بــــــــراغ
 قصيدة تختفي

 

ترجمة: أمين صالح


براغ، المركز الدرامي و المكابد للقدرالغربي، تتلاشى شيئا فشيئا في سُدُم أوروبا الشرقية، التي هي لم تنتسب إليها أبدا.

هذه المدينة-الجامعة الأولى الواقعة شرقي الراين، المشهد الدائر في القرن الخامس عشر للثورة الأوروبية العظيمة الأولى، مهد حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، المدينة التي اندلعت فيها حرب الثلاثين عاما، عاصمة الطراز الباروكي و الإفراط فيه-هذه المدينة حاولت عبثا، في العام 1968، أن تجعل الاشتراكية «القادمة من البرد» غربية السمات أو الثقافة. صورة أطلنتس (الجزيرة الخرافية التي غارت في أعماق المحيط الأطلسي) تلتمع في الذهن. ليس مجرد الضم السياسي، الحديث نسبيا، لبراغ هو الذي جعل هذه المدينة تبدو نائية جدا ومبهمة. اللغة التشيكية، الصعبة جدا على الأجانب، كانت دائما تقف كزجاج غير شفاف بين براغ و سائر أوروبا.

 

ميلان كونديرا

                                      (١)

 

كل ما هو معروف عن بلادي، خارج تخوم بوهيميا، كان معروفا بطريقة غير مباشرة وعبر وسيط. التاريخ التشيكي كان مبنيا على أساس مصادر ألمانية. أعمال أنتونين دفوراك وليوش ياناشيك تمت مناقشتها ودراستها دونما أي معرفة بمراسلاتهما أو بكتاباتهما النظرية أو بالوسط الذي عاشا فيه، وحتى الآن لا يزال الكثيرون ينظرون إلى العلاقة بين براغ وكافكا دون معرفة أي شيء عن الثقافة التشيكية. والتأملات «الرائعة» بشأن ربيع براغ كانت قد تحسنت دون أي معرفة بالصحف والمجلات الصادرة في تلك الأيام.إن الموجة العظيمة للبنيوية، التي اكتسحت العالم بأسره، نشأت وانطلقت من براغ، لكن أغلب أعمال مؤسسي تلك المدرسة لم يحظ بالترجمة إلى لغات عالمية لأنها كانت تحلل روايات وأشعار تشيكية لم تكن معروفة خارج تشيكوسلوفاكيا.

في أحوال كثيرة، يستوقفني واقع أن الثقافة الأوروبية المعروفة تؤوي بداخلها ثقافة مجهولة أخرى مؤلفة من أمم صغيرة ذات لغات خاصة، مثل ثقافة  البولنديين، التشيكيين، والدنمركيين. البعض يعتقد بأن البلدان الصغيرة تحاكي بالضرورة البلدان الكبيرة، لكن ذلك مجرد وهْم. في الواقع هي مختلفة تماما. إن نظرة الشخص الصغير هي مختلفة عن نظرة الشخص الكبير. وأوروبا المؤلفة من بلدان صغيرة هي «أوروبا أخرى». إنها تقترح منظورا  آخر، وثقافتها في أحوال كثيرة هي في نزاع مع أوروبا ذات البلدان الكبيرة.

(٢)

إنها الظهيرة وأنا جالس تحت مظلة مبهرجة

براغ متمددة عند قدميّ

أراها كما كنت أتخيل المدن المسحورة

أراها كحلم بنائين متقلبي الأهواء

أراها كعرش، كموطن للسحر

أراها كحصن بركاني منحوت في الصخر

نحته رجل مجنون ومحموم.

                        فيتزلاف نزفال

 

إذا أراد المرء أن يبرز الفارق بين المراحل الثقافية المتعددة في أوروبا، بين أولئك المتأثرين بروح العقلانية وأولئك الذين ألهمتهم اللاعقلانية، فبوسع المرء الزعم بأن هؤلاء الذين ألهمتهم اللاعقلانية هم الذين هيمنوا على تاريخ براغ: الطراز القوطي، إسلوبية عصر النهضة، وخصوصا الباروكية.

أثناء أفول عصر النهضة، أصبح بلاط الإمبراطور رودولف الثاني المركز الأوروبي للمعرفة النخبوية والفن الفنتازي. في ذلك الحين، كان كبلر relpek ، المنجّم والفلكي، يعمل في براغ، كما فعل أرشيمبولدو، سلفادور دالي القرن السادس عشر، والناشط الإنساني اليهودي العظيم رابي لو.weoL ibbaR

حرب السنوات الثلاثين، التي أنهت حكم الملك رودولف، كانت كارثة حقيقية خلالها اختفى الشعب التشيكي تقريبا لأنهم أعادوا تحويل البلاد بالقوة إلى الكاثوليكية وأضفوا عليها السمات الألمانية. السحر التنويمي للفن الباروكي ساعد في عملية غسل الدماغ الهائلة والمستخدمة لتحويل أمة سلافية بروتستانتية إلى أمة كاثوليكية جرمانية. كل هذه التماثيل المعبرة والمتكلفة، كل هذه الكنائس الوافرة والأخاذة، هي مجرد «أزهار شر»، ثمار قمع.(هذا التواطؤ بين الجمال والشر هو أمر نموذجي في براغ، ونحن جميعا شاركنا فيه منذ طفولتنا).

العهد الباروكي لم يسبب الفورة الكاملة للجمال المعماري والموسيقي فحسب، لكن أيضا خنق التفكير الحر والأدب والرواية والفلسفة، والتي لم تكن موجودة تقريبا للقرنين التاليين: السادس عشر والسابع عشر. إن غياب العقلانية والواقعية قد حدث بسبب الإفراط في تنامي اللاعقلاني والفنتازي: أساطير، حكايات خرافية، خيال رهيب، وجْد. أحادية الجانب الاستثنائية لأدبنا، سواء المكتوب باللغة التشيكية أو باللغة الألمانية، تجلت وتنامت  في هذا الوقت. مذذاك فصاعدا صار السحري أكثر أهمية من الواقعي على نحو يتعذر قياسه. مستشهدا بقصيدة كتبها نزفال، وصف أندريه بريتون براغ ب«عاصمة أوروبا السحرية».. وكان محقا في ذلك.

