لذة الحياة والشعر سيرجي يسينين

 

تقديم وترجمة : أحمد بن محمد الرحبي


سيرجي الكسندرفيتش يسينين (1895 - 1925) ألمع  شاعر روسي في القرن العشرين، وبالمقارنة مع أسماء معروفة أخرى لامست فترة حياتها أطراف الزمن الذي عاشه، مثل الشاعر الكسندر بلوك وفلاديمير مايكوفسكي، يتمتع اسم يسينين برنين خاص لا يخطئه قلب أي روسي استعذب  قصائده وتعذب بها. شاعر يذكرنا عبوره الخاطف وحضوره الملتهب بشعراء من أمثال سلفه ميخائيل ليرمنتوف. وبدون صوت يسينين ستغدو خريطة الشعر الروسي في القرن العشرين ناقصة النسغ الذي يمدنا قوة الشعر ويشق أمامنا قنوات إلى جمال الروح الروسي والأطياف الرافدة له. إنه شاعر لا يمكن ألا تحسده على ذلك اليُسر السيال في قصائده. وكأنه بذلك يختصر وظيفة الشاعر على قول ما تيسر لديه، وليس مطلوب منه آنذاك إلا أن يكون شاعرا فحسب. أن تكون مقولته عن الحياة ربيبة نفسه ثم يجهر بها أو ينشدها بصوته الخاص. ظل يسينين خلال حياته القصيرة يستعين بأي شيء يجده قريبا من الشعر والحياة: زوجات، عشيقات جئن في البداية يتجسسن عليه، ثم ما لبثن بعدها أن انزرعن قرب فيئه الفوار، بل أن «غاليا» وهي عميلة لجهاز المخابرات، لم تكن لتتردد في إشهار سلاحها بوجه زملائها لو أنهم حاولوا إيذاء يسينين، وغاليا العميلة هي نفسها المرأة التي لم تحتمل غياب الشاعر فأنهت حياتها فوق قبره.

ليس ثمة جسر يربط حياة يسينين بشعره يستدعي الحديث عنه، فالمدخل إليهما واحد. ترك في يفاعته  قريته «كونستانتينوفا» من قضاء «ريازان» وأقبل على موسكو ثم على العاصمة القيصرية «سانت بطرسبورغ» منتشيا بالحياة وبيده قصاصات شعرية. هنا قرأ بين يدي الشاعر الكسندر بلوك الذي كان يستمع إلى الشعراء الشباب في بيته ويسدي رأيه ونصائحه. يومها رأى بلوك أنه أمام موهبة حاضرة لا تحتاج إلى نصح، ترك بعدها يسينين بيت بلوك ليجول بشعره في بطرسبورغ وموسكو ويستمع إلى رجعه الحي.

   كان يمهد طريقه بالشعر. به ينشئ علاقاته بالآخرين وبه يحتدم معهم. ولأنه كان شعرا يسيرا في مُعطاه،  ممتنعا في رموزه وأدواته، كذلك وسعت علاقات يسينين أطيافا متضاربة من الشخصيات والطبائع. لم يمض وقت وجيز من مغادرته قريته حتى أخذت قصائده تتردد على ألسن الجميع: فلاحين وعمالا، وموظفين وجنودا وضباطا، شعراء وكتاب، وبذيوع صيته، طلبه القصر لرؤيته وسماعه.

  لم تتبدل الحال بعد انتقال روسيا من فضاء القيصرية إلى الاشتراكية، ففي نظر الشاعر كان ذلك انتقالا دراماتيكي في فلك السلطة، وفي كلا الحالتين مطلوب منا «أن نكون عبيدا لها»...  كما أسّر الشاعر ذات يوم لرفيقته وهو مستثار من لمز السلطة السوفييتية له في محاولة منها لاحتوائه. مع ذلك لم ينكر يسينين المبادئ التي بدا أن الثورة الطموحة أرادت أن تنبني بها بل انه كان حريصا على إثارتها كلما وجدها تتهاون وتهمد قوتها، وهي المعضلة التي ظلت قائمة بينه وبين السلطة المستحوذة على الحقيقة والمتبرئة من أية وصاية عليها. وبرغم توتر المناخ السياسي الذي رافق الثورة البلشفية وما ترتب عليها من غربلة شاملة على الصعيد الاجتماعي، إلا أن يسينين ظل مشدودا إلى تربة الشعر التي خرج منها، ولم تجنح سليقته الشعرية إلا إلى شواطئ الحياة والروح. ظل مستغنيا عن معسكر السياسة بمجد الروح الروسي الذي ينبض بشعر بوشكين وليرمنتوف وبلوك وبنثر تورجينيف وتشيخوف وديستويفسكي. ظل منصتا إلى أصوات أسلافه وهم يغنون في الأرض الشاسعة ويحولون أشعة الشمس إلى فراشات. كان دائما صاخب الحرية، صخب لذيذ استمال إليه الجماهير فتغنت به، ولكنه، ويا للأقدار، الصخب الذي فتح عليه بنادق الحساد.

