|
|||||
|
نائمة في دهليز طويل، الليل يرخي بستائره يوضح المكان بأنشودة غريبة كانت تنبعث من طرف السرير، قمتُ على عجل أنظر الصوت، رأيته كانت أنا تلك هي، ونادتني كي أنهض، فقلتُ لها لم آخذ كفاية العين من الإغماضة، فشدتني وصرختُ بها، كانت هي اميلي، أما هي فكانت أنا، لم أعرف بعد ما الفرق بيننا، أمسكت بي كان وجهي كأنه اقتلع من مكانه ليصيرها. لا تُشبهني أبدا، غير أن لها عينين كعيني وفم مثل فمي، لونها لوني وصوتها هو صوتي، تحدثني بلغتي وتستعمل مفرداتي. قمتُ إليها في غفلة عن البيت، وعن الناس، أمسكت بيدي وسرنا طويلاً. في كل يوم تأتي باللباس نفسه، لم تبدل ملابسها أبدا، شعرها ينساب على كتفيها وتحدثني فأكتب. يرسمُ البيت بحديقته الصغيرة ظلالا لعزلة فاتنة، عزلة تشبه عزلة الملكات حينما يذهب عهدهن فيصبحن في المنفى، يعايشن الذكريات قبل أن يقتلهن الموت. لكن الشِعر يشبه الشجر في تعريه.. يتلفتُ إلى المرآة ليصقلَ نفسه، ليحوز الرضا، ومن غير عينٍ ترى، كان يتجملُ لينام في صندوق خشبي يرقد بين الباب والمرآة. اليوم وصلتني رسالة من إميلي كانت تقول أن الصباح جميلٌ، وأن نقيق الضفادع في البحيرة الصغيرة يشبه موسيقى الأنفاس المتلاحقة بعد لوعة غياب.. لم أحب الضفادع يوماً.. كان منظرها يثير اشمئزازي.. غير أن إميلي أحبتها وراقبتها، كانت تلتقط بأصابعها نثرات من ماء البحيرة لترش بها الضفادع الصغيرة. إميلي خلتني أحب الضفادع، هي أمسكتها بأصابعها كما أخبرتني.. غير أني خلتها لزجة وبشعة، هي أمسكتها بحب فلم تشعر إلا بالنبض في كفها ويدها، نبض يشبه قلبا مقتلعا من امرأة تحب. قالت إميلي: « لا أحد يعرف هذه الوردة» ومضت تمسح بأصابعها حبات الندى التي تجمعت طوال الليل. «فقط النحلة ستفتقدها فقط الفراشة» قالت: «العصفور وحده سيتعجب» في ورقتها التالية كتبت لي إميلي: «آه ياوردتي الصغيرة كم هو هين أن تموتي هكذا». لكنها أردفت: «هناك سماء أخرى» في السماء؛ السماء المحملة بألوان قوس قزح كنت أضع كفي على عيني لأرى الضوء من فرجة بين أصابعي، كانت الشمس في غيابها تأخذ بيدي كي أذهب الى البحر، البحر في أجمل لحظة حين تبدأ الشمس في الغرق بمياهه، كأنما حبيبة تهبط لتتوارى في حضن حبيب طال الشوق إليه. السماء تلك، رمادية أحيانا، بل رمادية خالصة، شاحبة وباكية، أحيانا تضحك ثم تهيم في بحر من ألم غير متناه، كأنها لا تعرف أسرارها، أو كأنما هي عرفتها حتى سكنتها وأسكنتها فسحة كبيرة منها فما عاد يرى سوى الألم. السماء برتقالة حزينة، قلتُ لها، فردتْ «هناك سماء أخرى». «طائر الهزار» قالت إميلي: « كان لدي طير في الخريف» أردفت: «لكن عندما يقترب الصيف، ويتبرعم الورد الهزار كان يروح». يسافر الهزار بحثا عن أرض أخرى، أرواحنا أيضا تهيم هناك في منطقة ما، ربما حيث يهاجر، أو ربما بحثا عن سماء محتملة أكثر حناناً. أو ربما بحثاً عن نهاية وشيكة، السلمون أيضاً يمضي نحو