ألكسندر نجّار:
 فتنة المدن لا بجمالها، بل بسحرها الخفيّ
قـدرة الكاتب على «التلاعب» بالحقيقـة لا يعنـي الكـذب على القـراء

 

بسّام حجّار


«رواية بيروت» الصادرة مؤخراً (2005) عن دار نشر «بلون» الفرنسيّة، هي الرواية الخامسة للروائي والشاعر اللبناني الفرنكوفوني ألكسندر نجّار (مواليد بيروت عام 1967) بعد «منفيو القوقاز» (ترجمها كاتب هذه السطور إلى العربيّة وصدرت عن دار النهار للنشر تحت عنوان «دروب الهجرة») و«الفلكي» (دار النهار للترجمة العربية) و«آثينا» و«لايدي فايروس». وهي أيضاً رواية لافتة بفكرتها وبأسلوب معالجتها. إذ عمد نجّار إلى «تركيز» مائة وخمسين عاماً من تاريخ بيروت (لبنان) في نحو ٠٠٤ صفحة من القطع الكبير، مازجاً الوقائعي بالخيالي، مجاوراً ما بين الشخصيّات التاريخية والشخصيّات الروائية، في صياغةٍ سرديّة سلسة، تجانبُ المؤثِر لكنّها لا تأنفُ الشعريّ أحياناً.

 قبل عامين كان الكاتب والصحفي الشهيد سمير قصير، الذي اغتيل في حزيران المنصرم، قد أصدر مؤلفاً ضخماً تحت عنوان: «تاريخ بيروت» ( منشورات فايار، باريس 2003 ) ضمّنه، إلى الجهد البحثي الهائل في جوانب التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي، ما يشبه الرسالة الموجّهةً إلى المثقفين اللبنانيين والعرب في عِشقِ المدينة التي تؤرّقها وتجور عليها العصبيّات، عصبيّات الداخل ( في المعنى الجغرافي )، لكي تفصلها، بسدّ منيعٍ من التخلّف والمراوحة في التقليد، عن آفاق البحر.

في «رواية بيروت» يستأنف ألكسندر نجّار، كشاعرٍ وكروائي، تلك الدعوة، جاعلاً من البدايات باباً مشرعاً لثورةٍ على تقاليد الجور ( عاميّة طانيوس شاهين الشهيرة )، منتقلاً بها، شرارةً، إلى كنفِ المدينة التي تبقى، على الدوام، دوّامةً بلا قعر.

تبدأ «رواية بيروت من سيرة روكز، الترجمان في القنصلية الفرنسيّة، المتورّط في ثورة الفلاّحين، ويتصاعد سياقها من دون بلوغ ذروته مع الياس، الطبيب البيروتي، ليبلغ النهايات ( الذُّرى ) مع فيليب، أحد أحفاد روكز، الذي يأخذ على عاتقه مهمّة السرد الطويل لوقائع تستقيم الصلات فيما بينها لحظة سردها.

ثلاثة أجيال لثلاث حقبٍ من تاريخ بيروت، قلب لبنان وعاصمته، ومعها دوام الصراع المرير، للحفاظ على مدينةٍ لأن الحفاظ عليها يوازي الحفاظ على هويّة، يرى ألكسندر نجّار أنها مميّزة في محيطها وبين أشقّائها وجيرانها. ولكي يكون سرده وافياً، لا بل منصفاً، يُعملُ الخيالَ في تأويل بعض الوقائع، ذلك أن التاريخ الذي أراد أن يدوّنه لا يتّصل، لا من قريبٍ ولا من بعيد، بتاريخ الكتب والمدوّنات الجامعيّة. إنّه تاريخ البشر من خلال مصائرهم الضئيلة، المدوّن بيوميّاتهم وبمشاعرهم وبلحظات عيشهم الحميمة المتّصلة بحياة مدينتهم. ولعلّ الإمساك بهذا العصبِ السرديّ هو الذي أتاح لألكسندر نجّار أن يغوص في تقنيات الرواية التاريخيّة من دون أن يكتب، في آخر الأمر، روايةً تاريخيّة. لأنّ ما تصبو إليه «رواية بيروت» لا يقتصر على إبراز الحدث التاريخي الذي من شأنه أن يرقى بالمدينة إلى مصاف الأسطورة، بل أن يردّ الأسطورة ( إذا وجدت ) إلى مكوّناتها البسيطة ( عصب البيت والشارع وناسهما ) التي منها تنبثق كلّ أسطورة. وألكسندر نجّار، كما يقول في حواره معنا، هو ابن بيروت التي احتضنت، وما تزال، سنيّ عمره وعمله وإبداعه.

