الرؤى الإخراجية لملحمة جلجامش دلالات المدينة فـي العرض المسرحي

 

حسين الانصاري


المسرح حلم يتجسد عبر العلاقات الجدلية والبنوية التي تنشأ بين الانسان والواقع من خلال مجالات التجربة الجمالية تلك التي يتم تشكيلها في ضوء معطيات المدينة وممارساتها الحيوية، وكيفيات انتظامها بتكوينات سمعية بصرية وحركية محملة بشفرات دلالية وفقا للرؤى والقراءات الإخراجية من جانب وفاعلية التلقي بوصفه اعادة واعية لانتاج المعنى .

المسرح  وسيلة تعبير عكست صورة المجتمعات القديمة بكل تعقيداتها وتشابك علاقاتها انطلاقا من الممارسات الطقوسية والنشاطات الحياتية العفوية التي تتجسد ضمن فضاءات المدينة للتعبير عن الواقع  والحرية والاضافة والتغيير، هذه الممارسات  مع مرور الوقت ارتقت الى نشاطات إبداعية منظمة جمعت بين احداث مدن الواقع وتصورات مدن المسرح المفترضة والمختزنة بالحلم والخيال.

فالمدينة الأولى هي البنية التحتية التي تتجلى فيها كل النشاطات الانسانية وفيها يتمظهر فن المسرح بتركيباته الفنية وتعبيراته المتنوعة التي تؤول الى دلالات معرفية تتضمن الافكار والقيم والمعاني داخل الفضاء الممسرح، ان هذه الدلالات تتأتى من خلال الموجودات الجمالية المؤثثة والحاملة لكل تلك الايحاءات والرموز والصور التي تجسد حلم الانسان لصياغة واقع أجمل في المكان (المدينة ) باعتباره احد العوامل البارزة في صناعة التأريخ الانساني لا بوصفه فعلا ماديا بل لكونه قيمة يجسدها الاشتغال الواعي لتحولاته من الاطار الذهني المجرد الى الوجود المحسوس اي من الواقع الى المتخيل.

وبمعنى آخر ان الفعل المكاني هو عرض التأريخ عبر صياغة انثربولوجية يكون محورها الانسان، اذ بدونه لا قيمة للمكان ويكون شيئا جامدا لا حياة فيه، لأن المتخيل الابداعي يمثل احد اشكال الوعي الاجتماعي او وفق رأي جورج لوكاتش «كل عمليات الانتاج الادبي والايديولوجي هي جزء لا يتجزأ من العملية الاجتماعية العامة»(١) فالمسرح يرتبط بالمدينة ومظاهرها وتحولاتها المستمرة، اذ يبادلها التأثر والتأثير، تكسبه بسمائها ويكسبها بتعبيراته المبتكرة وهذا لا يمكن ان يتحقق دون تلاحم عناصر المنظومة المسرحية كافة، والتي تتشكل من داخل المدينة ككيان وذاكرة وحياة وبشر ليتكون من خلالها وعي المسرح وضروراته سواء لخالق الابداع (الفنان المسرحي) او لذلك الجمهور المتلقي وكلاهما يشكلان قيمة المسرح ووجوده.

المكان والمكانة

 تشير الاساطير القديمة حول نشأة الكون بجوهره الاصل على ان الارض الرابية مصدر المكان الكوني ومنها انبعثت السماء حيث اوجدت العلو والتميز، ان نشأة المكان الاصل الذي يكتسب ذلك الجبروت المهيمن بفعل قوة مركزية تجعله يلقي بظلاله على الكون، بل يفرض وجوده ويعلن تميزه وعلو مكانته، ان الارض الرابية هي الاساس الذي كان ينهض عليه - البيت، المعبد، الزقورة والتي تعتبرمراكز المدينة العالية الشاخصة بأبعادها ودلالاتها ومستوياتها، ونستدل على المكان والمكانة من خلال تسمية برج بابل «أي- تمن - أي - سحي ) بمعنى بيت السماء والارض.فالأول يقترن بالمكان بوصفه مصدر المكانة الكونية في حين يقترن الثاني بدلالة المكان باعتباره مركز المكان الزماني» (٢)

ان الاله الاكبر أنو إله السماء تتمثل سلطته الكونية في المكان الذي يوجد فيه، وهو البيت الذي يقع فوق زقورة المعبد المدرج وهو اعلى مكان فيها ، ثم يتدرج مستوى المكان نزولا وفق مكانة كل إله اذ يأتي بعد أنو الاله انليل - إله الهواء ثم - انكي - إله الماء ثم - ديموزي

الاله الراعي، بمعنى ان الآلهة قد نزلت من مكانها العالي حتى اصبحت ارضية مرتبطة بالحياة التي شيدها البشر.

وفي اشارة اسطورية اخرى حول خلق الكون كما ورد في النشيد الاول من سفر سومر تقول «كل شىء كان في نمو، ونمو كانت البحر الاول المختلط الذي تصبح في اعماقه بذرة ونمو تصل كل الاطراف وتغمر الجهات وتسود الأقاصي، فالكون ينبت وسط نمو وتحف به المياه وكان الكون -السماء والارض- يخرج من جبل يتبادلان كل منهما الجياة والخصوبة»(٣).

ان العلو عبارة عن نعت ووصف للمكان، فمثلا ان زقورة مدينة بابل مربعة الشكل تتجه كل زاوية فيها نحو جهة من جهات الكون الاربع، والمعبد يقع فوقها ولهذا دلالة واضحة تضفي على الزوايا والاطراف التي تتجه نحوها معاني الجهات الاربع للارض والعالم.

لقد اختلفت الآراء بشأن تحديد مفهوم المكان ذلك بسبب غموض المصطلح واتساع مفاهيمه فبعض المفكرين والفلاسفة اعتبروه كيانا وجودا او سطحا يحوي الجسم المتواجد فيه، ومنهم من جعله بعدا متخيلا وهناك من ألغى وجوده اصلا.

ولكن من خلال سعي الانسان الى تحويل الاشياء المجردة الى محسوسات مادية وربط العلاقات الانسانية والنظم داخل المكان وتحولاته وانعكاسات ذلك على مخيلة البشر برزت مفاهيم ثنائية للمكان مثل - عال، منخفض/ قريب، بعيد / سهل،ممتنع / يسار، يمين / مفتوح، مغلق / غامض، واضح / مقدس، مدنس.

وهنا تختلف الدلالات المكانية من شخص لآخر وفقا لخصوصية العلاقة وما ينتج جراءها من تأثير متبادل بين المكان والانسان واستخداماته وما يضفيه ذلك من علاقات جديده مع كل أجزائه وهنا تنشأ مفاهيم وابعاد متنوعة تبعا لمستوى التوليد الدلالي وعبر ثنائيات مثل مكان ضيق، واسع/ فردي، جماعي/ مرغوب، مرفوض/ حسي، مجرد..

ويشير - لوري لوتمان- الى ان هذا التنوع المكاني ماهو «الا إفراز مبدئي لمجموع التصورات التي يحملها الانسان عن العوالم الفيزيقية والميتافيزيقية» -٤- وفي كل الاحوال يكون الانسان هو الفاعل والمانح للمكان خصوصيته وتفرده ووجوده.

المدينة - الانسان - الحضارة

منذ ان اهتدى الانسان للعيش مع الاخرين مغادرا حياة العزلة والتوحش ليقترب من عوالم المكان مكتشفا خباياه واسراره، ثم ليتألف معه، يحاوره ويتفاعل مع كل اجزائه، بذلك يكون قد وضع الاساس الاول لنشوء فكرة المدينة - الحضارة - التي استوعبت فعالياته الانسانية عبر مر العصور، واصبحت صورة لكفاحه المزمن ومقياسا لرقيه وتقدمه.

وانطلاقا من هذه العلاقة بين المدينة والحضارة التي عبرت عن نفسها في التأريخ بواقع ان المدينة هي نتاج حضاري، يصبح الانسان هو كل شيء فيها.هو الذي يقف وراء ازدهارها او خرابها.

