|
|||||
|
كانت بالفعل المرة الرابعة والثلاثين التي أذهب فيها إلى عرض أوبريت الأميرة الغجرية(١) ولما كنت متأخرًا، فقد تخطيت الطابور ووجهت كلامي مباشرة إلى بائعة التذاكر: «لأجلي، سيدتي العزيزة، كالعادة تذكرة واحدة في البلكون، وبسرعة »- فجأة أمسك شخص ما بياقتي من الخلف، وببرود - نعم، ببرود - جذبني بعيدًا عن النافذة ودفعني نحو المكان المناسب، أعني، حيث نهاية الطابور. ارتجف قلبي، وأصبت بضيق في التنفس - لست قاتلاً ليمسك بي فجأة على الملأ أمام العامة الموجودين في قاعة التذاكر؟ لدرجة أنني نظرت باحثًا عنه : كان شخصًا طويل القامة، وأنيقًا معطّرًا ذا شاربين قصيرين محفوفين. كان يتحدث مع سيدتين رائعتين ورجل، وهو يتفحص التذاكر المشتراة منذ لحظات. نظر الجميع إليّ. وكان يجب عليّ أن أقول شيئًا ما. «هل كنت طيباً جدًا معي يا سيدي ؟» سألت ربما بنبرة ساخرة، أو حتى بنبرة مشؤومة؛ لكن بما أنني صرت ضعيفًا فجأة، فقد سألت برفق شديد. «ماذا ؟»، سأل ملتفتًا برأسه نحوي. «هل كنت طيباً جدًا يا سيدي ؟» معيدًا السؤال مرة ثانية - لكن أيضًا برفق شديد. «نعم لقد كنت طيبًا جدًا. هناك - إلى نهاية الطابور. النظام ! أوروبا ! » - ومخاطبًا السيدات قال مبديًا ملاحظة، «يجب على المرء أن يرشد ويعلِّم الآخرين بلا كلل، أو لن نتوقف عن أن نكون دولة من الزولو». قرابة أربعين زوجًا من العيون المختلفة والمتنوعة كانت ترقبني - كان قلبي يدق بقوة، وتلاشى صوتي، أدرت خطواتي ميممًا صوب مكان الخروج - في اللحظة الأخيرة ( كم أبارك تلك اللحظة ) - تحول شيئًا ما داخلي واستدرت عائدًا. وقفت في الطابور، اشتريت تذكرة وخصصتها بالتحديد للرقصات البطيئة من المقدمة، لكنني في هذه المرة لم أجعل روحي تستغرق في العرض كالعادة. بينما غنت الأميرة الغجرية ضاربة بالصنج، ومقوسة جذعها وهي تشهق - كان الشباب ذوو الياقات المنتصبة يمشون في رشاقة في طابور استعراض من تحت ذراعها المرفوع - رحت أنا، وقد نظرت إلى أسفل حيث الرأس الأشقر الشعر، والمدهون بالكريم العطري وقد لاح في الصالة في الصفوف الأمامية للمقاعد التي تقع قرب الأوركسترا مباشرة، رحت أردد، «آه، أستطيع الآن أن أفهم الأمر ! » بعد الفصل الأول نزلت إلى الأسفل، استندت برفق إلى سور حاجز الأوركسترا - وانتظرت قليلاً. فجأة - انحنيت. لم يشعر هو بهذا. لذلك انحنيت مرة أخرى - ثم بدأت فحص المقصورات، ومرة ثانية - انحنيت عندما حانت لحظة مناسبة. صعدت إلى أعلى، ارتعشت، وكنت في حالة إرهاق شديد. بعد الخروج من المسرح، وقفت منتظرًا على الرصيف. بعد وقوفه بوقت قصير - كان يستأذن بالانصراف من إحدى السيدتين وزوجها : «إلى أن نلتقي ثانية، أيها الصديقان الحبيبان، إذن بكل تأكيد - أسألكما وأتوسل إليكما بشكل ملح! - غدًا في العاشرة في البولونيا، مع احتراماتي». بعد ذلك ساعد السيدة الأخرى على الدخول في التاكسي، وبينما كان على وشك أن يدلف هو داخله، اقتربت أنا. «معذرة لفرض نفسي عليكما يا سيدي، لكن ربما ستكون على قدر كاف من الطيبة لأن تسمح لي بتوصيلة إلى مسافة قصيرة : أنا مغرم جدًا بمثل هذه التوصيلة الجيدة». «هل لك