في شوارع براغ كان بوسع فرانز كافكا أن يلتقي بكاتب ألماني عظيم من الجيل السابق هو جوستاف مايرينك، مؤلف الحكايات الطويلة. في العام 1902 نشر مايرينك حكايته الأولى «الجندي المشتعل»، عن رجل عسكري يصاب فجأة بحمى تستمر في الارتفاع حتى تبلغ درجة حرارته200 درجة، ثم تصل إلى 220، إلى أن يبدأ كل شيء من حوله في الاحتراق بمجرد الاقتراب منه، لذا يتفاداه الجميع. إن هذا تحول-غير مفسر وغير مبرر- لإنسان إلى وحش أو مسخ. بعد عشر سنوات، سوف يكتب كافكا قصته الشهيرة الأولى: حكاية جريجور سامسا.و كيف أنه -بطريقة غير مفسرة وغير مبررة أيضا-يحول نفسه إلى خنفساء.

الميراث السحري لبراغ، إذن، كان محفوظا ومحسّنا في آن في أعمال كافكا: إبداعه العظيم لم يتألف من توظيف مخيلة ذات غرابة في الرواية، فقد كان مخلصا تماما لتقاليد العاصمة السحرية، لكنه مضى جذريا أبعد من كل أسلافه (وهذا ما يميز عمله «التحوّل» أو «المسخ» عن كتابات مايرينك) وذلك بشحن الفنتازي بالواقعي (واقع الملاحظات الصغيرة وواقع الرواية الاجتماعية أيضا)بحيث أن مخيلته المفعمة بالحلم لم تصبح، كما النمط الرومانسي، ضربا من الهروبية أو الذاتية الصرفة، بل هي بالأحرى حفر في حياة حقيقية وطريقة لفضحها ولمباغتتها.

كافكا كان الكاتب الأول الذي أحدث (قبل أن يقترح ذلك السورياليون) مزيجا خيميائيا من الحلم والواقع، والذي خلق عالما مستقلا فيه الحقيقي يبدو فنتازيا، والفنتازي يكشف القناع عن الحقيقي. والفن الحديث يدين باكتشاف هذه الخيمياء للإرث البراغي(نسبة إلى براغ) عند فرانز كافكا.

                                        (٣)

ياروسلاف هاسيك kesaH valsoraJ  ولد في العام نفسه الذي ولد فيه كافكا وتوفي قبل رحيل كافكا بعام واحد. كلاهما ظلا وفيين لموطنهما، وبحسب الرواة، الاثنان التقيا في إحدى اجتماعات الحركة الفوضوية التشيكية.

سيكون من الصعب العثور على كاتبين مختلفين جوهريا أكثر منهما. كافكا كان نباتيا، هاسيك كان مفرطا في تعاطي الكحول. كافكا كان مستقيما والآخر غريب الأطوار. أعمال كافكا تعتبر صعبة، مشفرة، سحرية، بينما أعمال هاسيك صارت شعبية ورائجة جدا مع أنها لم تعتبر أدبا «جادا».

على الرغم من اختلافهما الشديد ظاهريا، إلا أن هذين الفنانين كانا أبني المجتمع نفسه، المرحلة  نفسها، المناخ نفسه، وكانا يتحدثان عن ذات المسألة: البشرية تواجه مجتمعا تحول (عند كافكا) إلى آلة بيروقراطية جبارة، أو (عند هاسيك)إلى آلة عسكرية: ك(يواجه المحكمة أو القصر، شفيك يواجه استبدادية الجيش النمساوي- الهنغاري.

في الفترة نفسها تقريبا، أ ي في العام 1920، ثمة كاتب آخر من براغ، هو كاريل كابيك cepaC، كان يروي في مسرحيته RUR قصة مخلوقات آلية (روبوتات).

وكلمة روبوت التشيكية، والمبتكرة حديثا، هي مستمدة من هذه المسرحية، وسرعان ما انتشرت عالميا. هذه المخلوقات الآلية، التي صنعها الإنسان، تبدأ في شن الحرب ضد الإنسان. وبسبب انعدام الحساسية لديها، وانضباطها الذاتي، تنجح هذه المخلوقات أخيرا في إبادة الجنس البشري وإزالته عن وجه الأرض، وتأسيس إمبراطورية ذات نظام خاص بها.هذه الصورة، عن زوال البشرية تحت موجة استبدادية خيالية، تتكرر في كل أعمال كابيك.. كما لو أنه هاجس، كابوس.

مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى، عندما خضع سائر الأدب الأوروبي إلى رؤية مشعة للمستقبل، وإلى الإيمان ببعث الثورة، كان هؤلاء الكتّاب في براغ أول من كشف عن الوجه الخفي للتقدم: الوجه المعتم، المهدد والرهيب.

هؤلاء الكتّاب، في الواقع، هم أفضل الممثلين لبلادهم: الشيء المشترك بينهم هو ذلك الاستشراف، المحرر من الوهم، لـ«أوروبا الأخرى» ذات البلدان الصغيرة والأقليات. لقد كانوا على الدوام ضحايا أكثر مما هم ممهدين للأحداث: الأقلية اليهودية (كافكا) المحاطة بشعوب أخرى لكن المعزولة عنها بفعل قلقها وعزلتها الخاصة. الأقلية التشيكية (هاسيك) التابعة للإمبراطورية النمساوية التي كانت سياساتها وحروبها عبثية وبلا معنى بالنسبة لهذه الأقلية. الدولة التشيكية المولودة حديثا (كابيك) كانت أيضا أقلية، تائهة وسط أوروبا ذات الأمم الكبيرة والتي تتدافع في اتجاه الكارثة التالية دون أن يتم التشاور معها على الإطلاق.