إن دراسة نشوء المدن وانهيارها تقودنا الى ادراك هذا المصير من خلال تلك العلاقة بين المكان والانسان، وكيف يستطيع ان يحافظ على ديمومة واستمرار ونمو المكان بما يجعله بعيدا عن الجمود والتحجر والاندثار.

لماذا تموت المدن ؟

ان هذا التساؤل يحمل من الشمولية والاتساع لتقويم الملامح الفكرية والسياسية والاجتماعية للمدينة واثرها في بنية الافكار الجوهرية التي تحيلنا الى معرفة الاسباب الكامنة وراء اندثار المدن والحضارات.

يرى البعض ان موت المدن مثل - نفر، اور، كيش، الوركاء، سومر، مأرب، طيبة،ممفيس ومدن الحضارات الفرعونية والفينيقية الاخرى مهما كانت اسبابه انه لا يعني انقطاع الحضارة بين مدن الماضي ومدن الحاضر وبالتالي فهي لا تموت وان حياتها متواصلة، اذ قامت على انقاض تلك المدن حضارات متجددة نهلت من ذلك العمق البعيد لتبني وتواصل الحضارة في ذات الامكنة رغم اختلاف الزمان.ان هذا الرأي يضعنا امام تساؤل آخر هو: هل يرتبط الانسان الاسطوري بالحضارة السومرية كما هو الحال بالنسبة لجلجامش الى انسان وادي الرافدبن اليوم، ام يربط بينهما إحساس تأريخي يستثيره البعد المكاني فحسب؟

بلا شك ان الأمكنة هي مستوطنات متغيرة لأقوام وشعوب وسلالات، لكن هذا المكان هو بمثابة المكان الذي يحمل كل التواريخ،انه اللحظة الزمنية المتفجرة ماضيا وحاضرا، فيكون وجوده بالماضي ككيان ظاهراتي مرئي الى جانب كونه موضوعا يحمل لنا حدثا او احداثا عبر التأريخ.

وحاضر المدينة حاضران : الاول بوصفه ذات فاعلة الآن ضمن الفعل الذي يتواصل انجازه،وحاضر المكان بوصفه ذاتا مفعولا بها اي تحمل وتخزن ما يجري فيها من الان لتتحول الى ماض للمستقبل.

وفي ضوء هذه الجدلية نجد ان المكان - المدينة - يحمل تأريخية كل الازمان، فلا ثبات ولا سكونية لأي جزء فيه انه اشبه بالمجتمع الذي ينمو ويتحول ويتطور.وبهذا تكون العلاقة قائمة بين الماضي والحاضر والانسان يستمد وجوده من معطيات الماضي شرط ان تشق طريقها نحو النمو والتواصل.

واذا تأملنا أزمة الحضارات القديمة منها اوالحديثة لوجدنا انها ازمة الانسان نفسه سواء كان يعيش في مدينة كبيرة ام صغيرة.

ان المدن التي لا تملك عوامل المقاومة والبقاء والتنافس تكون عرضة للانسحاق والانهيار والذوبان السريع، اذ تزحف نحوها حضارة المدن المهيمنة لتفرض عناصر قوتها وسلطتها وثقافتها، واذا كانت العولمة احدى مظاهر عصرنا الحالي، نجد بالمقابل هناك ملامح سابقة لحضارات ومدن الماضي، ففي ملحمة جلجامش نجد ان مدينة - اوروك - التي تسلم حكمها جلجامش بعد موت - ديموزي - كانت مدينة ضعيفة وكان ملكها الجديد ضعيفا ايضا عندما استلم مقاليد الحكم ولم يكن هناك من يساعده لاسيما حين تخلت عنه - إننا - ابنة الاله -انليل والتي وضعت قوتها بجانب ملك مدينة - لكش - وأعانته في حربه ضد مدينة - اوروك - الامر الذي اجبر جلجامش على التراجع والتحصن داخل اسوار مدينته المحاصرة.

إن -إننا - هنا تمثل مركز السلطة الداعمة لكيش والتي جعلت أوروك تذعن وتحاصر نتيجة رفض جلجامش الانصياع واطاعة اوامر إننا، ان جلجامش حين تمرد على ذلك كانت النتيجة ليس عقابه فحسب بل شمل ذلك المدينة وشعبها، لذا أدركه الحزن والاسى، بعد إن حطت الآلهة من قدره وقدر مدينته، وبعد صراع مرير يتوجه جلجامش الى معبد - أنليل - والد إننا متضرعا له ومقدما الولاء والنذور من أجل ان تكف إننا عن إيذاء جلجامش ومدينته.

إن المدن التي تعاني التسلط والحصار والحروب والانغلاق تسير شيئا فشيئا نحو الهاوية والخراب والاندثار.وهذا مانلمسه اليوم في مدننا المعاصرة التي تزداد الازمات فيها اتساعا وتتناهشها مختلف الصراعات وتتنازعها الفوضى والعنف بكل أشكالها نتيجة غياب الامن والتفاوت الكبير بين فئات الشعب الامر الذي يؤدي الى انسحاق فئات اجتماعية عريضة وتدهور احوالها المعيشية على حساب فئات قليلة متحكمة ومتسلطة على مراكز القرار عبر الوسائل الحيوية في المجتمع كالاقتصاد والسياسة والاعلام والثقافة وغيرها.

ان انسان هذه المدينة سيكون عرضة للانتهاك والقتل والاستغلال وهكذا يتعطل دوره ويتراجع اداؤه في كل ما من شأنه ان يرفد المجتمع بعوامل التواصل والنمو، لأنه لم يعد يقوى على مقاومة تيارات واتجاهات تضع سطوة القوة والعنف والمال قبل كل شيء.مدن بهذا الحال سينحط فيها العلم وتتردى عناصر الثقافة وتخبو القيم الانسانية والروحية.

ان ازمة المدن الكبرى تتجلى في تلك الازمات الفظيعة بين الانسان والمدينة العالمية التي يسميها - شبنجلر - «المركز الذي ينتهي اليه العالم»(٥) انها دعوة باتجاه المدينة الكونية التي ابتدأت ملامحها تتشكل اليوم تحت مظلة افكار العولمة واقتصاد السوق وانفجار الثورة الاتصالية من جانب ووسط زحام الازمات ودمار الحروب وانتشار المجاعات وتفاقم الاشكاليات بين المدن الكبيرة والصغيرة.

 الاسطورة، المسرح، المدينة

تعد الاسطورة في نظر الباحثين الخطوة الاولى باتجاه المعرفة وهي الوسيلة التي اعتمدها الانسان القديم لتجاوز مرحلة السحر التي سيطرت عليه بل كبلت افكارة زمنا طويلا، والاسطورة «حكاية تأسيسية تمثل لاشعور المجتمع في لحظة التكوين وهي تنطوي على بعدين، بعد ايديولوجي يحاول ان يسوغ ماهو قائم بالفعل وبعد يوتوبي يتطلع الى المستقبل ويعد بتأسيس واقع جديد»(٦) وهكذا شكلت الاسطورة نظاما فكريا وادبيا وفنيا متكاملا فتح الآفاق واسعة امام تطور المفاهيم الاساسية للحياة من خلال وعي وفكر وفلسفة الانسان وهو يواصل رحلة المغامرة والاكتشاف عبر وسائله التعبيرية المتلاحقة، حيث سرعان ما ظهرت الدراما على اكتاف الأساطير التي اشتملت على متغيرات النسيج الاجتماعي حيث ساهمت في تفسير الاشكاليات وبحثت عن حلول الاسئلة القائمة وهو ما جعل نشاطات المجتمع المديني تسير قدما نحو التنامي والابداع وهكذا لعبت الدراما دورا بارزا في الممارسة الثقافية والاجتماعية التي احتضنها فضاء المدينة الذي انفتح واسعا امام فاعلية النشاط المسرحي انطلاقا من امكانياته التعبيرية وقدراته الاتصالية مع الجمهور الذي وجد فيه ما يصبو اليه من افكار وقصص وشخصيات ومشاعر فتجاوب معه وشارك في تواصل انجازاته المبدعة في المجتمع المديني.

ان مستوى العلاقة بين المسرح والواقع يتحدد من خلال القوة التأثيرية المتبادلة بينهما، وكلاهما اي مدينة الواقع ومدينة المسرح تشكلان محورا شديد التعقيد والتفاعل، فكلاهما فضاء مليئ بالرموز والاشارات والدلالات.

