|
|||||
|
فجأة، لا، من فرط ما، من فرط ما، لم أعد أتحمل، ولم أتمكن من أن أواصل. أحدهم يقول، لا يمكنك البقاء هناك. لا يمكنني البقاء هناك، ولا يمكنني أن أواصل. سوف أصف المكان غير أن هذا ليس مهما. القمة المسطحة جدا لجبل، لا لهضبة، ولكنها جد وحشية، جد وحشية بما فيه الكفاية. طين، خلنج إلى حد الركبة، مسارب غنم لا تكاد ترى، تقشرات عميقة. وفي واحدة من تلك الحفر التي تكونت بفعل التقشر، كنت ممددا، في منجى من الريح. بانوراما جميلة لولا الضباب الذي يريد كل شيء، الأودية، والبحيرات، والسهل والبحر. كيف لي أن أواصل. كان عليّ ألا أبدأ لو لم يكن علي أن أبدأ. واحد يقول، ربما يكون الشخص ذاته، لماذا جئت ؟ كان علي أن أظل في ركني، في الدفء، مكتفيا بالقليل وفي مأمن من كل شيء. لم أكن أستطيع. ركني سوف أصفه، لا لا يمكنني أن أفعل ذلك. بكل بساطة، لم أعد قادرا على شيء. هذا يقال. أقول للجسد هيا انهض، وأحس بالجهد الذي يقوم به لكي يطيع مثل جواد عجوز يسقط في الشارع، الجهد الذي بذله، الذي لا يزال يبذله قبل أن يعدل عن ذلك تماما. أقول للرأس، دعه وشأنه، ابق هادئا، ويكف عن التنفس، ثم يلهث كأجمل ما يكون اللهاث. أنا بعيد عن كل هذه المسائل، وكان علي ألا أهتم بها، فأنا لست بحاجة إلى شيء، ولست بحاجة إلى أن أذهب أبعد، أو أن أظل حيث أنا. كل هذا لا يعنيني حقا. وكان علي ألا أهتم بالجسد وبالرأس، وأن أدعهما يتدبران أمرهما، أن أدعهما يكفان، لا أستطيع، كان علي أنا أن أكف. آه نعم، كما لو أننا أكثر من واحد، وكلنا مصابون بالصمم، ليس حتى ذلك، ومتوحدّون إلى آخر لحظة في الحياة. ويقول آخر، أو هو نفسه، أو الأوّل، لهم نفس الأصوات، ونفس الأفكار، كان عليك أن تبقى في بيتك. في بيتي. بيتي. بدون ضباب، وبعينين في صحّة جيّدة، يمكنني أن أراه من بعيد. الأمر لا يتعلق بتعب، أنا لست متعبا فقط، بالرغم من الصعود. وليس لأني أريد أن أظل هنا. لقد سمعت، من المحتمل أن أكون قد سمعت حديثا عن البحر، البحر هناك بدون الرصاص المطرّق، والمسهل الذي يقال أنه من ذهب والذي يتغنى به من حين لآخر، الواديان المزدوجان، البحيرات المجمدة، ودخان العاصمة، وليس لنا غير هذا في الفم. وفي الحقيقة من هم هؤلاء الناس؟ هل هم تبعوني، سبقوني، رافقوني؟ أنا في الحفر التي حفرتها القرون، قرون من الطقس السيء، وممدّدا ووجهي إلى أرض مسمرّة حيث يتعفن ماء زعفراني شرب ببطء. إنهم هناك في الأعلى يحيطون بي من كل جهة تماما كما في المقبرة. لا أستطيع أن أرفع بصري إليهم، مع الأسف. ولا يمكنني أن أرى وجوههم، وربّما أرجلهم الغائصة في السرخس، هل هم يرونني ! وماذا باستطاعتهم أن يروا منيّ ؟ ربما ليس هناك بشر واحد. وربما يكونون قد انصرفوا متقززين ومثبطي الهمّة. أتنصّت. نفس الأفكار أسمع. أعني نفس الأفكار التي أسمعها دائما بفضول. في الوادي تتألق الشمس، وهناك في الأعلى، السماء الشعثاء. منذ متى وأنا هنا؟ يا له من سؤال. لقد ألقيته على نفسي أحيانا. وأحيانا تمكنت من الإجابة عليه، ساعة، شهران، سنة، مائة سنة، حسب ما أسمعه من هنا، من نفسي، من كائن، وفي داخلي لم أذهب مطلقا للبحث عن أشياء خارقة، وفي داخلي لم أتنوّع كثيرا، إذ أنه ليس غير هنا التي يبدو أنها تتنوّع. أو أني كنت أقول، إنني منذ وقت ليس بطويل، لم يكن باستطاعتي أن أصمد. أسمع طيور الكروان، وهذا يعني أن النهار يتهاوى، وأن الليل ينزل، ذلك أن طيور الكروان هي هكذا تصوّت حين يقترب الليل، بعد أن تكون قد صمتت طوال الظهيرة. هكذا الأمر هو هكذا الأمر عند هذه الكائنات الوحشية، والتي لها حياة قصيرة مقارنة بحياتي. وهذا السؤال الآخر الذي يعرفني جيّدا هو أيضا، لماذا جاء وهو الذي دونما جواب بحيث أني أجبت لكي أغيّر، أو، ليس أنا، أو أنها الصدفة، أو لكي أرى، أو أخيرا لأنها سنوات النار الكبيرة، إنه الحظ، وأنا أحسّه يأتي، فليأت، لن يباغتني. ضجيج يملأ الدنيا. تراب أسود مشبع عليه أن يشرب ويشرب، موجة صاخبة من السرخس الضخم، خليج عند مهاوي الهدوء هناك حيث تغرق الريح، وحياتي ولوازمها المبتذلة والقديمة، لكي أرى، لكي أغيّر، لا، لقد رأيت، لقد رأيت إلى حدّ الإصابة بالرمص، حدث الضرر، ذات يوم وأنا أخرج متبعا ساقي المعدّتين للذهاب، المعدتين للقيام بخطوات، واللتين تركتهما تذهبان، واللتين جرّتاني حتى هذا المكان. لهذا السبب أنا أتيت. وما أقوم به، أساسي، أهمس، قائلا لنفسي بكلمات كما لو أنها صنعت من الدخان، ليس باستطاعتي أن أظل هنا، وليس باستطاعتي أن أنطلق، ولنر ما يحدث بعد ذلك. وكإحساس؟ يا إلهي، لا يمكنني أن أشتكي، إنه هو، ولكن بالكتمان، كما لو تحت الثلج، دون الحرارة، دون النوم، أتبعها جيّدا، كل الأصوات وكل الأجزاء، أتبعها جيّدا إلى حدّ ما، البرد يداهمني، الرطوبة أيضا، هذا ما أتصوّر أخيرا، أنا بعيد. الروماتيزم على أيّة حال، لا أفكر فيه أبدا، إنه لا يعذبني أكثر ممّا كان يعذبني لمّا يعذب أمّي. عين صابرة وثابتة على هذا الرأس الوحشي لعقاب، عين وفيّة، هذه ساعتها، ربّما هذه هي ساعتها. أنا هناك في الأعلى، وأنا هنا، ومثلما أنا أرى نفسي، متمرغا في التراب، مغمض العينين، وأذني كمحجمة على التراب الذي يمصّ. نحن متفقون. كلنّا متفقون في الواقع منذ زمن بعيد. نحن نحب بعضنا بعضا. ونحن نشتكي جيّدا، ولكن ها نحن لا نستطيع شيئا. وما يمكن تأكيده هو أنه بعد ساعة، سيفوت الأوان، بعد نصف ساعة سيحل الليل، ثم ليس مؤكدا، ماذا إذن، وما الذي هو غير مؤكد، من المؤكد أن الليل يمنع ما لا به يسمح النهار، للذين يعرفون كيف يستميلون، والذين يريدون أن يستمالوا، والذين يقدرون على ذلك، والذين ما زالوا قادرين أن يحاولوا. سينقشع الضباب، أنا أعرف ذلك، حتى لو أنني حاولت أن أسهو، وستبرد الريح، عند حلول الليل، وفوق الجبل ستكون السماء الليلية بأنوارها وبدبّيها الأكبر والأصغر اللذين يهدياني، مرّة أخرى، يهديان خطواتي، فلننتظر الليل. كل شيء يختلط ببعضه البعض، الأوقات، في البداية كنت هنا فقط، والآن ها أنا هنا طوال الوقت، وبعد حين لن أكون هنا، مجهدا نفسي عند منتصف المنحدر، أو في منابت السرخس هناك عند جنبات الغابة، إنها أرزيات، أنا لا أحاول أن أفهم، ولن أحاول أبدا أن أفهم، هذا يقال، في هذه اللحظة أنا هناك، ومنذ أمد طويل، وإلى الأبد.مستقبلا لن أخاف مطلقا من الكلمات الكبيرة. إنها ليست كبيرة. وأنا لا أتذكر أني جئت، وأنه لا يمكنني أن أنطلق البتّة، عالمي الصغير هذا، عيناي مغمضتان، وأنا أحس الدبال على خدّي رطبا وخشنا، سقطت قبعتي، لم تسقط بعيدا، أو أن الريح هي التي حملتها بعيدا، لقد كنت حريصا عليها. مرّة البحر، ومرّة الجبل، وأحيانا كانت الغابة، المدينة، السهل أيضا، لقد لمست السهل أيضا، وتركت نفسي شبه ميّت في كل الأركان، من الجوع، والشيخوخة، مقتولا، غريقا، ثم ودونما سبب، أحيانا دونما سبب، ميّتا من القلق، إنها تنعش التنهيدة الأخيرة، وغرف موتي الجميل حينئذ، في الفراش، منهارا تحت بيتي، ومهمهما طوال الوقت بنفس الكلام، بنفس القصص، بنفس الأسئلة والأجوبة، طفل ساذج، يكفي، في أقصى عالمي، عالم الجهلة، ليس هناك أبدا لعنة ليست جدّ ساذجة، أو أنني أنسى. نعم، إلى النهاية، بصوت خافت، تهدهدني، ترافقني، ودائما منتبهة، منتبهة إلى القصص القديمة، تماما مثلما كان أبي يجلسني على ركبتيه ويقرأ لي قصّة «جو بريم» أو «بريم»، ابن حارس المنار، ليلة بعد ليلة طوال الشتاء. كانت حكاية، حكاية للأطفال، تدور أحداثها فوق صخرة وسط العاصفة، وكانت الأم قد ماتت، والنوارس تأتي لكي تصطدم بالمنارة، وألقى «جو» نفسه في الماء، هذا كل ما أذكر بين أسنانه سكين، وأدّى ما كان ضروريا أن يؤديه، ثم عاد، هذا كل ما أتذكر هذا المساء، القصّة تنتهي نهاية جميلة، تبدأ بداية سيئة، وتنتهي نهاية جميلة، كل ليلة، قصّة للأطفال. نعم، كنت أبي، وكنت ولدي، وألقيت أسئلة على نفسي، ثم أجبت عليها حسب ما سمحت به إمكانياتي، لقد سمعت القصّة ليلة بعد ليلة، نفس القصّة التي أنا حفظتها عن ظهر قلب دون أن أؤمن بما فيها، أو أننا كنا نسير متشابكي الأيدي، صامتين، غارقين في عوالمنا، كل واحد في عوالمه، والأيادي منسية، الواحدة في الأخرى، بهذه الطريقة تماسكت حتى هذه اللحظة، وحتى هذه الليلة، يبدو أن الأمور على ما يرام، أن أحتضن نفسي، وأمسك نفسي بيدي، دونما كثير من الحنان، ولكن بوفاء، بوفاء. لننم تحت اللّمبة، متلاحمين، من كثرة ما تكلمّنا، من كثرة ما سمعنا، من كثرة ما أجهدنا أنفسنا، من كثرة ما لعبنا. II هناك في الأعلى الضوء، والعناصر، نوع من الضوء، كاف لكي نرى، الأحياء يتوجهون إلى أهدافهم، ليس بصعوبة كبيرة، يحاذرون بعضهم بعضا، يتّحدون، يتجنبون العوائق، ليس بصعوبة كبيرة، يبحثون بنظراتهم، يغمضون أعينهم، موقوفين، دون أن يتوقفوا، وسط العناصر، وسط الأحياء. إلاّ إذا ما كان ذلك قد تغيّر، إلاّ إذا ما كان ذلك قد توقّف. أكيد أن الأشياء التي لا تزال أيضا هناك، بالية أكثر من قبل وأقل حجما، وكثير منها في نفس المكان تماما مثلما كانت في زمن لا مبالاتها. هنا كوخ آخر بسرعة أصبح غير صالح للسكن، ولا بدّ من مغادرته. نحن هناك، حيثما سوف نكون، سيكون غير صالح للسكن، هذه هي الحقيقة. اذن الرحيل، لا، البقاء بالأحرى. إذ أنه إلى أين يمكن الذهاب الآن، بعد هذا الاستقرار ! العودة إلى الأعلى ! هناك حدود لكل شيء على أية حال. في مثل هذا النوع من الضوء. رؤية الشواطئ من جديد، والبقاء إلى حدّ هذا الوقت بين البحر والشواطئ الصخرية، وإلقاء النفس ذات اليمين وذات الشمال، الرأس بين الكتفين، واليدان على الأذنين، بسرعة، بريئا، مريبا ضارا. البحث، عن نور