عبده وازن...   المتخيـل فـي «نار العـودة»

 

نبيل منصر


١ - القلق الميتافيزيقي والدوال الإيقاعية

كل عمل شعري تلتهب بداخله النار الأولى يتمتع بقوة الحضور، وبقدر ما يرتبط هذا الحضور بالذات تكون له فيوضاته الميتافيزيقية، ما دامت النار التي تسمه تحظى بالقدرة الدائمة على الإشعاع الرمزي. إن النار التي دشن الشاعر المعاصر بسرقتها دخولا في حداثة مطلقة، هي التي يجعل منها عبده وازن، في هذا العمل(١)، حافزا للعودة. والسؤال المحير الذي يلسعنا بقوة لهبه هو: كيف يمكن للنار التي ترتبط في سياقها الميثولوجي بلعنة الخروج أن تقترن الآن برغبة العودة؟ لعله السؤال الحارق الذي يمزق الذات الكاتبة ويحكم على نار عودتها بالاستحالة ، وينفخ، في آن، في تجربتها نار الشعر العظيمة.

من قلب هذه الخلفية الميتافيزيقية ينبثق ديوان «نار العودة»، وفيه يستجمع عبده وازن كل عناصر تجربته ليقذف بها في اتون المستقبل. وهناك تبقى نار العودة دائما موقدة كأشواق تؤجج الشعر وتصل لاحقه بماضيه. إن قصيدة عبده وازن المستفيدة من النثر الديني ومن كل تجربة شعر النثر العربي الممتدة من جبران الى اللحظة الراهنة، فضلا عن الشعر الغربي، تعرف كيف تنمي في «نار العودة» خصوصية مشدودة الى تعبيرية الداخل ومنفتحة، في آن، على القلق الميتافيزيقي الذي يبئر اللحظة الشعرية ويمنحها ديمومة وامتداداً. ان الهاجس الميتافيزيقي الكامن خلف تعبيرية الديوان يجعل الذات الكاتبة تعيش تمزقها شعريا على أرض القصيدة بين وداع مؤلم وعودة مستحيلة، وهو ما يسم التجربة الشعرية بنزعة أورفية منكسرة تغوص في الميثولوجيا الشخصية للشاعر، فهو مثل أورفي «لا يستطيع أن ينقد ما يحب إلا بالتخلي عنه، لكنه يتلفت مع ذلك قليلا نحو مصدر الحب».(٢)، ومن هذا المصدر تندفع قصائد الديوان بقوة النار التي تعتمل بداخلها، في هيئة أغانٍ أو مزامير تنشد وحلا مستحيلا:

- الأغنية التي لا يؤديها أحد/ تتهادى من وراء النافذة/ تحمل إلينا زهرة الثلج/ وماء الصحراء/ على وقعها نغفو قليلا/ حالمين بجزيرة الضوء/ بالشمس الاعذب من ينبوع.

                                (الديوان، ص117)

إن الأغنية المنبثقة من الأعماق الميثولوجية تحمل للذات «زهرة الثلج» و«ماء الصحراء». وهذه الأعماق لا يسيجها وعي ينسج حدودها، لهذا فالاغاني الصادرة عنها تبقى بلا ذات متلفظة، أو هي على الأقل لذات مجهولة الهوية.

ترتبط الاغنية باستعارات مائية تجعل تجربة الذات مفتوحة على الأهوال. فـ«زهرة الثلج» و«ماء الصحراء» تراكيب استعارية يقترن جمالها بحد الخطر الذي تنطوي عليه كايحاء موصول بمفهوم التجربة. وهي تجربة داخلية ذات ظلال أورفية يحيل عليها لقاء الأغنية بالماء وما يترتب عنه من سكوت (نغفو قليلا) باعث على الحلم. واستيقاظ هذه الطاقة في الذات يقترن برغبتها المستحيلة في العودة الى «جزيرة الضوء» مثلما يرغب اورفي في العودة بحبيبته الى الحياة. إن النار التي كانت تلتهب بأعماق اورفي، وهو في طريقه الى حبيبته بالعالم السفلي، هي ذات النار التي تندلع بالذات الشاعرة عندما تحلم بأرض «تشرق خلف العيون» لعلها أرض الفردوس المفقود:

- الأغنية التي تنضح/ بجروح عذبة/ تخبئ في ثناياها/ لهاث شجرة/ نسيم أرض/ تشرق خلف العيون.