هذا الفضاء يشكل بنية الحدث الممسرح، وهو ليس تكوينا جماليا مجردا او بناء معماريا أجوف، بل انه الدافع الدينامي والمحرك للنشاط الانساني في ظاهره وباطنه، بأفعاله الممكنة والمحتملة وعبر تأريحه الخاص والعام.

فالمكان يستوعب التكوينات البصرية والسمعية والحركية ليتحول الى فضاء درامي يختزن المشاعر ويحمل التصورات والاحاسيس والرؤى انه الفضاء الحاضن لمدارات التفاعل الانساني مع قوة التجريد والرمز والصورة التي تتشكل في البصيرة الذهنية لتتحول بفعل المؤثرات التخيلية الى دلالات ومعانٍ متنوعة.

إن دينامية الفضاء تتخلق عبر الجماليات التكوينية المنشأة فيه والمكتنزة بداخله والحاملة لشفرات إيحائية لفلسفة العصر ورؤيا الانسان للكون عبر مر العصور.

إن تأريخ الافكار الانسانية والاجتماعية يبدو لنا الفعل المكاني كأحد الافعال البارزة التي تسهم في صياغة التأريخ البشري لا بوصفه فعلا ماديا بل لان الوعي به اصبح متجاوزا للاطار الذهني المجرد الى الوجود المحسوس.انه الصياغة الانثربولوجية للتأريخ التي يكون محورها الانسان كونه الركيزة والاساس والعامل الحقيقي في صيرورة الحياة الشاملة.

إن المدينة الممسرحة تخلق الشخصية وتبرز وجودها لما تمنحها من فاعلية نتيجة العلاقات المنشئة والممهدة لدورها ضمن بيئة الاحداث التي تتوزع في مختلف اجزائها محررة اياها من اسر الجمود والتحديد في مدينة الواقع.

وتنعكس تحولات المدن ومراحل نموها ماضيا وحاضرا وبكل جوانبها عبر الدلالات التي توحي بها الاشكال والمضامين المنجزة خلال الاعمال الابداعية التي تعكس فلسفة ورؤى مبدعيها في كيفية صياغتهم لها عبر الفضاء المسرحي ، إن لندن شكسبير هي غير لندن هارولد بنتر او بيتر بروك، كما ان الفرق بين هاملت وعطيل وريتشارد الثالث ومكبث من جهة وبين ما انتجته قرائح الكتاب وابداعات المخرجين المعاصرين لهو كبير جدا، ونلاحظ ان مدن عصر النهضة هي غير مدن عصر اللامعقول، ذلك إن المؤثرات والدوافع وإنعكاسات مدن الواقع لهي شديدة الاختلاف على كل منهم وهذا بالضرورة ينعكس على مدن المسرح الغارقة في الحلم والخيال.

اما على صعيد البنى الدرامية والرؤى نجد اختلافا جوهريا ايضا فمثلا إن مدن - اسخيلوس - هي مدن سردية متدنية لأنها ظهرت بعد عصر الملحمة مباشرة والتجربة الدرامية حينها تتلمس طريقها نحو التكون حيث ما زالت الآلهة تفرض قبضتها بشدة على الحكم والفكر والقرار.

بينما نجد ان مدن - سوفوكليس - تختلف عن ذلك لأنها تمثل عصر التوهج للحضارة الاغريقية كونها جاءت في الفترة الذهبية لاثينا الديمقراطية.

ولو أمعنا النظر في فعالية مدن ثلاثية سوفوكليس الشهيرة _ اوديب ملكا، اوديب في كولونا، انتغونا - لوجدنا انها مدن تشعر بالفخر والشرف رغم الدنس والطاعون الذي كان يحيط بها، لقد دنس اوديب المدينة كلها، غير انه عندما عرف ذلك ودفع الثمن نتيجة خطئه تحولت المدينة الى مزار مهيب ومكان للتطهير، بل تحول المكان بكثافته وحجمه الى لحظة زمنية مقدسة.

اما المدينة عند -يوربيدس - فهي مدينه للناس، يمكن وصفها بالمدينة الواقعية بكل أحزانها وافراحها.

لكن نجدها عند -ارستوفانيس- مبدع الكوميديا الاغريقية البارع ملتقى لما تحفل به المدينة من علاقات وطقوس وممارسات اجتماعية ودينية، لقد كان شاهدا على المدينة وما يجري فيها من احداث، حاول ارستوفانيس ان يكشف نظامها وفلسفتها وان يعكس الآفاق المستقبلية لهذه المدينة الحافلة بالحيوية والصراع وهو مايعكسه فضاء مسرحها.

لقد استطاع الفن المسرحي ان يتمثل عالم مدنه بكل ما تمر به احداث، فمنذ سوفوكليس ومرورا بالاسماء الكبيرة للدراما وصولا الى صموئيل بيكت وما تلاه نجد ان الابداع المسرحي يقف بمضاهاة الفلسفة غير إن الاختلاف بينهما يتعلق بالوسائل المستخدمة في الاتصال، حيث نجد ان وسائل المسرح حسية مادية لكن وسائل الفلسفة فهى تنحو الى الحدس والتجريد.

إن العبارة التي اطلقها شكسبير على لسان الملك - لير - لا شيء يأتي من لا شيء - كانت تمثل خلاصة فلسفة عصر النهضة والتي اصبحت فيما بعد بمثابة الفكر الجديد الذي هز قناعات مدن القرون الوسطى الماضية، ان مكانة المسرح قد اتخذت مكانة متميزة في بنية مدينة عصر النهضة وفلسفتها، واصبح فكر المسرح هو المؤشر للقناعات الجديدة ودليل لممارساتها، وهكذا وجدت اعمال شكسبير صداها الكبير في أرقى اماكن المدينة واهلها سواء كانوا ملوكا او من عامة الناس .ومثل هذا فعل بعده النرويجي -ابسن - في رائعته المعروفة - بيت الدمية - تلك المسرحية التي خلخلت الأنظمة والاعراف واحدثت تحولات جذرية في تقاليد المدينة وقيمها البالية التي كانت سائدة يومذاك.والتي دقت ناقوس الخطر في بنية المجتمع الاوروبي فيما بعد. وكذلك فعل - اوجست سترندبرج - السويدي بآنسته - جوليا - التي اثارت السخط والجدل، ان هذه الاعمال وغيرها ماهي الا نماذج مبتسرة من صور المسرح الطليعي الذي أعاد تشكيل حياة الانسان داخل البيت البرجوازي المألوف.

ويتواصل المسرح بتجاربه المتنوعة التي راحت تتمثل عوالم المدينة من الاعماق لتعيد بناءها وصيرورتها ولنا من تجارب التعبيريين والرمزيين واصحاب مسرح اللامعقول والقسوة والمسرح السياسي كما هو الحال عند - بسكاتور، مايرهولد، تولر، برخت وصولا الى محاولات الطلائع المعاصرة من التجريبيين امثال: جرزي غروتوفسكي، جوزيف شاينا، كانتور، منوشكين، يوجين باربا، اوجست بوال، داريو فو، بيتر بروك...

إن فاعلية مدن الدراما تبرز من خلال الصراع الذي يدور عبر فضاءاتها وهو الذي يمنحها تلك الدينامية والحضور والتوثب ولامناص من وجوده وتوظيفه برؤى تستثمره فكريا وفنيا، حتى إن برخت الذي حاول تجاوز هذا الشرط، إنما في الحقيقة عمل على توسيع دائرة الصراع، والدارس لأعمال برخت يجد ان الصراع في اعماله لم يقتصر على الشخوص الدرامية بل يمتد الى فضاء التلقي ليشرك الجمهور بدائرة الحدث ايضا. إن المسرح بشكل عام قد استوعب الواقع فنقل صراعه الى ساحته حين تمثل ذلك على المسرح في محاولة لتجسيد الصورة الافضل لهذا الواقع.