الليل، المفرط، عن حاجة بمستوى العرض، ثم الاختباء مخفقا وخائبا عند السحر، عند طلوع النهار الجديد. رؤية السيّدة «كالفي» من جديد، وهي تفرز الأوساخ قبل مرور جامعي الزبالة. السيّدة «كالفي». لا بدّ أنها لا تزال هناك. بصحبة كلبها وعربتها. هل هناك ما هو أكثر احتمالا. هي تتحدث إلى نفسها بصوت خافت، وتتذمر، وتدمدم، يا رئيسي، يا أميري. هي تحمل نوعا من المذراة. والكلب يتبختر، ويتشبث بقوائمه بصناديق الزبالة، ومثلها يتطفل. وهو يزعجها غير أنها تغض الطرف وتتركه يفعل ما يريد، قائلة، أيها الحيوان القذر هذه ذكرى جميلة. السيّدة «كالفي». هي تعلم ما كانت تريد، وربما ما كانت تريد، ثم الجمال، القوّة، الذكاء، اليوم، كلّ يوم، الفعل، الشعر، حسب الاختيار، للجميع. لو كانت هناك فقط وسيلة لكي لا نعرف ذلك أبدا. يا له من خطأ فادح أن يكون الإنسان قد تألم تحت هذا الضوء البائس. إنه لم يكن يظهر شيء، أي شيء مخيف ولا شيء كان يظهر تحته، ولو كان هناك شيء مهم، لكان انطفأ والآن هنا، ما هو الذي الآن هنا، لحظة ضخمة، تماما مثلما في الجنّة، والفكر بطيء، بطيء يكاد يكون متوقفا. ومع ذلك هناك تغيّر، شيء ما يتغيّر، ربمّا يكون في الرأس، في الرأس الدمية التي تبلى ببطء. إذا ما نحن في مرّات معينّة كنا في رأس، فإن الدنيا ستتعتم كما في الرأس قبل أن يداهمه الدود. سجن مؤبد من العاج. الكلمات أيضا، بطيئة، بطيئة، والفعل يموت قبل أن يصل إلى الفعل، الكلمات أيضا تتوقف. أفضل إذا من زمن الهذر ! هذا هو، هذا هو الجانب الجيّد. وغياب الآخرين، أليس شيئا مهمّا؟ ياه، الآخرون، لا يوجد الآخرون، وهذا لم يكن يزعج أحدا. وبالأحرى لا بدّ أن يكون هناك آخرون، آخرون آخرون، لا مرئيون، بُكم، غير أنه لا أهميّة لذلك. ومع ذلك كان لا بدّ من الاختفاء، ومن السير بحذر بمحاذاة جدرانهم، تلك هي الحقيقة، ثمّة نقص هنا، ناقصة المشتقات، هنا الشرّ، ياه، هذا كان سيقال هناك في الأعلى، لزقة خردل حيّة. ما دامت الكلمات تأتي، فإنه سوف لن يتغيّر شيء. هذه هي الكلمات القديمة التي لا تزال تطلق. الكلام، ليس هناك غير الكلام، الكلام، الكلام، إفراغ النفس في الكلام، هنا، مثلما كان هناك أبدا. غير أنها تجف، الكلمات، وكل شيء يتغيّر، وهي تأتي بصعوبة، وسيئة، سيئة. أو أنه الخوف من الوصول إلى آخرها، وأخذ حصتنا منها قبل النهاية، لا، لأن النهاية سوف تكون هناك، نهاية حصتنا منها ليست مؤكدة، أن نكون بحاجة إلى التأوه، وألا نستطيع ذلك، أي، الأفضل أن نقلل من النفقات، وأن نترصّد الاحتضار الجميل، إنه خادع، نحن نظن أننا بلغناه، ونأخذ في الصراخ، والولولة، ثم نحيا، من جديد، ولولات مفيدة، الأفضل أن نصمت، إنها الطريقة الوحيدة، إذا ما نحن رغبنا في أن نموت، لا صامتين وإنما مقرقعين بلعنات مكبوتة، منفجرين في صمت كل شيء محتمل بعد ذلك. ليس الموت، ليس القبر، لا ليس ذلك البتّة، لا يمكن أن يكون القبر، لأن ذلك ربما سيكون أقوى من اللازم. هناك في الأعلى ربما يكون الصيف، ربّما يكون الأحد، أحد من آحاد الصيف. السيد «جولي» في برج الحصار، لقد أصعد الساعة من جديد، وها هو الآن يدق النواقيس. السيد «جولي». لم يكن له غير ساق ونصف. ذات أحد. كان لا بدّ ألاّ يخرج. الطرقات كانت سوداء، الطرقات الصديقة في أغلب الأحيان. هنا على الأقل ليس هناك شيء من كل هذا، ليست المسألة مسألة خالق، وأما بالنسبة للطبيعة، فإن الأمور تبدو غامضة. الجاف، محتمل، أو السائل، أو الوحل تماما مثلما قبل الحياة. هل هو الهواء، الذي بفضله يتمّ الخنق إلى حدّ الآن. عاليا أحيانا، محتمل، طريقة من طرق الهواء. ما الذي حدث بالضبط، بالضبط، آه أيتها الضحكة القديمة الصفراء، ومع ذلك لا، تخلّص جيّد، هذا لم يكن أبدا طريفا. لا، ولكن ذكرى أخيرة، آخر ذكرى، بإمكانها أن تساعد، على التوقف مرّة أخرى. «بيارس»، يدفع ثيرانه عبر السهل، لا، ذلك انه في آخر الثلم، رفع بصره، إلى السماء، وذلك قبل أن يعود على أعقابه، وقال، لقد انتهى الطقس الجميل. وها، بالفعل، الثلج بعد ذلك بقليل. يعني أن الليل كان أسود، وقد نزل أخيرا، ولكن لا، بالرغم من أن السماء كانت متوارية. كان الطريق المؤدي إلى المخبأ طويلا خلال الحقول، متعرّجا، ولا بدّ أنه لا يزال كذلك إلى حدّ هذا الوقت. وعند وصوله إلى الشاطئ الصخري، ألقى بنفسه، بإمكاننا أن نقول انه فعل ذلك بجنون، ولكن لا، لقد فعل ذلك بمكر، مثل عنـز، عبر تعرّجات سريعة باتجاه رمل الشاطئ. أبدا لم يسبق للبحر أن هدر من بعيد بمثل تلك الطريقة، البحر تحت الثلج، بالرغم من أن أفعال التفضيل لم تعد تملك ما يغري أو ما يثير. لم يكن اليوم مثمرا، تماما مثلما يقرره الفصل، فصل الكراث× الأخير. ومع ذلك كان الرجوع، ليس مهما الرجوع إلى أين، الرجوع ما عدا أن العودة منه مستحيلة. ما الذي حدث ؟ لقاء؟ بان !؟. لا. عند مستوى ضيعة الاخوان «غراف» محطة صغيرة، تجاه النافذة المضاءة، نور أحمر، بعيدا هناك، والليل، والشتاء، إنه العقاب، من المحتمل أن يكون هو العقاب. هذا هو. لقد تمّ، وهو ينتهي هنا، وأنا أنتهي هنا. ذكرى بعيدة، بعيدة عن الأخريات، محتمل، ما زال يبدو علينا النشاط. مؤسفا أن يكون الأمل قد مات. لا. كم كنا نأمل هناك، في الأعلى، من وقت لآخر. وكم كان هناك تنوع واختلاف في آمالنا. III دع، سأقول، دع عنك كل هذا. ليس مهما من الذي يتكلم سوف تكون هناك بداية، وسأكون أنا، لن أكون أنا، سوف أكون هنا، كما لو أني بعيد، لن أكون أنا، وسوف لن أقول شيئا. ستكون هناك حكاية، واحد سوف يحاول أني يحكي حكاية. نعم، جلبة من التكذيب والتفنيد، كل شيء خاطئ، ليس هناك أحد، هذا مفهوم، ليس هناك أحد، ضجة من الجمل، علينا أن نكون مغفلين، مغفلي الزمن، كل الأزمنة، بانتظار أن يمر ما يحدث الآن، أن يمر كل شيء، وأن تسكت كل الأصوات، ليست غير أصوات، غير أكاذيب. هنا، الانطلاق من هنا والذهاب إلى مكان آخر، أو البقاء هنا، ولكن لا بد من جسد، مثلما هو الأمر في الزمن القديم، لا أقول لا، لن أقول لا، وكأني جسد، جسد يتحرك، إلى الأمام، إلى الخلف، ويصعد، وينزل، حسب المقتضيات. بعدد من الأعضاء تسمح لي بأن أعيش مرّة أخرى، بأن أصمد، فترة قصيرة، اسمي هذا الحياة، وأقول انه أنا، سوف أقف، وسوف لن أفكر، سأكون جدّ مشغول، لن أفكر في ما إذا كان باستطاعتي أن أقف، وفيما إذا كان بمقدوري أن أظل واقفا، وفيما إذا كان بإمكاني أن أغير مكاني، وأن أتحمل الوضع، وأن أصل إلى اليوم التالي، وإلى الأسبوع القادم، يكفي، ثمانية أيام تكفي ثمانية أيام في الربيع تنعش وتحيي. يكفي أن تبتغي، وأنا سوف أبتغي، أبتغي جسدا، ابتغي رأسا، قليلا من القوّة، قليلا من الشجاعة، سوف أبدا، ثمانية أيام تمر بسرعة، ثم الرجوع، هذا المكان الذي لا يمكن اقتلاعه، بعيدا عن الأيام، الأيام البعيدة، هذا لا يمكن أن يتم وهو بمفرده. ولماذا، على كل حال، لا لا، دع، لا تبدأ من جديد، لا تسمع كل شيء. لا تقل كل شيء، كل شيء قديم، كل شيء تقرّر. ها أنت على قدم ثابتة، أنا الذي أقول ذلك، وأقسم أنك كذلك، حرك يديك، جسّ قمّة رأسك، هناك العقل، بدونه لا..لا أبدا ! وبعد ذلك البقية الباقية، الأعضاء السفلى، لا بدّ منها، وقل كيف أنت، قله تخمينا، أيّ صنف من الرجال، لا بد من رجل، أو إمرأة، ألمس هناك ما بين فخذيك، لست بحاجة إلى جمال، ولا إلى قوّة، ثمانية أيام تمرّ بسرعة، لن تحبّ، لا تخف. لا، ليس هكذا، جدّ سريع، لقد أرعبت نفسي. ثم لكي نبدأ يكفي من الاختلاج، لن تقتل، آ. لا، ولن تحبّ ولن تقتل، بإمكانك أن تصاب بنفس الانهيار العصبي الحاد الذي أصاب «غوبي»، سوف تحس وكأنك في بيتك وسأنتظرك هنا، هادئا، هادئا لك أنت، لا، أنا وحيد، وحيد أنا، أنا الذي أذهب، هذه المرّة أنا الذي أذهب. أنا أعلم ماذا سأفعل، سأكون رجلا، لا بدّ، نوعا من الرجل، طفلا مسنّا، وستكون لي مربيّة، وستحبني، وستعطيني يدها، لكي نجتاز الشارع، ثم تتركها عندما نصل إلى الرصيف. وسأتماسك، سأنتحي ركنا وأمشط لحيتي، حتى تصبح ناعمة، وحتى أكون جميلا، أكثر جمالا بمقدار قليل، لو تمّ ذلك بهذه الطريقة. ستقول لي، تعال يا مسيحي، لقد حان وقت العودة.. لن تكون لي مسؤوليات، ستكون لها كل المسؤولية، ستسمّى «ناني»، وسأناديها «ناني»، لو كان ذلك قد تمّ بهذه الطريقة. تعال يا أرنبي، إنها ساعة الحليب. من الذي علمني كل ما اعرف، أنا بمفردي، عندما كنت لا أزال أتيه، وقد استنتجت كل شيء من الطبيعة، بمساعدة الكل في واحد، أنا اعرف أنه ليس كذلك، ولكن ها قد فات الأوان، ولم يعد من الممكن أن نرفضه، والمعارف هاهي، تلمع الواحدة بعد الأخرى، قريبة وبعيدة، ترف على الهاوية، متواطئات. دع، لابد من الذهاب، لابدّ من أن نقول ذلك على أية حال، إنها اللحظة المناسبة، ولسنا ندري لماذا. ماذا يمكن أن يقع إذا ما قلنا هنا أو في مكان آخر، ثابتين أو قابلين للحركة، بدون شكل أو مستطيل مثل الرجال، دونما ضوء أو في ضوء السماء، أنا لا أعرف، يبدو كما لو أنه حساب، هذا لا يمكن أن يتم وهو بمفرده. إذا ما بدأت من جديد، ومن هناك حيث انطفأ كل شيء، لا، لن يثمر ذلك أيّة نتيجة، وأبدا لم يثمر أية نتيجة، الذاكرة نفسها انطفأت بسبب ذلك، شعلة كبيرة ثم السواد، تشنج هائل ثم ثقل أكثر ولا فضاء يمكن أن يعبر، لست أدري. حاولت أن أسقط نفسي من فوق الشاطئ الصخري في الشارع بين الفانين، غير أن ذلك لم يثمر عن أية نتيجة، ولذا عدلت عن كل شيء. أن أسير من جديد في نفس الطريق الذي ألقاني هنا، قبل أن أسير فيه في الاتجاه المعاكس، أو أن أذهب أبعد، هذه نصيحة حكيمة. هذا لكي لا أتحرك مطلقا في المستقبل، وحتى أظل أعاني هنا حتى آخر الزمن، هامسا، كل عشرة قرون، لست