في ما يلي حوار أجريناه في بيروت مع الروائي والشاعر ألكسندر نجّار الذي أجاب بالفرنسيّة فعملنا على ترجمة أجوبته إلى العربية، كما ترجمنا فصلاً من روايته التي نأمل ألاّ يكون صدورها عابراً وأن تنال ما تستحقّه من اهتمامٍ لدى القارئ.

) : كسواها من المدن، تغوينا بيروت بالكتابة عنها، بموازاة العيش فيها. وأحيانا تضطرّنا الكتابة (الروائية) إلى إغفال المعضلة التي تحكم صلتنا بها. ما هي صلتك الشخصيّة بالمدن ؟ ما هي صلتك الشخصيّة ببيروت ؟ ماذا تحب فيها ؟ ماذا تمقت فيها ؟

*: إني بالإجمال شديد الانتباه إلى الأمكنة. فعلى سبيل المثال زرتُ مؤخراً مدينة بروج في بلجيكا، وفُتِنْتُ بتلك المدينة التي أثّرت فيّ عميق الأثر. في نظري لا يُقاس جمال مدينة ما بمعيار جمالي وحسب، بل بقدرتها على «مخاطبتك»، على التعبير عن أشياء وأمور، على استثارة مشاعرك. لكنني أعترف بأن المدن القديمة، كمدينة «سيينا» ( الإيطالية )  الراسخة الجذور في الماضي، تغويني أكثر مما تغويني المدن الحديثة حيث الإسمنت والزجاج سيّدان.

صلتي ببيروت فريدة. لقد ولدت في هذه المدينة وعشت فيها القسط الأوفر من طفولتي، واختبرت معها الحرب، وفيها أعمل كلّ يوم...  بيروت تمثّل افتتانا حقاً سواء في عيون أبنائها أو زوّارها. ليس لأنها أجمل من أي مدينة متوسطية ( نسبةً إلى البحر الأبيض المتوسّط ) أخرى، بل لأنها تتميّز بسحر خاص ولأنها تتنفّس حريّةً وهي قيمة نادرة في هذا المقلب من العالم.

ما أحبّه في بيروت هو كونها مدينة وسيطة بين شرق وغرب، بين بحرٍ وجبل، بين تقليدٍ وحداثة. ولأنّها مدينة كوسموبوليتية لطالما شكّلت نقطة التقاء حيث تتعايش جميع الأديان

وجميع الجنسيات، هذا فضلاً عن مكانتها كملاذ للحريّة لمئات الفنانين والمثقفين العرب، لأنّ ما يُنشَر في لبنان يستحيل نشره في أماكن أخرى من العالم العربي.

أذكر في كتابي («رواية بيروت») أن بيروت هي مدينة شبيهة بامرأة متعبة لكنها عزيزة النفس. وهذا صحيح. فهذه المدينة عانت العذابَ المرّ وما زالت موسومةً بأهوال الحرب، ما أفقدها بريق ماضيها. غير أنها حافظت على كرامتها وبقيت صامدة على الرغم من المحنة. وهذا ما يجعلها مؤثرةً في نظري.