أن تبتعد عني ! » صرخ في وجهي. «ربما ستساعدني، يا سيدي». خاطبت السائق بهدوء. شعرت في داخلي بهدوء على غير العادة. «أحب... » - لكن السيارة كانت بالفعل قد أسرعت تتحرك. على الرغم من أنني لم يكن معي الكثير من المال - فقط كان معي ما لحاجاتي الأساسية - فقد قفزت إلى داخل التاكسي التالي وقلت للسائق أن يتبعهما. «معذرة»، قلت لبواب ذي الواجهة الحجرية السوداء العقار ذي الخمس طوابق. «أنا واثق أن زيبينسكي، المهندس، دخل منذ لحظة ؟» «لا يا سيدي»، أجاب، «لقد كان المحامي كراي كاوسكي وزوجته». عدت إلى بيتي. لم أتمكن من النوم تلك الليلة- تأملت لمرات عديدة الحادث بالكامل الذي وقع في المسرح وانحناءاتي ورحيل المحامي - تقلبت من جنب إلى آخر في حالة من اليقظة والنشاط المتزايد الذي لا يدع المرء يسقط في النوم والذي، في الوقت نفسه، كان نتيجة لاستمرار دوران المرء في حلقة مفرغة، تشكل أو تؤلف، إذا جاز التعبير، حلم يقظة آخر. أول شيء فعلته في الصباح التالي، كان إرسالي باقة من الزهور إلى عنوان المحامي كراي كاوسكي. كان في الجهة المقابلة لمسكنه محل ألبان صغير برواق صغير عند مدخل المبنى - وهناك قضيت الصباح بأكمله جالسًا، إلى أن رأيته أخيرًا في حوالي الساعة الثالثة، في حلة رمادية أنيقة، وعصا في يده. آه، آه - حال قدومه وإطلاقه للصفير عند مروره بقربي، مطوحًا عصاه بين الحين والآخر، هازًا إياها... قمت بدفع الحساب على الفور وانطلقت في أثره - كنت معجبًا بالحركة المتموجة الطفيفة لعجيزته، واستمتعت أيما استمتاع بحقيقة أنه لم يكن على دراية بأي شيء عني، كان الأمر برمته ملكًا لي، لداخلي. كانت تنبعث منه رائحة عطر، وكان منتعشًا - بدت مستحيلة إقامة أي اتصال حميم معه. إلا أن هناك علاجًا قد وجد لأجل ذلك، أيضًا! فقد قلت لنفسي: إذا انعطف يسارًا، فسوف تقوم بشراء هذا الكتاب، «المغامرة» بقلم «لندن»، والذي حلمت به طويلاً جدًا - لكن إذا انعطف يمينًا، لن تشتريه أبدًا، أبدًا أبدًا، حتى إذا حصلت عليه مجانًا، فلن تقرأ منه الكثير جدًا إلاّ بالقدر الذي يساوي صفحة واحدة منه! سيكون خسارة ومضيعة للوقت! آه، أمكنني لساعات بلا انقطاع أن أتأمل في تلك البقعة الموجودة على رقبته حيث ينتهي الشعر في خط متساوٍ ويليه قفًا أبيض البشرة. انعطف إلى اليسار. في ظروف أخرى مختلفة كنت سأجري على الفور إلى محل بيع الكتب، إلا أنني واصلت الآن المشي خلفه - وفقط بإحساس امتنان وتقدير لا يوصف. أوحى مشهد امرأة تبيع الزهور بفكرة جديدة لي - برغم كل شيء استطعت في التو، وفي الحال - كان تنفيذ الفكرة بمقدوري - استطعت منحه تكريمًا لائقًا، منحه ترحيبًا حماسيًا به، شيء ما ربما لم يستطع ملاحظته. إذن ماذا إذا لم يلحظه؟ لا بأس، إنه أكثر جمالاً - أن تقوم بتكريم شخص ما سرًا. اشتريت باقة زهور صغيرة، تجاوزته في السير - وبمجرد دخولي مجال الرؤية عنده، أصبحت مجرد الخطوة العارضة مستحيلة بالنسبة لي - وبشكل غير ملحوظ ألقيت بقليل من زهور البنفسج ذات الحياء تحت قدميه. وبذلك ألفيت نفسي فجأة في أكثر المواقف غرابة: سرت بشكل متزايد أكثر فأكثر، دون معرفة ما إذا كان مستمرًا في السير خلفي أم أنه ربما يكون قد انعطف عند ناصية شارع أو دلف إلى مدخل أو بوابة، ولم أكن أتحلى بالقوة الكافية لأتلفت هنا وهناك - لم يكن ممكنًا أن ألتفت إلى الخلف حتى لو لم أكن أعرف ما الذي - كل شيء وبصورة كلية - يعتمد على هذه الاستدارة - لكنني عندما سيطرت على نفسي أخيرًا، تظاهرت بأنني فقدت قبعتي فرجعت من حيث أتيت مقتفيًا آثار خطواتي - لكنه لم يعد بعد موجودًا خلفي. وإلى أن حل المساء عشت فقط لأجل فكرة بولونيا. كنت خلفهم في غرفة طعام فخمة وجلست على المائدة المجاورة. كانت لدي خشية داخلي من أن هذا سيكلفني كثيرًا، لكن برغم كل شيء (فكرت)، لن يشكل هذا أي فارق وربما - لن أعيش لأكثر من عام، ولهذا فلست بحاجة لتوفير النقود. لاحظوني جميعهم في وقت واحد، كانت السيدات أقل ذوقًا لدرجة أنهن بدأن في الهمس - أما هو، من ناحية ثانية، فلم يُخيِّب توقعاتي. لم يعرني ظلاً من انتباهه، قام بمراقصة الحاضرات، ينحني الآن مقتربًا من السيدات، ينظر الآن هنا وهناك لمشاهدة النساء الأخريات. أثناء فحصه لقائمة الطعام، تكلم عمدًا، قائلاً ببهجة واستمتاع : «مشهيات، كافيار... مايونيز... بولارد..(٢) أناناس للتحلية - قهوة بدون لبن، بومارد، نبيذ فرنسي أبيض، كونياك ومشروبات ليكير». وطلبت بدوري أنا الآخر: «كافيار - مايونيز- بولارد - أناناس للتحلية - قهوة بدون لبن، بومارد، نبيذ فرنسي أبيض، كونياك ومشروبات ليكير». وصل الطلب بعد وقت طويل. أكل المحامي كثيرًا، خاصة البولارد - كان عليّ أن أجبر نفسي - بالطبع، اعتقدت أنني لن أستطع الانتهاء منه ونظرت في رعب لأرى إن كان سيتناول المزيد مرة ثانية. استمر في أخذ المزيد والأكل بتلذذ، في لقم كبيرة بملء الفم، أكل دون رحمة، وكان يساعد نفسه على بلع الطعام بجرعات من النبيذ، إلى أن أصبح الأمر في النهاية محنة حقيقية بالنسبة لي. يخيل إليّ أنني لن أقوى على النظر إلى البولارد مرة ثانية أبدًا ولن أتمكن أبدًا من ازدراد المايونيز، إلاّ إذا - إلاّ إذا ذهبنا يومًا ما معًا إلى المطعم مرة ثانية، في تلك الحالة سيكون الأمر مختلفًا: عندئذ، سأكون قد عرفته بالتأكيد، عندئذ سأثابر. أيضًا، قام بشرب تلك الكميات الكبيرة جدًا من الخمر لدرجة أن رأسي بدأت تلف وتدور. عكست المرآة هيئته! كيف كان منحنيًا بشكل رائع. كيف بمهارة وببراعة وحذق أعد بنفسه الكوكتيل الخاص به! كيف يمزح بأناقة، وعود تسليك الأسنان بين أسنانه! ثمة بقعة صلعاء في قمة رأسه تم إخفاؤها، يزين يده بخاتم منقوش في أحد أصابعه، وصوته خفيض نوعًا: كان بدرجة باريتون ناعمًا ولطيفًا. لم يكن لدى زوجة المحامي شيء رائع يلفت النظر بشأنها، كانت- بوسع المرء أن يقول - أنها غير ذات قيمة، بخلاف أنها زوجة الدكتور! لاحظت توًا أن صوته، عندما تحدث إليها، اصطنع نبرات هادئة وناعمة. آه! آه! شيء مؤكد! كانت زوجة الدكتور كما لو تم إعدادها لتكون مناسبة له: رشيقة، مغوية، متطورة، تافهة - بوسي كانت ذات نزوات نسائية رائعة. وفي فمه، بدت الكلمات اللاذعة بنعومة لها وقع ممتاز لا عيب فيه - قد يشعر المرء أنه كان يحب أن... وأنه كان يعرف كيف أن... مخالب