نهايته، مذ يلتقي الحياة يبحر باتجاه موته، بلونه البرتقالي الغريب يمضي نحو الموت كأنما يفسح المجال لأسراب جديدة من أهله لتسطر حيواتها من جديد. قالت لي إميلي: الوحشة صارت بابا كبيرا يطلّ على الحياة كلها، تحدثت كثيرا عن الوحشة؛ وتحدثت عن نساء كانت تراهن من خلف شباكها الكبير، بل من خلف الستائر الشفافة البيضاء. أخبرتني أنها لم تعد تحب الشوارع.. وأن قلبها لم يعد يتسع سوى للفراشات والورود الصغيرة التي تمسح عنها في كل صباح بأصابعها حبات الندى. قالت لي أنها لم تعد ترغب بان يزورها أحد. صعدت إميلي درجات السلم على مهل.. كانت تصعد والظلال تصعد من خلفها تزيدها طولا وتلاحقها مع كل حركة من حركاتها. كانت تبحث عن قصيدة تتحدث عن لطف الموت.. وقالت لي: الوحشة صارخة هنا. أمسكت يد إميلي ودلفنا من الباب معا.. وصعدنا، أخبرتها عن الغزلان الكثيرة التي رأيتها في نومي، كانت تجري وتتناحر في ما بينها، قالت لي: «الوحشة هي كل ما في وسعي أن ارى». سألتها أن تغمض عينيها، فأغمضت وراحت تكتب كلامها على الظلال.. رأيتُ كل شيء في مرآة غرفتي.. حروفها.. كلماتها.. شَعرها.. ورأيتُ قصيدتها. أمسكتُ بالقلم ورحتُ سريعاً أكتب ما كتبت في إغماضتها، رأيتها تهبط بسرعة أدهشت الظلال التي كانت نائمة. التفتتْ إلي وظننتُ أن قصيدة طويلة قد بدأت تغزلُ أصابعها. كان ثمة لغة بيننا تشتد فأتلعثم أمام حروفها مثل طفل صغير بالكاد شاغل النطق، وحينما فتحت النافذة وجدت إميلي تحتل السماء كلها. حينها أدركت أنني لم أكن أحلم. فالسماء قبل مجيئ إميلي كانت زرقاء؛ بل سماوية؛ بل شيء يشبه ألوانا مختلطة في صنعة عجائبية، أما الآن فالسماء كلها إميلي. بحثت عن أصابعها طويلا، وعندما وجدتها مددت أصابعي وأدخلتها غرفتي. صارت إميلي الآن في منزلي.. وابتدأت الحكاية. -١- إميلي تحب عزلتها، تحب الظلال، وأصوات العصافير، وأنا أحب عزلتي، وأحب الظلال وأصوات العصافير، إميلي تحب قوس قزح ومثلها أنا، هي تحب الصباحات التي تتبدل والمساءات التي ترخي بألوان العتمة على كل شيء، وأنا مثلها. عندما تغادرني كنت ألتقط فرشاة لأرسم وجهها في غيابها، في الحقيقة كان وجهها يملأ المرآة. كانت ابتسامتها تمتد على طول المرآة فأراها مرارا كأنها تتكرر في كل مرة عشرات المرات. تهرب مني لتكون معها، تهرب ولا تقول، فقط تغلق الباب على أنفاسها المتصاعدة وتكتب، كنت أسمع حفيف الورق بالرغم من المساحات الواسعة التي كانت تفصل بين غرفتي وغرفتها. معاً لعبنا لعبة الرسائل.. تكتبُ لي وأكتبُ لها، أمشي في الممر المؤدي الى باب غرفتها وأضع رسالتي من دلف صغير تحت الباب.. رسالة ببطاقة بيضاء مختومة باسمي، وتضع هي رسالتها المكتوبة على ورق أصفر قديم.. أحياناً كانت تكتب لي على علبة لبان قديمة وممزقة .. في رسالتها التي لم تعد الأولى.. ما عادت إميلي تكتب اسمي، صارت تعرف أنها تتحدث مع شخص واحد لا غير، ويخيّل لي أحياناً أنها نسيت