) :  اخترتَ أن يكون التاريخ ( تاريخ لبنان ) ذريعةً لسيرة عائليّة ملتصقة بتاريخ «الحياة في بيروت». وبطلُكَ، إلى ميراثِه العائليّ، غالباً ما يمزج بين انتمائه إلى ذاتِ نفسِه وبين انتمائه إلى المدينة. هل أسعفتك المادّة التاريخيّة، أم كانت عائقاً في تحرّرك من بعض الأطر وهو ما تتطلّبه الرواية بصورة عامة ؟

*: إنّ الحدّ الفاصل ما بين الواقع والخيال هو حدّ دقيق. في هذا الكتاب اتخذتُ من حياة أسرة ممتدة لثلاثة أجيال ذريعةً لسردِ بيروت وتاريخها. غير أنني حرصت على المحافظة على الجانب الخيالي الضروري لكي لا أقع في أشراك البحث التاريخي. وصدّقني لم تكن المهمّة يسيرة. إلى ذلك أردتُ أن أحطّم المحرَّم المتمثّل، في معظم الروايات العربية، برسم خطّ فاصل بين الشخصيات الواقعية والشخصيات الروائية. والحالُ أن الشخصيات الروائية قد تغدو قريبة من الواقع بحيث تجاور الشخصيات الواقعية. هكذا يصادف القارئ  في روايتي بشارة الخوري، وبيار الجميل، وكميل شمعون، ومحمود درويش، ومارسيل خليفة وسواهم... بجوار شخصيّات وهميّة، تتحدّث إليها وتسهم معها عملاً وفعلاً.

  مثل هذا الأسلوب يستجيبُ في كتابتي لهاجسٍ مزدوجٍ. هاجس الصدق الذي يفضي إلى هدمِ الفاصل بين الواقع والخيال؛ وهاجس التأكيد على حريّة الكاتب الذي يمتلك الحقّ في أن يزعم لنفسِه ثلاثة خيارات مطلقة: خيار اللغة الملائمة، وخيار الموضوع، وخيار النوع الأدبي («القالب») الأكثر ملاءمةً لمشروعه أو لحساسيته؛ بالإضافة إلى هذا الخيار الرابع: القدرة على «التلاعب» بالحقيقة دون أن يعني ذلك الكذب على قرائه. ثمّة عبارة باتت ذائعة الآن مفادها القول: «إني أغتصب التاريخ ولكنني أستولده ذريةً جميلة.» أمّا أنا ففضّل القول انني «أحوّل» التاريخ ولا «أغتصبه».

من جهة ثانية أقول إنّ سرد تاريخ بيروت على مدى ٠٥١ سنة قد يفرض على الروائي بعض القيود من قبيل احترام وحدة المكان، وهو معيار عزيزٌ على قلوب مؤلفي المسرح الكلاسيكي، الذي يغدو قاعدةً ملزمة. ولكن حتّى في هذا المجال حاولت التحرّر، قدر المستطاع، من هذا القيد وذلك عبر جعلي كسروان هي إطار الحدث المكاني في البداية - في حقبة ثورة طانيوس شاهين - وعبر تحريك الشخصيّات بين مدن تقع خارج بيروت ( جبيل وجزين )  

) :  تاريخ المدينة هو تاريخٌ سياسيّ كما هو تاريخٌ «للجواهر الضئيلة» التي هي حياة سكّان المدينة كلّ يوم، وحياة الأماكن المستقلّة عن رمزيّتها ( الإيديولوجيّة، الوطنيّة... )؛ متى تقيم الرواية توازياً بين التاريخين، وكيف ؟

*: أنت محقّ في ما تقول. إذ ينبغي للرواية التي تتحدّث عن مدينة أن تعكس التاريخين معاً وهذا ما سعيت لإنجازه في «رواية بيروت» حيث الأشياء والحياة، حيث الجانب الاجتماعي والعلاقات الغرامية، وحيث ردود الفعل الطائفية تتعايش مع رؤية سياسية للمدينة. وبهذا المعنى يمكنني القول ان تاريخ بيروت بالغ الخصوبة إذ لطالما وُسِمَت حياة المدينة بالتجاذبات السياسيّة... التي أدّت إلى التدهور في آخر الأمر. التعارض السياسي بين فيليب ونور وانخراط جو في صفوف ( حزب ) الكتائب يعبّران عن هذه الفكرة خير تعبير.