صغيرة، هذا الغر، المخمور، الخليع، الداعر، السكير - ها، ها، كان سكيرًا، كان الدكتور المحبوب! و: «أتوسل إليك»، كانت هذه الـ«أتوسل إليك»، مُعبرة جدًا ولا تمكن مقاومتها، لائقة جدًا وفي النهاية لا تتحمل أي اعتراض، مثل سجل كل الانتصارات الممكنة ذي الكلمات الثلاث. وكانت أظافره وردية اللون، أحدها بصفة خاصة كان أكثر توردًا وكان في خنصره. لم أعد إلى البيت حتى حوالي الثانية صباحًا، وقد ألقيت بنفسي على السرير، بكامل ملابسي. كنت شبعًا ومتخمًا للغاية، ومسحوقًا، انتابني صحو، كان رأسي مصطخبا، ونفخت الأطباق اللذيذة الشهية معدتي. العربدة! العربدة واللهو الصاخب، يحتفلان في جلبة! ليلة في المطعم، همست أنا، العربدة الصاخبة الليلية! للمرة الأولى - عربدة ليلية! بسببه هو - ولأجله هو ! منذ ذلك الحين فصاعدًا كان عليّ أن أجلس كل يوم في الشرفة الصغيرة لمحل الألبان انتظارًا لقدوم المحامي، وكلما ظهر، كان عليّ أن اتبعه. شخص ما آخر، ربما، لن يكون ممكنًا له أن يضحي بسبع أو ست ساعات في الانتظار. إلا أنني كان عندي وقت وفير. مرضي، الصرع، كان وظيفتي الوحيدة - وظيفة نادرة إلى أبعد حد - على هامش مسلسل الأيام؛ بالإضافة إلى ذلك: ليست هناك واجبات أخرى، كان وقتي حرًا. لم أكن مشتتًا، مثل الآخرين، بسبب الأقارب، والمعارف والأصدقاء، والنساء والحفلات الراقصة، عدا رقصة واحدة، رقصة واحدة فقط - رقصة القديس فيتس - لم أعرف لا الرقص ولا النساء. دخلي الصغير المتواضع كاف لاحتياجاتي و، بأية حال، كانت هناك أسس للاعتقاد بأن بنيتي البائسة لن تستمر لمدة طويلة -لماذا ينبغي عليّ، إذن، أن أقتصد؟ من الصباح إلى المساء، كانت أيامي خالية، عاطلة؛ كانت حياتي بمثابة إجازة لن تنتهي، فسحة من الوقت غير محدودة: أنا - سلطان، وساعات الزمن، حورياتي... آه، هل تجيء أخيرًا - يا للدهشة أيها الموت ! كان المحامي نهمًا، ومن الصعب التعبير كم كان ذلك جميلاً؛ دائمًا، وعند العودة من المحكمة إلى البيت، كان يأتي إلى محل الفطائر ويأكل فطيرتين من نوع نابليون هناك - تجسست عليه عبر نافذة العرض: واقفًا إلى الكاونتر، قام بدس الفطائر في فمه بحرص شديد كي لا يتلطخ بالكستر، ثم لعق أصابعه بشكل نظيف تمامًا أو مسحها بفوطة ورقية. أخذت أتأمل هذا لمدة طويلة، ويومًا ما ذهبت إلى محل الفطائر هذا. «مدام، هل تعرفين المحامي كراي كاوسكي؟ إنه يأكل هنا فطيرتين من النوع النابليوني. أتعرفينه؟ حسنًا إذن، أنني أدفع قيمة الفطائر النابليونية لمدة شهر مقدمًا. عندما يأتي، من فضلك أرجو ألاّ تقبلي منه أي مال، فقط ابتسامة : « الحساب خالص يا فندم!» إن ليس بالشيء الكثير : ببساطة، أنت ترين، لقد خسرت رهانًا وعليّ أن أدفع لك». حضر في اليوم التالي كالعادة، أكل، وكان على وشك أن يدفع - كان قبول نقوده ممنوعًا - انتابه الغضب والاهتياج وأسقط العملة المعدنية في صندوق الصدقات. ما أهمية هذا بالنسبة لي؟ مجرد شكليات من جانبه - إنه حر في أن يتبرع بالقدر الذي يراه للأطفال المشردين، فهذا لن يغير حقيقة أنه قد أكل اثنتين من فطائر النابليون على حسابي. رغم ذلك، لن أصف كل شيء هنا، وهل بالإمكان وصف كل شيء بأي حال من الأحوال؟ كان الأمر بحرًا مائجًا، نعم يشبه الحياة في البحر - من الصباح حتى المساء، وغالبًا بالليل أيضًا. كان هذا البحر عاصفًا أحيانًا، عندما، على سبيل المثال، جلسنا ذات مرة وجهًا لوجه، العين في العين، في الترام، ولطيفًا أحيانًا، كلما كان بإمكاني تقديم بعض الخدمات - لكن في أوقات أخرى سخيفًا أيضًا. سخيف ولطيف وعاصف؟ - نعم، ليس هناك شيء شديد الصلابة ورقيق أو هش، بل ومقدس جدًا في نفس الوقت، كشخصية الإنسان، لا شيء يمكن أن يساوي ضراوة تلك العلاقات السرية، الخفيفة الواهية التي دون غرض أو معنى، والتي تتولد بين الأغراب لتقييدهم معًا بشكل غير ملحوظ بقيد بشع ورهيب. تخيل المحامي وقد خرج مسرعًا من دورة مياه عمومية، بحثًا عن خمس عشر جروتشين ثم يكتشف أن المبلغ... قد تم دفعه بالفعل. ما الذي سيشعر به عندئذ؟ تخيله يواجه، في كل خطوة، علامات عبادة أو تأليه الأبطال، توقير وتبجيل وخنوع، ولاء وإحساس بالواجب الحديد، بالحماس. لكن زوجة الدكتور! أزعجني السلوك الفظيع لزوجة الدكتور إزعاجًا متصلاً. هل مغازلته لها لا تروقها، هل لم يكن لعود تنظيف الأسنان والكوكتيل في بولونيا أي تأثير عليها؟ من الواضح أنها ليست راضية - لاحظت أنا في إحدى المرات، أنه ترك بيتها غاضبًا مهتاجًا، ورابطة عنقه مفكوكة أو غير مضبوطة... يالها من امرأة! ما الذي يفعله، كيف يستميلها، كيف يحث رغبتها كي تفهم في الحال بشكل جيد، تفهم جيدًا بالطريقة التي فهمت بها أنا، وتشعر. قررت أنا بعد تردد طويل : الخطاب المجهول - ذلك هو أفضل حل. «مدام! كيف يمكنك؟ سلوكك غير مفهوم؛ لا، لا يجب أن يتصرف المرء مثلك! ألست متأثرة بذلك الشكل، بتلك الإيماءات ونبرات الصوت المتغيرة، بتلك الرائحة؟ ألست مستوعبة لذلك الكمال الخالي من العيوب؟ امرأة أنتِ على أي أساس؟ أنا، لو أكون في مكانك، سأعرف ما ينبغي أن أفعله إذا تكرّم فقط وأشار بإصبعه إلى جسدي الأنثوي الخامل الضئيل البائس». بعد عدة أيام توقف المحامي كراي كاوسكي ( كان ذلك في شارع خال، في وقت متأخر من المساء)، تلفّتَ هنا وهناك وانتظر، والعصا في يده. كان من غير اللائق أن أتراجع - لذلك واصلت السير في طريقي، بالرغم من أن وهنًا معينًا كان ينتشر في جسمي - عند ذلك أمسك بكتفي فجأة وهزني، ضاربًا العصا بعنف في الأرض. «ما معنى تلك التشهيرات الحمقاء؟ ما الذي تزعجني وتضايقني لأجله ؟» صاح. «كيف تجرؤ على تعقبي ؟ ما هذا ؟ سأضربك بعصاي ! سأكسر عظامك !» لم أقو على التكلم. كنت سعيدًا. تلقيت هذا مثل تناول القربان الرباني وأغلقت عينيّ. في الصمت الكلي التام، انحنيت وعرضت مؤخرتي. انتظرت - ومررت بلحظات قليلة رائعة وكثيفة كل الكثافة يمكن أن تمنح فقط لهؤلاء الذين ليس لديهم فعلاً أيام عديدة يعيشونها. عندما رفعت قامتي كان هو ينصرف بسرعة، وهو يطرق طرقات خفيفة بعصاه. كان قلبي مترعًا بحالة مزاجية من الرحمة والنعمة، عدت سالكًا الشوارع الخالية. قليل جدًا، فكرت أنا، قليل جدًا! قليل بزيادة! - لا يزال حتى الآن ما هو أكثر! واختلط الندم أو الأسف العميق بالامتنان. بالطبع! لا بد أنها تصورت خطابي على أنه