|
|||||
|
قبل أعوام من كتابة هذا النص انتابتني رغبة آسرة في رؤية المكان الذي صُرع فيه الشاعر والسينمائي الأكثر شهرة وغواية - بيير باولو بازوليني - وقتئذ كنا «انا وباولا زانيسكو» مستغرقين في كتابة سيناريو فيلم (أصوات ضائعة) وفي نقس الوقت، وأثناء كتابة النص. كنا نبحث عن أماكن تتناسب مع أجواء الفيلم وشخصياته، وكانت الأماكن تمدنا بالأفكار والصور وأيضاً الأصوات المنبعثة من حولنا ومن ذاكرتنا. في البدء لم تكن الفكرة واضحة تماما، ولم أكن املك أدنى فكرة جاهزة عن الصورة النهائية التي سيؤول إليها الفيلم، كل ما كان لدينا هو صوت غامض علينا أن نتبعه دون إلقاء مزيد من الأسئلة المعوقة باستثناء تلك الأسئلة التكنيكية اللازمة لكتابة فيلم درامي وذلك الإيقاع الملتبس الذي يشملنا ويدفعنا إلى البحث عن معادل موضوعي للفكرة. كان يخامر «باولا» حس الانقطاع والوحدة في قصائد «إميلى ديكنسون» وكانت قد قرأت شيئا من أشعارها مترجمة إلى اللغة الإيطالية، وكانت موسيقى «أرفوبارت تملؤني بحس ما لا أعرف كنهه. كنا نكتب الصور المفتتة التي تغمرنا حسبما اتفق، ثم نبحث لها فيما بعد عن نسق زمني وايقاعي داخل السرد، يتآلف مع جغرافية الأماكن التي كانت تساعدنا في رسم حركة الشخصيات وإيقاعها تبعا لعمارة المكان ذاته الذي كان يشاركنا في تطوير الفكرة، وبالتالي فهم النص الذي كان يتخلق بين أيدينا ببطء.
كان نص الفيلم يتتبع عبر خطوطه السردية حركة مجموعة من الشخصيات والتي لا يوجد فيما بينها أي رابط درامي سوى الأماكن التي يتصادف أن تعبرها وهى تهيم على وجوهها في مجالات ضوئية تشبه لوحات «كارفاجيو»، وصراع بين تلك الذوات المنعزلة وبين أصوات عشوائية وحوارات متقطعة تروى بلغات مختلفة في أجواء روما القديمة، وكل شخصية من الشخصيات تروي لنا صوتها الغائب وهى تقتفي آثار ذكرياتها وسط أطلال وخرائب «الفورو رومانو» و«إبيا انتيكا» وخرائب بيوت مقفلة، تركها أصحابها منذ زمن بعيد، لصمت الأشياء والظلمة. كما تركوا أيضا ذكرياتهم القديمة لهؤلاء العابرين- كأنما عن عمد - هذه الذكريات الممتزجة ببهو غبار هش، والتي من الممكن ان نتنفس فيها رائحة الموت. وفي نقطة ما من السرد، كان على جميع الشخصيات أو الأصوات الهائمة، أن تلتقي ببعضها في مكان «ما» يجمعها لليلة طويلة، حيث تتشابك وتتصارع الذكريات والأصوات مع بعضها البعض. وكان علينا العثور على مكان طبيعي له صوته المميز، وأن يكون مطبوعاً في الذاكرة بحس شخصي إن لم يكن مأساوياً أيضا، ليلقي بظلاله على أحداث الفيلم. وكان شاطئ (OSTIA) حيث سحق جسد بازوليني هو المكان الأمثل الذي من الممكن أن تتلاقى فيه كافة الخطوط.. والمصائر. سألت «باولا» أن تقودني إلى الشاطئ الذي شهد اللحظات الأخيرة من حياة بيير باولو بازوليني. بعد جهد وصلنا إلى حزام الشاطئ على أطراف إلى مدينة روما. ترجلنا عبر طريق ملتوٍ شبه خال تصطف على جانبية صناديق قمامة، وعلى يسارنا يلوح البحر بصورة متقطعة من وراء أسوار بنايات منخفضة يكتنفها حس بالوحشة والخواء. كان النهار قد انتصف لكن الشمس كانت مطفأة. سحب سوداء معلقة فوقنا لا تتحرك. وكان انفساح السماء الفجائي وامتزاجها بصور أكوام الزبالة والمخلفات وحفيف أمواج بحر أوستيا يعطي انطباعا ثقيلا بكآبة