هؤلاء وغيرهم من فناني المسرح العالمي المعاصر ما زالوا يحيلون ذلك الوضع الاجتماعي الراكد لمدنهم الى حيوات وانبناءات جمالية تتسامى بأفعالها الدينامية شكلا ومضمونا، معلنة شروط وجودها في معمار المدينة فكرا وسلوكا وتعبيرا عن ازمات انسان اليوم.

المدينة وملحمة جلجامش

شهدت ارض الرافدين نشوء اقدم الحضارات الانسانية، اذ عرفت هذه البلاد اسس البناء الحضاري التي مهدت لقيام ارقى الانظمة الاجتماعية فهنا «ابتدع الانسان الكتابة في اواسط الالف الرابع قبل الميلاد وظهور وسيلة التدوين وتبلورت العلامات الصورية بين الفترة 3500 -2800 قبل الميلاد مما ادى الى ظهور النصوص المدونة والتي كانت في العراق القديم نصوصا شعرية ملحمية.

ومن اولى الاساطير في هذه البلاد كانت اسطورة - إنانا - التي ظهرت في سنة 1750 قبل الميلاد ثم جاءت اسطورة - أدابا - وبعدها كانت - الخليقة البابلية - وتلتها - ملحمة جلجامش - سنة 2500 قبل الميلاد وهي تعد واحدة من اشهر الملاحم البابلية واطولها»(٧) وتسبق ملحمتي - الالياذة والاوديسة - لليوناني هوميروس بثمانية قرون،ان ملحمة جلجامش مقسمة الى اثني عشر لوحا فخاريا وقد وجدت الالواح في مكتبة الملك - آشور بانيبال - تحت أنقاض القصر الملكي بنينوى، ويعتبر هذا النص الاخير وشبه الكامل للملحمة حيث يمكن قراءته بطريقة متسلسلة تتيح للقارئ حبكة واضحة عبر صراع بمستويات شتى.

تكشف الملحمة العلاقة الوثيقة للمدينة - اوروك - والبطل- كلكامش - الذي يرد اسمه في ثبت ملوك سومر كملك لمدينة اور من الاسرة التي حكمت بعد الطوفان.

ويذكر الباحث فراس السواح بأن «العبقرية الادبية الاكادية قامت بجمع حكايات جلجامش السومرية وحبكتها في نسيج رائع مع اضافات من ابتكار الكتاب الاكاديين الذين خرجوا علينا بملحمة متكاملة هي درة الادب القديم»(٨).

ان الملاحم ولما تتوفر علية من قوة دينامية متحركة ولكونها مصدرا رمزيا انسانيا تجعلها تتواصل من عصر لآخر ومن جيل الى جيل. وهذا مانجده في ملحمة جلجامش التي تحمل خصوصية ثقافة كونية انثربولوجية لها قدرة اختراق التاريخ والحضارات، انها ذاكرة جماعية تمثل رؤية الكون عبر نظام ادبي وفني مشحون بالرموز والدلالات التي تحمل المخيال الجمعي.

ان هذه الملحمة التي تعد اقدم نص تراجيدي في العالم شغلت اهتمام الباحثين والكتاب والمفكرين والفنانين العرب والغربيين لسمو افكارها الفلسفية التي تتناول الاسئلة الجوهرية عن الحياة والوجود والوعي بالحاضر والمستقبل، انها تتعرض عبر لوحاتها الى صراع الانسان ومحاولته بلوغ المستحيل من خلال كيفية التشبث بالبقاء، ولكن هذا المنال ورغم ما يقدم ازاءه من تضحيات وركوب المخاطر والصعاب سرعان مايتلاشى ويصبح مجرد وهم لكنه يستبدل بخلود من نوع آخر، خلود يجسده فعل الخير والانجاز الذي ينفع الآخرين وهو مايقوم به جلجامش وفاء لمدينته واهلها وهو فعل الحياة والاكتشاف الحقيقي للبقاء.

يقول - ج. اس كيرك - «إن ملحمة جلجامش في شكلها الاكادي المنظور تعني الى حد ما تجريبا شعوريا ولا شعوريا لمبدأ تناقض الطبيعة - الثقافة، انه التناقض بين نمطين للحياة، واحد تابع للصحراء وآخر تابع للارض المزروعة، والعلاقة بين الطبيعة والثقافة لم تكن غير محتملة لسكان الرافدين، لان اساطيرهم تركز على الفرق بين الارض القاحلة والارض الخصبة كما تركز على الآلهة المسؤولة»(٩) ويستدل على هذه العلاقة من خلال شخصية - انكيدو - كانسان متوحش من الصحراء المدجن والبري تقابله شخصية جلجامش ابن المدينة الذي خبر اساس الحضارة وقطع اشواطا في دروبها.

تبدأ احداث الملحمة بوصف اسوار المدينة الدفاعية التي تم تشييدها قبل حكم جلجامش بزمن، ولكن الملحمة في اكثر من اشارة نجد ان جلجامش كان يحرص على حماية المدينه والاسوار التي تحتضنها بوصفها وسيلة الدفاع وحامية اوروك وشعبها من كل غزو او اعتداء.

ولكن لماذا تشبث جلجامش بأسوار مدينة اوروك؟

بعد إن عجز جلجامش عن الوصول الى أمل يهديه لحلم الخلود عندما فقد العشبة التي جلبها بعد طول عناء وجد في المدينة واسوارها بديلا ماديا يتشبث به كوعد للشهرة والذكر الحسن من بعده وهذا ما يحقق له سر الخلود المنشود، لقد اعتمد الحكمة وتوصل لمعرفة الذات والكون.

ويمكن ان نستدل على إشارة اخرى تدلل على تحول جلجامش من حاكم مستبد وظالم في اول حكمه الى راع لمصالح شعبه من خلال موقفه مع الراعي الذي يأتي اليه طالبا الحماية من خطر الوحش الذي كان يهدده ويخرب الشباك والفخاخ التي كان يقوم بنصبها لصيد الحيوانات البرية، إذ سرعان ما يلبي جلجامش طلبه ويذهب لنجدته، حيث يدبر خطة تمكن بها من اقتناص الوحش والقضاء عليه وبذلك انقذ الراعي من خطره وشروره.

ومن العلامات الاخرى التي تدلل على عمق العلاقة بين البطل ومدينته التي كان يحرص على أمنها وحماية اهلها تتجلى بعد انتهاء النزال الحامي الذي تم بين جلجامش وغريمه انكيدو والذي ينتهي دون خسارة اي من البطلين، عندها يتوقف الصراع ويقرران ان يصبحا صديقين يدافعان عن المدينة بكل ما أوتيا من قوة معا، ومن هنا تبدأ رحلة مشتركة يواجهان فيها -المارد - خمبابا - الذي يسكن غابة الارز والذي يحتكر الغابة ويمنع اهل المدينة من الوصول اليها وبقوة جلجامش وصاحبه انكيدو ينتصران عليه وبذلك تتخلص المدينة من بطش هذا الوحش فيسود المدينة فرحا وأمنا وهدوءا.

وتتجسد حالة التآلف والايثار بين جلجامش وابناء اوروك واضحة المعالم من خلال امنيات البطل بأن يستطيع الحصول على تلك النبتة التي وصفها له - اوتونابشتم - بطل الطوفان والتي من شأنها أن تعيد الشيخ الى صباه ليعطيها الى كل شيوخ المدينة لاستعادة شبابهم من جديد.

وحول هذا يذهب فراس السواح الى إن جلجامش الفرد لم يؤسس لفردية فوضوية خارجة عن الكل، ساعية وراء اهدافها ورغباتها المستقلة والمتضاربة مع غايات الجماعة والبحث الانساني المشترك، لقد جعل من نفسه النموذج الذي يمكن لأي شخصية في الجماعة ان تتشكل على منواله ليغدو المجتمع فريقا من الاحرار لا حيوانا بآلاف العيون، لقد تطور من الفردية الفوضوية الى الفردية الجماعية المنظمة، من الاهتمام بالمصير الخاص الى العناية بالمصير الانساني.