كتابة رواية هزلية عظيمة عن الحرب، كما فعل هاسيك في «شفيك الجندي الطيب»، هو أمر من الصعب جدا تخيّل حدوثه في فرنسا أو روسيا. كتاب كهذا يستلزم مفهوما خاصا للكوميديا (مفهوما لا يذعن أو يتنازل عن شيء، والذي يقوض الجدية في كل مكان) وطريقة خاصة للنظر إلى العالم. اليهود أو التشيك لم يتماهوا  مع التاريخ أو لم يفكروا بان أحداثه هي إما جادة أو مفهومة. تجربتهم القديمة جدا علمتهم أن يكفوا عن عبادة هذا الإله (التاريخ) ومدح حكمته. بالتالي فإن أوروبا ذات الأقطار الصغيرة، المعزولة ضد غوغائية الأمل، كان لديها صورة واضحة للمستقبل أكثر مما كان لدى أوروبا ذات الأقطار الكبيرة، التي هي راغبة دائما في أن تصير ثملة من جراء وعيها المتألق بالمصير التاريخي.

                                   (٤)

ما يجعل روايات كافكا وهاسيك خالدة ليس تصويرها للآلة الشمولية الاستبدادية، إنما الشخصيتان العظيمتان اللتان تحملان اسم جوزيف (جوزيف ك، جوزيف شفيك) واللتان تجسدان استجابتين إنسانيتين أساسيتين تجاه هذه الآلة.

و ما هو موقف جوزيف ك؟

مهما كلّف الأمر هو يريد أن يفهم المحكمة، التي هي مبهمة وغير شفافة كما مشيئة الله عند كالفن (اللاهوتي الفرنسي البروتستانتي.. والكالفينية هي القائلة بأن قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته). جوزيف يريد أن يفهمها وأن يجعل نفسه مفهوما. بهذه الوسيلة، هو يصبح «متهما راغبا في التهمة»: إنه يندفع إلى الاستجواب من أجل الوصول في الموعد المحدد، مع أن أحدا لم يحدد له أي موعد للاجتماع. وعندما يقوده الجلادان إلى حتفه، هو يحميه، ومن شرطة البلدية بسترهما عن الأنظار.المحكمة لا تعود عدوة له بل حقيقة يسعى وراءها لكن يتعذر بلوغها. إنه يريد أن يمنح المعنى لعالم لا معنى له وهذه المحاولة تكلفه حياته.

وما هو موقف شفيك؟

في بداية الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت مع غزو صربيا، يقوم جوزيف شفيك، السليم بدنيا، والذي لا يعاني من أي مرض، باستخدام كرسي متحرك خاص بالمقعدين، تاركا الآخرين يدفعون كرسيه عبر براغ للمثول أمام هيئة الخدمة العسكرية للإعلان عن حضوره واستعداده لأداء الواجب.إنه يزعق بحماسة حربية: «إلى صربيا، إلى بلغراد». وكل من يراه من مواطني براغ يستغرق في الضحك، لكن الدولة لا تستطيع أن تفعل شيئا ضد شفيك.إنه يقلد على نحو تام إيماءات الأشخاص من ذوي النفوذ والذين يراهم من حوله. يردد شعاراتهم ويشارك في احتفالاتهم. لكن بما أنه لا يأخذهم بجدية أبدا، فإنه يحولهم إلى نكتة، مزحة.

أثناء قداس عسكري، حضره حتى الجنود في السجن، يقوم القسيس كاتز، المخمور دائما، بإلقاء موعظة طويلة ضد خطايا الجنود. شفيك، مرتديا سرواله الداخلي الطويل الخاص بالسجن، يشرع في النشيج على نحو ضاج. إنه يتظاهر بالتأثر وبأن كلمات القسيس حركت مشاعره، الأمر الذي يفضي برفاقه إلى ضحك نصف مكبوت. إن روح التهريج تحمي سلامة واستقامة الطبيعة الإنسانية عند شفيك، حتى عندما يتعرض إلى التلاعب من قبل الجيش في الحرب. لقد نجح شفيك في العيش وفي البقاء في عالم بلا معنى لأنه، بعكس جوزيف ك، يرفض أن يبحث عن أي معنى في هذا العالم.

إنه أمر آسر رؤية التواصلية التي تربط براغ الخيالية والحقيقية: هذه الشخصيات العظيمة، النابعة من الخيال، تندمج مع الحياة نفسها. صحيح أن روايات كافكا تمت إزالتها من رفوف المكتبة العامة، لكن براغ اليوم تستمر في إعادة تمثيلها. لهذا السبب هي مشهورة هناك ويتم الاستشهاد بها في الأحاديث اليومية في براغ.. تماما كما هو الحال مع أعمال هاسيك المتوفرة أكثر.

لقد شاهدنا الآلاف من جوزيف ك أثناء وبعد المحاكمة الشهيرة لسلانسكي yksnalS في 1951. في ذلك الوقت كانت هناك محاكمات لا تحصى ومن كل صنف:حالات إدانة، طرد، توبيخ رسمي، مضايقات.كل هذا حدث بينما الضحايا الذين استبد بهم الشعور بالذنب، المنهمكون في نقدٍ ذاتي متواصل ولا ينقطع أبدا، كانوا في أمسّ الحاجة إلى فهم المحكمة وجعل أنفسهم مفهومين من قبل المحكمة. لقد بذلوا، حتى الدقيقة الأخيرة، أقصى ما لديهم من جهد لإيجاد معنى ما في أعمال آلة فارغة، لا معنى لها، كانت تسحقهم بلا رحمة. هؤلاء هم «المتهمون الراغبون» الذين كانوا مستعدين وتواقين لمساعدة جلاديهم حتى اللحظة الأخيرة من مثولهم أمام الخازوق، هاتفين: عاش الحزب. هؤلاء رأوا عظمة معنوية في إخلاصهم وولائهم الغريب على نحو بشع ومغاير لكل ما هو طبيعي. الشاعر لاكو نوفوميسكي، بعد أن أطلق  سراحه من سجن شيوعي، كتب سلسلة من القصائد في تمجيد هذا الولاء والإخلاص. وشعب براغ سمى هذه القصائد: امتنان جوزيف ك.

شبح شفيك أيضا حي في شوارع براغ. ذات مرة، بعد الغزو الروسي في العام 1968، ذهبت إلى تجمع كبير للطلبة. كانوا ينتظرون حضور هوساك، زعيم الحزب الجديد الذي عينه الروس، وكان من المفترض أن يلقي خطابا غير أنه لم يستطع أن ينبس بكلمة واحدة، لأن كل الحضور شرعوا في الهتاف: يعيش هوساك، يعيش الحزب. والهتاف استمر لخمس دقائق، ثم لعشر دقائق، فربع الساعة، وفي النهاية اضطر هوساك، الذي ازداد احمرارا واحتقانا، إلى المغادرة. لاشك أن عبقرية شفيك هي التي أوحت للطلبة بهذا التكنيك الذي لا يُنسى.

