|
|||||
|
صدر للشاعر والباحث اللبناني شربل داغر كتاب شعري بعنوان: «عتمات متربصة»، باللغتين العربية والفرنسية، عن «دار لارماتان» في باريس، أعده وترجمه الدكتور نعوم أبي راشد، واشتمل على قصائد مختارة من مجموعات الشاعر المختلفة: «فتات البياض»، «رشم»، «تخت شرقي»، «حاطب ليل» وغيرها. ولقد قدمت دار النشر الشاعر بقولها: «ناقل، بل مهرب سري، بين العلامات والثقافات، شاعر الغيرية، والعابر بصنادل ممزقة فوق دروب لها من الاحجار كتب، وهي كتب عن الذات كما عن الآخر. قصيدة متجذرة فيما يعاش، ولها من الحاسوب مجاز محمول. قصيدة حاملة لرغبة في ازاحة الحدود وبلبلة اللغات. صوت الشاعر تراجيدي وحميم في آن، يعبر عن صعوبة ان يكون، أن يعيش حرا، في وضعية تقليدية، نزاعية، وان يكون ذاتاً متكلمة». كاتبة تقيم في باريس ولقد نظمت دار النشر، بالتعاون مع «مكتبة المتوسط» في باريس، ومع جامعة مارك بلوك في ستراسبور، سلسلة من الندوات حول الكتاب، وحول الشاعر الذي سبق له ان درس واقام في فرنسا طوال ثمانية عشر عاما قبل ان يعود الى لبنان. وكانت جريدة «أخبار الالزاس الاخيرة» (وهي اكبر جريدة يومية في شرق فرنسا) قد نشرت، اثر صدور الكتاب، مقالة عنه بقلم ناقدتها الشعرية كريستين زيمر، بعنوان: «شربل داغر: عن شيء الشعر الغامض»، تناولت فيه الكتاب معززة بمقابلة مع الشاعر. ومما قالته فيها: «في هذا الشعر حديث عن الغياب، عن صلات معقودة عن بعد، عن حوارات في اتجاه واحد، أشبه بقوارب انقاذ فيما يتعدى الحواجز والمعيقات والمصاعب. الاحتفاظ اذن بصلة بالآخر، ربما المتخيل، وربما الغائب، وبصلة ربما مع النفس. تفقد أرض الماضي، اذن، قول ما تخفيه المقابر، وما يبقى بعد الافتراقات. الايمان دوماً بالقصيدة، على الرغم من فشل اللغة، وهو ، في العملية نفسها، اعادة انبعاث للقصيدة». تقول ايتيل عدنان: «شعر شربل داغر عامر بعلامات وجود، شرارة، مسار برق في فضاء مضطرب. لا يتوانى الشاعر فيه عن مباغتة الهارب، والذكريات المتوثبة، والحاضر المجبول بالنار. انه شعر مسافر، وقد بات الشعور بالتغرب في أي مكان مفقوداً في السنوات الاخيرة. هكذا يلتقط الشاعر في أسفاره، خطفاً، نتفاً من رؤى متطايرة. وفي هذا العالم السريع، قصيدة داغر مبنية على الحاحات، على تناثر، على توقفات. هكذا تنعدم المناظر، وتبقى الصور التي يمتزج فيها الماضي بالحاضر. كما يقول صلاح ستيتيه في كلمته، التي أطلق عليها هذا العنوان: «الشعر غموضاً وغيابا»: بداية «يتوجب علينا ايلاء اهتمام كبير للعناوين التي يطلقها الشعراء على كتبهم. «عتمات متربصة» واحد من هذه العناوين العامرة بأسرارها المكينة. العتمة، هنا، مدعاة لخشية مرتين: لما هي عليه، وخصوصا لتوثبها، إذ أنها تتهيأ للانقضاض على فريستها. الهم ماثل، إذن ، وبما اننا امام عمل يقوم على التفقد الشعري، فان هذه العتمة لها طبيعة داخلية. ولكن ما الذي تحفه المخاطر إذ يصدر عن باطن الانسان الغامض؟ وكان لنا مع الشاعر داغر هذا الحوار: ٭ ها أنت في باريس من جديد، ولكن مع كتاب لم تكتبه فيها، بل تعود القصائد المترجمة في غالبها الى ما كتبته في بيروت، كيف ذلك؟ - ها أنت ترين ان الحياة ليست مبنية وفق تدبير، فيها رواج ومجيء لا ندري فيه ما اذا كنا نذهب او نعود، أو نتمشى ليس إلا. «أنا مشاء، ليس إلا»: قال رامبو، واستعيد قوله من جديد، بل اضيف عليه انني قد أتبين مسالك في القصيدة تحددني أكثر مما تحددني الاقامة هنا او هناك. هكذا تؤرخني القصيدة اكثر من السجلات والجوازات وتأشيرات السفر.. من القرية التي أتحدر منها لا أرى البحر. له وجهة فقط. الجبل أفقي، وهو ما يحدني واقعاً، إذ أن ما وراء الجبل يسحرني عند الغروب، وأعلم عندها أن الشمس انتقلت الى غيري... هكذا أطل على الخارج . فضاء يسبقنا ويبقى بعدنا. فضاء لنا ولغيرنا، اطار لوحة نرسم فوقها ما نشاء. وهو نافذتنا على العالم أحياناً، لكل شباكه، او شرفته، من دون ان نلتقي في غالب الاحيان. لنا وحسب عيون ريبة وخشية واشتهاء للقريب. ننظر الى بعضنا البعض شزراً. ما ان ندرج فوق رصيف يدرج الآخر فوق رصيف مقابل. في هذه العداوة ما يثير ، ما يحرض أحياناً، وفيها من الغباوة أيضا، جميل أن يكون للزيتون أكثر من عصير، وللعنب اكثر من لون. ٭ وماذا تقول في الترجمة، وأنت مترجم شعر كذلك؟ - استسغت ترجمة ابي راشد لقصائدي، وهو مترجم قدير ومشهود له بالكفاءة، في ترجماته المختلفة، أو في دراساته النظرية في الترجمة وعنها. ترجمته حياة ثانية لقصائدي، تتجدد امام ناظري مكتفية بما هي عليه. هذا ما اشعر به بعد انتهائي من كتابة قصيدة، فكيف لا يكون الشعور ذاته، بل اكثر مع قصيدتي المترجمة؟ ٭ انتقدت في غير كلام لك اعتماد بعض الشعر الحديث على «اللغة التالفة»: لو توضح موقفك في صورة أوفى. - اللغة التالفة تالفة ولا تصنع شعراً مميزاً لكونها تالفة. أما القول بأن هناك شعراً أجنبياً، امريكياً بالخصوص، قد عول على اللغة التالفة، بل اليومية، فهو قول خاطئ لا يدرك حقيقة هذه التجارب. فقد تكون لغة الشعر مستقاة من سجلات الكلام الاعتيادي إلا انها مبنية، ويشيع الشعر في جوانبها، في عوالمها الغريبة والدافئة: ذلك أن بعض شعرائنا خلصوا الى هذه الطريقة، و«طبعوها»، جعلوها محلية، وحولوها بما جعلها نمطاً استعمالياً بل مفتقراً الى الشعر. أتفهم بالطبع مساعي شعراء عرب في الاقتراب من عوالم مهمشة وكائنات ومفردات مرذولة، مبعدة عن القصيدة، كما لو انها غير جديرة بها... هذا ما فعله شعراء قدامى مثل امرئ القيس وابي نواس وابن الرومي، وغيرهم ايضاً، اذ كتبوا غير ما يقال في البلاط، أو أمام بركة الخليفة، او في حضرته. بل قالوا ما يجمع الشاعر بأصحابه، في حانة، حول وليمة، بينه مستمعاً وبين صوت مغنية، وبينه وبين عابر في شارع، وبينه وبين فراشه مريضا... أتفهم هذه المساعي الجديدة، ولا سيما عند شعراء شباب، لأنها تخاصم بعض الشعر الحديث الذي انتج فصاحة جديدة في الشعر، واستكان اليها. إلا ان تجديد الشعر لا يقوم فقط على الوقوف على ضفة اخرى، او على انتهاج سبل مضادة. هذا لا يكفي ان لم تصحبه رغبة في التأليف المحض، لا في الاستعمال المستسهل لعملية الشعر. فما تنساه مثل هذه القصائد هو ان كتابة الشعر اشتغال عال باللغة وفيها، وهو اشتغال يتيح تكثير الدلالة، ويجدد ويغير الاستعمالات الجارية للغة. المهم هو «كيف تكتب»، وليس «ماذا تكتب». بدليل أنني لا اتنكب، في عدد من قصائدي، عن ادراج مفردات شديدة العامية او خصوصية الاستعمال، مثل: «المبعوج» و«يبعط» و«السنكسار» وغيرها الكثير. يبقى ان اميز، اخيرا، بين بعض هؤلاء الشعراء وبين هذه الطريقة الشعرية، إذ انهم شعراء، لهم موهبة أكيدة، وتشيع في قصائدهم مناخات شعرية أخاذة. ٭ تعتبر من رواد قصيدة النثر، ولك فيها- على ما يقول غير ناقد- طريقتك الخاصة، كيف ذلك؟ - قد يكون لغيري اجابة شافية وانسب في قصيدتي مما لي ان أقول فيها. أسعى على اية حال الى ان أكون مخلصا بل متفانيا لما أعمل عليه في الشعر. إلا أن الجواب الشافي يتعين في تحديد، بل في تسمية هذه القصيدة، وهي عندي : القصيدة بالنثر، والقصيدة نثرا، خلافا لما هو مستعمل في العربية. وفي ذلك أكون امينا للتسمية بالفرنسية التي تأتت منها التسمية العربية (poeme ne prose) كما اكون أمينا لما تحمله الفرنسية من تحولات تطلب من الشعر ان يتعامل مع مواد النثر على انها مواد الشعر. هكذا يتم تغليب مفهوم «الشعرية» على غيره، كما يتم اخضاع عوامل بناء القصيدة لهذا المقتضى. فالقصيدة بالنثر تعني العمل في خلاء اللغة، في مشاعها، وفي نطاقات استعمالها وتراكيبها المختلفة، بخلاف الشعر النظمي الذي يعمل في نطاق محدود ومحدد من اللغة العربية على انه الجدير بالشعر وحده، ما يميز القصيدة بالنثر عن غيرها هو ان الشاعر قوام عليها اكثر من اقرانه الشعراء الآخرين، بما يمحضه القدرة المتعاظمة على التحكم والتفنن والتجريب كما لم تعد هذه القصيدة في خدمة غيرها، أميراً ومرجعية وفي اعادة تأسيس رمزي لها، وانما باتت تخدم نفسها، كيانها. ٭ ماذا يعني هذا الكلام في بناء هذه القصيدة؟ - تصعب علي مثل هذه الاجابة، لأنها تطلب تبسيطاً لما هو قيد العمل بنائياً في هذه القصيدة في صور مبتكرة ومتغيرة في احوال كثيرة، ولما يقع في التأرجح كذلك بين ابتناء القاعدة وبين تعطيلها. سعت سوزان برنار ، على ما هو معروف، الى استخراج سمات بنائية لهذه القصيدة ابتداء من قصائد فرنسية، إلا ان تجربتها لم تعرف النجاح المطلوب بدليل انها لم تعتمد إلا من باب الاستعراض التحليلي، لا من باب التعويل النقدي عليها. ومع ذلك كانت محاولتها جادة، فما العائق في ذلك؟ ان كل سمة بنائية عند برنار صالحة وغير صالحة في آن، في هذه القصائد مجتمعة، في كتابي (الشعرية العربي الحديثة)، وهو البناء الايقاعي ، إذ تحققت من ان لهذه القصيدة طرقاً ايقاعية، تنتظم وتنقطع في آن، تتواتر وتتعطل في القصيدة عينها... لهذه الملاحظة قيمة كبيرة، إذ يمكن معاينتها في غير وجه من وجوه بناء هذه القصيدة: ما يصلح سمة معتمدة في هذه القصيدة قد لا يصلح في قصيدة ثانية للشاعر عينه... وهو ما جعلني اميل في قول متأخر الى تسمية هذه القصيدة بالنص «المفردن»، اي الذي يعتمد على مقادير تحكم بنائية وجمالية عالية من الشاعر، وخلافاً لأية قاعدة، بما فيها القاعدة التي يفترعها شاعر بعينه وفي القصيدة بعينها. ٭ تحفل قصيدتك بأدوات التنقيط، وهو ما يخالف الطرق الكتابية لدى شعراء عديدين، كيف تبرر اللجوء الى ذلك، وانت الدارس لدور هذه الادوات في كتابك: «الشعرية العربية الحديثة»؟ - هذه الأدوات باتت جزءا من «عدة» الكتابة العربية منذ مطالع القرن العشرين، وخصوصا من عدتها المظهرية: إلا أن لها دورا ابلغ، وهو تميز القصيدة في مفاصلها المختلفة، أي ان لها دوراً تعبيرياً بالتالي. وهو ما اعول عليه في القصيدة. فهي ادوات أتصرف بها في تنظيم المعنى واظهاره، بما تتيحه من ابراز لتدرجات وانتقالات وانقطاعات وغيرها. وهو ما اعانني كثيرا في مطولاتي الشعرية. يعتقد البعض بأن التخلي عن ادوات التنقيط يفيد في محض القصيدة حداثتها، والمقصود بذلك هو زحزحة وتشويش احتمالات التركيب فيها، وهو خيار في الشعر. إلا أن هناك خيارات أخرى تتيح مثل هذه الاحتمالات المتداخلة، ولكن في تركيب الجملة، وليس في شكل ظهورها وحسب. والعائد الى شعر رامبو وغيره من رواد الحداثة الشعرية يتحقق من استعمالاتهم المتكررة لأدوات التنقيط، وفقاً لحسابات شعرية وجمالية بينة. ٭ ماذا عن علاقة الشعر بالقراءة، وأنت تتحدث عن وضعية جديدة باتت تطلبها القصيدة الحديثة، وهي انصرافها الى القارئ في جلسته الانفرادية، لا في حفل عام. - بات الشعر يكتب لكي يقرأ في صورة اساسية، واذ أضعه أكتبه، فلا أتلوه على مسامعي. وهو ما أتحقق منه اكثر، عملياً، اذ اضطر أحياناً الى تلاوة بعضه في لقاء، في امسية. وهو ما اعايشه أيضا تلاوة في الامسية ، فلا أتبين ما اذا كان لي أن أتوقف- دائماً- في نهاية السطور، وهو ليس منتهاها في احيان عديدة أم أن علي ملاحقة الجملة حيث لها أن تتوقف؟ ومع ذلك أجد في القراءة ما يخرجني من فعل الكتابة- القراءة نفسه، ما يضع الالفاظ في سريانها، في سويات عصبية، نبرية، قبل أن تكون تركيبية، لفظية. فأجدني ملتبساً فيما كنت اختفي فيه واعرفه، وفي ما كان مخفياً فيّ من دون أن أعرفه قبل أن ينبثق فجائيا في تدافعات كلام سبقتني بل استقبلتني في القصيدة، حيث انها ما يأتي الي فيما انا فيه. أهذا ما منعني من القاء بعض قصائدي اذ أتأكد تماما من انها «تفضحني» فيما يتعداني ويشملني في صورة مبرمة، لا عودة منها؟ ٭ تتحدث في غير قول عن «التذاذ» و«لذاذة» في النص، حتى انك تقول: «لذة الكتابة فيها». ما تعني بذلك؟. - النص هو الرغبة في القيام بعمل، بما يرضي الانسان في الكاتب، والكاتب في الانسان. بما يرضي بما يجعل الالتذاذ بالعمل ممكناً وحاصلاً. انتشاء جارٍ، وقبل البلوغ، على ان فعل الانتشاء يتعين في الجريان، وهو قيد العمل، لا في بلوغ جهة بعينها، ولا في وصول. الاقبال على ارتياد مناطق مبهمة، على ازاحة حدود ، بوصفها ما يجلب اللذة، ما يحرضها: الالتذاذ لا لذة بعينها. هو التحسس، المراودة، واللعب اجمالاً، هو ما يجعل التوتر ممكناً، وما يحيط الجسد بنورانية شهوانية: فما أن يسعى الى الامساك بشيء، يتوقعه او يشعر به قبل إمساكه، في المدى المشع «المكهرب» الواقع بالتالي بين اليد والشيء. أأقول: الكتابة عملية جنسية، أم أقول أن الجنس عملية كتابية، مجازية ومادية في آن؟ ٭ أتتحدث عن الحبيبة أم عن القصيدة؟ - اقبال شهي عليها، سواء هذه أو تلك، قصيدة أم حبيبة، بما يتعدى مشيئتي، في انصرافي البعيد، أياً كانت أداتي، على أنني أتحقق مما قلت في «رشم» أي من «فجأة الألفة». ٭ تكتب القصيدة الطويلة، لكنها تختلف عن غيرها: كيف تحدد هذه الفوارق؟ - انساقت غير قصيدة في شعري الى القصيدة الطويلة، من دون أن تقترب من غيرها. ذلك ان هذه تتعين بطول نفس الشاعر، إذا جاز القول. وهو في ذلك أشبه بالملهم، بالقائد الذي له ان يقول في موضوعات مختلفة، في وقفات يتيح لنفسه فيها ان يكون نرجسي العبارة، او نبوياً. وهما وجهان لقول واحد. أما في بعض شعري فقد انسقت الى المطولة لاعتبارات واقعة في السرد أساساً، في بناء الموضوع، في تنقلاته ووقفاته. قصيدة سردية، إذن، من دون ان تخلو أحياناً من غنائية خافتة لا تمليها حاجة شعراء- منشدين الى الانشاد، الى أن يتصدر صوتهم جوق الشعر- أيا كان هذا الشعر- وإنما تمليها تقلبات الكلام الشعري في تغيرات نبراته ومقاماته. ٭ تتجنب قصيدة نرجسية النبرة، إذا فهمت جيداً؟ - لا أسعى، ولا أكون في القصيدة ذاتاً «متواضعة»، مثلما يحلو للبعض القول، وإنما أقيم في الحوار، في التفاعل، في ما يقيمني في علاقة لازمة مع غيري. هكذا لا أصدح بالشعر، وانما أسر به لغيري، معه، مع الكائن او الكائنات التي تقيم في حيز القصيدة مثل وجوه في لوحة، أو أطراف جمل في حوار... فالقصيدة هي في هذا التوق، فيما يتبعه ويثيره من مراوحة ومداورة ومباغتة، أي في هذه الحركات المتناهية في تشابهها وتخالفها، في هذه الحركة التي «تستقيم في تكرارها»، «وتنتشي تباعا»، كما قلت في «رشم». ٭ يشتمل شعرك على شواغل فلسفية بينة، بين الذات والآخر، بين الأنا والجماعة، بين الصوت والكتابة، وفي ذلك تبدو غريباً في المشهد الشعري العربي. أليس كذلك؟ - لماذا الخشية من علاقات لازمة بالضرورة، أياً كان الشعر، بين الشعر والفكر؟ ذلك أن الفكر نسغ ينمي الشعر ولا يفقره أبداً، طالما انه يتحسس المنطقة الرخوة الغامضة، بين الحس والتأمل، بين المعتم والشهي. وما أخشاه في كلام بعضهم هو هذا التوكل على فتنة اللغة بنفسها، التي لا تعدو كونها افتتاناً نرجسياً بقدرة الشاعر على اجتراح القول الشعري، الذي هو رجع بعيد لنبوية ما. وهو في تعابير مدرسية شعرية انصراف شديد وعال الى رومانسية الشعر والشاعر. ولا تعدو الخشية من الفكر في الشعر ان تكون اعادة انتاج جديدة لفصاحة ما، لـ«اعجاز» ما هو مبتغى الكتابة منذ التحدي القرآني. ٭ لا تنفي، إذن، علاقة الفكر بالشعر. ولكن كيف تراها؟ كيف هي في شعرك؟ - للناقد كما للقارئ ان يميز بين امتثال القصيدة، بين تجنيدها لفكر دعوي وتبشيري- وهو ما عرفناه في الشعر العربي، حتى الحديث منه- وبين اشتمالها اللازم على الفكر. - والفكر عندي، ليس في ما سبق الكتابة، ويوجه الشاعر بل في ما يمثل كتابياً، في ما كتب ويخضع لغير قراءة بالضرورة. وهو في العلاقة التي ينشئها الفكر مع ما يقول، أي في شكل القول على انه دال على وجهة القول، أي ما يشدد عليه، ان شدد، ويخفف منه، وما يقنع به ويجعله محل احتفاء وتقدير. ٭ سؤال أخير: بما تجيب ان لم أسأل السؤال الاخير؟ - اذ تسأليني أجيب طبعاً، ولكنني أتساءل بدوري لكي أجيب، لكي أتبصر وأتحقق مما يمكن ان يكون عليه جوابي: ليس هذا من باب الحذر، وانما من باب معرفة ما يسبقني ويتعداني على انه مني. |
|||||
|
|||||