الرؤى الاخراجية للملحمة

(المدينة وتأويلات العرض المسرحي)

لقد اثبتت الدراسات الاثارية ومن خلال الاختام الاسطوانية من النحت البارز وجود مجموعة نصوص تشير الى مشاهد تمثيلية صورت أجزاء من الملاحم التي يعود تاريخها الى عصر فجر السلالات 2800- 2400 قبل الميلاد وقد أنتجت الحضارة البابلية السومرية عدة نصوص تتوفر على الملاحم الدرامية القوية والطقوس الدينية التي اعتمدت بلغتها على الشعر المرسل وهذا النوع من الشعر يخضع كما يشير الباحث والمفكر طه باقر «انه فن خاص من النظام والتأليف يتكون من أبيات قوام كل بيت من مصراعين - الصدر والعجز وكان موزونا، لكنه غير مقفى، ويغلب على أوزان شعر الملحمة ان السطر الواحد منها يتألف من أربعة اوتاد كما نلاحظ ذلك في حوار ملحمة جلجامش بين صاحبة الحانة وجلجامش عندما توضح له هباء بحثه عن الخلود.

صاحبة الحانة : إلى اين تسعى ياجلجامش ؟

           فالحياة التي تبغي لن تجد

           حينما خلقت الآلهة

           قدرت الموت على البشرية

           واستأثرت هي بالحياة » - 10 -

الى جانب ملحمة جلجامش ظهرت نصوص اخرى مثل - رثاء اور، نزول عشتار الى العالم السفلي، موت البطل مردوخ . وقد مثلت هذه النصوص امام الجمهور البابلي في الأعياد والمناسبات وبالنسبة لملحمة جلجامش فقد اقتصر التمثيل فيها على الاجزاء التي تتوفر على الصراع والفعل اما الاجزاء السردية فقد كانت تقرأ كما هو الحال للقصص والحكايات ولكن هذه الملحمة «ولما تحمله من مضامين وافكار فلسفية وانسانية عالية جعلها تنتقل الى اداب الشعوب القديمة الاخرى وانتجت على غرارها اعمالا مثل : هرقل، أخيل، الاسكندر ذو القرنين، اوديب وغيرها» (١١)

وكذلك شغلت هذه الملحمة اهتمام الكتاب والشعراء والمخرجين المعاصرين في شتى انحاء العالم لاسيما بعد ان ترجمت الى معظم اللغات العالمية ومما ساعد على ذلك هو تطور المنهجيات المقارنة والحديثة وتطبيقاتها في الادب والنقد والفلسفة والفنون المتنوعة اضافة الى ما تتمتع به الملحمة ذاتها من مميزات ابداعية ومبررات جوهرية سهلت عملية اعدادها وتحويلها الى المسرح وكما يحدد ذلك -ادمير كورديه - «بقصر نص ملحمة جلجامش الذي لا يتطلب تمثيله اكثر من ساعتين وكذلك خلوه من الوصف المطول والسائد في الادب الملحمي القديم وكثرة الحوار والمشاهد الحسية التي يسهل عرضها على الخشبة الى جانب قلة الشخوص وتنوع تكوينها النفسي، ومحدودية المكان الذي يجري فيه الفعل وتنوع مستويات الصراع فهناك صراع عمودي بين جلجامش والآلهة إنانا وصراع افقي بين جلجامش وانكيدو وصراع سايكولوجي داخلي بين جلجامش وذاته» (12)

ان هذه السمات والملامح التي تتميز بها ملحمة جلجامش ما زالت تجتذب الكثير من الفنانين لتقديمها بسبل شتى فقد قدمت برؤى واقعية وتأريخية وتجريبية بالايماء والاشارة والحركة والرقص والرسم واستخدام الاقنعة والاوبرا والموسيقى والغناء وما الى ذلك من امكانات تعبيرية متجددة.

وقد كان للمخرجين المسرحيين العراقيين النصيب الاوفر في تناول هذه الملحمة وتقديمها برؤى ومعالجات فنية وجمالية عديدة مما جعلها نصا خالدا ومتجددا شأنه شأن الاعمال الابداعية التي شكلت جزءا مهما من منجزات الحضارة البشرية.

وعبر بحثنا هذا سنحاول دراسة الرؤى الاخراجية المسرحية للملحمة وكيفية تمظهر صورة المدينة فيها وابعادها الفكرية والجمالية ضمن صياغات الفضاء المشهدي وتنوعاته المختلفة باختلاف مستويات التعبير وتعدد الدلالات في العروض المسرحية العراقية المختارة.

لقد عكس المسرح صورة المدينة بكل تعقيداتها، وتشابك علاقاتها مستثمرا كل الفرص المتاحة لحرية التعبير، وهذا جعل منه معيارا وتحديا في آن معا داخل المجتمعات لاسيما المدن المفتوحة والمتحركة بالابداع والعطاء الذي ينجزه المجددون والطليعيون عبر تجاربهم المسرحية التي ما عادت تنتمي الى الحياد والعادي بل أخذت تنحو باتجاهات مبتكرة، توظف عناصر العرض وفق بنى ومنظومات مغايرة بحيث ان هذا التجاوز طال البنى الشمولية لمعمارية العرض وتعدى الحدود المادية نحو آفاق الامكنة التي تشتملها بنية الحدث في مدن الواقع.

ان التجريب في الفضاء و استثمار اماكن غير مألوفة في بنية العرض لهو امر شغل باب المسرحيين منذ اواخر القرن التاسع عشر و لما يزل حتى الآن.

وقد اجتهد عدد كبير من المخرجين للوصول الى فضاءات تستوعب طموحاتهم وأفكارهم و اذا كان النص يبني المدينة بالكلام المكتوب فالإخراج او نص العرض يعيد صياغتها عبر تركيبات بصرية جمالية و فكرية معا.

ومثلما تنوعت تجارب العرض في الشغل السينوغرافي و الاداء التمثيلي و العلاقة مع المتلقي طال هذا التجريب مختلف النصوص السردية.

وقد كان لملحمة جلجامش نصيب وافر منها، اذ تم تقديم هذا النص عدة مرات وفق رؤى متنوعة سنحاول الوقوف عند ابرز التجارب المسرحية العراقية التي تعرضت لهذا النص التاريخي الملحمي مستشرفين فيه الحضور المكاني متمثلا بالمدينة والعناصر المكونة لها. والعلاقات المتشابكة بينها والازاحات المكانية المتبدلة بكل مستوياتها وتمثيلاتها والتي تخلق بالتالي قيمة الخطاب وما يحققه من اثر عبر قراءاته و تأويلاته.

ومن بين العروض الكثيرة التي تناولت الملحمة اخترنا هذه النخبة وذلك لتوفرها على جوانب ابداعية وتجريبية وحضور واضح للسمة الابتكارية في معالجتها الإخراجية ولكونها تنسجم واهداف البحث عبر سؤالنا عن دلالات المدينة في العرض المسرحي وكيف تم تجسيدها عبر التكوينات والبنى المسرحية ضمن العروض الاتية؟

أولا : رثاء أور - خراب المدن

شكل هذا العرض بمجمل معطياته الفنية والفكرية مرثاة للمدينة المدمرة، وجاء النص على هيئة قصائد غنائية تنسب لشعراء وفدوا بحملة الملك -نبوخذ نصر- وكانوا ينشجون بالبكاء على ما آلت اليه مدينتهم وما اصابها من دمار وخراب.

قام باخراج العرض المخرج عوني كرومي٭ الذي يحسب له قصب السبق في الانتباه لهذا النص ومعالجته دراميا وقد اضفى عليه رؤيته الاخراجية في ابراز ما يتعلق بالجوانب الاساسية لجوهر وحياة المدينة، اذ قدم مكانا مدمرا فاقدا لشروط حيويته وتواجده، إن صياغة المكان جاءت بما يتفق وروح الدراما التي يكتنفها النص وما تحفل به قصائده المغناة، اما على مستو ى التكوينات البصرية فكل ما هو موجود في فضاء العرض من مفردات وعناصر وعلاقات يوحي بما وصل اليه حال المدينة من وهن وخراب.

بدء العرض من نهاية الحدث اي ان النص جاء بناؤه وفقا للنتائج التي آلت اليها الاحداث، فدلالة الرموز والايحاءات المنبثة في السياق وما يتشكل عبر التكوينات البصرية للعرض كلها تشير الى معنى واحد هو الخراب الذي اصاب المدينة بعد ان كانت ذات شأن ووجود.