من أكون وأن اسمي صار بالنسبة لها عنواناً فقط لتكتب. كانت تهرب مني مثلما يهرب المرء من ذكريات أليمة؛ لا أكاد أمسكها حتى تفلت. وصرت حتى أراها أنظر المرآة من زاوية منحرفة تجعلني أراها كأني أرى الظلال. كنا أنا وإميلي نشرب قهوتنا معا، قالت لي الحليب يذهب بطعم القهوة الحقيقي، الأشياء عندما تكون خالصة تصبح أكثر جمالا، أخبرتها عن الأرق الذي ينتابني طيلة الليل، فقالت : اكتبي، قلت لها: أحيانا أحتاج الشارع، أن أتجمل في المرآة وأخرج، أن أضع كحلا بنيا على رموش عيني، وظلالا خفيفة من أحمر الشفاه، ضحكت إميلي وتذكرنا معا ملابسها الكثيرة التي تقفل عليها باب خزانتها. تبادلنا الصور.. هي بابتسامة تشبه ابتسامة الموناليزا في حزنها الغامض وبملابس تشبه ما رأيته في الأفلام الأجنبية القديمة، وأنا بلا ابتسامة بل بأحمر شفاه خفيف. هي وضعت صورتي في مكان يكاد يكون خفيا، أو أنه خيّل لي ذلك، وأنا وضعت صورتها في منتصف غرفتي بشكل محاذ للمرآة، فأراها مرتين مرة عندما أنظرها، ومرة عندما أنظر المرآة من زاوية معينة. إميلي جذابة، وبالرغم من أنها تشعر بالوحشة طيلة الوقت وتغمرني بالحكايا عن وداع السفن ووداع القلب لعشاقه، إلا أنها كانت تفتح لي بابا كبيرا لأرى الدنيا كلها. قبل أن أعرفها كانت تعيش وحيدة، والآن بالرغم من كل هذه السنوات التي عشنا فيها معا كانت أيضا وحيدة، وحدي أنا كنت أشعر بوجودها طيلة الوقت، ولكنني عندما تحدثت عن إميلي لأمي ضحكت كثيرا ووضعت يدها على رأسي ومسحته بكف رقيق. كنت أتحدث عن إميلي دائما، أخبر عنها كل من أراه، صرت أظن أحيانا أنها هي أنا، وأن كلماتها المغسولة بصباحات الحديقة الصغيرة لي. قلت لها: اكتبي. استدارت ونظرت إليّ مطولا، ثم قالت: أنت التي لا تكتبين. وعرفت أني خسرت كثيرا، وأن الكلمات التي تذهب لن تعود أبدا. كنتُ في الحقيقة أكتب كثيراً، أرمي ورقاً كثيراً، سلة مهملاتي كانت ممتلئة دائماً، غير أنني لم أكن أكتب، كان شيء ما يخرج مني ويُكتبُ، يحبِّر الورق بلون غريب، لكن الكلمات لم تكن تعني شيئاً. خلتُ إميلي قرأت مهملاتي كلها، حيث تتردد كلمة واحدة «أريد أن أكتب»، كتبتُ كثيرا وما كتبتُ شيئا، صار الحرف كأنما جناية من الماضي الذي أحاول أن أتناساه. أريد أن أكتبُ، قلتُ لها فردت: في الداخل منك ورق كثير، فيك أيضاً بحرٌ من الكلمات، غير أنك تنصتين أحياناً لصوت الخارج فتفقدين صوت أناك. قلتُ: غير أن الباب مغلقٌ، والسفن التي ذهبت ظلت غريبة من دوني، لم أرحل سوى الى داخلي، سافرت كثيرا، غير أني ظللت أبدا في مكان واحد لا أحيد عنه، مكان يشبه مدن ماركو بولو صنعته بنفسي وواريته. المدن في القلب، قالت إميلي قلتُ: وهي حيث نحلمُ، قالها بطل مسرحية العميان «أنا أرى حيث أحلم»، وأعرف هذا حيث أني أرى مدنا كثيرة لم أزرها أبدا، وربما لا وجود لها في الواقع. قالت: الحلم أن تجوزي الماء مثل جندول يعبر بخفة، يشق الماء فيرسم