في هذين الهتافين «عاش الحزب»-هتاف أولئك المحكوم عليهم بالموت، وهتاف الطلبة في مواجهة هوساك-أرى موقفين متطرفين تجاه التوتاليتارية.. لكن أدب براغ هو الذي أظهر بوضوح مثل هذا التطرف منذ ثلاثين سنة تقريبا.

«كفى سيكولوجيا»..هكذا كتب كافكا في يومياته، الملاحظة التي كان من الممكن أن يكتبها ياروسلاف هاسيك بنفس القدر من السهولة.من هو شفيك هذا الذي يتصرف مثل معتوه والذي، على الرغم من الوضع العام، يقول كلاما غير لائق وغير مناسب؟ ما الذي يفكر فيه حقا؟ ما الذي يحسه؟ ما الذي يمكن أن يحثه على ممارسة مثل هذا السلوك المتعذر تفسيره أو تعليله؟

التدفق الشائع والسهل ظاهريا للرواية لا ينبغي أن يحجب الطريقة غير العادية وغير التقليدية التي بها تُبنى وتُركب شخصية شفيك.

الموقف المضاد للسيكولوجيا عند كتاب براغ سبق بعشر أو عشرين سنة النموذج الشهير الذي وضعه أولئك الروائيين الأمريكان عندما جردوا قصصهم من أي استبطان للأفكار والمشاعر والدوافع. الأمريكان فعلوا ذلك مهتمين بالفعل والأحداث، محاولين الإمساك بالعالم من الخارج عن طريق مظهره المرئي والملموس. موقف كتاب براغ كان مختلفا إلى حد ما، فهو لم يتألف من حب المغامرة الرجولية أو الولع بالوصف الخارجي، بل من طريقة جديدة في النظر إلى الإنسانية.

هذه النظرة الجديدة إلى الإنسانية يمكن رؤيتها في حقيقة أخاذة: ليس للاثنين (اللذين يحملان اسم جوزيف) أي ماضٍ.ما هي خلفيتهما العائلية؟ كيف كانت طفولتهما؟ هل كانا يحبان والدهما، أمهما؟ كيف كانت مراحل نموهما في الماضي؟ نحن لا نعرف شيئا، وهذا اللاشيء هو الذي يشكل انقطاعا عن أدب الماضي.

ما كان على الدوام يثير ويستفز الكتاب، قبل كل شيء، هو بحثهم عن الدافع السيكولوجي، إعادة بناء الرابط الغامض بين أفعال سابقة وأخرى راهنة، وسعيهم وراء «الأشياء التي مرت» وفي شبكتها يتم احتجاز اللاتناهي المدهش للروح.

كافكا لا ينكر الاستبطان، لكن لا يهم إلى أي مدى نحن نسعى وراء تفسير(ك) من فصل إلى آخر، فالذي يبهرنا ليس أبدا ثراء روحه. إن تفسير (ك) محدد على نحو صارم من قبل الوضع السلطوي والاستبدادي الذي فيه هو منهمك تماما. الرواية، كما يؤلفها كتاب براغ، لا تسأل: ما هو الكنز المخبوء في النفس البشرية؟ بل بالأحرى، ما هي الاحتمالات للبشرية في العالم الذي أصبح شركا؟ الضوء الكشاف المركز على وضع واحد فقط وعلى الكائن البشري الذي يواجهه. هذا الوضع وحده هو الذي ينتج «اللانهائي» والذي يتوجب سبره واستكشافه حتى النهاية.

خلال نفس الفترة التي كان فيها مارسيل بروست وجيمس جويس يصلان إلى الحدود القصوى للتضلع في الاستبطان والتحكم فيه، يأتي هذا التصريح، كفى سيكولوجيا، الذي عبّر عنه في براغ كافكا وهاسيك، ليميّز اتجاها فنيا آخر للرواية. بعد عشرين أو ثلاثين سنة، كان على سارتر التحدث عن نيته في عدم التركيز بعد الآن على «الشخصيات» بل على «الأوضاع»- كل الأوضاع الأولية للحياة الإنسانية- ومحاولة الإمساك بطبيعتها الميتافيزيقية. في المناخ الفني القائم بعد الحرب العالمية الثانية، الاتجاه الذي اتخذه كتاب براغ في وقت مبكر جدا أصبح مألوفا أكثر. في أعمالهم نستطيع أن نكتشف المعنى الأصلي لهذا التغيّر في التكيّف وفقا للظروف أو الأوضاع. الدوافع الباطنية لا تعود تعني الكثير في عالم حيث القوى الخارجية تكتسب المزيد والمزيد من السلطة على الإنسان.

هذا التوجه الجديد للرواية، الذي يرفض تقاليد الرواية السيكولوجية، هو بالتالي مرتبط تاريخيا بذلك الهاجس بشأن التوتاليتاريا. هذه الصدفة كانت مشحونة بالمعنى.

                                        (٥)

في كتابه الشهير عن سيرة كافكا الذاتية، يسهب كلاوس فاغنباخ في الحديث عن براغ وثقافتها دون أن يعرف التشيكية، وفي الواقع دون أن يعرف ما يتحدث عنه.عندئذ من السهل أن تفهم لماذا هو ينظر إلى براغ باعتبارها مجرد مدينة محلية-مقطوعة عن العالم، محافظة قليلا- والتي فيها هبطت أعمال هذا الشخص المعتزل العظيم مثل نيزك خرج عن مساره وابتعد عن وجهته.

في زمن كافكا، من الممكن إطلاق أي صفة على براغ ماعدا القول بأنها محلية. أولا، نظرا لكونها عاصمة الشعب التشيكي فقد كانت تتمتع بحس جديد مفعم بالحيوية والتحدي، بالهوية الوطنية. ثانيا، لأن التشيك كانوا ذا توجه عالمي في اتقاء التأثير الألماني، فقد صاروا كوزموبوليتانيين جدا: مؤيدين للإنجليز، مؤيدين للروس، لكن (في عالم الفنون) مؤيدين للفرنسيين خصوصا.