                        (الديوان ، ص118)

هناك إحساس حاد بالفقدان يطالعنا في «نار العودة»، والشعرية لا تنعقد فيه إلا من داخل جراح رمزية تتطلع للاندمال. والمسافة الفاصلة بين الجرح وأفق العافية تؤثثها تراكيب شعرية تعبيرية ورمزية لا تنطلق من حاجة الذات للوصل والعودة إلا لتصوغ قدر استحالتها الممزق. وهنا تقف القصائد كترياق بلا فائدة ومع ذلك فهي تبقى ضرورية للاستمرار. ويتسع أفق الضرورة هنا، من داخل، يقيده من شرط جمالي وانطولوجي ليسمَ تجربة شعرية ذاتية بقدر ما هي موضوعية لأنها تلتقط قدرا إنسانياً عاماً ومشتركاً. من هنا مصدر هذه الذات الجماعية التي تنهض بالتلفظ في مجموعة من النصوص والتي تلخص القدر الانساني في تمزقه بين مصير محتوم وعودة مستحيلة.

معظم الإيحاءات الوجودية في «نار العودة» تأخذ من تعبيرية «الوجه»  مركز اشعاع دلالي. وهنا يرتفع «الوجه» الى رتبة دال إيقاعي تنجذب إليه الدوال الأخرى البانية للمتخيل الشعري، وتنبثق منه التعبيرات المؤسسة لقوة اللحظة الشعرية ولشبكيتها الايحائية في الديوان.

ويحفر الوجه في «نار العودة» في علاقته بدال آخر هو دال «المرأة» وشبكية الايحاءات المنبثقة عن العلاقة التبادلية بين الدالين ترتبط بمفهوم الانعكاس او التعبير الذي يجعل غنى الداخل المتمزق قابلا للنقل والتحويل عبر لغة شعرية صافية وشفافة . إن عبده وازن، وهو ينشد عودة مستحيلة لا يجعل من اللغة الشعرية قربانا وأضحية، وبالرغم من الهاجس التعبيري الذي يتحكم في بعض نصوصه فان لغته الشعرية تنطوي، في أحيان كثيرة، على بذخ جمالي يقف بنصوصه على تخوم الفن الخالص.

ينجذب الوجه شعريا لدوال أخرى تعتبر جزءا من حقله الدلالي، مثلما تستدعي المرأة دوال رمزية تتبادل معها الاضاءة. وعلى رأس هذه الدوال يمكن أن نشير الى زوج «العيون والماء»، فهو زوج يكثف «الوجه» في دال «العيون» ويفتح «المرآة» على «الماء» كمرآة رمزية تنعكس على صفحتها الأحلام والندوب والانكسارات. وضمن هذا المتخيل الشعري الذي تبنيه الدوال في تراكيبها المجازية، لا يكشف «الماء» عن ذات نرجسية مفتونة بجمالها، بقدر ما يكشف عن ذات ممزقة بين مثال مستحيل وواقع ناجز. ولعله التمزق الذي ينمي في «نار العودة» زمنا داخليا لا تحدده حركة الشمس في دورتها الطبيعية بل الرمزية. إنها «شمس الألم» التي لا تكاد تغرب في قصيدة حتى تشرق في أخرى، ناسجة من رمزية النار متخيل التمزقات الداخلية التي لا سبيل لرتقها ما دام أفق العودة مشدوداً.

٢ - الفردوس المفقود

قبل أن تنشد الذات الكاتبة في الديوان عودة مستحيلة فهي تبني في نصها الأول فردوسها المفقود. إنه نص «أزل» بعنوانه الدال. فالأزل مطلق يفرق الكائن في فردوسه حتى تصبح كل الخلجات والأفعال خاضعة لقانونها الخاص بما هو تحرر من شروط الزمان والمكان.

تسبح قصيدة «أزل» في زمنها الخاص: زمن ما قبل الانفصال والطرد والوداع بما هي مرادفات تستبطن لعنة مقترنة بالايحاء الديني لدلالة الخروج. إن الكائن الشعري في الديوان ليس كائناً دينيا لكنه يجر معه فيما يبنى من نصوص إشعاعات من مختلف المعابر والمراجع، وهو ما يمنح اللحظة الشعرية قوة وعمقاً تتجاوز بهما الزمن التاريخي الى الزمن البدئي والوجودي.