حول أطرافه موجاً صغيراً يمشي في دوران، الحلم أن لا تعودي منه، أن تسكنيه مثل بيت قديم ألفتيه. أغمضت عيني ورحت أحلم، كان البيت نفسه والزورق نفسه وأشجار إميلي تمشط خصلا من أوراق خضراء امتدت حتى لامست رأسي. القمر في محله، وعلى الشاشة الصغيرة أنا وعبد الحليم حافظ، كنا قبل هذا قد مثلنا أفلاما كثيرة معاً، البطلة دائماً أنا، وهو لم يمثل دورا من غيري، اذا قيل أنه فعل فهذا كذب هم فقط يعتقدون لأنهم لم يروا الحقيقة لم يشاهدوا الأفلام كما يجب، المخرجون كنت أعرفهم، وباقي طاقم الممثلين، المصورين أيضا وعمال الاستديو، لكني لم أصافح يوما يداً سوى يده. على الشاشة الكبيرة، الشاشة المضيئة، الشاشة التي تهز أركان القاعة الكبيرة، كنتُ أتحركُ مثل طيف يأتي ويذهب. مثلتُ كثيراً، لكن عبد الحليم كان مريضاً، كانت صفرة شاحبة تظلل وجهه، وعندما نصور لقطات كثيرة كانت حبات من العرق تملأ جبينه فتلتمع، يصرخ المخرج: ستوب، ونعيد منذ البداية، غالباً كنا نصور اللقطة مرة واحدة، ولا نقطع السيناريو أبدا نقدمه كما هو، في الاستديو كان مخرجون آخرون يقيمون ديكوراً واحداً وينهون كل اللقطات الخاصة به ثم يستبدلونه وهكذا، أما معنا نحن فالمخرج كان يصور الفيلم كله مرة واحدة. على الشاشة الكبيرة، يسمونها الفضية، مثلتُ كثيرا، كنتُ البطلة دائماً، ولم أقبل الخسران، كانت أيضا اميلي تتخفى ورائي مثل ظلي باحثة عنها، عرفتُ كيف أدور أمام الكاميرا، وكيف أُلتقطُ في اللحظة الصحيحة، ومثلتُ كثيرا. كنتُ في غرفتي حيث تتنزل الستائر على النوافذ مثل شعاع يغطي على شعاع، فأصبح مع الكاميرا وحدي وآتي بأبطالي. بعضهم كان شقيقاً لي؛ ومنهم من كانت أختاً أو أماً، كانت اميلي أيضاً بلباسها القديم نفسه وبابتسامة تشبه تلك التي علقتها على حائط غرفتي. كل أفلام عبد الحليم حافظ مثلتها معه، ولم أحب نهاياته الحزينة، غيرتها، بدلت السيناريو كما أرغب، وصرتُ أستمع الى أغنياته وأدون كلماتها على ورقة بيضاء لأحفظها. هل تعرفين عبد الحليم حافظ؟ قلت لإميلي - ربما، لا أدري، تختلط عليّ النجوم في اليقظة، قد أعرفه عندما أنام، النجوم التي تسطع تترك حيرتها، فلا نميزها. - يغني من القلب، كأنما الكلمات هو كاتبها، كأنه صانع كل شيء، يغني كأنه لا يغني، كأنما روحه هي التي تطلق أشجانها وأصواتها. - إذن يصل الصوت. كان الصوت يصل دائماً، ذاكرة قديمة تغرف من كل شيء، تأكل وتأكل، والصوت يتقارب حتى يصير مثل صلاة في القلب. ومات عبد الحليم حافظ، لا لم يمت لكنه انتقل الى الأفلام القديمة والحفلات، ومات. كنت أعرف الموت كثيرا، اختبرته في حياتي كلها، واختبرته عندما كانت إميلي تغيب عني فلا تعود تمسك بيدي. حين مات جدي لم أكن أعرف كم أنا أحبه، ولما قرأت ما كتبت اكتشفت أن جدي كان حياة كاملة تعيش بي وماتت. كتبت له قصيدة واحدة، ثم وجدته في كثير من قصائدي، كنت عندما أقرأني أراه أمامي على الصفحات البيضاء. وتذكرت