أنا، ليس صحيحا، لست أنا، أنا بعيد. لا لا أنا سأتحدث عن المستقبل، وسأتحدث إلى المستقبل، وسأتحدث في المستقبل، تماما مثلما كنت أقول، في الليل، إذا سأضع ربطة عنقي الزرقاء المزينة بالنجوم، والتي كنت قد وضعتها الليلة الفائتة. بسرعة بسرعة قبل الانفجار بالبكاء. سيكون لي صديق من طبقتي، وبلد، ومجنّد قديم. وسوف نعيش حملاتنا مقارنين خدوشنا. بسرعة، بسرعة. كان مجنّدا في البحريّة، ربّما تحت قيادة «جاليكو» عندما كنت أنا أقنص الغازي بقربينتي من وراء برميل «غيناس»٭. لم تعد لنا الآن قربينات، هذا هو الأمر، وليس حتى إلى أمد بعيد، انه آخر شتاء لنا، هللّويا. ونحن نتساءل عن أي شيء سوف يقضي علينا في آخر الأمر. هو سيقضي بسبب السل، وأنا بسبب البروستات. وكل واحد منا يشتهي ما عند الآخر. هو يشتهي ما عندي، وأنا مرّات أشتهي ما عنده. أنا أداوي نفسي بنفسي، بيد مرتعشة، واقفا في المبولات، منحنيا، مخفيا وجهي بقبعتي، والذين يشاهدونني يقولون أني عجوز مقزز وكريه. وخلال ذلك الوقت، ينتظرني على مقعد، تهزه نوبة سعال، باصقا في منفضة السجائر، وكلما امتلأت يفرغها في القناة من شدّة تمدّنه. لقد نلنا جزاء ما فعلنا لوطننا، وسوف ينتهي بأن يداوينا. نحن نمضي حياتنا، هي لنا إلى درجة الرغبة في أن نمسك في اللحظة ذاتها شعاع الشمس ومقعد من دون ثمن، في واحة من الخضرة العمومية، لقد بدأنا نعشق الطبيعة، في وقت متأخر. ويقرأ جريدة البارحة بصوت خافت، وهو يختنق، كان من الأفضل لو كان بصيرا. سباق الخيول هو الذي يحمسنا، وسباق السلوقيات أيضا، غير أننا لا نملك أراء سياسية، ومع ذلك فنحن جمهوريان فاتران. ونحن نهتم أيضا بـ«ويندوسور» وبـ«الهانوفربين» ولست أدري، ربما بـ«الهوهانزوليريين». كل ما هو انساني ليس غريبا عنّا، وذلك بعد أن نكون قد هضمنا كل ما يتعلق بالخيول وبالسلوقيات. لا، وحدي، وحدي، سأكون أحسن حالا، وسوف يكون الوقت أكثر سرعة. ربما يعطيني شيئا آكله، هو يعرف خنازيريا، ومن المحتمل أن يدخل روحي إلى حنجرتي بالمورتديلا٭ ومن المحتمل أن يمنع بواسطة مواساته، وتلميحاته إلى السرطان، والتذكير بسكر طويل المدى، فتور همّته في إزالة صخرته. وأنا عوض أن أكون بكاملي مع آفاقي، وهذا ما كان يسمح لي ربما بإلقائها تحت شاحنة، ادع نفسي أتسلى بآفاقه هو. ربما سأقول له، هيا، أيها العظيم، دع عنك كل هذا، لا تفكر في شيء وأنا الذي ربما لن أفكر في شيء، مبلّها بالأخوة. والالتزامات، أفكر أساسا في مواعيد تتم في الساعة العاشرة صباحا، خلال كل الفصول، هناك أمام «دوغان» حيث تكون الحركة قد كبرت وتعاظمت، ويهرع رياضيون لوضع رهانهم في أماكن آمنة، وذلك قبل أن تفتح محلات بيع المشروبات الكحولية. كنّا، وها قد انتهى كل شيء، هذا أفضل، هذا أفضل، نحن جدّ منضبطين، ولا بدّ أن أقول هذا. رؤية بقايا «فانسان» تحت أمطار باردة، في زورق إنقاذ، ورأسه ملفوف بخرقة مدماة، والعين يقظة، كانت بالنسبة لكل من يرى بوضوح، مثالا يمكن أن يقدر الإنسان على القيام به، خلال رغبته الجامحة في اللذة. بيد يسند جؤجؤه، وبظاهر الأخرى عموده الفقري، لا، كل هذا ذكريات، وتعلات قبل الطوفان، أن نرى ما يحدث هنا، حيث لا يوجد أحد، حيث لا يحدث شيء، أن نقوم بعمل ما حتى يحدث شيء هنا، والصمت، والذهاب في الصمت، أو في ضجيج آخر، ضجيج أصوات أخرى غير أصوات الحياة والموت، أصوات تلك الأنواع من الحياة والموت التي لا تزيد أن تكون لي، عليّ أن أمضي في حكايتي، حتى أتمكن من الخلاص منها، لا، كل هذا ليس إلاّ هذيان وهراء. هل يجوز أن ينبت لي أخيرا رأس، حيث أطبخ أسماكا جديرة بي، وساقان أضرب بهما الأرض، جائز أن أكون هناك أخيرا، وجائز أن انصرف، هذا كل ما أطلب، لا، لا يمكنني أن أطلب شيئا. لا شيء غير رأس، وساقين، أو ساقا واحدة، في الوسط، وجائز أن أمشي عليها منطنطا. أو لا شيء غير الرأس، مستديرا بشكل جيّد، وجدّ ناعم، ومن غير حاجة إلى ملامح، سوف أنطلق، وسوف أتبع المنحدرات، تماما كما ذهني في أتم صفائه، لا، من المحتمل ألاّ يكون هذا ممكنا، من هنا كل شيء يصعد، لا بدّ من ساق، أو ما يناسبها، حلْقات ربما، قابلة للتقلص، بهذا يمكننا أن نذهب بعيدا. الانطلاق من أمام «دوغان»، ذات صباح ربيعي ممطر ومشمس، ووسط الريبة بعدم التمكن من المضي حتى المساء، ما الذي هناك ليس على ما يرام ؟ جائز أن يكون جد سهل. أن يكون الإنسان مدفونا في هذا اللحم أو ذاك، في هذا الساعد الذي تصافحه يد صديقه، وفي هذه اليد، بدون ذراعين، بدون يدين، وبدون روح وسط هذه الأرواح المختلجة، عبر الجموع، عبر الدواليب، والكرات، ما الذي هناك ليس على ما يرام؟ لست أدري، أنا هنا، هذا كل ما أعلم، وأعلم أيضا أني لست دائما المعني بالأمر، وأنه لا بدّ أن نحسم المسألة من هذه الناحية. ليس هناك لحم في مكان ولا بماذا نموت. دع عنك كل هذا، الرغبة في التخلي عن كل هذا، دون العلم بما يعنيه كل هذا، كل هذا، كل هذا يقال بسرعة، ويفعل بسرعة، دون جدوى، لا شيء تغير، لا أحد تكلم. هنا، هنا، لن يحدث شيء، وهنا لن يكون هناك أحد، عمّا قريب. الانطلاقات، القفص، كل هذا ليس لغد. والأصوات في أي مكان جاءت، ميتة، ميتة حقا. IV إلى أين يمكنني أن أذهب، إذا ما كان بإمكاني أن أذهب. وماذا ترى أكون، لو كان باستطاعتي أن أكون، وما الذي بمقدوري أن أقوله، لو كان لي صوت، من يتكلم هكذا، هل يقول أنا؟ أجيبوا بكل بساطة، فليجب أحد ما بكل بساطة. إنه المجهول نفسه دائما، الوحيد الذي أنا أوجد بالنسبة إليه، في عمق لا وجودي، في عمق لا وجوده، في عمق لا وجودنا، هذا جواب بسيط. ليس بالتفكير يمكنه العثور عليّ، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل، حيّا ومرتبكا، نعم، حيّا، مهما قال ومهما أدعى. أن يتناساني، وأن يتجاهلني، نعم، ربما يكون هذا هو السلوك الأكثر حكمة، وهو يعرف ذلك. لماذا هذه الرقة المفاجئة بعد كل ذلك الاهمال، من السهل أن نفهم، هذا ما يقوله لنفسه، غير أنه لا يفهم. أنا لست في ذهنه، ولست في أي جزء من أجزاء جسده العجوز، ومع ذلك أنا هنا، من أجله هو أنا هنا، معه، لهذا السبب، كل هذا اللّبس وكل هذه الحيرة. ربما كان كافيا بالنسبة له أن يجدني غائبا، ولكن لا، هو يريدني هنا، بشكل وبمعالم، تماما مثله، بالرغم عنه، أنا الذي هو الكل، مثلما هو اللاشيء. وحين يحسبني، دونما وجود، فإنه يريد أن أكون محروما من وجوده، والعكس بالعكس، مجنون، مجنون، إنه مجنون. في الحقيقة هو يبحث عني لكي يقتلني، حتى أكون ميتا مثله، ميتا مثل الأحياء. كل هذا يعرفه، ولكن ليس مفيدا، أن يعرفه، أنا لا أعرفه، أنا لا أعرف شيئا. وهو يدافع عن نفسه بالبرهان والاستدلال، غير أنه لا يفعل شيئا غير البرهان والاستدلال، بخطأ، كما لو أن هذا يمكن أن يساعد في شيء. وهو يتصور أنه يتمتم في كلامه، ويتصور أنه بإمكانه، بالتمتمة، أن يدرك جيّدا معنى صمتي، أن يصمت بسبب صمتي. غير أنه يرغب في أن أكون أنا الذي يجعله يتمتم، من المؤكد أنه يتمتم. وهو يروي قصته كل خمس دقائق، قائلا انها ليست قصته، اعترفوا بأنه ماكر. وهو يرغب في أن أكون أنا الذي أمنعه من أن تكون له قصة، من المؤكد أنه بلا قصة، هل هذا سبب في أن يفرض عليّ واحدة؟ هكذا هو يبرهن ويستدل، من ناحية، أنا متفق، ولكن من ناحية ماذا، هذا ما يجب أن نراه. وهو يجعلني أتحدث وأقول أنه ليس أنا، اعترفوا بأنه يغالي، أقول أنه ليس أنا، أنا الذي لا يقول شيئا. كل هذا فظّ حقا. هذا إذا أضفنا أنه ربما يرغب في مناداتي بهو، تماما مثلما يفعل مع أوهامه، ولكن لا، إنه لا يريد سوى أنا، لأنه عندما امتلكني، وعندما كان لي، سارع بتركي، أنا لم أكن موجودا، وهو لم يكن يحبّ ذلك، ولم تكن تلك حياة، أكيد أنني لم أكن موجودا، وهو أيضا، أكيد أن هذه لم تكن حياة، ها حياته له الآن، فليضيّعها، إذا ما أراد الأمن والسلام، وأشياء أخرى. حياته، لنتكلم عن هذه الناحية، إنه لا يجب غير ذلك. وقد فهم، بحيث لا يكون الأمر متعلقا بحياته، ولا به، هل تتصورون أنه عندما يقوم الإنسان بشيء ضده، فإن هذا يكون حسنا بالنسبة لـ«مولوي»، أو «مالون»، هاهم الفانون، الفانون السعداء، أما هو، فلا تفكروا فيه، الذهاب إلى هناك، وهو الذي لم يتحرك البتة، هو الذي هو أنا، مع الأخذ بجميع الاعتبارات، أية اعتبارات، فقط كان من الأفضل ألاّ نذهب إلى هناك. هكذا هو يتكلم، هكذا أنا أتكلم، هذا المساء، وهو الذي يجعلني أتكلم، ويكلم نفسه، وأتكلم، ليس غير أنا، بكل أوهامي وخرافاتي، هذا المساء، هنا، هذا المساء، هنا، على الأرض، بصوت لا يحدث ضجيجا لأنه لا يتجه إلى أحد، وبرأس مليء بحروب أرهقت نفسها، وبأموات سرعان ما ينهضون، وجسد، كنت على وشك أن أنساه. هذا المساء أقول هذا المساء، ربما يكون الصباح. وكل هذه الأشياء، ما هي الأشياء، هي حولي، وأنا لا أريد البتة أن أنكرها، لم يعد هذا مهما. وإذا ما كان الأمر يتعلق بالطبيعة فربما تكون الأشجار والطيور، وهي تنسجم مع بعضها البعض، وأيضا الهواء والماء، حتى يتواصل كل شيء، لست بحاجة إلى معرفة التفاصيل. وربما أنا جالس تحت نخلة. أو أنها غرفة بأثاثها، وبكل تلك الأشياء التي تجعل الحياة ملائمة ومريحة، وبالكاد تكون مضاءة، بسبب الجدار الذي أمام النافذة، ماذا أفعل، أنا أتكلم، وأجعل أوهامي تتكلم، هذا الكائن لا يمكن أن يكون غير أنا. عليّ أن أصمت أيضا، وأتنصت، وأسمع عندئذ أصوات المكان، أصوات العالم، هل تستطيعون أن تروا حينما أقوم بجهد، حتى تكونوا عادلين. تلك هي حياتي، ولم لا، هي حياة واحدة، إذا ما أردنا، إذا ما تشبثنا بذلك شديد التشبث، لا أقول لا. هذا المساء. لا بدّ من ذلك حسب ما يبدو، ما دام هناك كلام، ليس