مقبضة. وعبر مساحة من نباتات عشبية متطاولة الارتفاع أشارت «باولا» إلى بقعة ينتصب وسطها «نصب» رث الشكل مقام على قاعدة أسطوانية تشير إلى المكان الذي اغتيل فيه بازوليني. لبثنا صامتين نحدق أمامنا عبر حاجز من السلك والهواء البارد يضرب وجهينا ببلل رذاذ خفيف، وفي التو أحالنا المكان في وقفتنا الشاردة إلى تلك الهوة العميقة التي يخيل للمرء أنها تعتقل داخلها آلاف الأصوات الموغلة في وحشيتها، بينهما صوت بازوليني كصرخة محتجبة فيما وراء صمت شاطئ أوستيا، والتي كانت قد وئدت قبل انطلاقها خارج الفم المفتوح متفجرة بلذة الدهس والعجلات الأربع تمخض اللحم والعظام بترانيم طقطقة الرأس التي استسلمت لوهدة الرمال المنبسطة. ... فكرت في هول تلك العذابات التي قُدر له أن يحملها فوق كاهله لثلاثة وخمسين عاما، هي كل سنوات عمره التي عاشها، وانه كان واحدا من هؤلاء الأفراد الذين منحهم الرب امتياز النفي وطلب العداء والاختلاف، منذ ميلاده بمدينة «بولونيا» في ٥ مارس 1922، وحتى موته القاسي ليلة ٢ نوفمبر 1975. وما كانت تلك التواريخ السابقة كعلامات ميلاد وموت سوى تسهيل بيوجرافي على قارئ سيرة رجل الرماد أو بازوليني المستعار. وحده الحب ، وحدها المعرفة ، هما ما يحسب حسابهما، وليس ماضي الحب، وليس ماضي المعرفة. أية أحزان سوداء تخلفها حياة الحب المستنفد، حين تتوقف الروح عن الصيرورة. من منهما كان قد اختار المكان: الطراد أم الفريسة!؟ شاطئ أوستيا او المكان القبلي الذي اختار من «مطلق» بازوليني لينال فيه صرعته الأخيرة. لا أحد يقدر على تخيل ما دار بينهما «بازوليني/ بيلوسي» في تلك اللحظات المرعبة التي قادته إليها عماء شهوة جائعة، وألم وحدة ويأس، دفع بالشاعر والسينمائي أن يدفع حياته ثمنا لرغبته في أن يتمثل نفسه بجوار شخص آخر يستطيع أن يمنحه بعض الدفء، أي شخص حتى لو كان عاهرا أخرق، أو مأجورا، من قبل جماعة ما؟ ستصرعه بوحشية سادية، حتى قبل أن ينال الشاعر بغيته المرجوة. ولا أحد يقدر أيضا على التكهن بما كانت ستؤول إليه حياة بازوليني الفنية لو لم يمت، أو بالأحرى لم تقده قدماه إلى محطة قطارات روما »(TERMINI)وان يقابل الفتى «جوسيبي بلوسى» مصطحبا إياه إلى شاطئ أوستيا المهجور، وأي نوع من الأفلام كان سيقدمها بعد إنجازه الجزء الأول من ثلاثية منحها للموت والكراهية، والتي بدأها بفيلم «سالو/مائة وعشرون يوما في سدوم» فيلمه الأخير الذي مات دون أن يشهد عرضه الأول خارج وطنه. لكن الأرجح أن حياة بازوليني كانت قد انطلقت دون رجعة مثل قذيفة وانتهت بأن أصابته هو نفسه في جسده وروحه على شاطئ الموت. رعب اللحظات التي عاشها بازوليني هو ما يؤرقني الآن وأفكر فيه بنشوة تسديد الضربات المتوالية، والتي يقطعها إرتعاشة صوته المتضرع، والمستميت، في تلقي الضربات وجها لوجه مع القبضة المكورة لقاتل مجهول الاسم - وعابر بطبيعة الحال - كي تكتمل شعرية المشهد - وربما أيضا كان قد نسي في غمار تشوش حواسه الملتهبة والمتوترة بلذة العناق المنتظر أن يسأل الفتى عن اسمه!! ألم يعن له أيضا أن يسأله لحظة تلقي الضربة الأولى المذهلة والمفاجئة وهو في ذروة هياجه الحسي، والتي ربما ظنها بازوليني أنها من طقوس تطييب الحواس ودغدغتها قبل الانسحاق التام والتمرغ، قبل أن يعاجله