قطعة خطابة حقيرة، على أنه خدعة سخيفة، وأطلعت المحامي عليه. بدلاً من تقديم المساعدة - تسببت أنا في الضرر، وكل هذا لأنني متراخ جدًا، وكسول، وأعطي قليلاً جدًا من نفسي- قليلاً جدًا من الجدية والرزانة والمسؤولية، لا يمكنني أن أجعل الغير قادرًا على الفهم. «مدام! لكي أجعلك تدركين، لإيجاد الطريق إلى ضميرك - أعلن أن، بدءًا من اليوم، سأبدأ في التدريب على الأشكال المتعددة والمختلفة لإماتة الجسد والذات (الصيام، الخ)، طالما أن هذا لم يحدث. مدام، أنت متغطرسة ووقحة! أي الكلمات بحاجة لاستخدامها لشرح معنى الضرورة، والواجب، وإخلاص الكلب لصاحبه؟ هل تريدين هذه الرغبة لآخر مرة حتى الآن؟ ما الذي من المفترض أن يعنيه هذا العناد أو التصلب؟ لماذا هذا الصلف والكبرياء ؟!» وفي اليوم التالي، تذكرت تفصيلة مهمة، كتبت : «إنه يحب عطر البنفسج فيوليت فقط». توقف المحامي، من ذلك الحين فصاعدًا، عن رؤية زوجة الدكتور. شيء ما ضايقني وحزّ في نفسي، لم أستطع النوم ليلاً. أنا لست ساذجًا. أنا عالم بأشياء كثيرة، وهي حقيقة أتميز بها ولن يرتاب أحد بشأنها - أدرك، على سبيل المثال، أي انطباع نحوي يمكن أن يخلقه خطاب مثل هذا على الشخصية الدنيوية والمدنية التي لزوجة الدكتور. بإمكاني حتى أن أبتسم، في لحظات النشوة القصوى، لا تزال مياه ابتسامة عميقة الغور تجري- لكن ماذا عن هذا؟ هل جعل ذلك معاناتي أقل قسوة والعذابات التي ألحقتها بنفسي أقل إيلامًا؟ وسخطي أقل جوهرية؟ واحترامي للمحامي أقل صدقًا ؟ آه، لا ! ما هو الجوهري والأساسي؟ الحياة، الصحة؟ إذن أن أقسم أن، بنفس الشيء لا تزال مياه ابتسامة صغيرة عميقة الغور تجري، سأمنح حياتي وصحتي، لذلك هي... على النحو المشار اليه سوف تتيح الرضا. أو ربما كان لدى هذه المرأة وازع أخلاقي؟ أية تفاهات أخلاقية لا وزن لها مقارنة بالمحامي كراي كاوسكي؟ فقط في حالة إذا ما، عزمت وصممت أنا على تبديد قلقها وشكوكها فيما يتعلق بذلك الاحترام، أيضًا! «مدام، يجب عليكِ! الدكتور ما هو إلا صفر، هواء خفيف لا وزن ولا أثر له». لكنها لم تكن مسألة أخلاقيات بالنسبة لها:ببساطة كان غرورًا أو، في النهاية، بعض الهياج والغضب الأحمق لمجرد أنها أنثى، والافتقار إلى فهم مسائل بديهية مقدسة. تجولت تحت نوافذها - ما الذي كان يحدث هناك بأعلى، خلف الستارة الشفافة المسدلة (لأنها سوف تنهض متأخرة)، أي مرحلة كانت فيها ؟ النساء سطحيات جدًا! حاولت ممارسة السحر المغناطيسي عن بعد، «يجب عليك، يجب عليك»، رددتها مرارًا وتكرارًا، محدقًا إلى أعلى حيث النافذة، «الليلة، الليلة بالفعل، إن لم يكن زوجك بالبيت». في التو، فجأة، تذكرت، برغم كل شيء، أن المحامي تمنى أن يضربني، إذا لم يقم بعمل هذا في الشارع اليوم - ربما إذن لن يكون لديه وقت كاف فيما بعد ؟ لذلك يتعين أن أترك كل شيء وأسرع إلى المحكمة، التي منها، كما أعرف، سيخرج فورًا. وفعلاً، بعد عدة دقائق خرج مع شخصين، ثم اقتربت وفي صمت، عرضت مؤخرتي. دهشة الرجلين تتردد فوقي، لكنني لم أعبأ بها - ولا حتى بالعالم كله ! أطبقت عيني نصف إطباقة، دافعًا كتفي إلى أعلى ومنتظرًا في ثقة - حتى الآن لم يهو شيء على مؤخرتي. في النهاية تمتمت وتلعثمت من فوق بلاط الرصيف: «ماذا عن الآن؟ في أي وقت، أي وقت، أي وقت...». «هذا هو أحد البلهاء»، تردد صوته من فوقي. «ياله من شرود للذهن ! نسيت أنني كان لدي مؤتمر ! سنتحدث في وقت آخر، إلى اللقاء يا سيدي، حدث بعض التغيير يا سيدي، احتراماتي ! » وخطا بسرعة إلى داخل التاكسي. آه، من هذه التاكسيات ! مد أحد الرجال يده في جيبه. بإشارة من يدي المرفوعة جعلته يتوقف. «أنا لست شحاذًا ولا أبله. امتلك وقارًا- والإحسان اقبله فقط من المحامي كراي كاوسكي». تصورت خطة تنويم مغناطيسي، لضغط متواصل ومتماسك عن طريق حقائق لمدة ألف دقيقة وأسرار صوفية، التي، بدون الوعي الحاد، ستخلق حالة لاشعورية من الضرورة. سوف أخط بالطباشير، على حائط البيت الذي عاشت فيه، سهم وحرف (ك) كبير. لن أسرد بالتفصيل كل مؤثراتي، مهما كانت أقل أو أكثر براعة، لقد وقعت هي في شبكة من الأحداث والمجريات الغريبة. سوف يحدثها بائع في بيت للأزياء قائلاً - كما لو بطريق الخطأ - السيدة كراي وسكي ! البواب الذي ستقابله على السلالم سيقول إن القاضي كراي كاوسكي... سأل إن كانت مظلته قد أعيدت إلى بيته. كراي وسكي، القاضي - المحامي، يجب أن يكون المرء حذرًا: الاحتكاك الدائم يبلي الحجر. لن يعرف أحد أية معجزة سوف تجلب من المدينة، رائحة المحامي على ثوبها: رائحة صابون حمامه المنعشة وماء الكولونيا. أو، على سبيل المثال، حادثة مثل هذه: في وقت متأخر من الليل يدق جرس الهاتف، تستيقظ فجأة، تجري وتسمع صوتًا غريبًا يصدر أمرًا - في نفس وقت رنين الجرس ! - ولا شيء أكثر من هذا. أو خشخشة ورقة متقلصة تحتك بالباب، ولا شيء مدون بها، مقتطف من قصيدة: «هل تعرف ريف (الكراي) حيث ينضج الليمون؟» (٣) لكنني كنت أفقد الأمل تدريجيًا. توقف المحامي عن رؤيتها - بدا لي أن جهودي قد ذهبت سدى. كنت أتوقع بالفعل لحظة استسلامي الأخير، وأصبحت قلقًا: شعرت أنني لم يكن ممكنًا أن أقوى على الاستسلام أو الإذعان للموقف. سيكون الهجوم الموجه إلى المحامي في تلك النقطة شيئاً ما لا أقوى على تحمله، حتى لو لم يكترث هو بشأنه. سيكون من وجهة نظري إهانة لا حدود لها، جارحة للكبرياء وعملا شائنا. لا حدود له - نعم، لا حدود له، لقد قمت بوصفها جيدًا. وبالرغم من أن أنني لم يكن من الممكن أن أصدق، فقد ارتعدت من فكرة النتيجة، وحتمية الحدوث. وبالطبع... هناك بعض الطيبة أو الشفقة، برغم كل شيء ! آه، كم كانا ماكرين - و، على فكرة، أنا أحمل ضغينة للمحامي: لماذا أبقى كل هذا سرًا، ألم يعرف أنني عانيت؟ الفرصة؟ آه لا، لم تكن فرصة - القلب من دون ريب! كنت ذات مساء أسلك طريق عودتي إلى البيت «آفنيو»(٤) -عندما انتابني فجأة حدس بأنني ينبغي عليّ أن أسرع في السير إلى الحديقة العامة. في الواقع كان ينبغي أن أذهب إلى النوم مبكرًا، لأنني في فجر اليوم التالي كنت سأتسمر، على باب المحامي، لوحة مزخرفة منقوش عليها المحامي القانوني كراي كاوسكي، لكن حدسًا آخر تملكني: في الحديقة العامة. فقد مشيت فيها و، في الطرف البعيد، فيما وراء البركة، رأيت... آه، آه ! رأيت قبعتها الكبيرة وقبعته المستديرة السوداء (البولر). آه، أنتما يا مخاط الأنف الحقير، التعيسان، آه، أنتما أيها الوغدان ! هكذا، بينما كنت أمر أنا بوقت عصيب، كانا هما يتقابلان هنا سرًا، في خفية عني- كم كانا ماكرين جدًا ! لابد أنهما استخدما التاكسيات!