اللعنة عليك يا عراق كم أعشقك !

 

صلاح الحمداني


أول الحروف بداية الرؤيا

منذ سنين لم أزر هذا الحيز من النهر، قبل ثلاثين عاما، كانت هنا قوارب صيد راسية لا على التعيين، طائرات ورقية التفت خيوطها في أعالي الأشرعة يعبث بها الهواء، وأقمار من البلاستيك صنعها البشر، لاصطياد الآفاق البعيدة.. كنت أعتقد واليوم أصبح اعتقادي قناعة: لبداوتهم يعود القرويون، كما يعود البدن إلى حفرته ! وهذا ما حدث ليّ.

باختصار صعدت إلى السطح فلم أجد أفقي، وحتى السماء هجرت ذاتها، تبدو أنها علقت على حبل الغسيل، والكون يتأرجح، يكاد يتهاوى فوق رأسي، دون سبب مقنع، بقيت واقفا بكل مدركاتي، نافضا عن كياني زيف الأسماء وأصل الأشياء، مخضبا بحنيني قفا السماء الزرقاء وهي تغوص في ذاتها، لتتداركني عزلتي، مذهولا في حضرة أوهامي، أنظم معركتي الأخيرة مع الوجود، أنظف لحظاتي وكأنها قطع بندقية لم تستخدم بعد في الحروب.

وحده ذاك الضوء الذي لولا بريقه في يومياتي لتجاهلت نفسي، وحده هو الذي كان يمنحني الثقة بمسيرتي خارج دائرة الأجداد وتاريخهم المدمي في شعاراتهم.

أورقت من أرض كان يسقيها سكانها بالأحلام والأوهام، ولدرء المحن كانوا يجتمعون على ضوء الشموع في الأيام الممطرة، وأن لم يجدوا الشمعدانات كانوا يشعلون روث البقر، يمضغون الساعات دون كلل، ماضين في تعويد أنفسهم على الصبر. فشلهم في الحياة جعلهم خائبين، بلا أفق، يشيّدون السجون ويقفلونها على أنفسهم، يردمون قراهم بفؤوسهم، ومنذ دهور وهم على هذه الحال، إلى أن تكاثرت الأبواب المغلقة، وهم اليوم منبهرون محتشدون أمامها ولكن دون مفاتيح ! فجلسوا يندبون حظهم أمام أبوابهم المغلقة، صدى نحيبهم يقلق مراقد أجدادهم ولا من مجيب. من عوقهم أخذوا ينصبون الكمائن لبعضهم، عاجزين عن تطوير إنسانيتهم، وحدادهم العظيم أنساهم ما يحيط من حولهم، وهم اليوم يدورون حول أمكنتهم، يحتفلون بضغائنهم ضد بعضهم، متوعدين بقتل كل من يعشق نور الصباح.

حقا، فماذا يبتدع من يتنفس الروث غير سخام الحقد على باقي البشرية.

عرفت أني في مدن الأسمنت، حتى ظلي لم يعد له وجود، والكل مسخ، ولكنهم يبتسمون! وعنادي ضد التافهين يستفحل كل نهار.. نعم، أضعت سبل العودة، وأنا اليوم بلا طريق، حتى الطيور المهاجرة مصابة بإسهال الموت، والبشرية فزعة من العصافير.

بعيدا عن شواطئ الجزر وأهلها الذين ما برحوا يضرمون النيران بالطبيعة كي تلمح دخانهم البواخر البعيدة، وتغير من مسارها وتأتي لانتشالهم من مصائرهم وترشدهم سبل فتح عقولهم المغلقة.