الفتى بضربة ثانية كصدمة شاعر في صمت العالم وقسوته، وهو لا يزال واهما يتشبث مهتاجا بلحم الفتى، الذي فاجأه بضربة ثالثة ليؤكد قيمة وعنف الضربتين السابقتين. كان مشهد النهاية قد نفذ بفنية عالية موغلة في الصنعة: تحطيم الوجه بعصبية غير مبررة ثم تهشيم الرأس بتصميم حاد لا راد له، وأخيرا دهس الجسد ومحو معالمه نهائيا - كمقصد شعري/ إستعاري - يراد به إخفاء الجسد وسلبه كل ما هو شخصي من ملامح وسمات مميزة، كعلامات يسهل من خلالها التعرف على بازوليني الشخص، وتحويله إلى كتلة متخثرة منعدمة الشكل، ومجردة. لماذا يبدو لي هذا المشهد بكل وحشيته ونقائه التدميري كقطعة عذبة من موسيقى مؤلفة لآلتين وتريتين لم يكتبها قط «فرانزشوبيرت» او مشهد سينمائي لم يصوره بازوليني نفسه، وقد أغفله عن عمد في اللحظة الأخيرة من نهاية يوم عمل شاق، مقررا إرجاءه لخطة تصوير اليوم التالي. وفي ظني ان المشهد الأخير في حياة بازوليني يظل صالحا لأن يكون مقطعا سينمائيا مستقلا بذاته، جديرا بأسلوبيته المميزة، أو على وجه الدقة «بلا أسلوبيته» المتفسخة والبدائية، وبالطبع بالإمكان اضافته كنهاية محتملة ومقترحة لفيلم )olas)، ومع استعارة عنوان رواية جوزيف كونراد (قلب الظلمات) ليصبح عنوانا دالا ومعبرا عن حياة المخرج ذاته الذي لم يبتغ سوى عمق الأحشاء وظلمتها البدائية. لماذا في هذه الصيغة المطفأة كما الدم، تقاوم معرفتي هكذا، وتكاد تخنقني بسبب الدهشة الغاضبة، لأن كل شيء يؤلمها، لماذا في أعماقى تكمن الأحاسيس ذاتها بنهارات لم تكتمل أبدا؟ تنزوي في المجرات الميتة، حيث يعتري الشحوب هذه الحفارة؟ أتعرى في واحدة من آلاف الحجرات حيث ينام البعض في جادة فونتيانا. على كل شيء يمكنك أن تحفر: الزمان، الأشواق، الآمال. كل شيء من الممكن أن ينتظر الآن: أن تتوقف حركة المجرات. أن تتجمد مياه البحر، أن تتلاشى وتمحى ذكريات الماضى بكل آثامه وتخبطاته الأيدولوجية، حتى يفرغ الشاعر من شهوة ملحة لعاشق خجول يتعجل بنفاذ صبر مراهق، لم يتخلص بعد من أصوله الريفية وتربيته الكاثوليكية، ولا يزال وهو في الخمسين من عمره تؤلمه تعثر البدايات المشاكسة والمضحكة قليلا. ارتعاشة الأطراف والأصابع وهي تتلمس طريقها خلسة مصطدمة في لهوجة بالأزرار الصلبة، وشعث الملابس الثقيلة المحبطة ليد عاشق عجول يتلهف في سعيه الحثيث الأعضاء الرطبة المتوترة. الأيدي المرتعشة تبدو في الظلمة المشروخة بأضواء فوانيس السيارات المارة بحزام الشاطئ، كحيوانات أليفة، وقد اكتسبت حياة داخلية من نوع خاص، مفصولة ومعزولة عما حولها من الأشياء. فلاشات ضوئية قاطعة وخاطفة تسطع بشكل مفاجئ منسحبة على الوجهين المتلاصقين. هدير محرك «الفاروميو» يدور غير مبالٍ بما يحدث على بعد خطوات قليلة، بطنين ممل ورتيب، مسطح الإيقاع، كأنه اوركسترا سيمفوني يعزف مقطوعة من التشوش الصوتي مؤلفة خصيصا لتُكون خلفية لمشهد يؤديه ممثل هاو، قادته أهواؤه، وحظه العاثر إلى مسرح طبيعي خال من جمهور، أو حتى من الأدوات المتعارف عليها واللازمة لتشكيل عرض فني. هنا لا توجد مصابيح إنارة تكشف عن وجوه الممثلين أو انفعالاتهم التي تموت في نفس اللحظة التي تولد فيها، أو ستار أحمر. مطرز بخيوط مذهبة تتلوى بصرامة شكلية على النسيج المخملي، من أجل