ثانيا : الطوفان

هذه المسرحية كتبها عادل كاظم معتمدا لغة خطاب حداثي يستند الى خلفية تاريخية ضاربة في القدم واخرجها ابراهيم جلال للفرقة القومية العراقية عام 1966 وفق اسلوب يقوم على معطيات مسرح برخت ومنظوراته التجريبية والاسلوب الواقعي الخيالي المستمد من منهج ستانسلافسكي.

وقد حاول المخرج ان يضفي على هذا النص رؤية معاصرة من خلال اسلوبية الربط بين زمنين، زمن الملحمة - الماضي - والزمن المعاصر ، فالنص يشير الى حالة الصراع الدائر بين البطل _ جلجامش - من جانب والآلهة من جانب آخر، ولكن الرؤية الاخراجية تنعطف بالحدث لتحيله الى زمن آخر تعيشه المدينة الجديدة التي عادت للنهوض بعد فترة من القهر والاستعباد حيث ان جموع الشعب تعاني اضطهاد الحاكم الطاغية وجوره، وتوحي دلالات العرض الى زمن ما بعد ثورة تموز عام 1958 في العراق، ان تطور الحدث وبنية المشاهد التي اكتست بالتوظيف الجمالي لمفردات العرض - الممثل، الزي، الضوء، المؤثرات الصوتية والموسيقية - تشير دلالاتها ضمن منظومة العرض المتناغمة الى امكانية الخروج على تقديم معالجة فكرية وفنية وتقنية متطورة منحت المتلقي فرصة للمشاركة في تفسير مجريات الواقع باسقاطات معاصرة وراهنة وهو ما يهدف اليه الفن الجاد والملتزم بقضايا الناس وهموم المدينة، وكيف تحاول الصمود بجهود ابنائها من اجل البقاء والتواصل وهذا ماتصنعه الشعوب دائما.

ثالثا : ملحمة جلجامش

للفنان سامي عبد الحميد اكثر من رؤية إخراجية لهذه الملحمة حيث قدمها بعدة تجارب مختلفة، الاولى كانت في مسرح اكاديمية الفنون الجميلة - جامعة بغداد عام 1977 وقد حاول العرض ان يجسد عبر رؤيته الاخراجية محتوى الملحمة كما ورد في النص الاصلي للمدونة والذي يتمثل بالموقف من الموت والثورة على الواقع القائم والسخط المكتوم والاحساس الدفين بالظلم.

ان التساؤل المقلق والمستمر حول سبب نهاية الانسان دون ان يقترف ذنبا، هذا الواقع التراجيدي يجعله دائم الثورة باحثا عن سر بقائه وخلوده، ليس الخلود السماوي وانما لبناء سعادته على الارض.

ان خطوط الصراع هنا تتداخل بمستويات عدة فاذا كان صراع أهل اوروك ضد كل اشكال القهر والظلم والاستغلال نتيجة بطش جلجامش وعبثه بأمن المدينة واستقرارها في مرحلته الاولى اذ وصل به الحد الى إنه عبث فسادا بالمدينة وسكانها وهذا الجانب شكل المحور الاول في بنية الصراع، اما خط الصراع الآخر فيتمثل بمقابلة جلجامش لغريمه انكيدو، لكن هذا الصراع لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما يتحول الى إتفاق وائتلاف ورفقة بين البطلين بعد ان ينتهي الصراع الى تكافؤ الطرفين دون حسمه لصالح احد منهما. الخط الاخر في مستويات الصراع يكون مع الوحش خمبابا المتربع في غابة الارز، ولكن الخط الابرز في هذه المستويات هو صراع جلجامش مع الآلهة - اينانا - ويمكن تسميته بالصراع الاشمل الذي كانت نتيجته سلبا على جلجامش ومدينته -اوروك - المتنافسة مع مدينة - لكش - التي تساندها اينانا للاطاحة بحكمه واسقاط مدينته.

إن المدينة هنا بمثابة البؤرة المركزية للصراع وتتخذ العلاقة بين المدينة والبطل محورين ففي الحالة الاولى تكون بؤرة طاردة - صراع جلجامش مع الآخرين - وفي الثانية بؤرة جاذبة - صراع جلجامش مع ذاته - لا سيما بعد إن يذعن أخيرا لرأي واحد ادركه بعد طول عناء مفاده إنه لن يحصل على الخلود وما يبحث عنه محض سراب، وإن الرجوع للمدينة والاهتمام بشعبها هو السبيل الوحيد الذي يجعل جلجامش ينال ما يصبو اليه من مجد وشهرة وخلود في الارض.

حافظ هذا العرض عبر رؤيته على محتوى النص دون حذف او اضافة فجاء عرضا تفسيريا للملحمة، حرص فيه المخرج على تقريب الاجواء الملحمية من خلال عناصر العرض الذي قدم في مسرح صغير جدا مقارنة بما يتطلبه فضاء الحدث وتطلب هذا معالجة ذكية لاستيعاب بناء المشاهد وتجسيد حركة المجاميع والايحاء بالجو العام من خلال المناظر المختزلة التي لم تكن سوى عبارة عن بعض اللوحات المتحركة والثابتة التي زينت بالرسوم والكتابات السومرية المأخوذة من الملحمة وصورها التي امتدت داخل قاعة الجمهور في محاولة لإشراك الجمهور في البنبة المكانية للحدث ايضا، واضفى عنصر الضوء والمؤثرات جانبا مهما في الإيحاء بالجو السحري وتقريب الاشكال الخرافية من واقعية المشاهد وقوة الفعل الحركي فيها لاسيما مشاهد الصراع مع شخصيات الوحش خمبابا والثور السماوي.

وبعد فترة قدم المخرج عرض الملحمة في اطلال مسرح بابل الاثري الذي يقع على مقربة من المدينة الحقيقية التي انتجت هذه الملحمة الخالدة ظنا منه ان الفضاء الجديد وما يتوفر عليه من ابعاد مادية ومتخيلة وارتباطه التأريخي بالحدث المسرحي ستضفي على العرض بعدا اسطوريا وواقعيا وفعلا اسهم الفضاء الجديد في استيعاب الرؤية بما يتناسب وطبيعة بناء الاحداث رغم ان المخرج هنا قد الغى اللوحات والمناظر واكتفى بالمكان المجرد المفتوح والذي كان له اثر واضح في شحن المشاهد بصور تعبيرية ولوحات حركية لمجموعة الممثلين التي شكلت تناغما بحيوية ادائها وتفاعلها مع الفضاء الذي غص بالجمهور القادم من بابل وبغداد والذي انشد لهذا العرض وما احتوى عليه من شفرات ورموز وايحاءات مضافة بفعل حضور المكان وطريقة استثماره برؤية اخراجية متفردة.

واعاد المخرج تقديم عرض الملحمة ولكن هذه المرة مع الفرقة القومية للتمثيل واعتمد الاسلوب الواقعي في تجسيد مشاهدها التي جاءت وفق علاقة ايقونية مع النص الاصل ورغم الامكانات الانتاجية الكبيرة واحترافية المؤدين والعاملين الا ان هذا العرض لم يرتق الى مستوى العرض الذي قدمه طلبة اكاديمية الفنون وحيويته.

وللمخرج تجربة رابعة مع جلجامش وكانت مع القاصة العراقية لطفية الدليمي التي قدمت اعدادا لهذا النص ولكن برؤية معاصرة حاول المخرج ان يسحب العرض الى مدينة الحاضر وما يجري فيها من احداث وقد اعتمد في تجسيد هذه الافكار تنويعات في المعالجة الاخراجية شملت توظيف مختلف العناصر الدرامية فقد سعى الى تحقيق امكنة جديدة لا تمت بصلة للمكان التأريخي او الاسطوري وكذلك جاء استخدام الازياء التي اوحت بدلالات زمكانية وكشفت عن ابعاد الشخصيات وعلاقتها بالمكان المتخيل ان البناء السينوغرافي عموما تحيل المتلقي الى واقع معاش ومعاصر، في هذا العرض نستطيع ان نتلمس ابعاد المدينة الحاضرة التي استوعبت مجريات الحدث ومحاور الصراع بين الشخوص وما تحمله من اشارات ورموز وما توحي به من دلالات خلال المشهدية الاخراجية او عبرتفاصيل النص الخفية والظاهرة.