تركت جولته القصيرة في أوروبا وأمريكا أثرا سيئا في أذهان الشعراء والجمهور الذين جاءوا للاستماع لأهم شاعر روسي في وقته: لم يستوعبوا فوضويته ولم يطيقوا قلق روحه التي ما كفت تكيل الغضب على مداهنة البرجوازية، ثم أنه سرعان ما أجبره الحنين على العودة إلى الوطن.

في روسيا كانت تنتظره حياة مضطربة توزعت بين ملاحقة رجال المخابرات له وملاحقته هو للمأوى، وذلك في ظل ظروف سياسية قاتمة كانت تخيم على البلاد، أي فترة مرض ومن ثم وفاة لينين وظهور الافتراق السلطوي في الحزب بين ترسانتي ستالين وتروتسكي، وهو الخصام الذي كسر نفوس الكثير من الحالمين بمبادئ الثورة والعدالة. في تلك الفترة سقط العديد من أصدقائه الشعراء ضحية المناخ الشرس، بينما سقط هو في دوامة من التوجس والخبال النفسي سحبته إلى شفا الجنون.

بعد ثلاث سنوات من رحلته الأوروبية وجد الشاعر معلقا في غرفة في أحد فنادق بطرسبورغ، ولا يزال الغموض يلف حادثة الوفاة حتى يومنا: هل مات يسينين منتحرا كما تثبت سجلات الحكومة فيكون الشاعر الذي مجد الحياة قد استسلم للغواية التي ما برحت تزحف إلى قصائده ومزاجه؟ فوفق نتائج التحقيق هناك قصيدة وداع سجلها يسينين قبل وفاته تحمل عنوان «وداعا صديقي وداعا»، وهي القصيدة أو رسالة الوداع التي استند إليها التحقيق لإثبات حادث الانتحار، ولكن يبقى أن العديد من قصائد يسينين لم تكن لتخلُ من نبرة الوداع والهجس بالفناء، وكان استدعاؤه لفكرة الموت يأتي لصالح إنعاش الحياة.. تماما كما أن البكاء يأتي في ذروة الجذل!       

عن شعر سيرجي يسينين

في قصائده الأولى نستمع إلى هدير الموسيقى القادمة من تيارات نهر الفولجا العظيم ومن حقول الثلج التي أنبتها الروح الروسي الملهم ذات تاريخ، شعرا وشجرا وكلاما. قصائد أنشودية هادرة وقاسية على كل مانع لجموح الحياة وما يقيد سطوة الجمال، وفي آن الوقت تتصادى مع غريزة الرفض والشك بالزمن الجارف الذي لا يجد فيه الشاعر سوى فعل إخصاء وتهافت سقيم مجرد من النبل والحشمة. يحاول أن يعيد ترتيب الكلام و«تشعيره» بتدارك الإيقاع الذاهل المستوحش من جلبة التاريخ، فيستحضر بذلك حفل (طقوسي) يلغي الزمن ليظفر بالحالة.  في هذه الحال هي قصائد حنين لنقاوة الشعر ولكن في محاولة للارتماء في كلية الشعر وليس اقتفاء للزمن الآفل وامتهان الفقد. في هذه المنطقة تنبني اللحظة الشعرية عند يسينين فيتخلق صوت الشعر وصداه: روحه وجسمه.  كما تحتشد قصائده بالإحالات والرمز والاستعارات اللفظية التي قد تستحوذ أحيانا على مقاطع بأكملها من القصيدة (اهتم يسينين بالاستعارة وكتب بحثا موسعا عنوانه «مفاتيح ماريا» وهو بحث في جمالية الاستعارة اللغوية في الذاكرة الشعبية الروسية). من ذلك تحضر بعض الصعوبة في ترجمة شعره، إلا أنها صعوبة ممتعة ومغرية، فالعالم الشعري عند يسينين - كما أتينا على ذكره سابقا- عالم رحب ومنفتح للحياة بتجلياته وعثراته، واللغة لديه طيعة حتى في أضيق أقبيتها، هو الذي كان يردد كثيرا بأنه صديق وتوأم روحي لبوشكين، شاعر القرن التاسع عشر الذي كانت معه اللغة الروسية، وليس الأدب الروسي وحسب، على منعطف جديد.             