تنهض القصيدة على تكرار لدال ايقاعي ينسج عمق المتخيل فيها. وهذا الدال هو «السماء» بما توحي به من سمو وتعالٍ. دال يقترن في النص بصفة «القرب»، ضمن تركيب شعري ينهض بوظيفة تكرير الترابط بدءا بالمقطع الأول من القصيدة:

- عندما كانت السماء قريبة/ كنا نلمسها بأيدينا/ نقطف نجمة/ ونركض وراء غيمة الصباح/ وإذا أطلنا التحديق/ تمسي عيوننا زرقا/ وجوهنا يحل عليها ندى المجهول (الديوان ص٥).

يقترن دال السماء بزمن بدئي. وصفة القرب تنصرف هنا للدلالة على هذا الزمن الاول الذي تعمل الذات الكاتبة على بناء متخيله. وترتهن أفعال هذا الزمن بذات جماعية تنهض بوظيفة التلفظ لتصوغ علامات من فردوسها  المفقود. وهنا تكون أفعال اللمس والقطف والركض والتحديق، المحددة لعلاقة الذات المتلفظة بفضاء السماء، أفعالاً فردوسية تنطلق من الذات لتنعكس عليها في صيغة تحولاتٍ ، من نتائجها اكتساب العيون لزرقة مرادفة لمجهول يحل على الوجه: بؤرة الشعرية في الديوان ودليل الكائن الشعري الى ميتافيزيقاه الخاصة.

وتواصل الذات الكاتبة بناء علامات من فردوسها المفقود في احتفاء باذخ بالعناصر التي تتخلق وفق رؤية شعرية مخلصة لأشواق زمن الأوائل:

- في أعلى السماء/ كان القمر طريا كبرتقالة/ الشمس لطيفة كنسيم الليل/ كانت الينابيع تدفق بالزبد/ والأشجار تتطاير في هواء اللازورد. (الديوان ص٦)

وتأتي صفة اللطافة المقترنة بدال الشمس لتضفي على كل عناصر فضاء الفردوس رهافة تصل الليل بالنهار، في تبادل يفسح للتداخل والتوالج بينهما بما لا يترك مجالاً للتعارض بين قانونيهما، وبما يتيح للذات الجماعية مجالاً لاستعادة سعادتها الرحمية:

- وكانت كلما ضمتنا/ نتعرى من أشواك الألم/ مخطوفين ببهاء جنتها.                        (الديوان ص٧)

إن فعل «الضم» المسند لدال «السماء» فعل أمومي، يسم الفردوس المستعاد بالبهاء ويمنح كائناته حرية الفعل الخلاق، الذي يهيئ للذات ما يستحق به الفردوس اسمه وما يؤمن للذات شرط تحررها وانطلاقتها:

- كان الحجر يغني/ والشجرة تتنهد بالنسائم/ كان ذئب العتمة

أرق من منديل/ والخوف يقطر كالرحيق.

كنا كلما فتحنا أيدينا/ نحظى بعطور الفجر/ سهام الماء

تنكسر على وجوهنا/ شجرة الكآبة لا تنبت هنا/ ولا غصن

الفراق/ الدمعة حلوة كرعشة الينبوع . (الديوان، ص٨)

إن الأفعال وما يترتب عنها من تحولات تمس عناصر الفردوس تخضع كلها لكيمياء اللحظة الشعرية وقوة أثرها، الذي ينعكس، في النهاية، على وضعية الذات. وإن ما تعلنه هذه الذات من فعل الحظوة «بعطور الفجر» يكثف من دلالة استعادتها لزمن الاوائل، بما يطفح به من روائح وأصوات وطعوم ومياه تحيي الانسان وتكشف عن وجهه:

مجلى الوصل ومهبط السعادة الفردوسية.