رابعا : هو الذي رأى - تجربة المونودراما

هذا العرض قدم بأسلوب - المونودراما - حيث اجتهد المخرج سعدي يونس ليستلهم من الملحمة الاصل احداث نصه الذي صاغه بلوحات درامية معبرة.

ورغم بساطة مفردات العرض التي جاءت ضمن السياق التأريخي ومختزلة لتفاصيل الحدث الا انها كانت واضحة الدلالة، قام المخرج نفسه بتمثيل كل ادوار العرض مستعينا بأدواته الادائية صوتا وحركة الى جانب اعتمادة على الاقنعة والايماءة لاستبدال الشخصيات والانتقال من هذه لتلك، المكان في هذا العرض لم يرتق الى فضاء الحدث الملحمي واقتصر على احتواء المشاهد كبنية إطارية خارجية ولم يكن له حضور واضح في تفعيل الرموز وربط العلاقات لاسيما وان العرض قدم في قاعة عرض للفنون التشكيلية وليس مسرحا تقليديا، ان هذه التجربة تنحصر في شكل المحاولة التي قدمت بها عبر ممثل واحد والمدينة هنا كانت مجرد بنية مرمزة تؤطر الحدث دون ان يكون لها تنويع مادي ظاهري يسهم في تغيير مجرى الحدث الذي يتوزع على أمكنة عديدة على الارض وفوق الجبال وتحت البحر.

خامسا: جلجامش صبيا

تنوعت اطروحات تناول الملحمة واختلفت الرؤى الفكرية والجمالية لها، وهنا نجد تجربة اخرى تستند في صيرورتها احداث الملحمة وتستلهم منها قراءة درامية بمنظور آخر وهذا ما تمنحه النصوص المتجددة والقابلة للتأويل والانفتاح، حيث نجد في هذا العرض الذي أعده وأخرجه عقيل مهدي يوسف ضمن ورشة الاخراج لقسم المسرح في كلية الفنون الجميلة محاولة فنية ورؤية لدمج الفترات التأريخية لحضارات المدن العراقية القديمة- سومر، بابل - معا.

تقع احداث النص على مساحة تمتد من بابل وسط العراق الى- اريدو - ومنطقة المستنقعات المائية في الجنوب حيث هنا ولدت اقدم الحضارات الرافدينية، لقد تداخل الزمان بالمكان في وحدة - كرونوكية - تمظهرت من خلال مسعى المؤلف المخرج في منح الاسطورة وصفا استباقيا للحدث عندما جعل من الصبي جلجامش ملكا، كما حرص وبعناية على توظيف الرموز التي حفل بها العرض للايحاء الى جوهر المدينة وحيويتها وقد تمثلت تلك الشفرات بالنخلة، الخطوط المسمارية، الاختام الاسطوانية، تشكيلات الزي... وغير ذلك.

ان المعالجة لبنية المكان في هذا العرض منحته بعدا متعاليا وسموا وهو الجانب الذي يمكن الاستدلال عليه عبر مجمل التكوينات والعلاقات داخل فضاء العرض سواء على صعيد التوظيف السينوغرافي او عبر الاداء واللوحات التعبيرية للحركة، وهنا يمكننا القول ان عرض الصبي جلجامش جاء نقيضا للرؤية الاخراجية في عرض رثاء اورمن ناحية التعامل مع بنية المكان - المدينة - فقد جاءت هنا مدينة - شمولية متنامية فاعلة - بينما وجدناها في رثاء اور- خاملة، متدنية، مدمرة.

ان عرض الصبي جلجامش برؤيته هذه يذكرنا برواية الكاتب الامريكي - روبرت سيلفربيرك -

الحائز على جائزة نيويورك لاربع مرات والذي نشر روايته - الملك جلجامش - عام 1984 وهي الاخرى تتناول احداثها طفولة جلجامش ومعاناته الاولى للموت، هنا يستدعي الروائي جلجامش طفلا من ملعبه لحضور مأتم والده - لوكالبندا - وتستمر أحداث الرواية خلال الفترة الواقعة بين طفولة جلجامش الذي اصبح يخشى الموت، بسبب موت ابيه وجلجامش الملك الحكيم الذي يتوصل الى قناعه بأنه لابد من القبول بالمصير والحدود التي رسمت له كأنسان.

سادسا: خلود جلجامش - عسكرة المكان

انها التجرية الثانية للمخرج عقيل مهدي حيث وجد في نص الشاعر - عادل عبد الله - ما شجعه على تقديم النص مسرحيا، كتب النص بقالب كلاسيكي ينسجم وروح الاسطورة، لكنه جاء بلغة شعرية معاصرة تضج بالدراما والتعبير والانفعال.

أضفى المنظور الإخراجي لهذا النص عمقا لحضور المكان عبر توزيع الاحداث عبر افضية متنوعة منحته دلالات ومعاني مغايرة ومعاصرة، عمد المخرج الى سحب الحدث من بعده الاسطوري الى حضوره الآني مستعينا بتحميل مفردات العرض رموزاً وشفرات موحية كما فعل ذلك مع الزورق الذي كان يستخدمه جلجامش في رحلاته وتجواله، إذ تم تحويله هنا الى غواصة حربية، وتحولت حانة -سيدوري - الى بار ومطعم حديث يرتاده البحارة والجنود، كما جاء استخدام حوض السباحة - البانيو - ليكون بديلا للبحر الذي كان يستحم فيه جلجامش.

من ناحية اخرى نلمس في بنية المكان تحجيما للشخصية التي خنقتها حدود المكان الضيقة والمغلقة في اشارة الى مفهوم البطولة الزائفة واستغلال حقوق الغير، كما يرد في هذا النص ان جلجامش قد استغل موت صديقه انكيدو ليتوج نفسه بطلا من بعده، ان المدينة هنا واضحة المعالم وقريبة من ذهنية المتلقى بل انها احيانا تكون مدينته الحاضرة بكل جدلها وشخوصها ووقائعها واشكالاتها القائمة.

سابعا : جلجامش هو الذي رفض الموت

يعد هذا العرض المسرحي الاحدث للملحمة اذ انه لا يزل يعرض في مسارح السويد وهو من اعداد واخراج كريم رشيد، الرؤية الإخراجية في هذا العرض انصبت على فكرة موت البطل في شخصية جلجامش وخلود المفكر، اذ هنا تنهار ملامح الجبروت لدى جلجامش بوصفه محاربا وبطلا له من صفات الآلهة ولا يقهر، ولكن اين تتبلور جوانب هذا التحول في الشخصية وكيف؟

ان موت انكيدو - الند أولا  والصديق تاليا - شكل محور التحول بالنسبة لجلجامش إذ ان هذا الفقد لانكيدو كان باعثا للتساؤل وعاملا مهما لاحداث حالة الانقلاب الكلي في شخصية جلجامش الذي استغرق طويلا امام السؤال الاثير حول معنى الموت والحياة، ان موت انكيدو كان الصدمة الاولى للتعرف على فكرة الغياب، اي غياب العنصر الجدلي، فجلجامش حين افتقد وجود انكيدو الى جانبه صار يشعر بالضجر لأن انكيدو هو الذي بث فيه الحماس على استمرارية الفعل وتواصل النشاط المشترك، جلجامش الممتلىء قوة جسدية لا يدرك حتى الآن كيف يستثمر هذه الطاقة البشرية معرفيا، لكن حضور انكيدو الى جواره كان سببا لتحريك الساكن وتفجير هذه القدرات بأعمال وممارسات انعكست نتائجها ايجابيا على المدينة وناسها حيث كانت قبل ذلك راكدة خانعة مستغيثة، انه شرارة التحول والتغيير لدى جلجامش.

