قصائد

 

خـــالد المعـــــالي


٭ فيما الذكريات تختفي

تسمعُ اليومَ صوتك الصارخَ

ترى ليلك الذي يلوح لك هنا

ثم تضيع بيننا كالصدى

كحلّة الشتاء حيث الشمس تسطع

والليل الذي هنا أو هناك

جاء نحونا، نحو ظلنا

الليلة المرعدة التي حولنا

لفحة الهواء، حيث تركض الأنهار

والذكريات من هنا إلى هناك

تسمع الصدى، رنّة الضباب

اللطمة، الوجه الصارخ

دون أن نعرف، نسمع صوتك

حينما يحلّ ليلك الذي كان هنا

فيما الذكريات تنحلّ وتختفي.

٭ ورحت ماشياً في الطريق

تهزُّ يدكَ الكلمة، تدفعك الهنا

صورتُك المطبوعة، تجرّها بين

اليدِ واليدِ وتُسرعُ أكثرَ من هنا

لتجلب ليلك، تدفعه إلى أقماره

لتسير وحدك، تصغي لذاتك

وتنصت أكثرَ أكثرَ للنسغ.

اليومَ إذن هنا، أجلستَ

نفسك وصغتَ لنفسك الراحة

ورحتَ ماشياً في الطريق.

ضع كلمتك لنا

خذْ اليدَ الممدودة، جرّها

فاليومَ أنت هنا

تجرّك الأطيافُ

أكلّ شمسٍ ستأخذ

أكلَّ أملٍ وبارقةٍ

أكلّ ليلةٍ تضمها اليك

وتنهض، يدك التي كانت

ممدودة

كلمتك التي راحت وانتهت

لكي تعبّ المسافة

وتركن الليلَ في النهار

لكي تريح نفسك

وتتكئ على المعاني.

٭ تأتيك المعاني

تريدُ أن تأتيك المعاني

كلّ يومٍ لتنهض

تحمل العبء وتمضي من هنا

لتركبَ الرؤيا هناك وتخطو

كان المصير بانتظارك

جالساً بيديه، يلهو

وأنت تعرفُ الدنيا

تعرف الذكرى التي كانت

هنا وراحت تسيرُ ببطء

حتى تلاشت.

٭ العودة إلى البلد البعيد

كنتُ أسمعُ الصدى، حالماً بالعودة

من بعيد إلى البلد البعيد

الخطى الكبيرة أخطوها سريعاً

واللُقى أجمعُ في الطريق

لكي يكون حملي ثقيلا والظلامَ

أجرّ من اليد، أحلمُ بالطفولة

بابن آوى هارباً أمامي، بالليل

والنجوم، بالضحى، يشدّني الجوعُ

فيه بحبلٍ إلى البيت.

٭ الكلاب تأكل خبز يومها

يدي التي لاقت يقيني

نظرتي المسطّحة، وعالمي الحزين

من هنا إلى هنا

تجرّه عابرةُ الليالي

وتنهبه أقمارُها - الرماد.

من هنا إذن

ليلتي التي يُحزن عندها

ونظرتي المكبّلة

رايتي التي كانت شراعاً

مُزّقت، وحطّم عمودها

وشُتّت اليقين خلفها

ويدي التي هي راحتي

قُطّعت

وراحت الكلابُ تأكل خبز يومها.

٭ في القاع نمنا

كلمتك تهيمُ حولنا

النارُ الباردةُ تغلقُ موقدها

تتأبطنا من المصير الذي كان بانتظارنا

هنا كنت، هنا جئتَ

لعبت اللعبة الكبيرة

وشددتنا إليك دائماً

كلمتُك تهيمُ حولنا

ويدك الممدودة، سحبتها

فانتهينا إلى القاع

وهناك نمنا.

٭ النوم في الصحن

كانت الأيدي التي رُفعت

وشُدّت بحبلٍ ثم قطّعت

في الصحن تنامُ

والرؤيا تلوح لنا

ونحن نريدُ أن نكبّ الكلامَ

على الزاد

وأن نهيمَ بين التلال

وأن ننسى ونُنسى

عسى أن لا يُفتح البابُ

والريحُ تهبّ برملٍ

لكي يُطْمر البابُ

والصمتُ يحلّ.