وتنتهي القصيدة بتكرار الترابط ذاته الناظم لجل مقاطعها الشعرية، والمشدود لدال «السماء» كدال إيقاعي يبئر الدلالة، ويعدد ظلالها وابعادها النفسية والثقافية عبر تكثيف ايقاع حضور الذات الكاتبة في نسيج استعاراتها النصية:

- عندما كانت السماء قريبة/ لم نكن نطرق بابها/ كنا ندخل خلسة/ كي نفاجئ قمر الرابية/ وشمس الوهاد/ كي نباغت الظلال قبل ان تنبثق/ كي نداعب نسر الغابة/ ونلتقط حصى الظلام/ وكنا إذا عدنا/ تلوح في عيوننا زرقة/ ومن أيدينا يفوح/ بخور أرض غائرة/ من أجسادنا تهف/ أضواء الأزل.         (الديوان، ص٨ و٩).

تفصح سلسلة الأفعال الجماعية، التي تتسع الذات الشاعرة لاحتضانها، عن استعارات نصية تتكئ على التخييل الذاتي المنشود بظلال اسطورية، لها القدرة على استعادة زمن الأوائل بطراوته الوثنية وهالته الدينية. وبهذا تشيع أفعال مثل (ندخل، نفاجئ، نداعب، نلتقط) ظلالاً سحرية من غبطة الكائن المنتشي بحركته المساهمة في بناء وتأثيث فضاء فردوسه المفقود. وهذه الأفعال ذات الطبيعة الحسية المشدودة أكثر لليدين وانحدارها باتجاه العمق المؤسس لانتشائها وشفافيتها وتعاليها. وبهذا تكتسب تراكيب مثل (قمر الرابية: شمس الوهاد، نسر الغابة، حصى الظلام) في اسناداتها المجازية، عما هو من صميم تحول شرط الذات الذي تكتمل أبعاده، في النهاية، بحلول الفردوس في الذات، ومن ثمة، انعكاس ظلاله وبخوره وأضوائه الأزلية على الخارج.

٣ - العودة المستحيلة

من لحظة بناء الفردوس المفقود الى لحظة إعلان السقوط واستحالة العودة يرتسم مسار الدلالة في الديوان، فاسحا المجال للذات لبناء أحلامها وعرض انكساراتها وجراحها. ويواصل دال «الوجه»، في تضايقاته الشعرية مع دال «المرآة» بناء المتخيل الشعري للعمل من خلال فاعلية الانعكاس، التي تجعل الداخل منفتحاً على خارجه مثلما تجعل الكائن يعيش لحظة شفافية داخلية يكون العالم امتدادا لأثرها وديمومتها. وإذ يستحضر الديوان عنصر السماء بمختلف توارداته المعجمية، فإنما يجعل منه مرادفاً رمزيا لدال «المرآة» بكل ايحاءاته الميثية، ليبني من خلاله وبتضافر مع رمزية النار، متخيل السقوط والعودة المتسحيلة.

تكثف قصيدة «سقوط» هذه الدلالة التي تكشف عنها في عتبة العنوان، ليتكفل المتن بتنظيم نسقها وانتشارها الدلالي:

- الشعاع الذي سقط على السياج/ كان له صهيل حصان في غابة.

الحجر الذي رماه الغريب في البئر/ كانت له ضوضاء مملكة الليل.

الدمعة التي ارتمت على العشب/ اهتزت لها مدينة الموتى.

العصفور الذي أصابته كآبة الغسق/ تهاوى كحصاةٍ في حفرة العين.

الشجرة التي وقعت من شرفة الحلم/ ما برحت تسقط في الهواء.

                                (الديوان ص97)

تتواتر أفعال السقوط (سقط، رمى، تهاوى، وقع) في النص محدثة «ضوضاء» في «مملكة الليل». وبالرغم من اسناد هذه الأفعال الى قوى فاعلة مختلفة فهي تتضافر في رسم مصير الكائن بهذه المملكة السفلية الممتدة الأطراف. ويأتي دال «الغريب» ليحشد كل ايحاءات الغربة وظلالها التي تلازم الكائن في حدث «السقوط» وبعده. وإذا كان دال «الدمعة» يكثف المشاعر الداخلية وما يتصل منها بايحاءات الأسى والندم واللعنة، فان مجاز «مدينة الموتى» يرسم مآل الكائن الذي تلقفه التراب. وبالرغم من بساطة النص وتجريديته فان تواتر أفعال السقوط في بناء استعاراته، يجعل أصداء هذا الفعل تقف خلفية موسيقية جنائزية تصاحب نزول الكائن الى «مدينة الموتى» بكل أصدائها الاسطورية الموصولة باللاوعي الثقافي.