أخيرا، فإن هذه الثقافة التشيكية، الديناميكية والحداثية، كانت على علاقة حميمة مع ثقافة الأقلية الألمانية بطريقة تنافسية ومثمرة.

نعم، كانت هناك براغ الأقلية التشيكية(450 ألف نسمة في بداية القرن) وكانت هناك براغ الأقلية الألمانية (٣٣ ألف نسمة معظمهم من الطبقة المتوسطة والمثقفة). لكن كانت هناك أيضا براغ المدمجة، حيث عاش كافكا الناطق بلغتين. ليس هو فحسب بل كل أصدقائه من الكتاب اليهود مثل ماكس برود، فرانز ويرفل، إيجون إيروين كيش وأوسكار بوم، الذين -بسبب وجودهم فوق النزاعات القومية بين التشيك والألمان، فقد استطاعوا أن يدمجوا تقاليد كلا الشعبين.

في يومياته المؤرخة في 1911 وصف كافكا لقاءه مع الرسام ويلي نواك، الذي أكمل لتوه سلسلة من البورتريهات لماكس برود. بأسلوب بيكاسو، الرسم الأول كان أمينا للأصل في مظهره الخارجي، بينما البورتريهات الأخرى ابتعدت أكثر فأكثر عن النموذج الأصلي حتى بلغت درجة محكمة من التجريد. كانت هذه التجربة الأولى (و ليست الأخيرة)التي مرّ بها كافكا مع التكعيبية. اليوميات تكشف اهتمام وإدراك كافكا، والذي يتباين مع انزعاج ماكس برود، وكافكا يسرد هذا بنبرة من التهكم الودي.

و البعض يحب أن يتكهن على نحو لانهائي بشأن العلاقة المزعومة بين كافكا والفوضويين التشيك (هذه العلاقة التي لم يثبتها أحد مطلقا)،  لكنهم يتغاضون عن اتصالاته الهامة والجلية أكثر مع الفن التشيكي الحديث.

من بداية القرن العشرين، شاركت براغ التشيكية بشغف متقد في مغامرة الفن الحديث. في ذلك الوقت صارت الروابط بين باريس وبراغ معقدة: التشيكيان ألفونس موشا وفرانيتسيك كوبكا مارسا تأثيرا كبيرا في الرسم الفرنسي، وزخم التكعيبية الباريسية لم تجد أي استجابة أغنى مما وجدته في براغ قبل الحرب.

ماكس برود لقب جماعة من الكتاب اليهود الذين تحلقوا حولهما -هو وكافكا-ب«حلقة براغ». بعد 1925  بدأ الناس في التحدث عن حلقة براغ أخرى، حلقة تخص اللغويين والجماليين (فيليم ماثيسيوس، يان موكاروفسكي، رومان ياكوبسون وآخرين) الذين ابتكروا تعبير «البنيوية» واعتبروا أنفسهم بنيويين. قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، غادر رومان ياكوبسون براغ وذهب إلى أمريكا حيث كان للبنيوية أن تصبح طريقة التفكير الغالبة في العقود التالية.

كل هذا لم يحدث مصادفة: براغ كانت واحدة من المراكز الأكثر ديناميكية للتفكير الحديث والحساسية الفنية.

                                     (٦)

عوامل عديدة يمكن أخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن السبب الذي جعل براغ المهد والمركز الأول للبنيوية: المقام المعنوي للجمهورية الشابة والرئيس ماساريك، المدافع العظيم عن الديمقراطية التي حظيت بإعجاب كل أوروبا ومبدع العمل الفلسفي المؤثر الذي ترك انطباعا قويا عند اللغويين البنيويين؛ المناخ الكوزموبوليتاني المرحب به، المنفتح كثيرا على التأثيرات الأجنبية، والذي أتاح للغويين التشيك والألمان والروس والبولنديين أن يسعوا وراء الاستقصاءات ذاتها؛ التقليد المحلي لجماليات الشكليين التشيك (مدرسة براغ الجمالية في نهاية القرن التاسع عشر) والاستقصاءات اللغوية المكثفة (المتركزة حول فيليم ماثيسيوس، تلميذ ماساريك، قبل الحرب)؛ وأخيرا، وخصوصا، الطليعية التشيكية الديناميكية، التي وجدت صديقها وحليفها الحميم في البنيوية.

أعمال البنيويين التشيك يمكن تمييزها بميلها إلى التحليل المادي، رحابة مداها (والذي يشمل كل شيء من الشعر الحديث إلى النصوص الخاصة بالقرون الوسطى، من نثر كابيك kepaC  إلى البحث الفولكلوري والإثنوغرافي)، حب الوضوح والشغف بالوصول إلى قاع الأشياء. الهرج والدوغماتية التي وسمت المراحل الأخيرة من البنيوية كانت مجهولة بالنسبة لهؤلاء الرواد.

إن تحالف النظرية البنيوية والحداثة بعد الحرب العالمية الأولى شكّل ظاهرة فريدة. عادة النظريات التي تدور حول الحركات الحداثية هي مجرد دفاع أو تبرير. لكن لم يكن الأمر كذلك مع البنيوية في براغ. ما ربطها بالطليعية كان هدفا عاما أكثر: الحث على الإمساك بالفن والدفاع عنه في كل خصوصيته.

إذا كانت الرواية (أو القصيدة أو الفيلم)مجرد مضمون مسكوب في شكل، فعندئذ لا يكون إلا رسالة أيديولوجية متقنعة وطبيعته الفنية تتعرض للانهيار. التأويل الأيديولوجي للرواية- والذي باستمرار وفي كل مكان يكون مفروضا علينا- هو تبسيطي كما الحال مع الاختزال الأيديولوجي للواقع نفسه. وإذا كنا نلح على خصوصية الفن، فإننا نفعل ذلك ليس للهروب من الواقع بل لأننا نريد أن نرى شجرة داخل شجرة، لوحة داخل لوحة.. إنها المقاومة ضد القوى الاختزالية التي تشوّه الإنسانية والفن.