استخدامه بين الفواصل أثناء تغيير أوضاع الجسمين لحظة الاشتباك والعراك الدامي. بل انه قد تم أيضا الاستغناء عن الملقن الذي عليه أن يردد على مسامع بازوليني العبارات والكلمات التي ستسقط عفوا من ذاكرته. لا يوجد هنا على مسرح أوستيا سوى العري الخام للوجود، والذات المتجذرة داخل ديكور أعد ببراعة مهنية نادرة للحظة تفجير مثلى، مُنتظرة ومُتوقعة، كقدر لا فرار منه إلا إليه. بالإضافة إلى بعض المفردات المرئية المتشظية، ككلمات قصيدة، مشغولة ومطرزة بحدود الصفحة وفراغاتها. ويخيل إلي أن تلك المفردات التي ساهمت في تشكيل العرض الذي أداه بازوليني ببراعة يصعب تصورها، قد انتزعت نزعا من سياق قصائده نفسها الممزقة بين ألم الجوع التاريخي والطبقي وألم الجوع الميتافزيقي والفردي، وان كان التاريخي قد أفسح، هنا، مكانه بلا عودة للفردي والوجودي. سماء مرشوقة بإبر كعيون منطفئة تومض بإرتعاشات مجرات لذة سفحت في زمن ماض لا يمكن استعادته/ عرق يطفر من حدقات مغمضة في دفء أجساد رومانية متشنجة بدوار ذبذبات حناجر جماهير الثورة المنشودة والتي ستترك الفرد حائرا ومهيضا، في وحشة فردانيته/ أصوات قطارات محطة INIMRET التي لا تهدأ أبدا في رواحها ومجئيها، وتعثرها المتشكك بين البدايات والنهايات/ وجوه غرباء متدثرة بالذل والهوان، وهي تعبر جادات روما العتيقة وشارع ماركوني وسان جيوفاني في صباحات غائمة لم تفق بعد من نعاس ليلة سابقة على اليقظة/ أجساد فتية مميزة برشاقتها، وقد توزعت بسمترية الانحطاط الإنساني، في أركان وحنايا محطات تنبئ بهول اللذة التي ستجنى بعد قليل من التعارف/ أكوام النفايات التي لعقتها في نهم أمواج اوستيا ثم تركتها تفوح بعطن يتطوع في خراب الروح / زجاجات النبيذ الفارغة، أبيض.. أحمر والتي جلبت من القلاع الرومانية من أقبية تضيق بنبيذ الدم الأحمر للطبقة. كان بازوليني يتلقى الضربات صاغراً، منساقاً، منجذباً إلى القبضة (وأيا كان الذي يسدد اليه الضربات، سواء «بيلوسي» الصغير أو آخرين شاركوا في تسديد العنف وكما أشارت إليهم خفية التحقيقات والشكوك) فالألم لا بد أن يصل إلى منتهاه، إلى العمق المشتهى، كي يؤطر مشهديته بتلك الغنائية الشعرية، والتي تكلل حدود صفحته البيضاء، المصقولة بالفراغات اللا محسوسة، التي تتخلل الضربات، والتي هي نفسها علامات الترقيم والتنصيص الموضوعة لخدمة القصيدة. تلك الفراغات التي طالما استخدمها بازوليني مرارا وتكرارا في كتابة أشعاره، وغايتها تهذيب الإيقاع بين السكون والحركة. لا شك أن بازوليني قد قاوم وبعنف، وبعد هنيهة قصيرة أفاق من تهويمة نعاس ثمل كانت قد اجتاحته فنهض يجري وهو يواري جراح وجهه متجها إلى سيارته. ومن الممكن ان نتخيله من جديد، وبصورة هزلية، وهو يقاوم سقوطه وتعثره، ثم متحاملا ينهض نفسه بصعوبة بالغة وهو يلهث فزعا ليعاود السقوط من جديد. أية أفكار سوداء كانت قد اجتاحته في لحظات الرعب؟ وأية صور تخايلت أمام عينيه، وهو يلتفت حواليه، طالبا أن ينجده أحد من مصير ظل طيلة حياته يسعى إليه، بدأب، وتأن. كان المنظر الذي يلوح إليه الآن قد تميعت حدوده، وقد غرق العالم في ضبابيته، لكنه فجأة قفل راجعا، محولا اتجاهه بعيدا عن السيارة، وهو يغمغم كحيوان يعوي، مستديراً بوجهه المدمي إلى الخلف مواجها الرفقاء، وكأنما في سعيه بين اتجاهين متعارضين أراد أن يشطر نفسه بنفسه. كان يتجه إلى الأمام هرباً، وفي نفس الوقت، كان يتجه إلى الخلف، وكأنه أيقن داخله بعبث الفرار، وأن عليه أن يواجه الصمت كشاعر، وان يسلم نفسه طواعية للمشهد في ثباته الأخير. أن يمنح نفسه «لي» كسؤال يراود مخيلتي!! من منهما كان قد أغوى الآخر أن يخوض في عماء الرعشة الأخيرة المؤطرة بنظرة بازوليني التي لم تكن هي نفسها نظرة الرعب الرخيصة المستهلكة في الأفلام التي أجاد صُنعها، لكنها كانت في صلابتها، وجمودها، قد تصعدت بالشك والجحود والنكران للوجود الإنساني ذاته. من الممكن ان نستمع إلى نهاية الحركة الموسيقية بين آلتين وتريتين: طقطقة العظام والجمجمة، ثم العجلات تمر بنعومة حريرية، وبلا مقاومة، على الرمال التي أصبحت طريقا معبدا بجسد. علمتني الدنيا كيف أدافع عن نفسي، وأهاجم. وأقبض على العالم وجها لوجه، وليس في القلب وحده وهكذا عرفت أن قلة هم من يعرفون الأشواق التي عشت فيها أنا! .. لماذا أعود الآن إلي بيير باولو بازوليني الذي نسيه الجميع كوصمة عار جديرة بالمحو والإلغاء. لماذا أعود إلى كلماته الموسومة نهائيا بالنفي والعزلة وإلى صوره الشغوفة بحرقة الأشواق إلى التماهي؟ إلا انني انشد مثله الغضب والجوع إلى الرفض في هذه الحقبة اللإنسانية التي نحياها، بكل مباهجها الما بعدحداثية!! لم يكن صباح الأحد ٢ نوفمبر 1975 يوما عاديا مثل أي يوم آخر في مجرى تاريخ إيطاليا السياسي والثقافي. « على طريق ميناء «اوستيا» وجد جسد رجل فارق الحياة، من الوهلة الأولى كان من الصعوبة بأي حال من الأحوال التعرف عليه، حيث توجد جروح وسحجات في كل مكان من الجسم، الصدر كان مسحوقا، وملامح الوجه ممزقة بعنف وحشي، ويبدو الجسد ككيس من الخرق.. (un sacco di stracci) بعد مرور ساعات قلائل تم التعرف على الضحية: بازوليني بيير باولو - دي كارلو/ السن: 52 عاما/ ولد في بولونيا/ محل الإقامة: روما/ كاتب ومخرج سينمائي محترف (الوصف السابق تم استيفاؤه وأرشفته بواسطة دورية الشرطة الصباحية بأوستيا) فور بث الخبر المثير للاضطرابات على شاشات التلفاز أصيب المثقفون ورجال السياسة بالذهول والقلق، كانت نصف أوروبا محاصرة بالغضب، كما أن مشهدية الموت ذاتها التي قام بها القاتل قد أعادت إلى الأذهان صور الرعب الفاشيستي . فلم يكن موت بازوليني موتا عاديا، فقد أثار في الحال مناظرات جدلية عنيفة، بل انه نفذ عميقاً في جوف جرح المجتمع الإيطالي الحديث «مجتمع ما بعد الحرب والمعجزة الصناعية، والبرجوازية المتخمة بالفساد الاستهلاكي والتحولات العنيفة». لم يصدق أحد بموته: بازوليني الشاعر مؤلف (رماد جرامشي)، المجادل العنيف صاحب الأعمال النقدية (عاطفة وأيدولوجيا)، والروائي ذائع الصيت مؤلف (أولاد الحياة / حياة عنيفة / نظرية)، والسينمائي والمنظر الجمالي مخرج (ماما روما / اكاتوني/ انجيل متى)، والكاتب المسرحي مؤلف (حظيرة الخنازير/ بهيمة مطعونة)، قد قتل بشكل مخيف ومفزع ومن قبل واحد من أولئك الذين شكلوا عالم روايته الأولى «أولاد الحياة»، واحد من المهمشين الذين وصفهم عبر كتاباته، وعشقهم أيضا، فتى يدعى «جوسيبي بيلوسي» يبلغ من العمر 17 عاما، ويلقب بين زملائه من المهمشين بالضفدعة. تلك الصدمة التي