قصيدة «الرجل الأسود»

قصيدة الرجل الأسود هي آخر قصيدة طويلة كتبها يسينين قبل وفاته (كتبها قبل ستة أسابيع  من وفاته أعقبها بقصيدة قصيرة ثم قصيدة الوداع)، وهي بجانب ذلك مرحلة إبداعية منقطعة كلية عن مجمل إبداعه السابق، وربما الأجدر القول أنها حالة شعرية بالغة الخصوصية أكثر من كونها «مرحلة» يمكن استبيان ملامح تطورها واندثارها.

في الرجل الأسود يختلف يسينين عما عرفناه في شعره السابق، بل اننا لا نكاد نتعرف عليه إطلاقا. شعر مختلف، عالم آخر انشق فجأة أمام الشاعر ما عاد معه شيء من الدنيا الماضية: عالم لا قبله ولا بعده. ولا غرابة في أننا نجد في الرجل الأسود ما يشبه مونولوجا شعريا مخنوقا، فالشاعر يندفع مجبرا فوق أرض محرقة ورجراجة بعد أن خربت لديه البوصلة. الرجل الأسود هو المخلوق الغامض الذي رآه الشاعر وهو وحيد، لا متاع لديه ولا حيلة له سوى الارتطام به جسديا، ذلك لأن الجسد، جسد الشاعر، هو ما تبقى على قيد الوجود بينما انحسر ما عداه وتباعد غاربا. الجسد في الرجل الأسود هو آخر رمز لقول آخر قصيدة.

لا يحضرنا في هذه اللحظة اسم لشاعر أو كاتب روسي أو غربي عاش تجربة الموت وسك مفرداته من صلبها مثلما في قصيدة الرجل الأسود. لا نعني (حتما) كتابات النفسانيين وتوصيفاتهم أو رؤاهم عن الهوس والخبال النفسي الذي قد يغرز مخالبه على فنان ما أو أي شخص يوسوس من لقاء الموت، فأن تصف الحالة شيئاً يختلف جذريا عن الكتابة وأنت مكتو بنارها. وبالنسبة لكتاب كغوغول وكافكا ولوتريامون (مثالا وليس حصرا بطبيعة الحال) استحوذت فكرة الموت على جانب من تفكيرهم وطبعت كتاباتهم (مثلما هو الحال لدى لوتريامون في كتابه أناشيد مالدورور حيث الموت يعوي في جسد الحياة وحيث تتشكل أشباحه العارية منها) أو أنها توارت (فكرة الموت) في مناخ الكتابة واكتسبت رؤية أو موقفا أدبيا ضمن مصهر إبداعهم، وهم بذلك، وبالمقارنة مع حالة يسينين (في قصيدة الرجل الأسود) ليسوا غرباء عن الفكرة وكان دأبهم معها دأب الصانع الصبور الذي يمزج عرق الوهج بتراب مخلوقاته.

قد يصح أن نجد من مرثية مالك بن الريب نسيبا لقصيدة يسينين!.. فكلا الشاعرين مريض: الأول بجراحه النازف المحسوس والثاني بعلة في الروح، وكلا القصيدتين تثورهما «نستولجيا» إلى الحياة الآفلة المنقطعة. مع ذلك يبقى اختلاف جوهري واضح في طبيعة مرضيهما، وما انعكس عن ذلك من توترات في القصيدة وطبيعة بنائها واسترسال قول الشعر فيها. الجراح النازفة «ببطء» من جسد ابن الريب وهو على الرابية يستشرف أجله، دفعه إلى قول قصيدته (ووصيته أيضا) وتدوين سيمفونيته الجنائزية الرائعة.. بكل روية واسترسال للشعر والفكر، وفيها فتل الصور المحسوسة ووزع الأصوات بأناة.    

في الرجل الأسود تذوي «فكرة» الموت وتتقلص إلى حد تكاد فيه أن تكف لتكون فكرة الموت هنا واقعا قبل أن يقع، موجودا قبل أن يسكن الجسد. وكأني بالشاعر ينفخ في روح القصيدة لتحميه وتعتني به قبل أن يعتني هو بها. وكأن الكلام يدفعنا للقول أن الدماغ وليس العقل، الأعضاء وليس الوجدان من يروي القصيد في الرجل الأسود.

  قصيدة الرجل الأسود هي جذوة الشعر وحيدة في وجه رياح المجهول.  


تصميم الحاسب الشامل