البنيويون في براغ، في تعاملهم مع العمل الفني ككائن حي فيه كل شيء يكون مضمونا وشكلا معا، و الذي فيه لاشيء يمكن اختزاله إلى تعبيرات لغة أخرى(لغة ذات تحليل أيديولوجي)، قاموا بالدفاع عن ما هو متعذر اختزاله في الإنسان نفسه. كما لو أنهم تقاسموا مع كافكا وكابيك والآخرين قلق براغ النموذجي إزاء القوى الاختزالية التي كانت تقترب بضراوة وبلا شفقة قادمة من أعماق المستقبل.

السوريالية الفرنسية غالبا ما كانت تُعتبر ثورة ضد العقلانية الغربية، ضد  البرود الديكارتي. لكن الغريب أن هذه الثورة المضادة للعقلانية سرعان ما تحولت إلى موجة عقلانية جديدة بسبب البيانات النظرية التي تركت علامات عميقة على الوعي الفرنسي أكثر مما فعلت اللاعقلانية الآسرة التي تميّز بها الفن السوريالي.

السوريالية التشيكية لم يكن لديها أي مبرر للثورة ضد العقلانية التشيكية، التي هي ببساطة لم تكن موجودة. هذه السوريالية مثلت، على العكس تماما، التحقق العضوي للتقليد الفني في براغ، والتأكيد على طبيعته اللاعقلانية.

ولأنها مغموسة في التاريخ الثقافي التشيكي، فإن هذه السوريالية التشيكية (التي هي ليست سوى ثمرة نزعات طليعية محلية، الشعرية خصوصا) كان لها، في سياق الأدب القومي، وعلى نحو لا يضاهى، تأثير أكبر مما  كان للسوريالية الفرنسية إجمالا على الثقافة الفرنسية. تقريبا كل الشخصيات الهامة في الثقافة التشيكية الحديثة وقعت تحت تأثير السحر السوريالي والمخيلة السوريالية والاحتمالات السوريالية.

حتى الجمهور، بصورة عامة، في تشيكوسلوفاكيا كان منفتحا على نحو مثير للدهشة على سمتها الجمالية. أول مرة سمعت فيها شعر فيتزلاف نزفال، أعظم السورياليين التشيك، كنت صبيا في العاشرة يقضي الصيف في إحدى قرى مورافيا. في تلك الأيام كان الطلبة الذين يقضون، عطلاتهم مع أقاربهم القرويين يلقون قصائد نزفال كما لو كانوا مسحورين. خلال النزهات المسائية عبر حقول الحنطة، علمني هؤلاء الأقارب كل المقاطع الشعرية التي وردت في كتابه «امرأة بصيغة الجمع».

ولأنه لم تكن هناك أية أرستقراطية أو طبقات عليا في المجتمع التشيكي، فإن الحركة الطليعية في براغ كانت قريبة جدا من الأفراد العاديين ومن الطبيعة. هذا الوضع أثر في مخيلة نزفال. وفي ذاكرتي لا يزال نزفال حاضرا، ماثلا أمامي بوجهه الأحمر الهائج فيما هو يستمر في ترديد كلمة «ملموس»، الصفة التي بالنسبة إليه كانت تجسد الخاصية الأساسية للخيال الحديث، والتي أرادها مشحونة قدر الإمكان بالمشاعر، بحياة محسوسة وملموسة.

كان يقول: «عوضا عن السوسن، رمز العفة، فإني أفضل الحقيقي الذي سحقته ذات صباح عندما كنت صغيرا ألعب لعبة الاختباء. وفي وقت آخر، قال لي: «أليس مدهشا الالتقاء صدفة برجل بارز لا يستطيع أن يفهم الشعر الحديث لمجرد أنه دائما يبحث عن مجازات في هذا الشعر؟»

كان نزفال يكره «منظري الفن» الذين يبذلون أقصى الجهد لاختزال الشعر أو الرسم إلى كليشيهات من المعنى، إلى رسالة فقيرة.في الثلاثينات (من القرن العشرين)، مع آخرين من السورياليين التشيك، هو اكتشف وناصر كافكا، وكان يهزأ بكل أولئك الذين كانوا يرون في رواية «القصر» حالة من النعيم أو الجحيم أو الله، عوضا عن التعرف فيها على العبثية الملموسة لزمننا.

من أجل فهم سحر المخيلة ليس كترجمة بديلة للحياة بل كانتشاء حتى الثمالة بالملموس.. ذلك هو ما يفتنني باعتباره الاتجاه الأعمق للحداثة التشيكية. هذا الاستشراف هو الذي ربط بين نزفال السوريالي ونقيضه فلاديمير هولان، الذي كان شعره غالبا ما يقارن بشعر ريلكه أو فاليري. مع ذلك فإن شعر هولان-الآهل بقرويين وخادمات وسكارى ومجرمين- ينهار تحت «ثقل الملموس» وبذلك فإن شعره يختلف جذريا عن شعر ريلكه وفاليري.

                                      (٧)

أي عمل آخر يمكن أن يُظهر أصالة الحداثة التشيكية، وتوقها إلى الملموس، ونكهتها العامية، على نحو أفضل من موسيقى المؤلف ليوش ياناشيك ؟ مع كافكا، هو الشخصية الأعظم في الفن الحديث الخاص بهذه البلاد. لا أحد كان يعرف هذا أفضل من ماكس برود الذي لم يحفظ ويدافع عن أعمال كافكا فحسب بل أيضا (وهذا معروف قليلا) دافع عن أعمال ياناشيك بالحماسة ذاتها.لقد كتب تحليلات مدهشة عن مؤلفاته الموسيقية وترجم أوبراته إلى الألمانية ونشر في 1924 السيرة الذاتية الأولى له. إن نضال برود لصالح هذا الموسيقي المهمَل رغم روعته كان نضالا متقدا وهاما إلى حد أن كافكا لم يتردد في مقارنة ذلك بنضال المثقفين الفرنسيين لصالح درايفوس.