أثارها موته، دفعت «البرتومورافيا» أن يصرخ منفعلا أمام كاميرات التصوير، معلقا على موت صديقه «أن شعراء العالم قليلو العدد بالقياس إلى السياسيين» كإشارة أن موت بازوليني ليس إلا اغتيال سياسي «جريمة سياسية»، وهو الشعار الذي سيظل مرفوعاً حتى الآن من قبل أصدقاء بازوليني الذين وقفوا إلى جواره وساندوه في معاركه السياسية والثقافية. أما لوكينو فسكونتي فيعلق علي الحادث فوق صفحات جريدة «الوحدة اليسارية» (L, unita) قائلاً: إن نهايته المرعبة يمكن أن تحدث فقط في إيطاليا البلد الذي فيه العنف حر غير مراقب. عقب موته وفي صباح اليوم التالي، خرجت الصحف تتصدر صفحاتها الأولى صور بازوليني، بوجهه الحاد، وعينيه المشعتين دوما بنظرتي الدهشة والغضب معا. وانتاب الأوساط بجميع تياراتها، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، جنون هذياني ذو طابع هوسي، ومن الحزن والكآبة والصدمة، إلى الفرح والنشوة لموت واحد من أكبر صانعي الفضائح الثقافية في إيطاليا وأوروبا. واحد من أعظم صانعي الشعر والسينما والرواية في القرن العشرين. أما الأوساط اليمينية، والدينية الكاثوليكية فلم تخف فرحها بانزياح عبء كبير أثقل كاهلهم طويلا بأفكاره ومناظراته السياسية، واصمة إياه بين ثنايا الأعمدة الصحفية، بالشذوذ والابتذال والخيال الانحلالي، والدأب على الهزء بالمقدسات، والجهر بمثليته «على طريقة شعراء جيل البيتا في أمريكا «إيلين جينسبرج/ جاك كيرواك». وقد أثارت التحقيقات في الحادث الشبهة غير المعلنة رسمياً حول تواطؤ مؤسسات مختلفة - بما فيها الحزب الاجتماعي الفاشي وراء مصرع بازوليني، حيث بدت المسؤولية موزعة بين أطراف متعددة، سواء بالصمت والإمساك عن التصريح بالأسماء الحقيقية التي تقف وراء مقتله، أو بشكل غير مباشر في توجيه الرأي العام - وهذا ما انتهت اليه التحقيقات الرسمية والقضائية - نحو اعتبار الحادث أنه مجرد خلاف بين داعرين، وانه نال ما يستحقه، وأن هذه هي النهاية الوحيدة الممكنة لرجل منحرف. ... بعد مرور ثلاثة أعوام على وقوفي في نفس الموضع المختار الذي لقي فيه نهايته على شاطئ أوستيا، عدت مرة أخرى إلى العكوف على الملابسات الغامضة لموته، وأثناء ذلك عثرت بطريقة المصادفة العابرة (والتي تضمر لى دائما شرا لا سبيل إلى اتقائه) على صفحة مهترئة من يوميات الشاعر اليوناني السكندري «قسطنطين بيتروس كافافي». كانت اليوميات قد دونت في الفترة المحصورة بين عامي «1894 - 1924» وقد ترجمت ونشرت مجمعة، كيفما اتفق، دون ترتيب، أو تتابع دقيق لزمن كتابتها الفعلي. وأمام شذرة من اليوميات، توقفت طويلا ممعنا النظر فيها، وقد أعدت ترديد السؤال ذاته على نفسي، متسائلا في شك وريبة: هل كانت مجرد صدفة عمياء تلك دفعتني في شراك بازوليني وشاطئ الموت، أم إنني كنت قد نصبت الشراك لنفسي في المضي قدما نحو غواية الاستعارات، دافعا بموت بازوليني في طريق شذرة كافافي. كانت الشذرة قد أعادتنى مجددا إلى التفكير في المشهدية الرومانسية ذات الطابع الرديكالي لموت شعري حققه بازوليني كصوت مرتد إليه. اما كافافي فكان قد خط شذرته في يوم مجهول من أيام عام 1894، وقد اغفل تماما تاريخ اليوم الذي كتبت فيه. يكتب كافافي ما يلى: «لا يصير الإنسان فنانا إذا لم يدمر نفسه