) :  في كتاب سابق لك هو «مدرسة الحرب»، كانت بيروت الحرب تعجّ بالحياة. هل لأن الحرب تصنعُ للمدينة مصائرَ ممتحنة على الدوامِ باختبار الموت ؟ وهل نجت بيروت التي كتبتَ روايتها الجميلة، من هاجس الموت الذي طالما صنعَ حياتها؟

*: لقد دمّرت الحرب جزءاً كبيراً من بيروت غير أن الحرب لم تهزمها. في روايته «العجوز والبحر» يؤكّد أرنست همنغواي بأن «الإنسان يمكن تدميره ولكن يستحيل أن يُهزَم.» أحسب أن هذه العبارة تعبّر خير تعبير عن حالة بيروت التي برغم الحرب لم تستلم يوماً لليأس. في كتابي «مدرسة الحرب» سبق أن تحدّثت عن أجواء الحرب وعن قدرة أهل بيروت على تخطيها لكي تستمرّ الحياة، حياتهم، برغم كلّ شيء. لقد كان الموت هاجس بيروت يومياً. غير أن الموت لم يقضِ على تصميمها وعلى شجاعتها.  

) : مدن كثيرة كتبها روائيون كما عاشوها أو خبروها أو حتّى كما تخيّلوها. مَن منهم كان الأحب إلى نفسِك عندما قرّرت الكتابة عن بيروت؟

*: صحيح؛ لطالما ألهمتِ المدنُ الكتّاب. هناك طبعاً لورنس داريل و«رباعية الإسكندرية»، ولكن هناك أيضاً جمهرة من الكتّاب الرحّالة. من بين المعاصرين تستهويني أعمال ( الكاتب الفرنسي ) دومينيك فرنانديز الذي كتب عن عدد من مدن إيطاليا وعن سان- بطرسبرغ. كما تستهويني أعمال دانيال روندو الذي كتب عن طنجة والاسكندرية، الموقعين الأسطوريين على شاطئ المتوسط مثل بيروت.

) : هل أردتَ أن توجّه رسالة ما في اختيارك مدينتك، بيروت، وما هي ؟

*: الرواية هي في الوقت عينه قصيدة حبّ لبيروت، المدينة العزيزة الحرّة، وللحريّة - التي هي علّة وجودها. وما أردتُ التشديد عليه في هذه الكتاب هو أن معركة الحريّة التي شهدناها في الآونة الأخيرة في لبنان ليست ثمرة المصادفة. إذ لطالما عشق اللبنانيون الحريّة ولطالما ناضلوا من أجل الاستقلال سواء في زمن ثوّار كسروان أو زمن المشانق أيام العثمانيين أو في فترة الاستقلال عام 1943 أو فترة الاحتلال الإسرائيلي أو الوصاية السورية. يزعم البعض بأن «اللبنانيين لا يعرفون كيف ينتفضون». لكن هذا الزعم خاطئ؛ والتاريخ خير شاهد على ذلك. عند فراغي من تأليف روايتي كان الهدوء يسود بيروت. غير أنني، في قرارة نفسي، كنت أتوجّس من سوء سيحدث. إحدى شخصيّات روايتي تقول: «صبراً جميلاً، فالحرية مقبلة. ما زال بيننا أحرار ولسنا وحدنا.» يوم 14 شباط/فبراير، يوم اغتيل ( رئيس الوزراء اللبناني الأسبق ) رفيق الحريري كان يوم انطلاقة «الربيع اللبناني» وكان عاملاً موحداً نزل فيه اللبنانيون جميعاً إلى الشارع للمطالبة بحريتهم. كما حدث عام 1943. وربّما على نحوٍ أفضل.

) :  نعلم أنّك دائماً منهمكٌ في الإعداد لعمل جديد، شعراً أو مسرحاً أو بحثاً أو رواية. ما الذي تنكبّ عليه الآن ؟

*:  أنكبّ على إنجاز أعمال عديدة. كالإعداد لطبعة فرنسيّة لـ «أعمال جبران خليل جبران الكاملة» مع دراسة وشروحات؛ كما أعدّ مع دار نشر سيغرز الباريسيّة لإصدار «أنطولوجيا الشعر اللبناني». وفي الوقت نفسه أعمل على وضع سيرة للقديس يوحنا المعمدان، الشخصيّة التي طالما افتتنتُ بها، سوف تصدر ضمن سلسلة «دروب الأبدية» في منشورات «بيغماليون» الباريسية. وأخيراً أعدّ لنصّ سردي يتناول حياة أبي وهو رجل استثنائي يجمع الرصانة البالغة إلى الحساسية المرهفة. كتاب سيكون بمثابة تحية وتكريم وبالأسلوب الذي كتب به «مدرسة الحرب».

