|
|||||
|
في بومباي، هذه المرة، كنا اثنين. تغيرتْ أحاسيسي، وأهوائي. ظللتُ صامتاً، مثل حجر قديم، إلى أن بدأت جحافل النمل بالعبور. في الطريق الهادر من المطار إلى الفندق، في« سيتي سنتر»، امتلأت عيوني بالصور والآهات. لكنني، لم أكن وحدي. كنتُ معها! وهو ما سيحيلني إلى التروّي، أكثر، عندما أسجّل ما أرى. ثمة شاهد «ليس من أهلها»، يسجّل، هو الآخر، بعدسته الخاصة ما يمر بنا على الدوام. بومباي هي القاهرة ممزوجة بكثير من البشر واللُواث. يحيط بها بحر من العرب مثل قلادة تاريخية، فقدت، الآن، بريقها. لكن الألْفة بين الكائنات والقاع، هنا، أمر لا نعرفه في العالم العربي المتكبّر. أينما ولّيتَ وجهكَ تجد بشراً ساجدين، نائمين على القاع، يحضنون الأرض بكياناتهم، وكأنهم بها يتبرّكون! يتعانقون مع »الواطئة»، ويلمّون التراب بأيديهم، وكأنه التبْر. لا يعتبرون القاع مدنسة، وإنْ لم تكن مقدسة، عندهم. إنها أساس تكوينهم، وهي«أم الحياة» في رأيهم. لمْ أرَ شعباً يمجّد القاع مثل أهل الهند! ولأول مرة، يبغتني السؤال: لِمَ ترانا نسميها القاع؟ (واستطراداً: القيعان، والمقْعى، والمداس، والوطية، والواطئة، والوطى، و...) وكلها تسميات دونية (حتى لا أقول دينية)، ألأننا نعتبرها: قاع السماء؟ لكنها الارض، قشرة الكوكب الذي نحيا عليه، والتي ستضمُّ، دون ريب، جٌثومنا، دون أن نكون متأكدين من«ذهابنا» إلى السماء. علاقة احتواء هي علاقة الهندي بالأرض التي يعيش عليها. علاقة تبجيل للأمكنة التي تحيط به، دون أن يتعبّد في محرابها. وعندما تسأله عن اي مكان تريد الذهاب إليه، سيهزُّ رأسه بلطف فائق، نافياً كل معرفة بالمكان. لكأنه يخشى عليه من نظراتك الشزرة. يهزه مرات ومرات، حتى لتكاد تحس أن ذلك المكان لا يوجد على سطح الكوكب الأرضي! ارتكاس الهندي على السؤال محيّر: أيعرف الجواب؟ أينكر عليكَ أن تسأله مثل هذا السؤال؟ أيكون اشمأزّ من عدم الدقة؟ ألف فكرة يمكن أن تفجّرها في رأسكَ الصغير، هزّة رأس الهندي المتواطئة، وهو يبتسم بلطف، دون أن يتفوّه بكلمة واحدة! ويخطر لي: لماذا نتشدق نحن العرب بإجابات ساخطة ومخيفة، على أي سؤال، حتى ولو لم نكن نعرف الجواب، وأحياناً، غير موجه إلينا، ولا يستحق، أصلاً، أي جواب. كنا اثنين! وبدأتُ أتوق إلى الوحدة. فأنا لا أقيم علاقة حميمة مع العالَم إلا إذا جابهته وحيداً. وأصير أتحيّن الفرص للخروج. للخلاص من هذه الثنائية «الجميلة»، وهي أخطر الثنائيات. كنت أريد أن أفهم بعض أبعاد الوجود، وجودي الخاص، عبر مسالك الآخرين. لكن الهنود لا يتكلمون، وليست لحياتهم اليومية التي أراها، صدى! من باريس حجزت في فندق في مركز المدينة. وعندما وصلنا رحبوا بنا، وأعطوناً مقاماً جميلاً. وصدف أن الفندق يواجه المستشفى المركزي في بومباي، وأنا هارب من الطب والأطباء. ذكرتني عائلات المرضى المرقومة في الخلاء، وفوقها تحوم أسراب الذباب، بأهلي وبمستشفى «الحسكة» المركزي، أو الذي كان يسمّى، تعسفاً، هكذا. كنت أمر من قدامه كل يوم ذاهباً إلى التجهيز وآيباً منها، قاطعاً عشرات الكيلومترات «المتراصف بعضها لصق بعض»! في هذا المستشفى الخامج الصغير المنفتح على القذارة والبؤس، تداوينا، واحداً إثر واحد، دون أن يبرأ أي منا، ومع ذلك شُفينا. لم نكن نعرف أن الطاقة الحيوية، والمقاومة الطبيعية، التي هي أساس نظرية«داروين»، هي التي تكفّلتْ بشفاء مَنْ بقي منا على قيد الحياة. قررتُ، على الفور، تغيير هذا الفندق الجميل الرحب (تصوروا في بومباي). وهكذا بدأت مسيرة ذلك النهار الهندي الحارق. نهار «قاهري» بامتياز. من «ويستْ آنْدْ هو تيل» سننتقل إلى فندق في «كولابا»، وهو«الحي اللاتيني» في بومباي. حي شهير يقع على ضفاف بحر العرب، أو«بحر عُمان»، كما يسمّى أيضاً. ومنذ أن يحل المساء سأذهب إلى ضفاف البحر العظيم، منتظرا «مراكب ابن بطوطة» التي، لا بد، أنها مخرت عباب هذا البحر الأزليّ، ذات يوم. لعلها، الآن، تشقّ الماء فتخرج! فأتلقّى «شيخي»، ليقص عليّ القصص والأماثيل. ليجعلني أحب العالَم الذي لي في كل مكان منه خليل. في الفجر، أيقظتْني الغرْبان. غربان الشجرة الألْفيّة. طيور سود عملاقة، تصرخ بنزق في سكون الليل الهندي، وكأنها تشتكي بؤسها إلى الله. مَنْ يستمع إليها غيري، في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ ولِمَ تراني أتقلّب، كالمحموم، في سرير السفر المخيف؟ متى تشرق شمس الهند، واستعيد قدميَّ، لألج المدينة مُصاحَباً، أو وحيدا. حبسْتُ رغبة الكتابة في نفسي مدة يومين، ولم أعد أُطيق صبراً. أريد أن أبدأ علاقتي الكتابية بالوجود، علّني أرتاح قليلاً، وأتحرر من كابوس الصمت القاتل. ومَنْ قال لكَ أن الكتابة تحكي؟ بلى! أنا أعرف ذلك. فأنا ألوك الكلمات عندما أرسمها على اللوح. أمضغ أصواتها، وأضع صورتها الصامتة على الورق. أنا أتكلّم حرْفاً! ألا تدرين ذلك؟ في«كولابا» سنعثر على مطاعمنا، ومقاهينا. سيبدو العالم أليفاً، وكأننا ولدنا فيه. سنضيع بلا خوف في زواياه. أشجار عظمى، وبشر كثير. غبار وذُؤابات. أناس من أعمار لا تحد، ومن أجناس لا حصر لها. كلهم يزحفون على القاع، وكأنهم بها يتبرّكون. يتمارون صمتاً، ويلحظون بعضهم بخفاء. من أين لهم بهذا السمت الفاضل، والحياء الذي يبدو أزلياّ؟ بين هذه الجموع التي لا تكف عن التدفق والانتقال، ثمة مَن يرتجفون جوعاً، ومَنْ يخطفون العطف منك قبل أن تسمح لهم بذلك. إنهم يطلبون الحياة، ولكَ أن تتخيّل الباقي. بساطة الحياة، هنا، هي التي تستمر في إثارة الدهشة. يجلسون على القاع. وعليها يطبخون ويأكلون. يغسلون فوقها أدوات طعامهم، ويغتسلون. يفعلون كل شيء في العراء، بلا خوف. لكأن نظرات المارة ليس شيئاً آخر سوى«تتمة المشهد»! لا يهتمون بمن يمشي، ولا بمن يذهب أو يجيء. أن تنظر إليهم، أمر يسعدهم، يجعلهم يحسون بأنهم مازالوا موجودين ومثيرين للاهتمام! «الحياء العربي الكاذب»، حياء اللامحتاج إلى الحاجة، لا يعرفونه! وكيف لهم بذلك، وهم لا يتدللون؟ وعندما تتحدث إليهم (حتى وإن كنت غير معني مباشرة بما يعنيهم)، سيلفُّك اللطف الحاسم بغلافة من الود والابتسام! فهم، على خلاف الكائنات العربية، لا يريدون أن تصيبك عدوى بؤسهم، ولا أن يستجلبوا هواك. الشاعر المقيم في العراء «كاييف سلطان بوري»، الذي التقيناه على ناصية الموت، في شارع المتحف الوطني في «بومباي»، يسكن، مثل «العمودي»، فوق حائط الرصيف. فوق هذا الحائط الضيق كان يتربّع مثل فارس على صهوة جواده، فارشاً بعض الجرائد العتيقة، ومحاطاً بأصص من زهور. قال وهو يقدم لنا نفسه: «أنا شاعر، واسمي هو.. وعنواني: هذاالحائط الذي أجلس فوقه، وعليه آكل وأنام. عمري تجاوز الثمانين. ومنذ وعيت وأنا أكتب الشعر. والعالم عندي قصيدة لم تكتمل، بعد»! ورأيته يبتسم فخوراً، كاشفاً عن أسنانه الهتيمة، ومحدقاً في فضاء عينيّ الشغوفتين. لكأنه عرف أنه أصابني في الكبد. فتلمْلَم، واستكان حيياً، وأنا أمد يدي إليه. لا بد أن لفلسفة الحياة بعدها الحاسم في تكوين مثل هذه الذوات. الذوات التي لا تعرف العجرفة، ولا العدائية، ولا الاحتقار (في الظاهر على الأقل). ونحن العرب، الذين ذهبت بنا الأمور مذاهب شتى، لنا وجه آخر، وعيون أخرى نرى بها الخارج دون أن ندرك ماهية دواخلنا! ولكن هل لذلك معنى؟ صرت أخاف من استعمال المقولات في بومباي! هنا، صرت أتساءل: من أين ولدت في الذهن البشري تلك الميتولوجيات الأولى؟ من أي نحو نشأت أساطير الأولين، تلك التي ما زالت تجثم كالجبال فوق عقولنا؟ من أين إن لم يكن من الاعتقاد الراسخ (حتى دون برهان) بأن الكائن هو سيد الكون، مع أن الطبيعة لم تقل كلمتها الأخيرة، بعد! عندما أتمعّن في علاقة الهندي بالعالَم وبالأرض، أدرك أن أساطيرنا الأولى لم تكن إلا«تأْويلية، ومجردة. وهي كانت كذلك لتنعزل عن«عامة البشر» الذين سيتحمّلون، مع ذلك، أخطارها وأضرارها. هي لم تنبع من القاع، وإنما هبطت من السماء، على العكس من الهندية التي تبدو حسية، مباشرة، ولا استعلائية. تفهمها الكائنات مهما كانت مراتبها، دون أن تكون بحاجة إلى وسطاء، أو شُرّاح، أو مفسرين. الحياة هي التي تصنع الأساطير (لا الفكر)، و هي التي تحددها، أو تبددها، حسب الحاجة، حتى طابقتْ رؤيتها حدود الكائن الذي يمارسها بلا جهد، أو تكدير، دون أن يكون مضطراً، لا لتأييدها، ولا لتفنيدها! إنها هو. أما شُرّاح الشرق العربي (وبقية الحوض المتوسطي) الذين بدأوا مسيرتهم التأْويلية بأمور الدين، وتجاوزوها، سريعاً، إلى الدنيا، ومن بعد، الفلسفة (التي هي بنت الحياة)، فقد أقاموا حصناً منيعاً حول كل شيء! هذا، كله، تراه في العيون الهندية المليئة بالبشْر والسلام. وفي حركات الشفتين الهادئة البليلة. وفي غياب العبوس والتجهّم. تلك الخصال التي تدثّر الكائن العربي، وتحيطه بما يشبه الشلل السلوكي والمعرفي. كــــولابــــــا في شارع «كولابا كوزْوي»، في «مومباي»، كما يسميها الهنود، صار مقهانا المفضل: «ليوبولد». خليط من البشر والتضاريس. لغات ووجوه شتى. أجناس الأرض كلها تلتقي في «ليوبولد»، ولا أحد يعرف أحداً. حركة مستمرة، ووجوه تتغيّر باستمرار. كائنات من شتى بقاع الأرض تلتقي بلطف هنا، وكأنها لم تبرح أمكنتها الأولى! لكأن«مفهوم الغربة» صار ادعاء كونياً بلا محتوى. وكلما كررناه (الادعاء) نشعر أننا نبتعد كثيراً عن الحقيقة. عن حقيقة الوجود التي لم تعد تعترف «بالاغتراب»! لكنا لا نعرف أية حقيقة في الحياة قبل أن تتحقق. قبل أن يحققها أحد الناس، إن لم نكن نحن! من «جيتْ أوفْ إنديا»، بوابة الهند، في مواجهة «تاج محل هوتيل» التاريخي، أخذنا المركب الدوّار، مساء. أردنا أن نشاهد أضواء المدينة وآلاءها. حولنا تحلّق الهنود بأدب، صامتين. لم يكن ثمة ريح. كان الجو المسائي هادئاً وشحيحاً. دار بنا المركب فوق المحيط، عارضاً وجوه المدينة التي لا تحصى. من الفقر نقع في الغنى الفاحش. ومن الأكواخ إلى المرتفعات الأبراجية التي لا تعرف التواضع. من الماء إلى البر، ومن الضوء إلى الظلمة. فضاءات إنسانية لا تتشابه وإن كانت تتجاور مثل اليدين. كنت أتحرّق من هذه الاختلافات الكونية فوق بقعة محدودة من الأرض، والهنود حولي غير مكترثين. لكأنهم يشاهدون عرضاً مسرحياً عابراً وإن تخللتْه مشاهد تراجيدية. لكأن العالم يقبع في عيونهم التي بها يرونه، لا في «جيوب الآخرين»! لا! نحن لا نمتلك نفس الأحاسيس، وإن كنا نرى المشهد نفسه! لكمْ تبدو هذه الكلمات «سحيقة»، مكررة، وخالية من الجدوى برغم تكرارها (ولربما بسببه). ومع ذلك عليَّ أن أقولها. على الرصيف الحجري الملاصق «لتاج محل هوتيل»، تنتشر أفخم المحلات التجارية الكوزموبوليتية، عارضة أفخر أزيائها، وأجمل مالديها من ملابس وحلي. حتى النظر العابر إليها يكاد أن يكون «مدفوعا»! وباللصق منها، تماما، وعلى الحجر العاري تنتشر آلاف العائلات، وعدد غير محدود من البشر الذين يعانقون رطوبة الأرصفة وقذارتها. عليها يأكلون، وينامون تحت سماء «بحر العرب» المكشوفة للريح. ومن قعدتهم على أضلاف الاحجار العمياء يغازلونك بأعينهم المليئة بالرغبة في الحياة. يغازلونك بصمت، وكأنهم يخشون فتنة الكلام! بماذا، تراهم، يفكرون وهم يرونك تمر، أمامهم، باستسلام؟ وهل يسمعك أحد وأنت تردد في قلبك، باختناق: أيتها الانسانية اللامعقولة إلى متى تظلين لا مبالية؟ من فوهة المحطة المركزية في «بومباي»: «فيكتوريا ترمينال ستيشن»، تخرج عليك الأفواج متدافعة كالسيول. هيئات لا أشكال لها. وأشكال بلا هيئات. الأقدام هي التي تحدد الحركة والسمت. والأطراف هي التي تشير إلى وجود الكائن، وليس العكس! خَبَل الظهيرة الهندي يجعلك مضطرباً مثل غراب وَكَّع في غير محله! يمرون بك كالنار، وكأنما تسوقهم الريح. ريح الجزيرة الشمالية، حيث ذرات الماء الباردة كالقطر، تجعل الدموع تسيل. إلى أين تتراكض هذه الأقدام؟ ومن أي ماء ستشرب هذه الفوهات المفتوحة على الوجير؟ وتحاول أن تحكي«لها»، فتلْتَهِم الحركة العظمى لتلك الجموع النابعة من القاع، صوتك الصديء. تلتهمه، وكأنها لا تريدك أن تفشي سراً لا تعرفه! في طريقنا إلى«حاج علي»، وهو مركز اسلامي مشهور، وأحد معالم «بومباي» التاريخية، سنمر على جماعة «المقطوعين»! وهم مجموعة من الشباب المبتورة أعضاؤهم . بعضهم قُطِع ذراعه، أو يده، أو ساقه، أو فخذه. وأحياناً الساعد والقدم المتخالفتين. وأحياناً الذراعان. أو القدم من جهة والساق من الجهة الأخرى (وما زلت أذكر، مرتعداً، ذلك الطفل الأصْلَم: المبتور الذراعين من الكتف! اللعنة ! كدت أخُرّ جاثياً، وأنا أراه، في معابد حيدر آباد، يتحرك كالدجاجة! سأذكره، مرات أخرى، فيما بعد). أولئك المبتورون، القابعون على قارعة الطريق، تحت وهج الشمس وسطوتها، يثيرون الدهشة وهم يغنون راقصين، أو مُرقِّصين عاهاتهم، على نغم الأناشيد الدينية العميقة الوجد. لكأنهم يسبحون الرب الذي أبقى لهم بقية أعضائهم، وبالخصوص ألسنتهم التي لا تكف عن اللهْج! ولكن مَنْ قام ببَتْر أعضائهم غير أولئك الذين أرادوا أن يجعلوا منهم مصدراً للكسب والاحتيال؟ وهل في الهند غاية لا تجد لنفسها وسيلة! في «حاج علي» كأنك في «الستْ زينب»، في دمشق، قبل عشرات السنين. جموع من الزائرات والزائرين، عذّبهم التاريخ الغابر، وكوتْهم حرارة الايمان والفاقة. «حاج علي» جزيرة وحدها. جزيرة صغيرة لكنها تقابل كل «بومباي» بأبراجها وخدورها. لكأن هذه الجزيرة المرسومة في عرض البحر هي التجلّي الأسمى لعلاقة الأرض بالماء، ولعلاقة الكائن بهما معاً. بعد «حاج علي» سنزور المعبد الهندوسي: «جائينْ تامْبل». ستأخذنا الدهشة ويلُفُّنا الدُوار. المعبد الخارق، هذا، بناء صغير، محدود العلو والمساحة، لكنه محشو بالسماوة والتاريخ. روعة الفن تتناثر منه مثل عطر يفوح من جدرانه! صفائح أحجاره الناصعة البياض تشهد على نقائه. ورسومه اللامتناهية الدقة تشير إلى ما يمكن أن يبتكره الكائن عندما تستولي الرغبة العلوية عليه. صمت، وأفانين تملأ المكان. الفيلة المطهّمة تحرس أبوابه الخارجية. أبوابه التي من الفضة والنحاس المزَهَّر بالذهب. وأحشاؤه كائنات صامتة، لا تكف عن الصلاة. أية إنسانية أنجزت هذا الصرح الصغير العابر للزمن؟ كم من المآثر الإنسانية الخالدة لم يسعفنا الحظ برؤيتها، ومع ذلك ندعي المعارف والمسافات! وفي النهاية، ليست العبادة، بالمعنى الهندوسي، كما تعلّمني فنون هذا الصرح، إلا«لجوء الكائن إلى ذاته، باحثاً عن الالهي في الإنسان». في الطريق إلى حيــــــدر آبـــآد ! من «فيكتوريا ترمينال ستيشن» سنستقل القطار الذاهب إلى «حيدرْ آباد». النمل البشري الداخل والخارج من فوهة المحطة يصيب العقل الذي لم يتعوّد المشهد بالخَبَل والكُساح. مئات آلاف البشر يتحركون، كالصواعق، صمتاً. لكأنهم المطر الذي ينهمر بلا رعد. ينظرون إليك بحيادية كاسحة. ولا يرون فيك إلا العالم البعيد القادم إليهم. لكن نظرتهم ليست عدائية، وإنما مؤاخية بشكل عميق. تعلّم الهنود، منذ آلاف السنين، على الغزاة والفاتحين، وجواّبي الآفاق، دون أن يخشوا منهم شيئاً. لم يترك أي عابر، ولا أي مستعمِر، أثره العميق على الهند«العميقة»! الهند التي ابتلعَتْ هؤلاء كما تبتلع الأفعى الهائلة فرخَ قطا أزغب. حضارتها العريقة كالمحيطات لا تخشى الأنهار التي تصبُّ فيها حتى ولو كانت مليئة بالعَكَر. لماذا لا تكف عن هذيانك، وتتأمّل هذه الوجوه المكسوّة بالصمت والجلال. وجوه العابرين على أرضهم الأم! يا الله. في«بومباي» أدهشتْني الأشجار الهائلة، ذات الغصون المجدولة مثل ضفائر بدوية. الجذع، هو الآخر، ليس واحداً، وإنما مئوي! إنه الْتفاف من عشرات، بل مئات، الجذوع الصغيرة، التي تلتوي لتتعانق بقوة، مثل عشاق صغار، مشكلة جُذَيْعات صغيرة، تتحد لتشكل، في النهاية، جذعاً واحداً متعدد الأصول، كالحضارات تماماً. جذع أساسي عريض وقوي، وفي الوقت نفسه، ليّن (لتعدد مصادره) وطري. جذع يحمل أغصاناً لا حصر لها، تغطي مساحات هائلة. تحتها يعيش الناس، وينامون، ويسكنون، ويبنون لأنفسهم مآزر، وصبابات. إنهم كالطيور الكبيرة يرتقون أعشاشهم، تحت «ظلال الزيزفون» فوق أديم أمهم الأرض، وبرعاية أختهم الشجرة، وعيونهم تسع رؤية العابر، بلا أذى! أما الريف الهندي فيبدو مشرقاً وجميلاً. السهول الفسيحة خُضْر مليئة بالأشجار والنباتات. تعبر السهول الشاسعة أنهار لا حصر لها، تترقرق مياهها، في البعيد، مثل صفائح الفضة عندما تنعكس عليها الشمس. آفاق الأرض، على مرمى البصر، موشومة بحُدَيبات حُمْر، تعلوها شجيرات قصيرة لكنها ثابتة. الفضاء خال وفسيح. فيه، تبحث عن البشر الذين خلفتهم في المدن الهندية، فلا ترى إلا بعض عابر يمشي الهوينى فوق خط الأفق، وكأنه أفاق من نومه الأبدي، للتو! أية آلهة طيبة أعطت الهند كل هذا الجمال التُرْبوي؟ كل هذا الغنى البَرّي؟ ومَنْ يحافظ على هذه الثروات البيئية التي صارت الإنسانية تفتقدها في كثير من بقاع الكوكب الأرضي؟ مَنْ، غير أهلها الذين يعبدونها! أما زلنا نتعجب لماذا تكون آلهة الهنود على مستواهم؟ الآن، قد ينشرح بعض الغموض الميتافيزيقي، بسبب هذه الطبيعة المُحافَظُ عليها كالجوهر. في القطار المنطلق إلى «حيدر آباد»، كأننا في مقهى كوني، والعالم يمر أمامنا. جبال وسهول وأشجار وأنهار. خلاء عارم مليء بالضوء. أكداس من العشب القديم، ونباتات شتى تلوّن وجه القاع. طيور بيض تتبختر آمنة وأنيقة، لا أعرف لها اسماً، تنقل قدماً بعد أخرى، ماشية برصانة، مثل مختار الجزيرة القديم. لكأن عليها أن تقيس المسافات اللامتناهية التي لم تَقِسْها، بعد! طيور بيض تمشي بأبهة مثل ملوك يستعرضون الكون! من أين للهند بهذه المخلوقات المبجلة؟ وهذه التلال البركانية التي تواجهنا، باستعلاء، ماذا تريد أن تقول؟ «بومباي»! او«بون باي»، أي الخليج الجميل، كما سماها البرتغاليون، الذي تعودوا على تبديل اسماء الأمكنة والناس عندما بدأوا رحلة استعمارهم اللعين، هي مجموعة من الجزر، وعددها سبعة، تواصلتْ على مر القرون إلى أن غدت واحدة. تقع على شاطئ «بحر عُمان»، أو البحر العربي. وهي، مثل«نيس» على الشاطئ اللازوردي، تقوم حول خليج نصف هلالي (مارينْ دراينْ). وهي تعتبر قنبلة انفجار ديموغرافي. فيها يتساكن الأثرياء والبؤساء دون أن يلتقوا فعلياً! في المساء تأخذ المدينة كل روعتها، وتبرز متناقضاتها. فناطحات السحاب تجاور الأحياء البائسة، والبنايات القديمة ذات الطابع الفيكتوري تقوم بجوار أبنية القش والصفيح. وإلى جانب مَنْ يسكنون«مكانا»، يخرج في، المساء، مَنْ لا يسكنون أي مكان. فيملأون الأرصفة والساحات. يغتسلون بالأمواه الجارية من حنفيات الطرق. تحت السماء يتعشون ويسهرون وينامون! عائلات عديدة الأفراد تتجمّع مساء على العشاء في الطريق. تتجمّع بحَرفية ونظام. لكأن فضاء المدينة صالة طعام عملاقة منفتحة على العبث والليل. أغربت الشمس عن الفضاء الهندي الشاسع، وتباعدت أصداء «مومباي» (كما يسميها اليوم الهنود)، وبدأ ضجيجها يخفت، مع أني لم أفارقها إلا منذ ساعات قليلة! ظل القطار اللامتناهي الطول ينود قاطعاً مسافاته اليومية التي اعتاد عليها. كان نور الغروب، أو انعكاسه الخمري، يتجلّى في قبّة الكون مثل كرة من نار. وتبدأُ تَنوسُ في مقامك، وأنت تتملّى الفضاء الشديد الخضرة، المبتلّ بالدماس. متى تعود قطعان أبيك إلى مراحها؟ تلك القطعان التي ظلت حلماً إلى أن تولاّها الرب! وحدك، تشعر بالغربة والبعد عن المكان الذي صار، هو الآخر، حلماً! عن«جزيرتك» الحمراء المليئة بالبَوّاقين والذئاب. سترسل عيونك الدامعة كرُسُل إلى آخر الأرض علّك تلتقي بصور مَنْ أحببت! أقول مَنْ أحببت، لأنك لم تعد واثقاً من شيء. وتلك هي أجمل اللحظات. أحب الغروب عندما لا تحده حدود. عندما يتراءى خلفه أفق العالم النائي مثل سراب شفيف. تُرى، متى اخترق هذا الحاجز المرئي، لأصل إلى ما هو غير مرئي في أعماقي؟ نَوَسان القطار يثير قلقي! أهي أمي القديمة تهزّني بين وسادتين، علَّقَتْهما على حبل من الأحجار؟ تهزّني فوق مهْد من الزل والقصب، معلّق بخيوط من القنّب الهندي، ومربوط بأعمدة من الحور، على مشارف «الخابور»! لماذا لا يتوقف هذا القطار الزاحف مثل أفعى طويلة تجوب القاع. أريد أن أُمَرِّخ قدمي على هذه الأرض، فقد خارت نفسي من الذكريات. أريد أن أمشي بقدميّ الحافيتين على هذا التراب الأحمر النجيل الخارج من القطار. أي هند أخّاذة، هي هذه الجزْأة من الكَوْن؟ ساد الليل، دفعة، منذ أن غربت الشمس. وصارت الآفاق الشاسعة كتلة من السواد. لكأنك في قلب منجْم كوني. في هذه السهول القصية الربداء، لا يتدرّج الظلام من الألق إلى الغسق، بل يسقط، دفعة واحدة، فوق الأرض، مثل خيّال يُحَوِّل عن ظهر، بقفزة، حصانه! العتمة الهاجمة بلا فواصل تجعلنا نتحيّن الرؤية، قليلاً، قبل أن نفحص ابصارنا، وكأننا أُصِبْنا بعمى اللون المفاجئ! جَمال الكون الذي كان يركض خلفنا، قبل قليل، اختفى كله مع صرامة الدَماس الذي جَلَّل العالَم. لم يعد ثمة في الفضاء بشر، ولا شجر! لا سهل ولا جبل. عتمة متجانسة خيَّمَتْ، فجأة، فوق الأرض. هل كان ثمة أرض قبل قليل؟ وأتَلَمَّسُ عينيَّ نابشاً فيها، باحثاً، عن صورة الأرض التي بادت! تغلق أبواب الكتابة في الليل، مثل أبواب العين. - نمتَ قليلاً؟ - نمتُ متقطِّعاً. - هذه هي حال النوم في الحركة. يقول الهندي، تاركاً لبصره حرية اكتشاف اللحظات. ولا أجد في خزانتي الفكرية ما يلائم الجواب، فأدع الصمت يتبدد في ضجيج القطار. أصمت كثيراً وقد ملأتْني الرغبة في الكلام! أُفكِّر: يخترع الرحّالة لنفسه شيفرة لفَكّ علاقاته الغامضة مع نفسه، ومع العالَم. الموسيقى البصرية هي التي تقود خطاه عندما يسافر. نحن لا نرى المكان نفسه مرتين (هيراقليطس والنهر)! لكننا يمكن أن نمر به مرتين دون أن نراه. وهنا تكمن الكارثة. في الفجر نصل إلى«حيدرْ آباد». في هذه المدينة المقذوفة في أواسط الريف الهندي، سألتقي بمدينتي الأولى: «الحَسَكَة»، قبل خمسين عاماً من التاريخ. على أطراف الحَماد، كانت. ونهر«الخابور» يشقّها في المحيط. نهر تلوّثه الأمطار الغزيرة والأوحال التي تقذفها حوافر الخيل والبغال. كنت أسبح في مائه «مرتين»، ماسكاً ذيل مهرتي الدهماء، وهي تنحر الماء السريع بصدرها العَضِل، وكأنها تُناكِحه. مهرتي التي خطفها أبي من جبال «طوروس»، وهو يبادل التمر بالشعير. إيهْ! أقف في بَلَل الفجر مستنكراً المشهد، ومستحضراً أرواح مَنْ ماتوا! سلام! وتستنكر الصوت «سلوى»: على مَنْ تسلِّم؟ وقبل أن أقول شيئاً (وهل لدي ما أقوله) يخطفنا الهندي الذي أوقف للتو صراخ محركه، قائلا: هذا أفضل فندق في المدينة، مستر! بلى! أقول له. لكنها تعارض: لا. لا أحب هذا المكان. وأكاد أضحك من الحال. لكن الهندي صمتِ، فصمتُّ، أنا الآخر. ما أحلى الصمت! يا الله. أريد أن أرى مدينتي من قريب، ومن بعيد. لماذا لا أطلب منه الدوران على الفنادق والدور؟ فيستجيب على الفور من أجل حفنة من الدولارات. مدينة مسطّحة، ومبثوثَة فوق تراب أحمر غزير (مثل كل المدن التي بدأتْ إقطاعية)، حيدر آباد. شوارعها قذرة، ومحشوّة بالروث والزبل والغبار. التنك والبلاستيك يشكّل هيكلها المتداعي، أو الذي يكاد. أهلها سُمْر، وجوههم محروقة لا من الشمس، ولكن من امتزاج الوهج بالغبار. من ترسُّب هذين العنصرين على جلودهم مثل مطر لا مرئي، ومع ذلك لا خلاص منه. ليس للناس، هنا، مثل«أهل الحسكة»، أَلَق شكلي. ولا يمكن للغريب أن يُميِّز أحداً عن أحد. نساؤها محجبات وكأنهن خرجن للتو من أعماق«المحيط العربي»! انسجام الأشكال، وتماثلها هو الذي يُنبيء بتفاهة المدن ومحدوديتها. هو الذي يقول أن هذه المدينة، مثلاً، لا تحب الغرباء! ولكن أي فندق يمكن أن يحتوينا في مثل هذا الفجر المنبثق من أعماق الكون؟ لنواصل! أقول للهندي الذي استَمْرأ اللعبة، فبدأ يدور بنا، ويدور، مؤكداً: مسترْ! سنَلْقى لكم مكاناً يناسبكم. لا تقلق. لا! لا خوف عليَّ من القلق، مستر. تابعْ! وفي الضحى العالي، بعد أن تعبنا من الحركة والضجيج، يعود بنا الهندي (وقد تضاعف أجره مرات، ونحن بَحْبَشْنا المدينة)، إلى الفندق الذي احتقرناه، لنحجز، بسعادة بالغة، آخر مكان ظلّ خالياً فيه، قبل أن ننطلق، من جديد، إلى المجهول. قلعة كولْكونْدا! قبل كل شيء سنزور «قلعة كولْ كوندا». وهي«شيء عظيم»، تشبه «أختها» في المذهب: «قلعة علموت»، التي بناها وأسطرها الحشاشون. «كول كوندا»، هي الأخرى، جبل- قلعة. مساحتها تعادل مساحة مدينة من مدن البر العربي. أحجارها صُمّ، هائلة الحجوم، كثيفة التركيب. رؤية جدرانها، وحدها، توحي بأن وراء تشييدها «مبالغة كونية»! أنشأها «قطب شاه» سنة ٨١٥١. وجعلها عاصمة مملكته. وخلفه عليها «جامشيد شاه» عام 1543. ومن بعد، تعاقب عليها شاهات وحكام كُثُر، أكلهم الدهر، ولم يبق منهم إلا الصدى. وأكاد أزعم أن اسمها مؤلّف من كلمتين: كولْ وكوندا. وربما كان معناها: الورد الجوري! ففي ساحاتها، وفي الفضاء المحيط بها، لا ترى إلا الأجمات التي تغزوها الورود، وبخاصة، «شقائق النعمان». ولمَ لا يكون هذا هو اسمها: «قلعة شقائق النعمان»! مدخلها الرئيسي يدعى«بوّابة الصدى»! فكل كلام أو حركة يقوم بها الزائر، أو الداخل، أو«غير المرغوب فيه»، يتردد صداه، أو صداها، في الأنحاء بقوة. لكأن هذا الفن المعماري الباذخ فُعِل قصداً لتفادي «المحظور»، غير المنظور. لكأن السمع هو الأداة الأساسية لحماية شاه قطب، وأتباعه، حتى من براعم الورود. ازاء هذا الصرح الذي لا مثيل له، من حيث الروعة والاتساع، تقف مشدوهاً! لكأن الحياة تفقد أحياناً معناها لولا العثور على مثل هذه الروائع! وتتساءل باضطراب، وأنت تكاد ترتجف من الانفعال: إن يمكن للكائن أن يحيا دون أن يرى هذه الآثار الإنسانية الخالدة! تتساءل: أين كانت الحياة تختبئ قبل أن تحط هنا. وكم عين بكتْ وهي تراها من حرقة الشوق. للتراث نوع من الخلود. وبقاؤه رغم القرون يجعل الرائي يتفتت لهفة وتشوّقاً. قلعة ترقى إلى السماء، فوق سهول شديدة التسطيح! لكأنني في تلال الجزيرة، وجبالها. قلعة «محددة»، وسهول ممتدة على مرمى البصر، بلا حدود، أثران متعاكسان، يشهدان على روعة الوجود. الشمس هنا، هي الأخرى، تشبه الشمس في «الجزيرة». وعندما تتشابه الشموس يغدو الوجود واحداً. لون الحجارة الأقشب، ووجهها الأخرش من شدة الغبار والحر، واستواءاتها اللامنطقية، تنبئ عن قسوة الحياة. في «حيدر آباد»، لا تشعر أنك في «مدينة»، وبخاصة عندما تكون في «مركزها»، في المدينة الأم التي نشأت حولها محيطات جديدة من المدائن والأعاصير. إنها «مُجَمّع بؤسي» لا مثيل له، منتشر بلا هيبة على سطح القاع. منه، يخرجون عليك أفواجاً. سود الوجوه، وكأنهم نَفَذوا، للتوّ، من منجم مهدود. قلِقو الأجساد، مثل العشب اليابس في سُهول الجزيرة عندما يَقُشُّه العَجاج. تحس أنهم وصلوا إلى «قَعْر البؤس» الذي لا مَهْوى بعده. ففي الهند العجائبية، كلما نزلنا درجة في البؤس، وجدنا أُخرى أحطُّ منها. وهنا، نحن في درجة «البؤس الاسفلتي الشامل ذي النزعة المتفانية من أجل لا شيء»! بلى! من أجل الهبوط زحفاً (ولا أطول فترة ممكنة!) على سُلَّم الحياة النازل إلى الجحيم: جحيم الحياة اليومية الذي لا يُحتَمل. أعداد لا تحصى من «الطراطير»، تغزو شوارع المدينة، تبُثُّ في فضائها فساءها المازوتي الخانق، وضجيجها المعدني المشبوه، لكأن مهمتها هي التلْويث لا نقل العالمين! وتراها تختلط بلا فواصل، مع جموع البشر النِحال الذين تحسّهم يَلْحَسون القاع، لا يمشون عليها! من أية نُقْبَة من الأرض خرج هؤلاء الناس؟ ومن أين لهم بهذه الأكوام الهائلة من المطاط العتيق؟ ولمَنْ سيبيعونها بثمن بخس؟ أكوام لمْ أَرَ مثلها إلا في عاصمة السنغال «دَكّار»! ما يثير العجب هو الإلْحاح في عرضه، ومحاولة بيعه، حتى لمن هم بغير حاجة إليه! وفي النهاية، أوليست التجارة هي خلق الحاجة إلى ما لا يحتاج إليه الناس؟ «حيدر آباد» هي مدينة «البؤس السُهولي»، بامتياز. إنها لقْيَة الاقطاع الذي وَلّى، كما هي قُرى الجزيرة في سوريا المثقلة بالتاريخ. في هذه المدينة الهندية تُطبق التعاليم الاسلامية في كثير من نواحيها، مثل: تحريم الخمر، مثلاً، والحجاب الاسود الذي يُجَلِّل نساءها. وحتى البنات الصغيرات يلبسن باحتشام كبير. وفي مقاهيها التي تشبه إلى حد بعيد، مقاهي «الرقة العتيقة»، قبل عقود من الزمن، لا يجلس إلا «العُجول»، يحتسون الشاي الأحمر الثخين (شاي الجزيرة)، وهم يتماحكون فيما يجهلونه! ولذا تبدو عليهم سيماء الموت الفكري والعاطفي الذي لا مثيل له إلا في كثير من المدن العربية المحنّطة، أو التي كانت هكذا بالنسبة لمَنْ وُلِد، مثلي، في أوائل القرن الماضي. وحده، القمر يهزأ من غبار البؤس في «حيدر آباد». في «حيدر آباد» لا وجود لشيء اسمه: المسافة! السيارة تلتصق، تماماً، بالأُخرى. والطراطير التي تتكدّس داخلها الأغراض والكائنات تتلاصق مثل زواحف معدنية صُفْر الجلود. والناس، تبدو كتلة متماسكة لا فراغ فيها، وكأنما خيطَ بعضها إلى بعض بخيوط لا مرئية. ولا يمكن لك عبور الرصيف قبل ساعة من الانتظار، إلا إذا غامرت بسلامتك. إنه الهجوم الكاسح لبؤس الوجود الذي فَقَد معنى وجوده فوق الأرض. الهند مِلَل ونِحَل. ديانات واعتقادات. بؤس وغنى. كمية هائلة من الحاضر والتاريخ. أما هذه المدينة، حيدر آباد، فتكاد أن تكون «رقعة وحدها»! في «بومباي»، مثلاً، ينغسل البؤس بالألوان الخلابة، وفي بسمة الثغور الجاهزة حتى في «أحلك الأوقات». الأحمر والأصفر والبنفسجي والزهري تجعل من البؤس أمرا «فولكلوريا»! مع أنه لا يمكن أن يكون كذلك. ومرور الكائنات الملوّنة يضفي على الوجود بهجة، حتى ولو عابرة. لنتذكر أن لباس الحزن عندنا أسود! وهو لون يجعل العقل يتوقف عن الفاعلية، وحتى عن الانفعال. إنه لون السكون القاتل الذي لا يحب المرح، ولا الحركة. وحيدر آباد هي مملكة هذا اللون الذي يصاحبه البني الغامق فيزيده وحشة وعبوساً. بعد «غُلْ كُنْدا»، سنحاول أن نغيّر الأمكنة والأزوال. سنذهب إلى مَرْقَب «بيريامنْدير». في هذا المعبد الرائع ذي الرخام الأبيض الجميل سيستقبلك الترحيب، واتساع الرؤيا: «مفتوح لكل المتعبّدين»! هو ليس لمذهب دون غيره، وإن كان معبداً مذهبياً. وليس فيه استثناء لدين أو عبادة حتى ولو كانا نقيضاً. وهل يمكن أن نتحدث، في مثل هذه الحالة، عن «نقيض»؟ النقيض لا يتحدد بماهيته، ولا بما هو عليه، وإنما يحدده الذي يرفضه، وأحياناً كثيرة دون سبب وجيه. وهنا، لا سبب للرفض، كما تعلن البسملة المرقومة على المدخل. وقريباً منها، نقرأ جملة أخرى: «مَنْ يَرَى شيفا في البؤساء والضعفاء والمهملين فهو من اتباعه، ومَنْ يراه في «الصورة» فقط (يقصد، كما أظن، في صوره الكثيرة المنتشرة في الأمكنة والساحات)، فهو لا يعرف من الإيمان شيئا»! مقولة رائعة تُوَحِّد بين الواقع والعقيدة، بين الإيمان وموضوعه، بين الكائن والإله. إنها ديانة وصل، لا فصل، إذن. وهم لذلك يمثّلون آلهتهم، ويصوّرنهم بشكل متقشف وبسيط، بلا تفخيم أو تهاويل، حتى ولو كانت في أفخم المعابد والقصور. فلسفة حياة أخرى للهند. دخلنا حرم المعبد معهم. وأقاموا صلاتهم دون حذر أو تزمت أمامنا، ونحن لا نصلّي. صلاتهم: غناء وأذكار وأهازيج. موسيقى هادئة وتمتمات سخية. حركاتهم منسجمة مع تموّج المرمر الجميل. لكأنهم يرقصون كي تتمتّع الآلهة بما يفعلون. الرهبان شباب طُلَقاء، سَمِحو الوجوه، جميلو الأجساد، جلودهم مدهونة بالزيت، يتحركون شبه عراة بأناقة ولطف، مثل حبيب يقارب حبيبه. يتموّجون فوق الرَقيم، وهم يُعَطّرون المرمر الصقيل الذي يسبحون فوقه. أي تراث ساحر ومَكّار هو تراث الهند! من المعبد، سننحدر نحو بحيرة «حسين صقّار» التي تفصل بين «حيدر آباد»، و«اسكندر آباد»، المدينة التوأم. في قلب ماء هذه البحيرة الرائعة ينتصب تمثال «بودا» الشهير، وكأنه يؤكد أن الماء ليس مصدر الحياة، فقط، وإنما الاعتقاد، أيضاً (لنتذكر: طوفان نوح، وموسى والبحر وفرعون، ويونس والحوت، وزمزم و..). على كورنيش البحيرة الدائري تقوم مزارع الورود والأزاهير، وتزين التماثيل والاستراحات فضاءه، ويختلط الماء بالخضرة الشديدة اللون، ليكافح التلوّث الهاجم من كل البقاع. وسيختفي مشهد المدينة الزبلي الذي كان كابوساً بلا رحمة. سأغسل أنفي ببعض الهواء النقي الخارج من صليل الماء. وسأنتفض مثل غراب بَليل، لأتخلّص من الزنخة والنتانة اللتين التصقتا بي (بنا)، عندما كنا نجوب المدائن. وعلى شاطئ هذه البحيرة- النعمة، سيغسل الضوء الغامر عيوني التي اعماها ضباب البؤس. سأرى «حيدر اباد»، أُخرى، لم أكن أحلم بها. ولكل يأس نهاية! في الطرف الآخر من «حيدر آباد» سندخل من باب «شانيمار». وهو يشبه قوس النصر الباريسي بروعته، وجلاله. بالقرب منه: «مكة ماسجيد». أو جامع مكة. وسندرك بسرعة أن العالم لا يتغيّر كثيراً عندما لا تتغيّر المعتقدات. حول الجامع الهائل يتزاحم البشر والأحياء الأخرى. الدكاكين القشية متلاصقة، تعرض بضائعها بلا حيطة على الطريق. الأقمشة والفواكه والخضر والغلال والأحذية والبلاستيك والحرير والقبعات والطواقي والعيدان والكبريت واشياء أخرى لا أعرفها، كلها، تترامى أمام البصر غير المدقق، وكأنها تنادي عليك. وفجأة يترك الناس أغراضهم ويبدأون الهرولة نحو الجامع الكبير الذي لم يعد فيه مكان. فيصطف الخلق في الباحة مثل جنود جيش نظامي يستعدون أمام الرب. «حيدر آباد» جزيرة اسلامية في قارة هندية، وعليك أن تتخيّل الباقي. قطار«بَهوبانْسوَار»! في القطار الذاهب من حيدر آباد إلى«بَهوبانْسوار»، تسافر مدينة بأكملها. الناس يستعملونه للسفر والعمل والنوم وكمطعم ومقهى، أيضاً. سنأخذه في الرابعة بعد الظهر، وعلينا أن ننتظر حوالي 24 ساعة من الهزهزة والارتجاج قبل أن نصل إلى محطتنا القادمة: «بها ننْشاور»، مدينة المعابد والأساطير. في القطارات الهندية، الناس أهل! فيها ينامون ويأكلون ويغتسلون، ويبدلون ثيابهم، ويتعارفون. في السابعة صباحاً، أفيق وأغتسل وأبدل ثيابي وأحس نفسي جديداً. ومن الشباك القطاري العالي، ذي الحركة السريعة التي لا تهدأ، أُقابل ألوان الارض الخلابة التي تمر، بَرْقاً، أمامي: صباح الخير أيتها الهند! أردد بصوت عال دون أن تسمعني الهضاب الخضر التي تحد الأفق. ولربما. وأعود لأجلس على الشباك، متأملاً، بمتعة عميقة، فضاء الريف الهندي الذي يمر أمامي، وكأني ملك يستعرض القاع! مساحات خضر لا حدود لها، وقيعان ذات تربة عميقة الحُمْرة، خلاءات تتجاوز الأفق كثيراً، ولكن لا قِفار! طيور بيض صغيرة ذات أشكال غريبة وأحجام ضئيلة ترصِّع وجه الأرض مثل نُدَف ثلج منسية. صباح كوني مثير أحسد نفسي عليه. أتمتّع فيه برؤية العالَم من زاوية جديدة. أرى الكون يمر أمامي مثل أسراب الطيور فوق تلال الجزيرة: «تل بيدر»، و«تلْ براك»، و«تلْ غزال»، و«تل السنجق»، و«تل تمر»، و«تل كرخالد»، حيث مشيت حافيا فوق أشواكه ورزاياه. الآن، مختبئاً في جوف الحديد المسرع، ماذا أرى من العالم، سوى الصور المرمية في الخلاء، وقد دسْتُهُ، من قبل، بقدميَّ العاريتين؟ أُشفق على نفسي من الجهل المتأصّل فيها، وهي الظامئة إلى أمواهٍ جديدة. مع ذلك أحس بالسعادة تسري في عروقي، وأنا أتابع جريان الكون المعاكس لي. تخطر لي أشياء كثيرة، وأنا أخاطب نفسي صمتاً. إنني بحاجة إلى فضاء جديد لأتجدد، لأعرف أين أضع قدميَّ، أين كنت أضعهما من قبل. وما كل ما يمر يسر! هذا الصباح الفائق أحسني على حافة الانهيار، مثل مَنْ يلتقي حُباً مفاجئاً، فيكتشف كمْ كان تعِساً من قبل! الكلام لا يعني، أحياناً، ما يقول! في الطريق إلى «بهوبانْسوارْ»، نمر بقرى من عصور أخرى. بيوتها من القش والقصب، وأُناسها كأنهم الأزوال اليمنية المرتسمة في الأعالي. معابدها قزمة، ملونة بالأزرق والنحاسي، ومغروسة في قلب الحقول. لا يؤمها أحد سوى الطيور المتنازعة على الهواء. الدور المبنية من الوحل والقصب على شكل قباب منخفضة، تذكرني بقباب الآشوريين في«كمْب تل تمر»، على ضفاف نهر«الخابور»، في جنوب الجزيرة السورية. لَكَمْ تتشابه الانسانية حتى عندما لاتتوقع لها أي شبْه! «بهوبانسوار» أقدم مدينة معبدية في الهند، بل وفي آسيا، كما يُقال. وهي الأخرى مدينة سهلية قريبة من انبساطات خليج البنغال. وهي عاصمة اقليم «أوريسّا»، في وسط الهند الشرقية. المدينة بحد ذاتها رثة وعتيقة. والبؤساء هنا لا يشكلون هامشاً. إنهم متن المدينة بامتياز. وهم لا يخفون من حالهم شيئاً، على العكس هم يكادون أن يتاجروا بها. بؤسهم هو سلعتهم الوحيدة التي يعرضونها أمامك لاستدرار عطفك، أو لإثارة بأسك، أو للفت انتباهك، أو لكي تلقي نظرة عابرة على هياكلهم، حتى ولو لم تعطهم شيئاً. وأحياناً، يستثيرون عدائيتك الكامنة، وهم يتملّقونك بالحاح كالزنابير. أتذكّر الصبي الأصلَم: المقطوع من الإبطين، وهو يتحرك كالدجاجة صارخاً بي: ألا تراني! رافعاً جذم كتفيه إلى الأعلى بحركة خرقاء تثير البكاء. ولقد بكيت، فعلاً. ولم أُعطه شيئاً، بسبب العدائية التي تقدح في عينيه، وهو لم يتجاوز من العمر بضع سنوات! على قارعة الطريق، في الشارع الرئيسي المليء بالقذارة والتراب، يجلس رجل ضئيل، ملفوف الجسم بخروق من الرأس إلى أخمص القدمين. يجلس متربعاً فوق التراب وكأنه في فراش أمه. بيديه صناجتان من معدن رخيص يلطم الواحدة بالأخرى، بحركات عصابية رتيبة، صانعاً موسيقى معدنية بلا هوية، يعيد على أنغامها أغنيته المسكينة ذات الكلمتين: «آه بابا»! أقف فوقه، بالقرب منه، طويلاً دون أن يحتفل بوجودي. أتملاّه عن كثب: رأسه ملفّع بكيس صوفي أسود. نظارتاه ثخينتان خضروان بارزتان عن وجهه. حجمه الحقيقي لا يتعدّى حجم صبي في العاشرة من عمره، وهو يتجاوز الستين. ويبدو لمن يهتم به أن الصوت الخافت الرتيب الذي يصدره أكبر من هيكله الإنساني! أيكون وعى هذه المزية فدفع بها إلى أقصى طاقاتها؟ ما همّ! سيظل يردد طوال الليل: آه بابا! آه بابا! دون أن يصيبه الملل، أو يرتجف صوته، ولو مرة. لمن تراه يغني بمثل هذا الشغف الملوث بالغبار، دون أن يمل من التكرار؟ في«بهوبانْسوار» خجلتُ من التصوير! خجلت من تصوير البشر، فاكتفيت بتصوير الحجر. خجلت من تصوير البؤس الإنساني جاثماً على القاع مثل قُشور مرمية، جاثماً تحت جدران المعابد الهائلة الروعة. كائنات تحسها بلا عيون! وليس لها إلا فوهات تلهج طلباً للعيش! كائنات لا تمشي، وإنما تزحف مثل أحياء بدائية (أولية) لا أطراف لها، ويصعب تحديد قوامها. تزحف فوق أكوام القذارة والمزابل المتناثرة حول المعابد، وفي الطرقات، وكأنها تتعايش معها! وقفتُ مذهولاً مساء ذلك اليوم (وكنا قد وصلنا المدينة قبل ساعات) أمام أبواب المعبد الذي يضمُّ في أحشائه ثمانين معبداً! معبد المعابد الهندية هو هذا الصرح. وتعدد الآلهة لا يعني لهم إلا كثرة الزائرين. ولكل إلهه. أية إنسانية بائسة تجثو على الرُكَب فوق هذه الأكوام المغثية من القذارة؟ وكيف لي أن أُتابع مسيري؟ وألجأ إلى أول سائق، طالباً منه أن يأخذني بعيداً. أن يأخذني إلى حيث أحلم بنوم بلا مرائي (وهل هذا ممكن بعد الآن؟). ويتعجب الصبي الأسمر المحروق من الجوع والشمس والغبار (وقد ذكرني بنفسي، صغيراً، في بوادي الجزيرة الحمراء)، وهو يحاول تهدئتي: ألا تريد أن ترى الباقي؟ وأكرر: لا! أريد أن أنام. «بهوبانسوار» مدينةـ متحف! إنها مدينة المعابد الأزلية، والآثار. وهي تقع وسط سهول خصيبة لا نهاية لها. وترويها خلائج البنغال، التي تحيط بأطرافها. أهلها فلاحون عريقون. وهي لا تعرف السياحة إلا نادراً، حتى أن المؤهلات السياحية تكاد تكون معدومة فيها. إنها مثال للهند «العميقة»، الهند الأزلية التي جمّدها الزمن على شكلها الأولي. لكن معابدها التاريخية التي لا يمكن تجاهلها، هي التي تجعل الزائر يتحمّل كل هذه «السماكة الإنسانية»، وهذا «الشذوذ عن التاريخ الحديث». لماذا لا نتابع المزارات، إذن؟ في معبد «اسْكونْ تامْبِل» ذي البناء الأبيض الجميل، المبني وسط المزارع والحقول المحيطة بالمدينة، أدخل مع الداخلين، ومثلهم أتربّع في الفضاء الشديد الروعة. انتظم صامتاً حول أعزاف الموسيقى الهندية اللامسة للروح. الكاهن الأعظم في قفصه المطهّم بالزينة والأساطير، يتربّع، هو الآخر، صامتاً وجليلاً. عيوننا عليه، وعيونه لا ترى أحداً. إنه يرى الأعلى! يرى الرب حسب تعابير الصوفيين. وأنا أبحلق فيه، أريد أن أقترب من قلبه، ولكن هيهات! مع ذلك يحركني شغف بهيّ يدفع بي إلى التروّي من قسماته الجليلة. عمّ كنت أبحث في ذلك الوجه الضائع في أثير الكون؟ وكان يكفي أن استدير لأرى كاهناً آخر بلا تعاظيم، ولكن لا يقل عن الأول شأناً. وهذه المرأة السمراء اللامعة، ذات العيون البهية، وهي تزحف مثل غيمة في رقاق الكون، لتركع بين يديه«دون أن يرفّ له جفن»، مَن هي هذه المرأة الحلال؟ وعمّ تريد أن تكفّر؟ شعرها الأسود الطويل، ذو اللمعة البارقة، هو الذي يبدأ ركوعه اللامتناهي، أولاً. لكأنها كائنان: شعرها، وهي! لكنه لا يرى الفرْقة بينهما. أو هذا ما أراه أنا! ولا بد أن أكون على خطأ. وشيئاً فشيئاً، آلَفُ الجو والمكان. وابدأ بتغيير «مَجالسي»، وأُعَدِّدها، مقترباً من مصدر السر، حتى أصير، أخيراً، في مواجهة الكاهن الجليل، ذي الوجه المليء بالمَغَر والتزايين، وقلادات الورود الصارخة الالوان تتدلّى، مثل قلائد الاعتراف الأخير، من عنقه. أحاول أن أفهم عن قرب ما لم أدركه عن بعد. لكن المسافة ليست مصدر معرفة، وبخاصة عندما يتعلّق الامر بالخواص. بخواص الكائن الأساسية التي تميّزه عن الآخرين. «لينغاراجا»، هو أقدم معبد في مدينة المعابد والتهاويل: «بهو بانْ سوار». وهو أكبر معبد فيها، أيضاً. بُني في البدء من أجل الآلهة: «شيفا» و«فيشتو». وصار يحوي إلى جانب المركز الرئيسي، معابد أخرى للآلهة الآخرين، ومنهم: «بارفاتي»، زوجة «شيفا»، و«غانيش» ولده ذو رأس الفيل، والأله الثور «نانْدي»، و«غارودار» الإله الطير. ولهذا المعبد الخرافة برج عال، رائع الهندسة والتصميم، وهو منحوت بدقة أسطورية، حتى لتظن أن تعاريجه من خيوط الحرير. ويُقال أن الأرض انشقَّتْ عنه، وخرج من قلبها (ولدته) بكماله هذا! إنه، فعلاً، أُعجوبة كونية. في «خانْدا غيري»، المعبد المحفور في الصخر، كأنك في «البتراء»! في صخور الجبل المهيمن فوق المدينة، يقع هذا المعبد الصخوري الهائل الحجم. يقوم فوق مرابض الحقول والأشجار. تحته في البعيد تتلامع التربة السهولية الحمراء، وكأنها تشرّبت بدماء الغيم. أي عجب يثيره في احشائك «معبد البتراء» الهندي الذي كنت تجهل وجوده قبل أن تراه! وهو ما يثير السؤال حول نوعية المعرفة التي يدعيها البشر القاعدون عن السفر! لماذا وُجد الكون إنْ لمْ نكن نحلم بزيارته واكتشافه؟ في الهضبة المقابلة لخاندا غيري، يقوم معبد هائل آخر: «أودايا جيري»! وإلى قمته، يصعد درج حجري منحوت في الصخر. يصعد متلوّياً مثل درب خفي عن الناس، إلى أن يقف أمام الباب الملوّن للمعبد القديم. لكأن الرهبان كانوا يختبئون في زواياه عن نظر البشر، ليحلّوا أنفسهم أمام الله. وفوق الدرجات الحجرية العديدة يُقعي العشرات من المُسوح والرهبان وطالبي العيش والزاهدين والبؤساء الذين لا يفرقون بين وجه ووجه، وإنما بين يد تمتد ، ويد تنكفئ! مئات المقعدين والجاثمين على الحجر الصلد ينتظرون الرحمة. يتطلعون إلى القادمين وكأنهم المطر. ينادون بلا تحديد: بابو! بابو! وهم يمدون أياديهم السود المحروقة من ملامسة الشمس. فوق هذا الدرج الحجري المنيع الصاعد إلى الغيم، التقيت بالصبي الأصلم، المقطوع من الكتفين، وهو يتحرك تحت جلده، كالدجاجة التي بُتِر جناحاها! أرعبني المشهد، فاكتفيت بأن جَثَوْت على القاع جالساً مثل مَنْ ينام قاعداً، وأنا أتساءل: مَنْ قام باستئصال طرفيه العلويين؟ ومن أجل أي شي، إنْ لمْ يكن من اجل العيش؟ أيكون البَتْر الذي تم كان الخيار الأوحد بين الحياة المعطوبة، والموت جوعاً؟ هذا ما أميل إلى الاعتقاد به، وأرجو ألا أكون مخطئاً، هذه المرة، أيضاً. سأصعد إلى أعلى الهضبة التي تطل على الفضاء المليء بنثار الشمس. في قمتها تنتصب المنارة المحفورة في الحجر القاسي، ليحتمي بها الرهبان البوذيون. وهي إحدى عجائب الهند، وقد حُفرَتْ منذ القرن الأول الميلادي. يزرورها المتعبّدون من شتى انحاء البلاد. من قمة الهضبة المقدسة، وبنظرة واحدة، أُحيط بالسهول الخصيبة التي تمتد مثل بساط عملاق فوق وجه القاع. سهول تترامى خضْراً حتى خلائج البنغال التي تنتهي بالقرب من «بوبانسوار». سهول مستوية بلا تضاريس، ما عدا بعض التلال المتناثرة، مثل شامات على خد جميل. تلال تذكرني بتلال الجزيرة الممتدة شرقاً وشمالاً حتى«طوروس»! ولربما كان هذا الانتهاء التدرجي للخلائج، بعد أن عبرَتْ تلك السهول الخصيبة، وراء وفرة المعابد المقامة هنا (ألا يذكرنا هذا بوادي الرافدين ومعابده الأم؟)! هنا ستكتشف، من جديد، أن التاريخ هو الحياة. وأن عليك أن تتروّى، قليلاً، قبل أن تبدأ اضطرابك المكتوم. العالَم المتعدد الأشكال والأهواء، هو وحده، الحقيقة. وليس الروعة إلا وجهاً من وجوهها. والناس وإنْ كانوا بُعَداء يظلون جديرين بالرؤية والحُب. أوليسوا هم، أيضاً، سكان هذا الكوكب؟ لا أحد يستحق الإهمال في هذا العالَم! هذا هو الدرس الذي علّمني إياه معبد الهضبة، هذا، الذي سأتركه، الآن، وربما لن أراه أبداً، من بعد! والدرس الذي لايُعاد هو أفضل الدروس. في الطرف الآخر من المدينة، وعلى بُعْد عشرة كيلومترات، يقع المعبد الآخر: «دولّي»، الذي بناه الامبراطور «آشوكا»، في القرن الثالث الميلادي. هو الآخر أُنشئ فوق هضبة ،تمتد حولها السهوب والاسباخ. وتغمرها الأنهاروالجداول والاشجار. لكأننا في بساتين «دمشق» قبل عقود! الفضاء المحيط بالمعبد ثاقب الخُضْرة والنقاء. فضاء يتعارض، رأساً، مع فضاءات المدن المليئة بالقذارة والسائلين. هنا سأشعر بالرضى، لأني كدت أنسى الطفل المصلوم الكتفين الذي رأيته هذا الصباح. هكذا هو العالَم: قذارة ونضارة. على مصطبة الحجر المستديرة، سأجلس وأسجل: معبد «موكْتيشوارْ تَمْبِل»، الذي وصلنا إليه منذ لحظات يثير القلق من شدة روعته! معبد مبني من الاحجار الخمرية الصلدة، ذو هندسة دقيقة، وكأن مادته صُنعت من حرير الحجر! سيدهشني هذا المعبد الصغير إلى حد الدوخة. إنه يمثل روعة الهندسة في إقليم«أوريسّا». وهو، أيضاً، معبد بمعابد كثيرة. فيه خليط من معابد الديانتين: الهندوسية التي رمزها الأسد، والبوذية التي رمزها الفيل. جدران هذا المعبد يزينها، مثل أكثر المعابد التي مررنا بها، صور الراقصات الغُنَّج، وآلات الموسيقى، وحركات الرقص الفاتن الذي تؤديه راقصات المعبد الحِسان. تؤديه بفتنة وشغف، لا يُقلل من روعتها انهن تحجَّرْن منذ مئات السنين! راقصات يظللهن الشجر والماء، وهما رمز الخصب والحياة. كـــــالكـــــــوتــــــا! من «بهو بانْ سوار»، سنستقل قطار الليل العابر شرقاً إلى «كالكوتا». قطارـ مدينة، مثل قطارات الهند الطويلة المدى، الأخرى، وأكثر. قطار خرافي ينقل أهل منطقة كاملة، ليلاً، ليقذف بهم، عند الفجر، تحت أقدام المدينة ـ الأعجوبة: كالكوتا، أو«قالْقوط»، حسب تسمية «ابن بطوطة» لها. الوصول فجراً إلى خليج البنغال، مدهش. غابات، وأمواه، وسكون. قصب، وأشجار لم أرَ مثلها، من قبل. فضاء اسطوري يستقبلك عبر زجاج القطار الدامس. ضوء الفجر المنبلج يأتي من أعماق الأرض خفيفاً، وكأنك أنت الذي يتحكّم في شدته ومداه، لئلا يزعج عينيك بعد نوم متقطّع باهتزاز. اهتزاز ظل طوال الليل ينتقل من كتف إلى كتف، ومن رأسك إلى قدميك. يهدهدك، مثل أمك القديمة في براري الجزيرة الحمراء! يهدهدك لتصل مليئاً بالفرح والغبطة إلى عالمك الجديد، وأنت ممتلئ بنفسك، وكأنك ولدتَ، للتَوّ! على أطراف خليج البنغال، الماء تغرق الأرض، لكن الأرض تتنفّس عبر جذور الشجر والقصب، ذي الخضْرة المدوّية. حتى القطار أحسّه يتريّث في سيره ليتمتّع، من جديد، بهذه الروعة الكونية التي يمر بها منذ سنين. وفي البعيد، عند خط الأفق، أو عند المرتسم الكوني للفضاء المرمي بلا اهتمام فوق الأرض، تتحرك أزوال ضئيلة، تحمل على رؤوسها أكواماً من القصب، أو من الزَلّ، وهي تدب فوق القاع مثل نمل شجاع لا يحب الكسل. إنها الكائنات، أو«الموجودات»، الأقل شأناً، ولكن، الأعظم أثراً، في هذه الطبيعة المثيرة. أحب أن أراها كالكوتا، المدينة ـ الأم لبؤساء الكون! نمشي فوق الماء باتجاه كالكوتا، ولا نصل. تتغيّر المشاهد والارتسامات، وتكبر الازوال، وتضأل، ولا نصل. كنا، في الحقيقة، في أطراف خليج البنغال، وحسبت، خطأ، أننا اقتربنا منها. صرت أعرف الحال من المشهد: طالما أن البؤس بعيد، فكالكوتا ليست قريبة. والبؤس يرتسم حتى على الماء. بعد سير طويل، يتغيّر المشهد، وتطفو«البآسَة» فوق الأثير. وبالفعل، تغدو الماء ركيكة وحمراء، وعلى وجهها أقفال من النتف والقشور. وفوق أعذاق الشجر خِرَق وخيطان. والأزوال التي كانت متمكنة في مشيتها، قبل قليل، تبدو الآن وكأنها تقاوم الريح، مع أن الجو ساكن وخبيئ. ولم يعد الأفق موجوداً، صار كتلة من قتام. والناس الذين كنتُ أراهم، لا يرون أحداً، ولا يتطلّعون إلي أي مكان. لكأن العالم، كله، يتلخّص في نقطة واحدة فوق الأرض، هي المدينة الأم: كالكوتا! حتى القطار بدأ يتريّث في سيره، إن لم يكن يتراجع، لتكتمل سيرورة الأشياء! أخيراً، وصلناها! كالكوتا، أم البؤساء الكونيين. عاصمة التلوّث والغبار. المدينة ـ الكون. أنظر! ما هذه الحشود المتراكضة مثل ذرات التراب المنثور في الهجير. مثل نُثار عجاج الجزيرة في يوم خريفيّ ساخط! كيف لي أن أتوجّه عبر هذه الجموع الخرافية، وإلى أين؟ أقف قليلاً، عند الهبوط من القطار! أبحث عن النقطة التي يمكن لي أن أتنفّس منها. عن بقعة ضوء قد ألاقيها فوق هامات البشر المتراصة مثل كتل الوحل! أريد أن أملأ عينيَّ بالمشهد الكوني «للإنسانية الحديثة»! أريد أن استوعب المشهد قبل أن تبتلعني هذه الجموع المتغالبة مثل أُسُود جوعى! بلى! أنا نفسي كنت جائعاً، وحافياً، ولكن لم أكن أشكل كتلة صماء مع ملايين البشر الذين هم في وضعي. كانت بادية الشام فسيحة، ومشمسة، ولا تلوّث فيها. ولم يكن الفقر، أو البؤس، يشكّل كمّاً لا يُحاط به، ولا يقوم كله في نفس المكان. هذا المشهد الانساني المرعب لا يمكن إدراكه للوهلة الأولى. ولذا كان عليَّ أن أجثو على الطريق ، طويلاً، قبل أن نقرر إلى أين نسير! أرى التهاويل في صباح كالكوتا الاسطوري. انثني على ذاتي مثل قطعة من قماش قديم. لا أحد يسند رأسي! ونفسي صرت أحسها خاوية! كل الذي امتلأت به ، من قبل، لم يعد بذي معنى. لكأن الأسانيد «الإنسانية» التي كانت تحملها كارهة، أوشَغوفة بها، لم تكن إلا ذرات من رماد، ذاب مند أن ابتَلّ بأثير كالكوتا الآسِر! وفجأة، ينقضّ عليّ مثل الأسد الهرم، وكأنه موكّل بانتشالي من عذابي: رجل طويل، شاحب السواد، مليء بالوسخ والتجاعيد، هائل الجثة، مثل حصان قارب النهاية: نهاية حياته التي كانت ، دائماً، عسيرة. وسألني بتصميم، وكأنه يريد أن يجرني معه: تاكسي؟ لم أرد على الفور، لأنه ذكرني بأبي، هيئة وتصرفاً، وبخاصة عند كان يسطو على الآخرين. وخجلتُ منه، وكأنني كنت أعرض أمامه أحوالي الأولى. ولم يكرر السؤال، بل مشى وطلب مني أن ألحق به. وقبل أن أتحرك، وافقت «سلوى» على العرض، فوراً، وكأنها تخلّصتْ من خوف خفي، ومشتْ! ووجدتني ألحق بهما مثل كلب كبير لم يعد يحوش عشاءه، وما عليه إلا أن يتراضى مع الجِراء. رعب! رعب ضاغط يتلبّسني إزاء هذه الكمية الخرافية من الناس. وأصير أردد في رأسي، وأنا ألوُزُ بعينيّ في كل الجهات: يمكن أن نفكر بكل شيء، وأن نقول كل شيء، ولكن أن نجمع مثل هذه الكمية من البشر في بقعة واحدة، وبنفس الوقت، فهذا ما يفوق حد التصوّر والخيال! وهو ما يعني أننا لا نستطيع أن «نفعل كل شيء»! واستحضر أقوال بعض شعرائنا «الكبار»، وهم يرددون بتبجح غبي: «أنا من لا مكان»! (جو سُوي دو نولْ بارْ، بالفرنسية). وأكاد اضحك مثل مهبول في برية بلا قرار. ولكن أين هي، هذه «اللامكان»؟ وما معناها في هذه الحالة؟ ولِمَ لمْ نتعلّم، نحن العرب السذّج، من الغرب إلا «صيغهم الغبية» التي لم تعد تعني، حتى عندهم» شيئاً! لابد أننا ما زلنا في مرحلة الطفولة الإنسانية، في العصر الحديث. لنتابع. ودون أن ينتظر أمراً مني، يبدأ المسير. سيارته صفراء عتيقة، مليئة بالرثاث والتراب. لا يسألني حتى عن الجهة التي أريد أن أذهب إليها. أيعرف إلى أين نحن ذاهبون؟ أصير أتململ في مقعدي، منتظراً بعض العلامات. لكنه يظل صامتاً. مصمماً على اختراق غبار السيارت الذي يتكاثف حولنا مثل غيوم عاصفة حطَّتْ، دفعة، على الأرض. ولم أعد أطيق صبراً، فسألته أنا: إلى أين تقودنا؟ لا تقلق! قال، ولم يُزدْ. وبعد لحظات أعدت السؤال بقلق ظاهر، هذه المرة. وأدرك خطورة الكلام، فشرح: المسافة طويلة، وفي كل الأحوال علينا أن نعبر الجسر، أولاً، وبعدها تقول لي إلى أين تريد أن تذهب. الجسر؟ اسأله مستعجلاً؟ ويجيب: آه! جسر كالكوتا القديم، ألم ترّه من قبل؟ وأظل ساكتاً، والاختلاجات تعبر صدري، وأقول: «آوْرا بريدج»؟ ويؤكد :«يسْ! أولْد بريدج أوفْ كالكوتا»! لنتابع. أقول. وتقرصني «سلوى»، آمرة : اسكتْ! وأنا أُدَمْدِم، في خيالي، مأخوذاً! وبغتة، تنحبس أنفاسي، وأنا أرى أكوام الكائنات تتزاحم فوق بقعة عملاقة من الحديد. كائنات محمّلة بأغراض ومزاحيم. تركض، وتمشي الهرولة، وتهذب، وتقفز فوق الأرض، حتى لا تدوس على الماشين الهُوَيْنى. وأصرخ: الجسر؟ ويجيب دون أن أسأله :«يسْ! أولْد بريدج أوفْ آوْرا». وأفهم منه أن هذه «الآوْرا» هي الاسم الهندي القديم لكالكوتا، أو للجزء الذي بُني عليه الجسر، منها. ما همَّ. أتابع النظر مدهوشاً. هأنذا أرى لأول مرة شيئاً اسطورياً كهذا! وأفهم «دون شرح»، وبشكل عفوي، مراد «ت. س. اليوت» في الأرض الخراب، وهو يصف «الحُشَيْد» على «جُسَيْر» لندن! وأطلب من السائق التوقف، قليلاً، لأرى الكون! لكنه لا يسمع حتى كلامي. كان السيل الهادر يدفعه على الطريق، مثلما تدفع مياه سُدّ متصدّع خشبة عائمة في منحدرها! وتُسكتُني الدهشة، لا شيء آخر غيرها، وأنا أردد بتصميم: سأعود. سأعود. ستعود معها على قدميك. وستلتهمك الحشود الرَمّامَة وهي تحاول عبور الجسر القديم. حشود خرافية تتزاحم مثل قُطور الماء في مزنة ربيعية في«الجزيرة»! أيها الرجل الصغير، كيف قذفت بك الأقدار على هذه الأرض؟ ومَنْ جاء بك إلى هذه المدينة ـ الكون؟ يقولون: أنا من لا مكان! وهنا تشعر أنك في كل مكان. وتلك هي الحقيقة التي لا مفر من الااهتداء بها للوصول إلى نقطة البداية: نقطة الحياة! حشود تجُرُّك معها مثل نقطة في موج هادر. تحاول أن ترى ما أمامك، ما وراءك، ما حولك، عبثاً! لكأن حشود الكون، كلها، اجتمعت في نفس اللحظة، وفي نفس المكان، فوق جسر كالكوتا القديم. وبالرغم من إيقاع الحركة المتسارع، والمشي الذي لا يتوقف، حتى عند مَنْ يسقط ارضاً، تنتحي جانباً، تحاول أن تجد في الفراغ المرَكَّز بين قضبان الحديد، موضعاً لقدم واحدة، فقط، لتقف هنيهة. وجهك إلى الماء، وظهرك للعابرين الكُثُر، وعيونك مشدوهة من شدة الجَمال! جَمال العبث الكوني الذي لا اسم آخر له. تقف متشبثاً بالحديد، وتقف باللصق منكَ، داحسة نفسها فيك،«سلوى»، لئلا يلتهمها السيل البشري: سيل الحشد الذي لا يكف عن التزايد والاقتحام. اليوم، يكفي! تقول. وتقول: سأعود. سيمفونية النعيــــــق! في فجر كالكوتا، توقظني الغربان الجحيمية بنعيقها الحاد، وكأنها تنعي مصير البشرية الآيل إلى العدم! يتداخل في هذا النعيق المرير، نباح كلاب داشرة، فيغدو الفجر ملوّثاً بالرعب! رعب الأصوات الخادشة للروح. في«بادية الشام» عشت مع الكثير من الكلاب، وعرفت الكثير من الغربان والصقور، لكنني لم أشعر ، ذات يوم، بأنها يمكن أن تكون مصدر إرعاب، وإزعاج، إلى هذا الحد. غربان كالكوتا لا تشبه بقية غربان العالم. لها مناقير حادة ومعقوفة قليلاً مثل مناقير الصقور. وهي طيور عدائية وهَجّامة على العكس من غربان العالم التي تخاف من ظلها (كما يقولون)! وهي لا تقترب من مكان، ولا من أحد، لا تستفيد منه شيئاً! تنظر إليك بإمعان، وكأنها تريد أن تفهم ما تخبئه لها. وقبل أن تحط على الأشجار، تحوم حولها فاحصة، باحثة حتى عن النمل. وعندما تعثر على شيء تنعق بطريقة مرعبة ، فتجتمع على الفور بقية الغربان لتتأمل المشهد، أو لتشارك في الوليمة، قبل أن تتفرّق باحثة، بشكل فردي، عن سبب للبقاء الجماعي على قيد الحياة. في كالكوتا، لا تمطر السماء ذهباً، ولا فضة، وإنما تمطر تلوّثاً! إنه المطر الثقيل، ذو الكريات المتساقطة كنُدَف الثلج: ثلج التلوّث المعمّم في كالكوتا. منذ الخطوة الأولى في فضائها، تمتلئ نفسك بهذا التلوّث الماطر. تلوّث يهطل من السماء، لا ينبع من القاع، فقط: «تلوّث الميغا بول الكونية»! كنت أحسب أن القلب أقفل، ونام، وهاهوذا يستيقظ في كالكوتا. أيقظته البشرية التي لم تعد تخشى شيئاً من شدة إهمالها. ولم تعد تحسب حساباً للمخاطر أو الانكسارات: إنسانية في الدرك الأسفل من الجحيم. ولا معنى لأي تبرير (أما التفسير فلا تشغل نفسك به!) لوضعها حتى ولو كان في جانب الحقيقة! ووجدتني أُردد كلمات عالمي القديم الذي حسبتُ أنني تخلّصتُ منه إلى الأبد: «أنا حزين كالغرابْ/ كحَفْنة من الترابْ / كالنأْي من بعد إياب». «أنا حزين كالضجرْ / كَشِلَّة من الغجرْ. أنا حزين»! منذ ان انغمرْتُ بهذه الفوضى الشديدة التنظيم في كالكوتا، صرتُ أردد: ولكن، كيف هي الحياة في نقاط البؤس الأخرى على الكوكب الأرضي؟ ولكي تفهموا ماهي «كالكوتا»، أو لكي تقاربوها، يكفي أن تستحضروا «بولاق الدكرور» القاهري، أو«الغورية»، أو«باب اليمن» في صنعاء، وتكتبون عليها: نيويورك، أو باريس، وعلى كالكوتا، تكتبون أسماء تلك الأماكن. هنا، ثمة بشر كثيرون، يعيشون، ينامون، ويصحون في قلب المزابل. يقضون يومهم ينبشون في القاذورات من أجل شيء يمضغونه (فما يؤكل لا وجود له في هذه المواضع). ومنذ أن تحط الشمس رحالها يخرج المتخبّئون من أعماق الغيران المجهولة ليحطوا أجِلَّتهم على سطح الأرض في الشوارع، والساحات. ويقدر عدد هؤلاء «الليليين» بملايين من الناس الذين يزحفون لاحتلال فضاء المدينة منذ أن تغرب الشمس. إنهم سكان الليل، في مقابل سُكان النهار. ولكن ما يهمكم أنتم من كل هذا، وأنتم تنعمون بالقرب من أمهاتكم؟ في مدينة البؤس العملاقة، هذه، لا يعادل بؤس البشر سوى شراسة الطيور! وبخاصة غربانها السود البراقة وكأنها مطلية بالقار. حتى العصافير الصغيرة كاسرة وعدائية. لكأنها أدركت الخطر الكاسح الذي يهدد حقها في الحياة. كالكوتا: عالَم في مدينة! وفي كل بقعة منها يعشعش البؤساء. الكوكب الأرضي، كله، يمتزج فوق هذه المحطة الكونية التي كانت قرية صغيرة للصيادين. ومنذ اللحظات الأولى في (1690) عندما اكتشفها المستعمرون من برتغاليين، وفرنسيين، وهولنديين ومن بعد الانجليز، الذي جعلوا منها عاصمة الهند (صارت دلهي العاصمة، سنة1912) وهي تسحر الكون! بدون كالكوتا لا يمكن فهم العالَم، ولا إدراك حقيقة الوجود! |
|||||
|
|||||