قصصه. كانت عيناه زرقاوان مثل سماء فرحة، وحينما أنام على قصصه كان يتسلل خفية ليستمع الى نشرة الأخبار، فأشعر بالبرد وأناديه. قلت له: لسوف يؤجل نومكَ الطويل قهوة الصباح، ولن يكون في وسعنا أن نتأمل زرقة عينيك بينما تغفو وتستيقظ مراراً، سريركَ سيظلُّ دافئاً لكن الوسادة لن يبللها رضابكَ. سنسمع عنك القصص الكثيرة؛ نحن الذين سهرنا المساءات نستمع إلى حكاياكَ عن العفاريت والقطط والجدات، ولن تبدلنا الأيام كثيراً إذ أن حنوك سيظلّ فينا؛ نحن الذين أكلنا مراراً من تعب يديكَ ومراراً شاغلتنا بأزهار شرفتنا والحبق ونحن الذين أحببناكَ. غداً عند الصباح سيأتي الصباح، ينشغل الجميع وتبقى أنتَ في نومكَ لن يوقظكَ أحد؛ إذ أن المارة لن يلحظوا خفة العين وهي تذرف دمعها؛ ولن تكفكفَ أنتَ ما تساقطَ إذ أن أصابعك تتوضأ بأزرق البرد. وأتى الصباح، لم يكن جدي في سريره، كان نائما في مكان بعيد ندي ومقفر. موحش، قالت إميلي. نعم موحش، موحش فعلا، ينام وحده حتى قصص القطط ظلت تملأ غرفة نومه ولم تذهب معه. إميلي تحدثت طويلا عن الموت قالت: «لأنه ليس في وسعي أن أقف للموت بلطف توقف لي، العربة حملتنا - نحن والخلود، وحسب على مهل قادنا، هو العارف أن لا عجلة ولدماثته - تعبي وراحتي أيضا تركتهما جانبا» قالت إملي: «عبرنا المدرسة، حيث اجتهد أطفال. ومع فرص - في الجرس - عبرنا حقول القمح المستشرفة وعبرنا الشمس في المغيب. أو، ربما، عبرنا هو الندى أرعشني وجمدني لأن خيطا واهيا خاط شالي وعباءتي من حرير». كنتُ أنظرها، أسكب كلماتها في أذني، وأكملت: «تمهلنا قبل منزل بدا انتفاخا في اليابسة- السطح يكاد لا يُرى- الأفريز على الأرض» مذاك قالت إميلي: «مذاك - مر دهر- بيد أن الشعور رآه أقصر من يوم بادئا ظننت رؤوس الجياد تواجه الأبدية» خفتُ الموت وأحببته، كتبتُ عنه كثيرا، تأملته، كنت مراراً أردته لأبدأ من جديد حياتي التي عبرتني، قلتُ: الحب عندما يصبح في طي النسيان يموت، تتسارع خطوته وينتحر، أغمضت إميلي عينيها ورأيت ما رأت. اذا رحل الحب مات، لكن قد يولد حب جديد، يسكب أباريقه في سكون الليل فنستيقظ له. ألم تقولي: «هناك سماء أخرى» لم أقفلت السماء؟ سألتها: «بل فتحتها» صمتت طويلا ثم أردفت: أنت تعرفين هذا، تجلسين وحدك، الحبر وحده ينهض بين اصابعك، تحتضنين الذكريات مثل طفل صغير، وتغوصين، تعيدين ابتكار الكون كله في منزلك الصغير، وتقتربين من النافذة قليلا من أجل نور واه لشمس متقطعة. أخذت بيدي ونمنا في عزلة البيت. كان كل شيء يتفتح مسرعا، الذاكرة، الحب، الألم والشوق، كان كل شيء يأتي والخدر يأخذ به. لم يعدْ من شيء، صار الفراغ حلقة كبيرة، نفتح أعيننا على لا شيئ، ونغرق برؤوسنا في الوسائد، فنرى الآخر. الآخر فينا، طيب مثل أم حنون يمسح عن جباهنا ألم البارحة، هو يجلس في الداخل منا، يتوسدنا ويتمدد، لكنه معنا. لم أره قط عندما أكون بصحبة إميلي، كنت أراه عندما أكون