ما هو مدهش بشأن هذه الموسيقى (والعائق الأكبر في شعبيتها ورواجها) هو استحالة تصنيفها.في سيمفونيات ماهلر الأخيرة وفي الأعمال الأولى لشوينبرغ، الرومانتيكية الموسيقية استنفدت كل إمكانياتها. الجيل الشاب دفن الرومانسية في جذل، ومعها مرحلة كاملة كانت تنظر إلى الموسيقى كمرآة للروح، كضرب من الاعتراف والتعبير عن الذات. في هذه اللحظة الحاسمة، قرر ياناشيك أن يمنح الموسيقى اتجاها آخر.لا أحد غيره رأى ذلك الاتجاه.. وقد سلكه وحيدا تماما.

هو، بدوره، كان يعارض الموسيقى الرومانتيكية، لكن خلافه معها اتخذ شكلا آخر.هو انتقدها ليس بسبب التعبير عن الروح وحالاتها، بل بسبب إخفاقها في فعل ذلك، و لأنها مارست الاحتيال، فبدلا من الكشف عن مشاعر واضحة وصريحة، اقترحت لنا الرومانتيكية كليشيهات، إيماءات جوفاء. هو أراد أن يمزّق الأقنعة التي كانت تحجب الحقيقة. لهذا السبب هو لم يرفض هذه الموسيقى لأنها معبّرة، بل على العكس، هو أراد أن يزيل كل نغمة لا تكون تعبيرا عن شعور صرف وصريح. هو إذن توصل إلى لغة موسيقية ذات اقتصاد مدهش وبلاغة.

لكن أليس الحديث عن صدق الإحساس هو مجرد ضرب على وتر كليشيه خال من أي معنى؟ لا. قبل أوليفييه ميسيان، قبل إدغار فاريس، كان ياناشيك مفتونا بالموسيقى الملموسة، بضوضاء الطبيعة، بتغريد الطيور. لكن قبل كل شيء (و هو في هذا الحقل يقف وحيدا وبلا مريدين) درس ياناشيك اللغة المنطوقة والأداء واتساق الأصوات وإيقاعات اللغة الصعبة. وقد انتزع أجزاءً من الكلمات المسموعة مصادفة في الشوارع والأسواق وبين الحشود في محطة القطار، وفي كل مكان.. كما لو كان مصورا أو محبا للاستطلاع (حتى تأوهات ابنته المحتضرة لم يفوّت ملاحظتها) وقد قام بتدوينها كلها في دفتر ملحوظات. وثمة آلاف من هذه المدوّنات الموسيقية المكتوبة باختصار وعلى عجل، المحفوظة الآن في متحف، والتي تشهد على مدى جدية بحوثه، هذه البحوث في علم دلالات الألفاظ وتطورها موسيقيا.. كما لو أراد أن يؤسس معجما عاطفيا للصيغة الميلودية، وأن يمسك بالصلة الخفية بين الموسيقى وعلم النفس.

أيا كانت القيمة الموضوعية لهذا العمل فإنه يمثل اتجاه عقل هذا المؤلف الموسيقي الذي أراد أن يحرر نفسه من الموسيقى المركبة من موسيقى أخرى (مثل الكاتب الذي يرغب في تجنب مجرد تحقيق «أدب»). لقد كان يبحث عن مصادر جديدة من التعبير الموسيقي والذي سيكون أقرب إلى علم النفس ويتصل بإحكام أكثر مع الحياة.لقد أراد أن يصل ليس فقط إلى شكل جديد من الجمال -شكل جديد من الميلودي والبناء الموسيقي- لكن يصل أيضا إلى مصداقية سيكولوجية أعظم للوحدة الموسيقية، مقتنعا بأن الموسيقى تنتسب إلى الجنس البشري.

إن مساعيه لم تكن مثالية ولا وهمية.لقد نجح في العقدين الأخيرين من حياته، بين الخمسين والرابعة والسبعين (هو بلا ريب العجوز الأعظم في تاريخ الموسيقى) في خلق أعمال كاملة، رائعة ومدهشة، وألف أغاني لا تضاهى ينشدها الكورس، وقدم مفهوما جديدا للأوبرا، مؤلفا خمس أوبرات تعد من الروائع الفنية.

                                     (٨)

في سنة موته، كتب ياناشيك عمله الأوبرالي الأكثر جمالا وإدهاشا، ميراثه الموسيقي الحقيقي: بيت الموتى، المأخوذ عن رواية دوستويفسكي. كيف خطر له هذا الموضوع الذي يصعب التعامل معه، المعد لغرض إقلاق الجمهور، هذا التقرير الجاف عن الحياة في السجن، بلا حبكة أو إثارة؟ لم اختار هذا الموقع الكئيب الذي ليس له أي رابط على الإطلاق مع حياته الخاصة؟

صحيح أن الموسيقى، الحديثة على نحو صارخ، تغيّر على الفور مستعمرة العقاب في القرن 19 إلى معسكر اعتقال، وأن الجمهور سوف يشعر بالذهول والحيرة إزاء دراما لا يمكن لها أن تكون أكثر جدّة. لكن في العام 1928، في تلك السنوات المسالمة والهادئة، ما الذي أرسل هذه الصورة الكئيبة إلى ياناشيك ولم تحل بعد-آنذاك- شرور عصرنا.لا أعرف كيف أعلل هذه الظاهرة: ثمة ثلاثة معالم فنية عظيمة في هذا القرن شيّدتها بلادي والتي تشكل اللوح الثلاثي الذي يصور الجحيم الآتي: المتاهة البيروقراطية عند كافكا، الحماقة العسكرية عند هاسيك، يأس معسكر الاعتقال عند ياناشيك. حقا، بين إبداع «المحاكمة» في 1917 و«بيت الموتى» في 1928، كل شيء سبق أن قيل في براغ، وكان على التاريخ فقط أن يعلن دخوله لكي يحاكي ما تخيلته الرواية في ذلك الحين.