ترجمة الفصل الأوّل من رواية

ألكسندر نجّار: «رواية بيروت»

الفوضوي

أطلق على جدّي اسم روكز تيمناً بالقديس روكز شفيع قريته. كان يعمل ترجماناً drogman ولطالما حسبته عطّاراً  droguiste لسذاجتي التي جعلتني لا أميّز، لتقارب اللفظتين الأجنبيتين، بين المترجم المعتمد لدى القنصلية الفرنسية في لبنان وبين بائع العقاقير. كان جدي، وهو من مواليد سنة 1825 في ريفون، ببلاد كسروان عرين الناحية المارونية، قد تلقّى علومه على يد الآباء اللعازاريين في عينطورة حيث لقّنوه لغة موليير وأوصوا به لدى القنصلية. ولكي يبقى قريباً من مقرّ عمله هجر قريته وأقام في بيروت - بيريت القديمة، «مدينة الآبار» - في الطبقة الأولى من مبنىً مجاور لإحدى الساحات الرئيسية في المدينة: ساحة المدافع التي قال المؤرخون ونها مدينة باسمها لخمسة مدافع كانت نصبت فيما مضى عند أعلى البرج واعتُلِمت على خارطة للبحرية الإنكليزية ترقى إلى العام 1839؛ هذا إن لم يكن مصدر التسمية الفعلي عائداً إلى مدفعٍ ضخمٍ تابع للأسطول القيصري أنزله القبطان كوجوكوف إلى الشاطئ عام 1773 ونصبه بين البرج وأسوار المدينة القديمة، للقضاء على عصيان أحمد باشا الجزّار الذي تحدّى سلطانَه معلناً نفسه سيّد بيروت. هذه الساحة إذاً استقبلت ابن ريفون المغرّب في تلك المدينة الصاخبة، على مقربةٍ من الميناء الذي لا تهدأ حركته، وسط أصحاب المطاعم الرخيصة والإسكافيين وباعة البطيخ والصبّير. فكيف عاش منفاه ذاك، بعيداً عن منزله ذي الليوان وأشجار الصنوبر المحيطة به ؟ في مظهَرِه يُطالعنا الجوابُ اليقين: عريض المنكبين، كثّ الحاجبين كأنّهما إفريزان يظلّلانِ عينيه، أنفُ نسرٍ واسع المنخرين، وشاربان معقوفان، وفكٌّ مربّع عريض وذقن بارز. رجلٌ مثلُه وارثُ مَنَعَة الأرز لن يُثنيه منفى.

كانت حياة جدّي لتسلكَ مجرىً عادياً هي الحياة التي قد يعيشها موظّف عادي في القنصلية الفرنسيّة، لو لم تتخلّلها فترةٌ اضطراب كان فاعلاً فيها وشاهداً عليها. ما الذي حدا بجدّي إلى التورّط في أحداث تلك المغامرة ؟ هل كان حدسُه الذي يحثّه على مَقتِ الظلم هو دافعُه الفعلي، أم كان دافعه ذاك الشعور بالتضامن الذي دفعه إلى الانحياز إلى صفّ فلاّحي قريته ؟ هل تصرّف وفق إيعاز من الفرنسيين الراغبين في الحدّ من تجاوزات الإقطاعيين في الجبل ؟ لا أدري. فما جرى هو أنه وجد نفسَه منساقاً إلى الأحداث، وفي خضمّ العاصفة.