ضروريا أن تكون هناك قصة، القصة ليست لازمة، غير حياة واحدة، هذا هو الخطأ الذي يجب الإقرار به، واحد من بين الأخطاء، هو أني أردت أن أكون قصة، في حين أن الحياة وحدها كافية. أنا في تطوّر، وكان الوقت قد حان لذلك، وسأنتهي بالتمكن من غلق هذا الفم القذر، إلاّ إذا لم يكن ذلك مقدّرا. أما الذي يروح ويجيء، والذي يتدبّر أمره لكي يغيّر مكانه، وحده، حتى لو لم يحدث له شيء، بالنسبة لهذا، بطبيعة الحال، الأمر مفروغ منه. أنا سأظل هنا. جالسا، إذا ما كنت جالسا، أحيانا أحسّ إني جالس، وأحيانا واقف، أما هذا ، وأما ذاك، أو أني أحس أني نائم، إنه احتمال آخر، أو أني جاث على ركبتي. المهمّ أن نكون في هذا العالم، مهما كان وضع الجسم، مادمنا فوق الأرض. أن نتفس، نحن لا نطالب بالمزيد، أن نتيه، ليس بالضرورة، أن نتسلم، ليس ضروريا أيضا يمكننا أن نتصور أننا ميتون بشرط أن ننجح في جعل الناس يلاحظون ذلك، هل بإمكاننا أن نحلم بنظام أكثر تسامحا، لست أدري، وأنا لا أحلم. من العبث في مثل هذه الظروف، أني يقال لي أنه بإمكاني أن أفعل هذا في مكان آخر، مكان آخر، مثلما أنا الآن، كل شيء تحت يدي، ما الذي سأفعله بذلك، لست أدري، سأفعل ما عليّ أن أفعله، ها أنا وحيد من جديد، يا له من انفراج. نعم، هناك فترات، مثل هذه الفترات، مثل هذا المساء حيث أبدو وكأني رمّمت حسب ما هو ممكن عمله. ثم يمرّ كل هذا، كل هذا يمرّ، ومن جديد أنا بعيد، لا تزال عندي حكاية بعيدة، أنا في انتظار نفسي بعيدا حتى تبدأ قصتي، أنتظر نفسي بعيدا لكي تبدأ قصتي، ولكي تنتهي، ومن جديد لن يمكن لهذا الصوت أن يكون صوتي. إلى هناك ربما سوف أذهب، إذا ما استطعت أن أذهب، هذا الذي ربما سأكون، إذا ما استطعت أن أكون. V أمسك بالقلم، أمسك بالريشة، وأثناء الجلسات لا أعرف ما القضيّة. لماذا لا أريد أن تكون قضيتي، لا أبالي بهذا. وها قد استؤنفت المسألة من جديد، وها أوّل سؤال في هذا المساء. قاض وطرف في القضية، شاهد ومحام، ثم ذلك المنتبه، اللامبالي، الماسك بالقلم. إنها صورة في ذهني دونما قوّة، حيث كل شيء ينام، كل شيء ميت، أو هو سيولد، لست أدري، أو هو أمام عيني، إنهم ينظرون إلى المشهد، لحظة، المشهد يفرض نفسه على العينين، في رمشة عين. ثم بسرعة تغمض الجفون لكي ترى العينان ما في داخل الرأس، أو لكي تحاول أن ترى ما فيه، أو لتبحث عني أو لتبحث عن أحد ما، في صمت عدالة أخرى، في شراك دعوى مبهمة، يكفي أن تكون فيها لكي تكون متهما. لهذا السبب لا شيء يظهر، كل شيء يصمت، وثمة خوف من الولادة، لا، بل هناك رغبة فيه، حتى نشرع في الموت ببطء. بإمكاني ربما أن أنهض، أن أقوم بجولة، أنا أموت رغبة في ذلك، غير أني لن أقوم بها. أنا أعلم أين سأذهب، سأذهب إلى الغابة، سأحاول أن أصل إلى الغابة، هذا إذا لم أكن فيها، فأنا لا أعرف أين أنا. سأبقى على أية حال. أنا أرى ما يعني كل هذا، أنا أحاول أن أكون مثل الذي أنا أبحث عنه، في ذهني، مثل الذي يبحث عنه ذهني، عليّ أن أنذر ذهني بسبب بحثه، مستقصيا نفسه. لا، لا تحاول أن تظهر بمظهر من يبحث، ولا بمظهر من يفكر، ابق فقط راصدا، والعينان جاحظتان خلف الجفون، والأذن متربصة بصوت لا يكون صوتا ثالثا، وليكن ذلك لمدّة لحظة، وقت ولادة كذبة جديدة. أسمع، ربما لا يزال هذا صوت العقل، إن الانتظار غير مجد، وأنه من الأفضل أن أقوم بجولة، مثلما ينقل جندي من رصاص. وأكيد أن صوت العقل هو الذي يجيب دائما قائلا بأنه ليس باستطاعتي القيام بذلك، أنا الذي منذ لحظة كنت أبدو قادرا على ذلك، إلاّ إذا ما كان الشعور هو الذي يلقي كلمته، إنه جدّ متغيّر، جدّ متقلب. لماذا غادر «يوزو» بيته، كان له قصر وخدم. سؤال ماكر، لكني أنسى أني أنا المتهم. أحيانا أسمع الأشياء التي تبدو أحيانا صحيحة، لحظة أندم فيها على أنها ليست منّي. ثم ياله من انفراج، يا له من انفراج لما أعرف أني أبكم وإلى الأبد، هذا إذا ما كان ممكنا ألاّ أتألم بسبب ذلك. وأصمّ، يبدو لي أني سوف أتألم أقل إذا ما كنت أصم، أن أكون أبكم، يا له من انفراج، عندما لا يكون ذلك عبئا على الضمير. أي نعم، سمعت أن لي نوعا من الضمير، بفضله أتمتع بنوع من الحساسية، بشرط ألا ينسى الخطيب شيئا، وبشرط أن أحس أنا بالحزن، وأنا أستمع وأحك جلدي في نفس الوقت، لقد سمعت. وهذا مسجل. الجلسة هذا المساء هادئة، هناك فترات طويلة من الصمت خلالها ينظرون إليّ كلهم، وهذا بهدف إخراجي من مفصلاتي ومحاوري، وأحس بأصوات مبهمة تحتدم داخل نفسي، هذا مسجل أيضا. وبطرف العين، أراقب اليد وهي تكتب، مرتجة بنقيض البعد. من هم هؤلاء الناس، إنهم رجال القضاء، حسب الصورة، ولكن حسب الصورة فقط، هناك صور أخرى، وأناس آخرون. هل أني لن أر الشمس أبدا، هل اني لن أتمكن من الرواح والمجيء، في الشمس، تحت المطر، الجواب، لا، كلهم يجيبون