كنت أسائل نفسي: من هو السوي مع عزلته ؟ وما نفع روحي وهي تطل على شرفة تفضي على أفق يبحث عن ذاته ؟

بعد أن كتبت رسالتي الأخيرة، وأدرت ظهري للماضي، فقدتهم، وبقي منفاي، لم يتفسخ بل العكس، أصبح له أجساد وأقدام وجذور ومدن، وحتى تربة صفراء وطين وكلمات من الحجر، وبعض غيوم وأمطار في اطار، ومروج من القبور نائمة فوق الورق، وسماء صغيرة سمرتها بغرفتي مثل كسرة مرآة تعكس سحنتي العراقية متى شئت ذلك.. هكذا بقيت أتأمل النهارات والليالي التي لم أتمكن في استنطاقها حين كانت منسية في المحبرة.. الحقيقة أني كنت مولعا بقناني المحبرات وأحجامها، وما يخبأ في عوالم حبرها.. حتى هذا القدر الأسود الذي مابرحت في البحث عن منبعه، حتى قرى طفولتي التي كنت أتصور أني سأكتشف سبب ضياعي عنها، مخلوطة مع تثخن الحبر القاني، الذي يميل إلى العتمة الحمراء.. القرية التي نستني، كنت أتخيل أكواخها وبساتينها، مقطبة الحاجبين في فجر بارد، وكأنها مولود جديد محنط بالحداد، ولا أدري سبب ذلك، لكني أدركت للتو أنه لم يعد يكفيني الهمس بالأشياء، وأني بحاجة للمعرفة، وأني لم أتعلم شيئا رغم كل فصول هذا المنفى، وأن تفكيري يبعد سنين عن مفاهيم المؤمنين بالغالب والمغلوب، والخير والشر.

لا، لم أعد أنتظر عودة أحد، لأني نسيت من رحل. وصباحي هذا لم أكن أنتظره هو الآخر. جميع المواعيد مخطئة، لكن يبدو أني سبقت الغيم وجردت النهر من ملابسه، وعلقتها على نخلة قزمة تجهل مواعيد الميلاد.

تكرارا، سيأتي وقت بعد منتصف الليل كعادته وحينها سأذهب إلى النوم دون رغبة بذلك، كما الأيام الخوالي، هكذا إلى أن أهجر رتابة وحشتي وأكتشف نفسي قبل أن أنطفئ.

كان الصيف معزولا عن الرمال، مثل تفاحة شطرت إلى نصفين، وكانت عيونك تبوح بالكثير، وكنت مبتهجا، أتصدى للهواء الحار، مثل زوبعة لا تعرف مدارها، كنت لا أعي التفاصيل، ولكني أشعر بألفتك وهي تضمني مثل خاطرة تأتي على عجل، وقبل أن تقصد روحي، تختنق في ذاتها، دون أن ينطق اللسان ولا حتى بالقليل.

كل ما يقال عن حقوق الإنسان في الوطن العربي هو حبر على حبر على ورق، كلام تلوكه الألسن لا تؤمن إلا بالفوضى والعقول الخاوية، وتهتف بشعارات لم تلبس عربيا رداء يحميه من عوز الدنيا!

على أطراف روحي تترامى أرض العراق، بلا حدود، وسأبقى أطارد نسيمها حتى في مهب الشيخوخة الصفراء، أنا الذي بلغ بي الطيش أن أسافر نحو أقصى مُثلي، أتمشى فوق الغيوم، وأضع الأمطار في كيس من النايلون، بلا تأخر ودوما نظري نحو الأفق، أنا المجنون بلا خبل، أقرأ الشعر العربي الرديء، وأجالس عقم تكرار النهارات، لم تقتلني السكاكين وقد أخطأني الجلاد رغم فطنته.

وف لن أجن في منفاي

ولن أعدم رميا بسأم

ولن أضيع في مبردات الجثث

ولن تقتلني غربتي

طالما أن شبح أبي ما زال بعقمه يدور حول سرير أمي

وابنة أخي الصغيرة لم تصلها بعد أحلام الكبار

تجالس القمر المضمد بالغيوم

وكل صباح، دون رفيق، تبدأ إحصائية الخراب.

لا رغبة عندي أن أموت من أجل وطن نهبه من جاء لإنقاذه باسمي ـ أنا الضحية ! لن أضحي بحياتي من أجل حفنة قراصنة بلحى وخناجر من ذهب وأربطة أعناق وسبح تطقطق في فراغ عقولهم، فمن سيمنحني ميلادا جديدا، أو أعيادا بلا مراجيح تأكلها ذكرياتها في مواجهة سماء من التنك، فلم يعد استهلاك الوقت فخرا، وبلا ريب، رغم بدلات الجنود التي لا تفك بحرقها المعارك، يبدو أن الخلاص من الحرب الأهلية في العراق ضرب من الخبل، رغم غلق الأبواب في وجهها من كل صوب، ما زالت قابعة تقدح النار مثل سعلاة «خرابة الطنطل» في قيظ أزقة عباس أفندي، وتسترق السمع خلف فجر شؤم النهارات القادمات.