قبل ذلك، إن تدمير الذات بالملذات على الأخص، ونستطيع أن نضيف: بالألم أيضا هو الطريقة الأكيدة التي تقود إلى الفن... قصائدي غريبة وملتبسة مثلي أنا». ... كنت أقرأ شذرة كافافي الغامضة، وأنا أفكر مدفوعا في نص حياة بازوليني الممزق إلى شذرات «مثل جسده الممزق إلى خرق بالية» وفي أشعاره التي صيرها في اتجاه أن تصبح مجرد قالب فني لحياته، مثلما كان مجال اوستيا مجرد اطار لوجوده. وقد يبدو لي الآن أيها القارئ العزيز وأنا أدون نصي المشتبك بنص بازوليني/كافافي» وبكثير من التلعثم أمام فرضية معقدة، وملغزة، إن كافافي قد كتب شذرته خصيصا من أجل مشهدية تليق بحياة وحشية لشاعر وسينمائي مثل بازوليني، وأنه كان قد أصدر لاهوت التبرير له قبل ما يقارب الثمانين عاما على موته. فلم يكن القاتل في الحقيقة سوى «القلم» ذاته الذي كتب به شذرته، أو حياته الملخصة في حكمة يوم واحد. هكذا رسم كافافي «حياة» بازوليني في مساراتها المتشابكة، مثلما كانت الشذرة قد حملت أيضا المصير الشخصي الذي ينتظر كافافي نفسه، أو نهايته التي ظل يسعى إليها، دون أن يحيد قيد أنملة عن الطريق المرسوم له، عندما حكم على نفسه بالعزلة المختارة داخل بيته حتى يوم مماته مساء التاسع والعشرين من شهر أبريل عام 1933. .. ما الذي عساة أن يمنحنا موت بازوليني سوى دحض لكافة الأسئلة، وإطلاق الخيال لبدائية اللحم والأحشاء، ثم الاستسلام الهادئ للرقاد والموت. أيها النور إنها المرة الأخيرة التي تشرق فيها علي لقد أغلقت الدائرة وانتهت الحياة حيث بدأت «نص بازوليني الشعري في نهاية فيلمه «أوديب ملكا». هوامش ٭ بيير باولو بازوليني: يعتبر من أكثر الصور موضعا للمجادلة والخلاف في الثقافة الإيطالية والأوروبية المعاصرة. توزعت اهتمامات بازوليني في مجالات إبداعية متعددة كروائي وسينمائي ومنظر جمالي وإيدولوجى ومعلق سياسي ، ويشكل لا مثيل له، كواحد من أكبر شعراء ايطاليا، دون منازع. ولد في مدينة «بولونيا» في ٥ مارس 1922 لأسرة برجوازية صغيرة، تنحدر من شمال ايطاليا، ابن لضابط يدين بالفاشية، وأم معلمة فريولية. طاف ايطاليا في طفولته مرتحلا بصحبة الأب، حيث أمضى مراهقته وشبابه في سنوات الفاشية الكئيبة. بدأ حياته الأدبية مبكرا كشاعر غنائي عندما أصدر ديوانه الأول «أشعار إلى كاسارسا» عام 1941، المكتوب باللهجة الفريولية الفلاحية ذات الصوت المسيحي الصوفي، التي تعلمها عبر أمه. في الفترة التالية للحرب التحق بالحزب الشيوعي الإيطالي عام 1947، لكنه يطرد منه في العام التالي، بسبب مثليته الجنسية، ويفقد عمله كمدرس للتاريخ، ويضطر للهجرة إلى روما بصحبة أمه، وهناك في روما تدفعه ظروفه الاقتصادية وبطالته إلى العيش في الأحياء الفقيرة على أطراف روما، وسط حزام المهمشين والفقراء والمهاجرين عن الجنوب الإيطالي، فكانت هذه الأحياء مصدر إلهام في إبداعاته سواء الأدبية أو الفنية لفترة طويلة من حياته. في عام 1955 يصدر بازوليني روايته الأولى «أولاد الحياة» محدثا ضجة ثقافية بعمله هذا، الذي يدور حول طبقات البروليتارية، والحياة العنيفة للمهمشين الفقراء، يتبعها بديوان «رماد جرامشي» في عام 1957، وفيه يجسد صراعه المحتدم بين العاطفة والأيدولوجيا وبين مأزقه كفرد في جماع تناقضاته الداخلية. في عام 1959 يصدر روايته الثانية «حياة عنيفة» والمستمدة أيضا عن واقع الطبقات البروليتارية في ايطاليا المعجزة الاقتصادية لما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1962 استطاع بشجاعة منقطعة النظير، ودون معرفة تكنيكية سابقة، أن يقدم على إخراج أول أفلامه السينمائية بعنوان «المتسولACCATTONE » واتبعه في الأعوام التالية بأفلام «ماما روما1962» و«الجبن1963» و«إنجيل متى الثاني1964» و«طيور كبيرة....