وحدي، يأتي مسرعا كالظلال فأراه وأحدثه وأعرف أني أحببته، صرتُ أدمنه مثل ذاكرة لا تنام. هو أختي، قلت. هو أنتِ، قالت إميلي، أنت اذ ترهفين السمع، اذ تتخففين من كل خارج، اذ تنصتين له، وأَنْصَتُ. أعطاني كل شيء ومنحني حبا كبيرا. ونمتُ طويلا. يشبه الحب في لذته، يأخذني الى عالم آخر، بشره طيبون، وفيه كثير من زهر يتفتح، ويظل يتفتح كأنما لا يذبل، ولا يموت أبدا. مثل ظل كثيف، مثل نهار يمتد، مثل حياة أخرى في هدأة، مثل كل شيء. معاً كنا نأخذ الأشياء كلها، نجتمع في العالم. «الروح تختار مجتمعها ثم تقفل الباب» قالت إميلي وأقفلت الباب. أذهب الى الصحيفة وأعود منها فأنفض من رأسي كل ما عداي، غبار اليوم، غبار الناس، غبار الشوارع، وغبار الآخر، الآخر الآخر الذي ليس هو أنا. أنفض كل هذا وأذهب الى غرفتي، الغرفة الموازية لغرفتها، أجلس وحيدة مع مجتمعي، كلنا معا، نعيد صياغة العالم، نلبسه أثوابا جديدة، ونحلم. نعم، نحلم، حلمنا بالعصافير، وحلمنا بالفراشات، وحلمنا بأصابعنا تنتشلنا وتأخذنا بعيدا. كانت السماء أقرب الى قطار طويل، جلسنا فيه، كلنا، كنا نخيط ثوبا طويلا، واحدنا يعطيه للآخر، نزينه بألوان هادئة، ونستقر على أن نأكل معا. كان ماركو بولو وهو يقص رحلاته على قبلاي خان أيضا يرسم لنا مدناً كبيرة فنأخذها الى نومنا وننام على عجل قبل أن تذهب المدن، وقبل أن ينام أصحابها، كنا نسبقهم الى النوم خشية أن يحلموا قبلنا. وكنا نحلم بأعين مفتوحة. -٢- «شعرتُ بجنازة في رأسي، ومفجوعين في رواح ومجيئ ظلوا يمشون - يمشون حتى بدا الحسّ يتلاشى وعندما أجلس الجميع مراسم كالطبل راحت تقرع - تقرع إلى أن أدرك ذاكرتي الخدر وفي ما بعد، سمعتهم يرفعون صندوقا وصرير عبر روحي بجزماتهم نفسها المتقدمة، ثانية، ثم خلاء راح يقرع جرس الموت كأن الأقدار كلها جرس وكائنات، انما أذُن، وأنا، وهدأة، وبعض حطام غريب بقايا سفينة، متوحدة، هنا- ثم لاطة، انكسرت، لسبب وهويت إلى الأسفل، والأسفل- وأصبت العالم في كل غطسة -إذن أكملت المعرفة-» كنت خائفة؟ سألتها أبدا. أنا لم أخف، رأيت كل شيء هنا. وأغمضت عيني لأرى. علمتني إميلي أن أغمض كثيرا حتى يكون العالم كله في مرأى نظري. أن اعيش اليوم متكررا في صور كثيرة، وكنتُ متى نمتُ تفتحت ظلالها عند وسادتي وراحت تحدثني. أنت أميرة الظلال، قلتُ - بل مجرد امرأة تحبُ - غير أنك قتلت الحب مرارا - لم أقتل أحدا - «لكن هناك سماء أخرى» - اذا نولد حتى لو كنا وحيدين تحت ظلالها - حدثيني عنه، قلتُ لها - ليس كثيراً عليّ، غير أنه لم يكن لي. - وذهب؟ - مثل موجة علت وعلت حتى تساقطت فتلاشت - ألم يبق منها شيئا؟ - بل كل شيء لأن عين الكاميرا ألتقطتها وهي في أعلى صعودها. - اذن ظلت معك؟ - بل أمامي، علقتها على الحائط وحفظتها لكثرة ما نظرت إليها. كتبتها. - هل يموت الحب؟ - بل يذهب في مكان قصي من القلب، وما يلبث أن يعود كلما نبشنا القلب. |
|||||
|
|||||