لقد تمكّنت من ترتيب سياق الأحداث انطلاقاً من الرواية التي حكاها لي والدي ومن بعض الوثائق التي عثرت عليها في محفوظات العائلة مستعيناً بمكتبة دير عينطورة الذي جُعِلَ مدرسةً منذ سنة 1834. ففي السنة التي كنت أعدّ فيها لامتحانات شهادة البكالوريا، ذهبتُ طلباً للعزلةِ والانكباب على مراجعة دروسي إلى ذلك الدير الذي كان قد استقبل جدي في زمنٍ مضى. وقد خصّه لامارتين الذي اعتاد التردّد عليه قبل أيامي بوصفٍ أخّاذ:

«أصلُ، قادماً من رحلة ترفيه، إلى دير عينطورة، أحد أجمل مواقع لبنان وأشهرها... يقع الدير في قلبِ وادٍ صغير على تخوم غابة صنوبر؛ غير أن هذا الوادي نفسه الذي هو أرض متوسّطة الارتفاع، يطلّ عبر مضيق جبليّ، عبر مطلّ بانوراميّ على سواحل سوريا وبحرها. أمّا باقي الجهات فهي كناية عن قمم مسنّنة من الصخر الكابي، المكلّلة بقرى وأديرة مارونية فسيحة البنيان. حفنةٌ من أشجار التنّوب والبرتقال والتين تنمو هنا وهناك مستظلّة أفاريز الصخر وفي نواحي الشلالات والينابيع: كأنّ الناحية ناحية من نابولي أو من خليج جنوى.»

شخصيّات مرموقة أخرى - فولني، جيرار دو نيرفال، هنري بوردو، أرنست رينان، موريس بارّيس، بيار بونوا، ورولان دورجوليس... - زارت تلك المؤسّسة الجليلة التي فتحت لي أبوابها في سنيّ النضوج. كنت أقضي معظم اوقاتي في مكتبة المدرسة. وكان الأب أرنست سارلوت، رئيس الدير، بجبينه المنتفخ البارز مثل قبّة ولحيته السوداء المنسدلة على صدره وعويناته الضخمة، يحثّني على الدرس ( مردّداً على مسامعي عبارة فيرجيل الشهيرة : )  Labor omnia vincit improbos باذلاً لي النصحَ السديد. عند المساء إذ تخالط غشاوة بصري وتدمع عيناي لطول انكبابي على القراءة، كنت أغادر مكاني لكي أمدّ يد العون لأمين المكتبة المنصرفِ إلى ترتيب المجلّدات على الأرفف. إلى أن وقعت ذات يوم على كتابٍ مخطوط ذي عنوان لافت: «مذكّرات سرّية وحميمة حول حوادث 1858 و1859 و1860 والوقائع السياسية التي تلتها».

كانت الوثيقة المذكورة تسرد وقائع ثورة الفلاّحين التي قادها طانيوس شاهين، وهو بيطار من ريفون، مسقط رأس جدّي. شخصيّة طانيوس شاهين، الملقّب «آميكو»، والذي خلّدته صورة دسّت بين صفحات الكتاب المخطوط، أصبحت شخصيّة أسطورية: حتّى أن البعض اعتبره رائد الجمهورية الأولى في الشرق.

من هو مؤلّف هذه «المذكرات السرّية» التي سارعت إلى نسخ ما جاء فيها في إحدى كرّاساتي خشية أن تصادرها إدارة الدير بغية إخفائها عن أعين الفضوليين ؟ رحت أقلّب صفحات الوثيقة، مراراً وتكراراً، منقّباً متفحّصاً: لم أجد ذكراً للمؤلّف! ولم أستطع إلاّ بعد وقتٍ، مستعيناً ببعضِ الاستقصاء والتقاطع والاستنتاج، وبفحص دقيق للخطّ، أن أهتدي إلى اسم المؤلّف: إذ تبيّن أنه الأخ فنسان، أحد المقيمين في الدير بين عامي 1856 و1877. فما هو الدور الفعلي الذي لعبه في الثورة ؟ وما كانت صلته بطانيوس شاهين ؟ ما كنتُ لأهتدي إلى الإجابة لو لم أعثر في محفوظات أسرتي على اليوميّات التي دوّن فيها جدّي يوماً بيوم الأحداثَ التي كان شاهداً عليها. وأيقنتُ بعد قراءتها بتمعّن بأنّ الأخ فنسان، برغم كونه راهباً لعازارياً، كان فوضويّ النزعة.


تصميم الحاسب الشامل