انقلاب 1948 الشهير في براغ لم يؤد فقط إلى محاكمات على طريقة كافكا أو ارتكاب حماقات على طريقة هاسيك واعتقالات على طريقة ياناشيك بل أدى أيضا إلى إبادة ثقافة كانت قد تنبأت بمثل هذه التطورات عينها.و نحن لا نستطيع بعد أن نفهم بدقة ما حدث آنذاك.بعد ألف سنة من تاريخ كانت فيه تشيكوسلوفاكيا أوروبية غربية، صارت بلدا أوروبيا شرقيا، والموقع الذي فيه يمثل الغرب، من الناحية التقليدية، الصورة الفعلية للمستعمِر- وبالتالي سيكون هذا البلد مستعمَرا- وهو أيضا الموقع الذي فيه سيكون مقدرا للثقافة الغربية -التي يعتبرها الكثيرون استحواذية وعدوانية- أن تفقد هويتها. ويا لها من مفارقة تاريخية أن يحدث «استعمار الغرب» في بلد لم يستعمر أحدا قط.

مباشرة بعد انقلاب براغ، تم تنظيم حملة كبرى «ضد الكوزموبوليتانية» والتي كان الشيوعيون يقصدون بها الثقافة الغربية. وعلى الفور صار التراث الفكري الحديث كله في بلادي مدرجا في اللائحة السوداء. عندئذ ارتكب يان موكاروفسكي الانتحار الفكري وتبرأ من جميع أعماله البنيوية العظيمة. وعندئذ أيضا اختار فلاديمير هولان أن يحبس نفسه في شقته ببراغ، مغلقا على نفسه الباب كما لو في حبس انفرادي طوعي لم يخرج منه حتى هذه اللحظة.

مع ذلك لم تكن هذه نهاية الأمر، فالحيوية الثقافية للأمة التي صمدت ورفضت الإذعان استعادت شيئا فشيئا الأرض التي خسرتها بفضل عناد وصلابة ومكر الشعب.ما كان ممنوعا عاد إلى المسرح في  الستينات. وتلك كانت الحرب الحقيقية، حرب ثقافة تناضل دفاعا عن حياتها، عن بقائها.

إحدى المعارك الكبرى في هذه الحرب اندلعت بسبب كافكا.. ففي 1963، نظم المثقفون التشيك مؤتمرا دوليا في إحدى قصور بوهيميا حيث تم رد الاعتبار إلى هذا الكاتب المحظور. الأيديولوجيون الروس سوف لن ينسوا أبدا مثل هذا العصيان. في الوثائق الروسية الرسمية، التي كانت تستخدم لتبرير غزو تشيكوسلوفاكيا في 1968، لوحظ في حينه أن الإشارة الأولى للثورة المضادة كانت في رد الاعتبار لكافكا.

هذه الحجة تبدو منافية للعقل  لكنها أقل غباء مما تكشفه: الغزو لم يكن فقط انتصارا للشيوعية الدوغماتية على الشيوعية الليبرالية (التفسير المتداول للحدث) لكن أيضا -و هو المظهر الذي سوف يلوح في خاتمة المطاف في شكل ضخم- الضم النهائي للبلد الغربي من قبل حضارة التوتاليتارية الروسية، وأنا أعني «الحضارة» لا النظام السياسي الروسي ولا الدولة.

ليس لأنه معاد للشيوعية، ولا لأنه عارض المصالح العسكرية لروسيا، أثار كافكا كل هذا الهيجان والغضب الشديد في موسكو، بل بالأحرى لأنه يجسد ثقافة أخرى، أجنبية بالنسبة للمستعمرين، الثقافة التي لا يستطيعون امتصاصها. في الوقت الذي يتقدم الروس سياسيا على العالم بأسره، فإنهم يرجعون ثقافيا إلى ماضيهم البيزنطي.

                                      (٩)

          مثل ورقة نبات مشتعلة

                        والتي عليها تختفي القصيدة.

                                     فيتزلاف نزفال

ثقافة براغ عمرها ألف سنة. وكانت في ذروتها بين عامي 1910 و1940. بعد فترة انقطاع دامية، دخلت سنوات الستينيات في الصدى الأخير من تاريخ طويل. آنذاك استيقظت هذه الثقافة في عالم حيث أحلامه الأكثر قتامة أصبحت واقعا. ورغم أن ليل التوتاليتارية قد ابتلع الثقافة التشيكية إلا أنها قد عرفت كيف تلحق الأذى بسمعة التوتاليتارية، أن تحاكمها، أن تتهكم عليها، أن تحللها وأن تحولها أخيرا إلى مادة لتجربتها الفكرية الخاصة. إبداع الوطن الصغير كان قادرا على اختراق غطرسة الوطن الكبير. الروح التشيكية الهزلية قوضت رعب الأيديولوجيا الجادة.إحساسها بالملموس كان وسيلة لمقاومة القوى الاختزالية العظمى التي أطلق التاريخ العنان لها أكثر من أي وقت مضى. ومن هذا التعارض المتعدد ولدت مجموعة كاملة من الأعمال ذات الاتجاه الجديد في المسرح والسينما والأدب، وبرزت طريقة كاملة من التفكير، إضافة إلى حس جديد بالدعابة. إنها تجربة ثقافية فريدة ويتعذر الاستعاضة عنها.

الغرب لم يستطع أبدا أن يفهم في الوقت المناسب معنى هذا الانفجار الإبداعي الخلاق، هذا الغرب الذي أعمته رؤيته المسيّسة (والاختزالية أيضا) للأشياء: من جهة هناك غباء  اليسار الغربي الذي لا يمكن أن يرى في هذا الانفجار غير البرهان أو التوكيد على حيوية الاشتراكية ؛ ومن جهة أخرى هناك غباء اليمين الغربي الذي يرفض أن يعطي أي أهمية أو قيمة لأي شخص يقف خلف واجهة النظام الشيوعي. إن ستارا من سوء الفهم الغربي كان مضافا إلى الستار الحديدي الروسي.

الغزو الروسي في 1968 جرف بعيدا جيل الستينات ومعه كل الثقافة الحديثة السابقة. كتبنا دُفنت في الأقبية ذاتها التي تضم كتب كافكا والسورياليين التشيك. الأحياء الذين تعرضوا للقتل يرقدون الآن جنبا إلى جنب مع الموتى، الذين هم موتى على نحو مضاعف.

ليكن معلوما: ليس فقط حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة، لم تعد موجودة في براغ.. بل أن ثقافة عظيمة بأسرها هي اليوم مثل ورقة نبات مشتعلة والتي عليها تختفي القصيدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المصدر: مجلة-  17 atnarG خريف 1985)                


تصميم الحاسب الشامل