لا. لحسن الحظ، أني لم أطلب شيئا، هذا هو صنف العظمة الذي أنا أحسدهم عليه، في زمن الصدى. السماء، السماء والأرض، سمعت بهما كثيرا، تقولون إن ما أقوله عادي، صحيح، فأنا لا أبتكر ولا أختلق شيئا. ولقد سجلت، وأنه كان عليّ أن أسجل العديد من القصص، السماء والأرض فيها بمثابة الديكور، ذلك أنهما قادرتان على خلق جوّ ملائم ومريح. البحر أيضا، أنا على صلة به، وهو ينتسب إلى نفس المجموعة، وفيه غرقت مرّات عديدة، تحت تسميات مزيفة، دعني أضحك، وإذا ما كنت فقط قادرا على الضحك، فمن المحتمل أن يختفي كل شيء، ماذا، من الذي يعرف، كل شيء، أنا المبحر. نعم، أنا أرى المشهد، أرى اليد، إنها تخرج من الظل ببطء، يد الرأس، ثم بقفزة تعود إلى الظل، هذا لا يعنيني. مثل حيوان صغير وقميئ بأرجل تدفع إصبعا صغيرا مكشوفا، ثم تدخل، ما الذي علينا أن نسمعه، أنا أقوله مثلما أنا أسمعه. إنها يد كاتب المحكمة، هل له الحق في شعر مستعار، لست أدري، ربما قديما كان ذلك ممكنا. ما أنا أفعله، حين يكون هناك صمت، قائم بنوع من الإثارة الخطابية، أو بحركة تدل على التعب، أو على الحيرة، أو على الانذهال، هو أني أمرّر ما بين شفتي أنملة السبابة، ولكن الرأس هو الذي يتحرك، اليد تستريح، بمثل هذه التفاصيل نحن نتصور أنه بإمكاننا أن نخدع عالمنا. هذا المساء، هذا ما يحدث، وغدا سيكون الأمر مختلفا، ربما سأمثل أمام المجمع الديني، ستكون عدالة الحب الأعلى، صارمة كما يجب أن تكون، غير أنها معرضة لتسامحات غريبة، وسيكون الأمر متعلقا بروحي، أنا أحب هذا أكثر، وربما سيطالبون بالرحمة لروحي، لا يمكن التغيّب عن هذا، أنا لن أكون هناك، وإله أيضا، هذا لا يهم، سنكون ممثلين. نعم، ومن الأكيد أن ذلك سوف يتم في وقت قريب، منذ وقت طويل جدّا لم ألعن، نعم، ولكن يكفي عقاب كل يوم، وهذا المساء أنا أمسك بالريشة. هذا المساء، هو المساء دائما، نحن نتكلم دائما عن المساء، حتى إذا ما كان الوقت صباحا، حتى يتم اقناعي بأن الليل سيأتي، الليل الذي يأتي بالراحة. عليّ أوّلا أن أعتقد أني هناك، وبعد ذلك سوف أبتلع كل شيء، من المحتمل ألاّ يوجد ساذج مثلي أنا، لو كنت هناك. ولكن ها أنا هنا، وليس ممكنا أن يكون الوضع مختلفا، حقا، ليس ممكنا، وليس بحاجة إلى أن يكون ممكنا. وأروع شيء، هو أن نكون هنا، إذا لم نستطع أن نصدّق. إنه شيء متعب، أن نربح وأن نخسر بنفس الاندفاع، وبأحاسيس متلازمة، نحن لسنا من خشب، أن يسجل التوقيف، أن توضع القلنسوة على الرأس، ثم السقوط في حالة الإغماء، كل هذا متعب، بمرور الزمن، وأنا متعب من كل هذا، وجائز أن أكون قد تعبت لو كنت مكاني. إنه لعب، وهو يتحول إلى لعب، سوف أنهض، وسوف أنطلق، وإذا لم أكن أنا فسيكون واحدا آخر، شبحا، تعيش الأشباح، أشباح الموتى، أشباح الأحياء وأشباح من لم يولدوا بعد. أنا أتبعه بعينيّ المختومتين بالشمع الأحمر، هو ليس بحاجة إلى باب، إلى فكر، لكي يخرج، من هذا الرأس الخيالي، ولكي يختلط بالهواء، بالأرض، وأن يشرب شيئا فشيئا، في المنفى. ها أنا مسكون بالأرواح، فليذهبوا، الواحد بعد الآخر، وليتركني الأخيرون، ليتركوني فارغا، فارغا وصامتا. هم الذين يهمسون باسمي، يتكلمون عني، فليتحدثوا مع آخرين عنّي، آخرون لا يصدقون ما يقولون، أو يصدقون. هذه الأصوات أصواتهم، مثل ضجيج سلاسل في رأسي، وهم يصرونني لأن لي رأسا . الجلسة، هناك في الداخل، هذا المساء، في عمق هذا الليل المقبّب، وعندئذ سأمسك بالقلم، دون أن أفهم ما أنا أسمع، ولا أعرف ما أنا أكتب. غدا سيكون هنا المجمع الديني، وسيصلي من أجل روحي، كما يصلي لروح ميت، لروح طفل ميت، مات في بطن أمه الميتة حتى لا تذهب إلى اليمبوس، كم جميل اللاّهوت !. وسيكون مساء آخر، كل شيء يتم في المساء، ولكن سيكون في نفس الليلة، هي نفسها لها مساءات، صباحاتها ومساءاتها، ها هو استبصار جيّد من لدن الفكر، حتى أعتقد بأن النهار يأتي، ويبدد الأشباح. وها الطيور الآن، الطيور الأولى، ما هي هذه الحكاية أخيرا، لا تنسى نقطة الاستفهام. ربما تكون نهاية الجلسة، كانت هادئة في مجملها. نعم، هذا يحدث، فجأة عصافير ثم يصمت كل شيء، للحظة. غير أن الأشباح تعود، يحلو أن تذهب، وأن تختلط بالأموات، ثم تعود لتندس في النعش، الصغير مثل علبة كبريت، ومنهم أنا أحتفظ بكل ما أعرف، حول الأشياء التي هناك في الأعلى، وبكل ما يجب أن أعرفه بخصوص نفسي، أنهم يريدون أن يخلقوني، يريدون أن يصنعوني، مثلما تصنع العصفورة الصغيرة العصفور الصغير، بيرقات تذهب للبحث عنها بعيدا، مجازفة- كنت سأقول مجازفة بحياتها ! لكن يكفي عقاب كل يوم، تلك لحظات أخرى. نعم. نحن بدأنا نتعب، نتعب من جهدنا، من قلمنا، وها هو يسقط، هذا مسجّل أيضا. الهامش ٭ الكراث: بقل زراعي من الفصيلة الزنبقية. ٭ غيناس : بيرة ايرلندية مشهورة. |
|||||
|
|||||