عصافير صغير1965». توزعت أفلامه في تلك الفترة بين تصوير بؤس وعنف الفقراء، والتصدي لموضوعات دينية مقدمة بأسلوب شعبي، أو توجيه نقده التهكمي إلى اليسار المتصلب عبر أمثولات رمزية من اختلاقه. ثم في فترة لاحقة يعمل على تقديم أطروحات ذات جدل خصامي عنيف ضد البرجوازية الأوروبية وانحطاطها كما في فيلميه «نظرية 1968» و«حظيرة الخنازير 1969»، ثم ينتقل بعدها إلى معالجة موضوعات اسطورية مسقطا عليها إشكالياته الذاتية «أوديب ملكا 1967، ميديا 1969» ليتحول بعدها إلى معالجة موضوعات ذات طبيعة إيروتيكية مرحة مستمدة من قصص وحكايات من القرون الوسطي «ديكاميرون 1971، حكايات كنتربري 1972، زهرة ألف ليلة وليلة 1973» هذه الأفلام عنونها تحت اسم «ثلاثية الحياة». أما فيلمه الأخير «سالوا 120 يوم في سادوم»، المأخوذ عن مذكرات دي ساد بنفس الاسم، فيدور في زمن الجمهورية الاشتراكية السوداء تحت الحكم الفاشستي، وهو يعتبر أكثر الأفلام عنفا وكراهية في تاريخ السينما، وقد ولد الفيلم تحت حالة من الضغط العصابي الهائل والتشظي البازوليني إزاء تطورات المجتمع الرأسمالي العالمي وتشييع حالة من التشيؤ الإنساني، لقد فزع بازوليني من تحلل المشروع الماركسي، وأيضا إشكالياته المرحلية كمثقف سياسي مضاد للسياسات القائمة داخل ايطاليا. «سالو» هو آخر شهادة من شهادات بازوليني الصادمة في رصد تحولات العصر في الربع الأخير من القرن العشرين، حيث يموت دون أن يشهد ليلة عرضه الأولى في باريس، وكما سعى دائما للشهادة كمثقف في حياته لاحقته أيضا في موته ليلة ٢ نوفمبر 1975. ٭ قسطنطين بيتروس كفافي: ولد في الإسكندرية، في 17 ابريل 1836، وكان أبواه من أسرة يونانية ثرية تعمل بالتجارة في مدينة القسطنطينية. عمل كفافي صحفيا بعض الوقت، ثم التحق موظفا كتابيا في مصلحة الري التابعة لوزارة الأشغال، وظل في هذه الوظيفة ثلاثين عاما. كان كفافي يطبع أشعاره في طبعات خاصة ويوزعها على أصدقائه. في عام 1904 نشر أول كتاب يحتوي على أربع عشر قصيدة، وفي عام 1908 استأجر منزل «10 شارع ليبسيوس» في حي العطارين، حيث عاش وحيدا في هذا المنزل حتى وفاته وقد ضمنه شعريا في قصائده. تتغذى أشعاره كلها على حبه لمدينة الإسكندرية وتاريخها، ووعيه بتراث الثقافة الهللينستية، وقد افرد الكاتب الإنجليزي «هنري داريل» مساحة بارزة ضمت خليط شخصياته الروائية في رواية «رباعيات إسكندرية». توفي في ابريل 1933، وقد رفضت الكنيسة الأرثوذكسية الصلاة عليه بدعوى وثنيته وانحلاله الأخلاقي. ٭ باولا زانيسكو: فنانة إيطالية، كاتبة ومرممة أعمال فنية. شاركت كاتب النص سيناريو فيلم «أصوات ضائعة 1999»، توفيت في مايو 2000. ٭ مقتطفات من قصيدة بازوليني داخل متن النص بعنوان «بكاء الحضارة» ترجمة ضياء مجيد. |
|||||
|
|||||