٭ ألاحق خبزي

كم تريد الساعةَ تأتي

الظمأ المطفئ يمشي

الليل الآتي يسيرُ إلى أبعد

الصورةَ تنهارُ

والذكرى تنشالُ بعيداً

كم تعرف من أمري

أطفوا إليك كالماء

أسيرُ بعيداً حقاً

أغيّر أوصافي

وأضحك كالموتور حزيناً

أقلّبُ ساعاتي

وأتهادى في الوادي

الوهمُ يلوحُ

والصورةُ تنهارُ

هل كنتَ هنا؟ أتكلّم

كالملسوع وأجاهرُ بالدمع

أمام الناس

كنتُ أكلّم نفسي

أُباعد بين الخطوات

وأسعى في الرزق

ألاحق خبزي.

٭ الكلبُ الذي كان فيك

عُدتَ اليومَ ترعى في البراري

انطفأ يومُك الذي كان

حُملت بكيس بعدما كتّفوك

بحبلٍ وساروا إلى البيداء

الكلبُ الذي فيك نام قليلاً

ودمعكَ الذي سالَ من مآقيك تلاشى

وكَبَت كلُّ صرخةٍ كانت لديك

أهالوا الترابَ عليها وداسوها بأقدامهم

حتى تساوت مع الأرض، لم يعد

يراك أحدْ. رأسًك الذي كان اختفى

النهرَ الذي جرجروك عنه جفّ ماؤه

ولاحَ كمُّ الأفاعي من بعيد وأنت تُرغي

عدتَ اليومَ إذن، ترعى نجماً ساقطاً

تهفو إلى اليد الممدودة، تسعى بكل حيْلٍ

لكي يندبوا الحظ الذي كان لديك، لكي

يشدّوا الخيوط التي قطّعت، لكي يروك من

بعيدٍ وأنت تصفرُ لحنَك ماشياً

تحملُ عصا السدر في يديك، نعم، تلك

عصاك القديمة، تنوي أن تنام حينما

يحينُ وقتُك لتكبُر الأحلامُ فيك،

فيوقظوك من جديد، لتحمل طاقم الأحلام

هذا وتمضي.. تهجو من زمانك وجودك فيه

فكلّ ليلة تنام ليأتيك رعبُ الحياةِ

يأسُها محمولاً بأكياسٍ تُشدُّ إليك

لكي تمضي.

٭ عاشقٌ من «الليالي»

أتسمعون الصدى؟ أتسمعون الذي أنّ

صباحاً وناحَ فيما الحمامُ يهدل، يدري

ما حلّ به، فراشه لهبٌ ونومه

خفيف، كان يدري أن الحياة التي كانت

له، لم تعد تريده، يدري أن الصدى

الخافت قد ضاعَ منه، فأسرى به

الحِمامُ وجَدّ في الطريق. يومهُ يلوحُ

كظلمةٍ ويختفي، راحهُ الممدودة تشققت

والظلُّ تقاصرَ حتى اختفى، لم يعد يدري

أين ماعت روحُه وكيف دانت له النهاية

تلاشى لونُه وامحلّ الفضاء حقاً وراحت

روحهُ تطيرُ عاليا، عاليا حتى حلّ من نومه

وعاد نحونا، في حُلّة من سرابه،

إلى التراب عادَ

يلطمُ وجهه كعاشق من «الليالي»، يصيح في

الشارع تائها، تكويه جمرة، لهبٌ

يدفعه صارخاً بنا:

لم تعد هنا الحياة.

٭ هنا، كان كلبنا

الحياةَ التي عرفناها، كانت عندنا

خبرُ الذكريات البعيدة، رجعها في الصدى

في اليومَ الحزين، ونحن نطلبُ الثُرى

نرى الليل يكبو، إلى الأحلام يسري

لكن عرفت، حقاً عرفت، رأيت

من سار في الدرب، من مرّ هنا، ظلاًّ

رمى، وراح أبعد في الذكريات، يخطو

ثم يخطو وينبح ككلبٍ يعوي العابرين

ثم يمدّ ذيله

في الظلّ وينام نومة

الضحى! كان هنا، كلبنا، ثم عاد،

أنفه على الطريق وذيله مستقيم وهو

بكل يُسْر يسير.....

إليك، عندما تأتي القصيدة

الليلَ لا أعرفه إلا ساهراً

في النهارِ أمشي مغمضَ العينين

الروابي العالية قطعتها

دون أن أدري

سرتُ لوحدي غارقاً في الصمت

يدي تلوّح وصوتي رفعته حتماً

بالغناءِ

غير أني كنتُ في مكاني

يدي وقد لوّنها الحبرُ

وجهي حزيناً

خلف غابة الدخان

كلُّ ما كان سيكون حتماً

غير أن النجمة الأخيرة

غابت، فيما الخدْر يسري

جسدي يتحرّك من جديد

لكي أقرأ ما كتبت

أترك كلّ شيء مكانه

  • وأمضي.


تصميم الحاسب الشامل