ان المدينة قبل مجيء انكيدو كانت اشبه بالسجن الكبير، تخشى بطش جلجامش وظلمه المستمر، الامر الذي دفع عامة الناس الى التضرع للآلهة كي تخلق ندا له

 «ان جلجامش لم يترك عذراء لحبيبها

ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل

ولما استمع - أنو - لشكواهم

دعوا - ارورو -العظيمة وقالوا لها

يا- ارورو - انت التي خلقت هذا الرجل

فأخلقي الآن غريما له يضارعه في قوة اللب والعزم

وليكونا في صراع مستديم لتنال - اوروك - السلام والراحة» (13)

اذن وجود الشخصية القوية المستبدة المتفردة المطلقة، يقابلها وجود الند الذي سيعيد التوازن ويعمل على احلال الاستقرار والهدوء والسلام.

ان معالم المدينة وتحضرها تتجسد من خلال شخصية المرأة التي يشير لها نص الملحمة بوضوح حيث تقوم - المرأة الغانية - بترويض انكيدو وتعلمه فن التعامل مع المرأة والحياة والحكمة بعد ان تذهب اليه وتمضي معه ستة ايام وسبع ليال :

 «بعد ان شع من مفاتنها

 كلمت البغي انكيدو وقالت له

صرت تحوز على الحكمة يا انكيدو واصبحت مثل إله

فعلام تجول في الصحراء مع الحيوان ؟

تعال آخذك الى - اوروك - ذات الاسوار

الى البيت المقدس، مسكن أنو وعشتار

حيث يعيش جلجامش الكامل القوة والحول

والمتسلط على الناس كالثور الوحشي»(14)

المدينة ترد في هذا العرض كمفردة اساسية من مفردات المكان الذي يشهد تحولات وتبدلات وفقا للانتقالات الزمكانية التي يشتمل عليها الحدث وتطوره الدرامي، تتشكل بنية المكان على افتراض متخيل تدعمه المؤثرات السمعية والبصرية، والمكان هنا رديف للتطور المعرفي المتشكل في ذهن وعقل جلجامش اصلا.

خلا المنظر المسرحي من اي بناء سينوغرافي، ونجد ان العناصر المهيمنة في بنية العرض تقوم على الحكاية والموسيقى والتوظيفات المتلاحقة لمفردتي - العصا والبساط - اللتين كانتا محور البناء الدلالي لتحولات المكان وتغيراته - القصر، اسوار المدينة، الغابة، الزورق، المجداف ، نهر الفرات، بحر أبسو .. فضلا عن الاستخدامات الاخرى للعصا التي وظفت كشخصيات متحاورة مع الشخصية الرئيسية ممثل - لانسو -ام جلجامش، خمبابا، شمخا المومس، صاحبة الحانة، اورشنابي.

لقد ساهم عنصرا الاكسسوار والملحقات المسرحية في تفعيل وتحفيز مخيلة المتفرج لإنشاء المكان المتخيل، الذي احتوى الفضاءين - فضاء الحدث وفضاء العرض - حيث يكون الاول معلوما ومرويا وموصوفا عبر الحكاية والموسيقى اما الثاني اي فضاء العرض فهو متشكل عبر الايحاء الجمالي والتشفير الدلالي الصرف الذي ينشىء المكان المفترض الذي يبدعه المتفرج عبر فاعلية التلقي.

ان رؤية الاخراج في هذا العرض تأتي بمثابة رحلة داخلية في نفس وذهن وعقل جلجامش الذي يجوب اماكن عدة تضفي عليه مزيدا من القلق والحيرة والتساؤل - جبل ماشو، البحر، الصحراء - وتدفعه الى مزيد من البحث عن عديد الافتراضات الفلسفية لاكمال رحلته لمقاومة الموت وتبرير شروط الحياة.

إن هذا العرض بكل رموزه اوحى لنا كمتلقين برؤية معاصرة رغم عمقه الاسطوري والتأريخي الذي يمتد لأكثر من خمسة آلاف سنة «من أول قرعة طبل الى آخر لحظة نجد ان هذا العرض ممتلئاً بالرموز والدلالات النابعة من التساؤلات الوجودية الراهنة، فمن خلال المعالجة الاخراجية وابتكارات الموسيقى للفنان Fridrik Myhre  ودقة الاداء التعبيري والغناء والالحان للفنان -  Sven Krisstorson كان هذا العمل المتجانس والمكثف لغة واسلوبا، انه تجسيد لمأثرة انسانية كتبت في بلاد الرافدين في الواقع السومري والاكادي تتوجه اليوم لانساننا المعاصر في السويد فيفهم مغزاها ويتفاعل مع حكمتها»(15)

خلاصة

كانت المدينة وستبقى الفضاء المفتوح والمحور الاساس في تبلور وتنامي افق العلاقة مع فضاء المسرح، انهما صنوا الارتباط الوثيق والتأثير المتبادل لانتاج الرؤى وتفعيل الافكار وتطور المفاهيم وهذا ما يجعل من الابداع المسرحي الذي تحتضنه المدن الناهضة دربا للتنوير ومنارا للتقدم والتطوير وهكذا فعلت مدن التأريخ القديم فأنتجت روائع المآثر الخالدة التي اصبحت اساسا للحضارة وجسرا للتواصل والبناء، وما ساهمت به حضارة بابل لهو كبير وحاضر حتى اليوم ولنا من ملحمة جلجامش نموذج ودليل، فقد ترجمت الى لغات العالم واستلهمت عبر جميع الانواع الادبية والفنية وما زالت تقدم حتى اليوم عربيا وعالميا وفق اساليب وتيارات وتعبيرات شتى مما يمنحها قدرة الخلق والتجدد والاستمرار، وقدكان لنشوء المدينه دوره الفاعل في ارتقاء الانسان وانتقاله من الحالة البدائية الى مصاف المجتمع المتحضر والمسرح كان احدى ثمار المجتمع المديني حيث نما وتطور بين احضان المدينة وعاش في ساحاتها واسواقها ومعابدها وها هو اليوم يواصل مسيرته وسط تطور هائل لوسائل الاتصال في مجتمع المعرفة والمعلوماتية، وكلما تتطور المدن وتتعقد علاقاتها كلما ينعكس ذلك على مسارحها التي تجد في المدينة خطابها المتعدد الرؤى والدلالات وفاعلية المدن ومتغيراتها المستمرة تمنح هذا الفن نسغا للتواصل والبحث والتجدد الدائم

مصادر البحث

١- جورج، لوكاتش - دراسات في الواقعية،ترجمة نايف بلوز،دار الطليعة،دمشق،البعة الثانية،سنة 1972، ص٢.

٢- طيب، تزيني - الفكر العربي، بواكيره وافاقه الاولى، دار دمشق، الجزء الاول  ص 56.

٣- خزعل، الماجدي - سفر سومر، دار الثورة للصحافة والنشر، بغداد، ص 15.

٤- يوري، لوتمان - مشكلة المكان الفني، ترجمة سيزا قاسم، مجلة عيون المقالات،المغرب، العدد الثامن،1987، ص 68.

٥- عزيز،السيد جاسم - تأملات في الحضارة والاغتراب، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986  ص 90.

٦- سعيد، الغانمي - حوار معه اجراه وديع شامخ، مجلة المسلة، العدد الثالث، نيسان، ٢٠٠٢، ص 59.

٧- فاضل، عبد الواحد و عامر سليمان - عادات وتقاليد الشعوب القديمة، مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1979.

٨- فراس، السواح - مغامرة العقل الاولى، منشورات دار علاء الدين، الطبعة الثانية عشرة، سنة2000 ، ص254.

٩- ادمير، كورديه - ملحمة جلجامش في الثقافة الغربية القديمة والمعاصرة، موقع ميزوبوتاميا، تراث ادبي، www.mesopotamia4347.co

10 طه، باقر - ملحمة جلجامش، دار الحرية للطباعة، بغداد 1975، ص120 .

١١- عادل، منصور - ملحمة جلجامش، مرحلة الحضارات الاولى،فنون المسرح، موقع مجلة الصوت الاخر، العدد 60، تأ ريخ 17-٨-2005.

12- أدمير، كورديه، ملحمة جلجامش في الثقافة الغربية، مصدر سابق

13-  طه، باقر - مصدر سابق، ص57.

14- طه، باقر - نفس المصدر، ص 63.

15- بينكت، كرنتسون، جلجامش كمسرح غنائي، مجلة جامعة لوند، دراسة منشورة سنة 2005.


تصميم الحاسب الشامل