكن أملك غير وجودي في العراء وبضعة كتب مودعة عند هذا أو ذاك. حالة ربما رفعت مقاييس اليأس لديه وضاعفت من احباطه، هو المحبط أبدا، الأمر الذي جعله يعود من حيث أتى.. فبعد عام من سفري لم يجد لدي حتى مكان إقامة، بل لم يكن لدي ما يسد ثمن الزاد.. فأنا كنت أنتظر الصدفة أو حلول المساء حيث ترمي الدكاكين التالف من الأطعمة.. ومرت أيامي لكي أغادر إلى ألمانيا.. ومع مرور الوقت استطعت التمسك بخيط من الأمل والعمل على نفسي لكي أرى.. فيما جاءت طواحين الحرب العراقية الايرانية لكي تعيد عجن حياة كمال سبتي وكتابته.. وفي حالات من التذكّر أو الشوق أو محاولة التواصل وبعدما فشلت محاولاتي السابقة في مراسلة الأصدقاء في العراق.. انبثقت فكرة مراسلته باسم مستشرقة ألمانية وهمية.. وهكذا عدنا نتخاطب مقنعين لسنوات.. كنت أكتب اليه بواسطة الآلة الكاتبة متعمدا اقتراف اخطاء بسيطة.. فيما هو يكتب لي بخط يده، رسائل للأسف اتلفتها في لحظات التشنج والخصام فيما بيننا.. وهي سمة مميزة لعلاقاتنا فيما بعد. ولكن ما أن طرحت الحرب العراقية الايرانية أوزارها استغل كمال سبتي دعوة إلى ليبيا عام 1989 وبقي في يوغسلافيا السابقة، من هناك ومن قبرص ومن بلغراد ثانية ومن اسبانية محطته ما قبل الأخيرة تبادلنا رسائل نارية ومحادثات عبر الأثير.. وخططنا لمشاريع لم ينجز منها أي شيء تقريبا.. كان يؤمن بالتأثير السريع لما يكتبه وينشره وحينما يتأخر رد الفعل أو لا يأتي أبدا، يحاول أن يتوهمه، على الأقل في سنواته التي أمضاها خارج العراق، وهذا الشعور كما اعتقد يعود في الأصل الى سنواته في العراق، ففي ذلك الحيز الضيق يمكن أن يستشعر الكاتب ردود الفعل بسرعة قياسية وهي حالة لا يمكن ان يسمح بها تعدد الأصوات والقضايا وأولويات النشر وتعدد الاهتمامات واختلافها واختلاطها.. معركة كمال سبتي كانت دائمة وهي معركة مع الجميع، مخلوطة بالمبالغة والتوهم، والغالب عليها الاستعجال، لكأنما يريد أن يأخذ الدنيا غلابا.. وهذا شعار أو هدف لا يعني الشعر أبداً ولا يمكن للشعر أن ينجح به أو من خلاله. رسائله المتبقية هنا، اضمامة صغيرة تقف إلى جانب رسائل أصدقاء آخرين رحلوا، أين أودعها؟ أين المؤسسة التي تهتم بها؟ كان من الصعب عليّ أن أصدّق بأن كمال سبتي قد رحل عنا، ودائما أهمّ بالكتابة إليه أو الإتصال به، لهذا الغرض أو ذاك، لكني أجد نفسي محتاراً أمام حقيقة بأنه رحل وكأني لا أصدّق هذا الأمر!
الشّاعِرُ في التّاريخ كمال سبتي الرَّجُلُ الجالِسُ في المَكتبةْ مُؤَرِّخٌ يَكتُبُ عَنْ شاعِرٍ الرَّجُلُ الهارِبُ في سيرَةِ مُشَرَّدٌ في الليلِ كَالليلِ رغيفُهُ بارِدْ رَغيفُهُ واحِدْ عُنْوانُهُ مِصْطَبَةْ مَحَطَّةٌ مُغْلَقَةُ البابِ الرَّجلُ الخائِفُ في سيرَةٍ يُغَيِّرُ الشَّكْلَ تِباعا، فَمَرَّةْ بِلِحْيَةٍ كَثَّةِ وَمَرَّةً بِشارِب، ثُمَّ مَرَّةْ بِنِصْفِ قَلْبٍ حائِرٍ في الطَّريقْ يَسيرُ فَوْقَ جَمْرَة، ثُمَّ جَمْرَةْ تُلْقيهِ فَوْقَ جَمْرَة، في الطَّريقْ الرَّجلُ الخائِفُ والهارِبُ في سيرةٍ شاعِرُ سَيْدْخُلُ المَكْتَبَةْ يَبْحَثُ في الفِهْرِسِ عَنْ نَفْسِهِ فَلا يَرى المَصْطَبَةْ وَلا الرَّغيف، لايَرى خَوْفَهُ وَسيْرَهُ فَوْقَ جَمْرَةْ بِنِصْفِ قَلْبٍ حائِرٍ في الطَّريقْ وَلايَرى في عَبْرَةٍ بَعْدَ عَبْرَةْ مَحَطَّةً مُغْلَقَةَ البابِ الرَّجُلُ الجالِسُ في المَكتبَةْ مُؤَرِّخٌ يَكتُبُ عَنْ شاعِرٍ عُنْوانُهُ مِصْطَبَةْ مَحَطَّةٌ مُغْلَقَةُ البابِ..
(القصيدة مأخوذة من مجموعته الأخيرة: صبراً قالت الطبائع الأربع، شعر، منشورات الجمل 2006). |
|||||
|
|||||