وبتساوق مع تواتر أفعال السقوط، ينتشر في الديوان جو رثائي مثقل بالدموع والغيوم والاستعارات الرمادية. فالذات الشاعرة، أمام غياب القدرة على الفعل، تجد نفسها منقاده وراء هواجس تعبيرية تفصح عن تمزقها أمام قدرية الموت وحتمية السقوط:

- الوردة نثرناها على وجهك/ لكن عينيك الخفرتين لم تسطعا/ الأغنية رددناها بلهفة/ لكن قلبك لم ينهض من غفلته.

- حين سقطت كريشة/ لم يرتفع من قلبك هديل/ ولا من يديك صرخة وداع!  (الديوان ، ص17 و19).

يكشف هذا المقطع عن أورفية مهزومة، لأن «الأغنية» لم تستطع ايقاظ قلب الميت من «غفلته». وبذلك تتفرط الذات الكاتبة، ضمن منطق غنائيتها الرثائية، في تمني عودة مستحيلة:

- ليتك أكملت كأسك بيننا/ فنجان قهوتك المرة!/ ليتك نظرت مرة أخرى الى وجوهنا/ وودعتنا بعينيك الحائرتين!/ ليتك أكملت رغيفك/ جلوسك على الكرسي المهجور/ ووقوفك أمام نافذة الغفلة.

                           (الديوان، ص21 و٢٢).

إن علامات الحياة (كأس، قهوة، رغيف، كرسي، نافذة) وما تكتنزه من دفء وحميمية، تصبح في لحظة مفتقرة للسند: الذات مبرر وجودها. ولا تستعيد هذه الأشياء اليومية بعضاً من بريقها إلا لتفقده أمام استحالة العودة. ولعل دال «المهجور» الذي ينعت «الكرسي» يتسع مداه الدلالي ليشمل كل علامات الحياة ليغرقها في ميتافيزيقا الغياب، وليغرق الذات الكاتبة في «فردوس الألم» (ص21) و«اللحظة الشائكة» التي لا تتعدد صفاتها في نص «عدم» إلا بنية التوكيد على وحدة الموصوف وقوة صلابته غير القابلة للاختراق:

- اللحظة الشائكة/ المنقبضة كالدم

حين لا وراء/ لا أمام.

اللحظة الحارقة/ الخاوية كالصدى

حين لا قبل/ لا بعد

اللحظة الكامدة/ المشرعة كالهوة

حين لا ضوء/ لا عتمة.       (الديوان ص35)

يتحد الزمان والمكان في دلالة سلبية تنعقد حول لحظة غارقة في الصفات الوجودية الكالحة. ولا تتعالى هذه اللحظة عن شروطها الطبيعية (لا وراء/ لا أمام، لا قبل/ لا بعد) إلا لتجعل من «العدم» لحظة مطلقة تبتلع الذات وتجعلها غير قادرة على المبادرة. ولعل خلو النص من بنية الفعل ينصرف لتوكيد هذه السلبية المطلقة التي تشل حركة الانسان:

- في المرآة أناس غادروا لحينهم/ تاركين وراءهم حدائق لم تكتمل/ أبوابا لم يقرعوها/ وكنوزاً تهجع في صمتها.

العيون مجروحة بسهم خفي/ المآقي مدلهمة/ والنظرات مكسورة كسنابل الشمس.

في الليل وقفنا كالرعاة الحيارى/ بعد ما فقدنا طريق العودة/ في الصباح بعيداً عن أسرتنا بكينا/ وعلى ضفة أشواقنا

جلسنا/ ننظر صوب السماء.    (الديوان، ص46 و47).

لا يزال القدر الجماعي يشدد الوطء على الكتابة ويوجه بنيتها الاستعارية. ويواصل مركب المرآة/ الوجه تبادل إضاءة بانية لمتخيل السقوط، وعبره يرتسم مصير «أناس غادروا لحينهم» لكنهم أضاعوا «طريق العودة». وما تستنفره الذات الكاتبة من معجم مخصوص يلتحم ضمن بنيات استعارية تخييلية تعرض صور الكائن العاجز المستسلم لمصيره. ولعل صورا مثل (وجوهنا المتغضنة، العيون مجروحة، المآقي مدلهمة، النظرات مكسورة) لا تتراكم بنية ابداع خلفية درامية لمشهد السقوط، وإنها لتشكل أحد أهم تجلياته التي تسم الذات بالعجز والانتصارية، من هنا مشهد الغرفة الصامتة والأبواب التي لم تقرع، المشهد الذي يتكرر في أكثر من نص:

- الماء في الأكواب/ الخمرة في الكؤوس/ الخبز ينتظر بريق الأيدي.

