قصائد

 

 ياســر الزيـــات


٭  دمي ملوث بالحب

 

لا يبكي، لأنه قد يبدو ضعيفا. لا يحب ولا يكره ولا يحيا، لأنه قد يبدو ضعيفا. لا يأكل ولا يشرب ولا يكتب، لأنه قد يبدو ضعيفا.

المعلق في الطابق التاسع

لا ينتحر.

٭٭٭

وضع أمامه رائحتها، وضع عينيها، وجلدها، وشفتيها، وأخذ يكلم نفسه.

أزاح أنبوبة الأوكسجين، والمهدئ، وإبرة الجلوكوز، وأخذ يكلم نفسه.

بكت الممرضة، وعاملة النظافة، والسرير، وأخذ يكلم نفسه.

يكلم نفسه كل يوم، وهو يعمل، وهو يحلق ذقنه، وهو يستمع إلى شتائم السائقين، في الطريق من البيت إلى المستشفى.

٭٭٭

شاعر أحب امرأة تحب مطربا شهيرا، والمطرب الشهير أحب امرأة تحب الشاعر.

امرأة تشتري زهورا كل يوم لتلقيها تحت قدمي المطرب الشهير.

وامرأة تشتري زهورا كل يوم، وتحملها إلى مستشفى الشاعر.

والشاعر والمطرب الشهير يبكيان كل يوم.

والزهور تذبل

كل يوم.

٭٭٭

في المصعد، بالضبط في المصعد، بجوار باب المصعد، وضع يده على صدره، وتألم.

في المصعد التالي، فوق رأسه تماما، وضعوا أيديهم على صدره، فتألم.

قبل المصعد تألم، وعلى السرير تألم. عندما أحبها، وعندما تذكرها، وعندما أراد أن يكرهها

تألم.

٭٭٭

قالت له:«اهدأ». قالت له:« لماذا لم تأخذ المهدئ؟!». قالت له:« لا تنزع الإبرة مرة ثانية». قالت له:« لماذا تبدو ضعيفا هكذا؟!». قالت له:« لماذا تتألم؟!.

٭٭٭

« ضعي يدك هنا، ضعيها على هذه اللحظة الأبدية العابرة، وتألمي قليلا».

وضعتها، وتألمت، وبكت، وتذكرت، ورقدت على القبر المجاور.

لم تأخذ المهدئ، وكانت تتألم.

٭٭٭

يقول الطبيب إن دمي ملوث بالحب. وتقول العرافة إن حبي ملوث بالدم. ويقول بائع الجرائد:« تشبه صورتك بالأمس في صفحة الوفيات». ويقول حفار القبور:« لماذا يتوجع هذا الميت المجنون؟!»

وتقول الملائكة: «ألم نحذرك من تلك الجلطة العاطفية؟!». وتقول الديدان: «هذا جسد مغشوش بأنوثة غادرة». وتقول الرائحة: «أنا رائحتان». ويقول الحب: «أخرجوني من هذا الغبي، إنه يصدق كل شيء». وتقول الآلهة: «اعزلوه بعيدا عن بقية الموتى».

٭ سأختبئ في جسدك

سأكون بينكما، عندما تقبلينه، ولن يراني. بلباسي الأبيض، بالأنابيب التي تطرد دمك من دمي، سأكون بينكما. سأختبئ في الموسيقى، في صوته، في عينيه، وهو يحبك. سأختبئ في الرصيف، في الزهور، في أدوات الماكياج، وأنت تقفزين - بفرح - إلى دموعه. سأختبئ في جسدك، وأنت تتعرين له، ليبحث عن نبضات قلبك. سأختبئ هناك لأشفق عليه من براءتك، لأودعه وهو يبحث عن نفسه داخلك، فلا يجد سوى جثتي، ورائحتي، وكلماتي، وبقاياي الممزقة في روحك، ورماد محبتي.

انتبهي، سأختبئ في المظاهرة. انتبهي، سيرى مظاهرة 20 مارس، ويخاف من رجال الأمن. سيخاف من الشوارع والفنادق والبحر والقطارات والمقاهي وبائع النايات والرحلات المدرسية والأب والأم والملابس الداخلية وبيوت الأصدقاء. سيخاف من عينيك، ومن نهديك، ومن مائك الدافق، من رعشتك، ومن بكائك عندما تغني نانسي عجرم: «ما فيا اكون إلا إلك». سيخاف من الحب، من «سيرة الحب»، من دمي الملوث بالحب على ثيابك وجلدك. سيخاف من كلماتك المغلفة بروحي، من قتلاك، ومن أرواحهم القاتلة. انتبهي، سيخاف مني، لأنني سأكون بينكما، ولن يراني بلباسي الأبيض، وبالأنابيب التي تطرد دمك من دمي.

سيخاف من الأزمات القلبية، سيخاف حتى من الموت وهو يحبك.

٭ في رثاء عذرية عابرة

.. ولقد ذكرتك، عندما هربت من المنوم، فابتسمت. كيف تحبين رجلا لا يعرف «البوليرو»، ولا « الفصول الأربعة»، ولا «السيمفونية الخامسة»؟ كيف تسمحين له بأن يقبلك قبل أن يقرأ «الحب في زمن الكوليرا»؟ كيف تحسين لمساته، وهو لم يدخل في حياته «متحف الفن الحديث»، ولم يقبل امرأة على الكورنيش، أو يلمس نهديها في مظاهرة؟ كيف تصطادين رعشتك، وهو لم يحفظ بابلو نيرودا، ولم يمارس الجنس الهاتفي؟ كيف تحبينه - حقا - وهو لا يرى رائحتي التي تضيء جسدك، كلما تذكرتك؟ وكيف تبررين له دموعك عندما تقرئين قصائدي الجديدة؟

٭  ٭   ٭

سأرثي عذريتك.

هل يناسبك لقب «العشيقة الجديدة»؟

هل تفرحك قبلة الكواليس؟

هل ترضيك الآن أغنية «لما النسيم»؟

هل تنتشين من البانجو؟

وماذا تفعلين بالفراغ الذي تركته بكارتك؟

٭  ٭  ٭

لن أموت من أجلك. الممرضة، التي رسمت لك بورتريها من هذياني، تقول لي إنني لن أموت من أجلك. والطبيب، الذي شاهدك في صورة الأشعة، يؤكد لي أنني لن أموت من أجلك. وعاملة التحاليل، وحارس المستشفى، وكلب الجيران، والعاهرة الهزيلة الطيبة، وسائق التاكسي الذي يبكيه المرور في شارع حبيبته، وحبيبته، والجارة في المصعد، والمطر المفاجئ، وأسماك الميريديان، ولعبة اصطياد الدببة، والستارة الحمراء، والقلب الجرانيتي الذي لن يبكي في مطار أبدا، ولن يدخل مستشفى أبدا، ولن يتناول مهدئا أبدا، ولن يحيا أبدا، ولن يموت من أجلك أبدا.

٭  ٭  ٭

.. والفقيدة كانت ثمنا لحوار صحفي!


تصميم الحاسب الشامل