- انعطفا إلى زقاق جانبي وجلسا على مقعد صغير. رقدت منتظرًا بين الشجيرات. لم أتوقع أي شيء، لم أفكر في أي شيء- كنت غير راغب في معرفة أي شيء، فقط جلست القرفصاء خلف شجيرة وأخذت أعد الأوراق الخضراء في سرعة، من دون تفكير، كما لو لم أكن موجودًا هناك على الإطلاق. وفجأة - قام المحامي باحتضانها، عانقها وهمس : «هنا - الطبيعة...هل بإمكانك أن تسمعي ؟ البلبل. الآن، بسرعة، طالما البلبل يغني... بسرعة إلى استكمالنا هذا اللقاء مع هذا الغناء، في الوقت المناسب لأغنية البلبل... أتوسل إليك !» عندئذ...آه، كان واسعًا موقفًا إلى أبعد مدى، فشلت في كبح جماح نفسي - كما لو أن قوى العالم أجمع قد احتشدت، وتلاقت في الحماقة المقدسة التي سقطت عليّ، كما لو أن محرقة ضخمة رهيبة، محرقة عظام، محرقة قربانية، أو شحنة كهربائية أصابتني بصدمة فظيعة - نهضت وبدأت في الصياح بأعلى صوتي، لكي يسمع جمهور الحديقة بأكمله: «المحامي كراي كاوسكي... هنا! الوكيل كراي كاوسكي... هنا! الوكيل كراي كاوسكي... هنا !» كان هذا بمثابة إنذار خطر. جرى أحد الرجال، وهرب آخر، وتقاطر الناس فجأة من جميع الجهات-وانتابتني أول نوبة إغماء، والثانية، والثالثة، وانطرحت على الأرض ورقصت كما لم أرقص من قبل، رغوة في فمي، كل الرعدات والتشنجات - رقص ماجن. ما حدث فيما بعد، لا أتذكره. تم إدخالي إلى المستشفى. أشعر بالأسوأ والأسوأ. أتعبتني تجاربي الأخيرة. غدًا، يرحل الوكيل كراي كاوسكي سرًا، غير معروف بالنسبة لي ( لكنني أعرف )، إلى منتجع جبلي صغير في شرق كارباثيانز. يريد قضاء الوقت بعيدًا في ( على حد قول الكاتب ) ظهر الجبال لأسابيع قليلة ويتصور أنني ربما سوف أنسى. وراءه ! نعم، وراءه ! في كل مكان وراء ذلك النجم الهادي بالنسبة لي ! لكن السؤال هو إذا عدت أنا من هذه الرحلة حيًا، وهذا الهاجس القوي جدًا. قد أموت فجأة في الشارع، بجوار أحد الأسوار، في هذه الحالة، تتعين كتابة ملاحظة صغيرة : دعهم يرسلون جثتي إلى عنوان المحامي كراي كاوسكي. هوامش ١- الأميرة الغجرية: أو حرفيًا عن الألمانية،» أميرة كسارداس» :أوبريت في ثلاث فصول بقلم إميريتش كالمان، عرض لأول مرة في 1915. كسارداس رقص مجري ثنائي الزمن على الموسيقى المحلية، يبدأ بطيئًا وينتهي في سرعة مسببة للدوار. ويستخدم جومبروفتش هذا العنوان الساخر بمكر، كزينزيكا (كزارداسزكا تعني كم أو مقدار قليل من رقص كسارداس). ٢- مصطلح فرنسي يرمز إلى الدجاج المسمن. ٣- تلاعب بالألفاظ متعذر الترجمة في الكلمة كراي(كاوسكي)، الكراي البولندي(الذي ينطق في الحقيقة كراج) وتعني «بلد»، «أرض». ٤- قصد المؤلف جيروزوليمسكي(طريق القدس). كان هذا الطريق ولا يزال هو الطريق الرئيسي السالك في وسط مدينة وارسو. في لغة التخاطب، غالبًا ما يشير أهل وراسو إليه على أنه كاليج، أي، «الطريق»، «الشارع». |
|||||
|
|||||