قصيدتان

 

 فاطمة ناعوت


٭ لا تهدموا الكوخ

أحتاجُ شبحًا

يرتّبُ خِزانتي:

أثوابُ الراحلين في جهةٍ

                        و الحِنَّاءُ في جهة،

ينزعُ الأزرارَ التي تفتحُ النوافذَ في الحاسوب

ويمرّرُ الفأرةَ فوق الجلدِ المتكسِّر

لتلعقَ البثورَ والغبارَ

والعلاماتِ التي رسمها العاشقُ

فوق ساقِ الحبيبة.

أحتاجُ شبحًا

ينسّقُ الكتبَ التي غدرتني

هذه الكومةُ تستحقُّ القَصاصَ

لذلك لن أمانعَ في حشوِ آذانِها بالقشِّ

لأنها أثقلت كتفي

ونخرتْ طمأنينتي.

الشبحُ يتفهَّمُ بهجتي

عند حرقِ الأغلفةِ الجديدة

ببرودةِ النازيين

واستخدام الأوراقِ كفَرشةٍ تحت الدجاجِ المقليّ

لامتصاص الزيت،

ويعملُ على إبقاءِ الصحونِ النظيفةِ

نظيفةً

مادام لم يلوثها العنينون بمجازاتِهم الرديئة.

الأشباحُ فضلاء

وصامتون

يصوّبون النارَ على الأقزام

الذين يلوثون الحوائطَ بدمائِهم

حين ينطحونها بالرأسِ كلَّ يوم أحد

لأنهم بغير ظِلّ

ذاك أن الطائرَ الضِّليلَ

لا يحطُّ إلا على رؤوسِ الشعراء.

والأقزامُ

يمتنعون.

الأشباحُ خفيفون

لا يشغلون الأمكنةَ

ويقتصدون في الهواءِ وفي الزمن،

علماءُ

يحجبونَ الشمسَ عن قصارِ القامة

لأن سيقانَهم المُبتَسرةَ

تُفسدُ لوحةَ النور والظِّل،

وحكماءُ

تنصتوا على الصبيّة والفتى عند الأصيل

جوار الساقية العجوز

- لو لم يكن بك عليّ غضبٌ لا أبالي

 فقال: بي !

ونهض إلى الكوخِ فبكتْ،

أصغرُهم صالحَها بوردةٍ

ومسحَ على جديلتِها

وكبيرُهم

رفع السبابةَ مُنذرًا:

لا تهدموا الكوخَ

به شاعر.

٭ ورقةٌ مطوية

أنتَ لم تنتبه،

غافلتُكَ وخبأتُها تحت عُلبةِ السجائر،

( في اللحظة التي أشرتُ فيها إلى عصفورةٍ بعيدة)

الورقةَ المطويةَ

فوق تابلوه السيارة.

بوسعنا قصُّها نصفيْن

لصُنْعِ جناحيْن لفراشةٍ على وشك الطيران،

بوسعنا أن نرسمَ عليها قطارًا

اشتبكَ كفّان فوق شريطِه ذات أصيل،

قبل أن يتكوّرَ مثل دودةٍ

تتأهبُ للولوجِ في الشرنقة.

الفمُ الذي بخَّ خيوطَ القزِّ

هو الفمُ الذي كان يدندنُ

»قفلنا الدار، لما فاتونا وهجروا الدار، قفلنا الدار «

فتنكمشُ البنتُ فوق عجلةِ القيادة

وتغمضُ عينيها في محاولةٍ للطيران.

لكن الكونَ يتسعُ

والأرضَ تضيقُ حتى تغدوَ حارةً في حيٍّ شعبيّ.

في هذا البيت

(الذي شرفتُه من الزجاج الملوّن)

ثمة مِقَصٌّ وقارورةُ صمغ، ورجل

يرتِّبُ وجوهَ النساءِ على الحائط

ناشطاتٌ - حقوقيّاتٌ - غوانٍ،

بينما وجهُ الحبيبةِ

ذابَ في الدخانِ الكثيف

الذي خلفته سيارتُها العجوز

الغاضبة.

بالورقةِ أسرارُ الفراشاتِ التي أنفقتَ العمرَ في تصبيرها،

فلا تتعجّل قراءتَها

سألقيها عليكَ من شباكِ الطائرة

حين تلوّحُ لي في  برجِ المراقبة.

فتعلّمْ كيف تنسى

وتعلّمْ كيف تمحو.


تصميم الحاسب الشامل