منذ الآن، نعم، منذ هذه اللحظة، سوف لن أشم عطر طفولتها بعد.

كان النهار يصعد أفقيا تاركا وراءه الظلام وهو ينزل بطيئا في نفسي، بينما أخذ يشمر الملتحون عن سواعدهم، يلفون بقطعة قماش تميل إلى الاصفرار، ما تبقى من جسمها الصغير المتفجر، ثم ينزلونه في حفرة متربة، قبل أن يسمع في المقبرة صدى المساحي وهي تغرف التراب وتدكه فوق صندوق الخشب.

لا وجود للمساء الهادئ، حتى الغيوم وصل أذيالها الكبريت، فأي نسمة ستأتي وتطفئ الحرب ؟ وأي منفذ سيفلت العراق من مذبحته، وأنا متى سأنجو من داخلي؟

مللت اسم العراق، لأنه يسكن فيّ ولا أسكن فيه، وما حافظت عليه من ذكريات قديمة عنه وعن أشيائه، أصبح جزافا العثور عليها اليوم.. أنه الجرف المائل في الروح، والنهر الذي يصب في قفار الذاكرة. هذه الذاكرة الموغلة في تلوث الهواء الذي أتنفس، وأين ما كنت، والتي لا أشك في وجودها، تميل بارتخاء، وكأنها سعفات نخلة تحميني من لهيب عزلة الموت في المنفى.

منذ لحظة البكاء الأولى، لحظة الفراق، إلى حين اللقاء، كان وجهه يحاصرني، وما زالت أمي في مخيلتي، وهي تعد لي ولأخوتي فراش المساء فوق السطح، بين تراكم النجوم وقصائدي المعوقة.. كنت أتقن الأرق مع صفاء الأفق، رغم وقفتي وحيدا وسط عواصف الرمل، وقراءتي لغد محاصر بالخراب.. لا أتذكر أني كنت يوما مراهقا، على العكس، كنت أتعارك لكي أصبح رجلا، ألم أولد من ذات طينية الرجال المتحاربين اليوم؟ لا أتذكر أني كنت يوما طفلا ولا حتى مراهقا، كنت أصدق أن الدفاع عن الوطن سيجعل مني بطلا. جميع أصدقائي ماتوا، وحين أصافح آدميا وهو يضع وسام معركة على صدره، أقول له بدل صباح الخير، ]أيا تافه[. لمعرفتي أن الأوسمة لا تصنع الرجال ! وأن لا فائدة للبشرية بأبطال تركوا عشيقاتهم وزوجاتهم وأولادهم وذهبوا يحاربون أناسا لا يعرفونهم، ويدفنون أطفالا مع لعبهم من أجل الأوسمة.

كل حركة الكون محصورة كما أتذكر في الزقاق المؤدي للنهر، حتى القمر كان يأخذ ذات الطريق، مع تلاطم المدى، محمولا على ظهر ألواح من خشب التوابيت.. كنت أقيس كآبتي مثل قبطان ينظر بصعوبة إلى خريطة، وهو يتدافع مع العاصفة، لم أعرف الاستكانة، ومنذ زمن بعيد يئست روحي حلم اللقاء بمن فقدت. وحتى رقدتي المضطربة ألفتها.

أحيانا أرى جلادي مسرعا في ذلك الزقاق الذي لم أنس أبدا شكل التوائه وأحجاره، منحدرا نحو نهر دجلة، وهو يمسك بطرف ذيل دشداشته، وكأنها كل ما تبقى له من كفن لستر عورته.

 

٭ مقطع من كتاب يحمل عنوان «لم يعد بانتظاري أحد هناك !» ويبحث عن ناشر.


تصميم الحاسب الشامل