- في ذلك الليل/ لم يسمع/ وقع خطى/ ولا صرير باب

- لا هواء يحرك الأزهار/ على الشرفة/ لا صوت يرتفع/

- من الغرفة المقفرة.

- لا ضوضاء تهب/ من عتمة الخارج/ لا برق/ يشق سماء الأزرق./ الصمت الثقيل/ يخفي/ في ثناياه/ شعلة المجهول. (الديوان ص١٢١ و123 و124).

إن عناصر الفضاء الداخلي والخارجي للغرفة في (مشهد ١ و٢) تكشف عن «صمت ثقيل» مرادف للموت كدال إيقاعي، ينسج بتضافر مع دوال أخرى متخيل السقوط في الديوان، فأشياء الحياة (الماء، الخبز، الخمرة) تبقى غافية بانتظار فاعل لن يأتي. كما ان مؤثثات الفضاء الخارجي وما يقيدها من سلب لا تسفر إلا عن مناخ جنائزي يعتبر أحد تجليات مشهد سقوط الكائن واستحالة عودته. ولعل هذا المآل هو ما يجعل «الغرفة» تبدو على امتداد نصوص المجموعة، مقفرة وبلا نسائم تبعث الحياة في الأرجاء.

تتوزع جغرافية الضمائر في «نار العودة» بين ضمير المتكلم والمخاطب والغائب. فكل نص يخضع لهيمنة ضمير بعينه، سواء في صيغة المفرد او الجمع، ليسم المجموعة بتلك المزاوجة البالغة الرهافة بين البناء السردي والغنائي، وهو ما نتج عنه، في النهاية، مزاوجة المجموعة بين الانهماكات الشعرية الضاربة الغور في الثقافة الانسانية والتطلعات الحداثية المساهمة في صنع مشهد الكتابة في الشعر المعاصر.

ينتظم نص «حجر السأم» في بنية المخاطب، لينفتح من ثمة، على هواجس الذات التي تصوغ متخيل السقوط باعتباره قدراً جماعيا. وبهذا يغمر البعد المأساوي كل الأوضاع التلفظية لنصوص المجموعة، فيكون الموضوعي محلا لعبور الذاتي، كما تكون الذات محلاً لعبور الآخر، في نوع من تبادل الاقامة وتساكن الذوات. ولا يستقر نص «حجر السأم» ضمن بنية الاستفهام إلا ليعيد صياغة القلق الوجودي الذي يعيشه الكائن:

- قل من أنت أيها الجالس على حجر السأم!

وجهك لا ينبئ بأيامك الغابرة  وعيناك لا تبوحان بأسرارك!

ألم تكن كافية تلك العاصفة التي رمت بك الى هنا؟

النار التي أحرقت أصابعك ألم تحمل إليك عذاب الآلهة؟

                        (الديوان ص53 و54)

ومن جديد تتكثف الدوال الايقاعية لتواصل نسج متخيل السقوط. ولا تتوارى الذات خلف بنية المخاطب إلا لإضاءة مصير مشترك يلج على الكتابة ويطبع استعاراتها بظلال ميتافيزيقية. ويواصل دال الوجه/ العيون في علاقته التبادلية والرمزية مع دال «المرآة» رتق عناصر هذا المتخيل الممزق بين سقوط قائم وعودة مستحيلة. ورغم اقتران هذه الدوال (الوجه/ العينان)، في المقطع بدلالة سلبية فان واقع السقوط لا يكف عن الانعكاس في مرآة / الوجه الانساني الذي أصبح بلا ملامح أو تاريخ. ولعل لحظة السقوط تستغرق كل زمن هذا الوجه لتجعل منه حاضراً أبديا لا تغرب عنه «شمس الألم». ويأتي دال «النار»، بنهاية المقطع، ليصل النص بأفقه الميتافيزيقي: كتابة الشعر فعل مرادف لسرقة النار المقدسة والشاعر يتحمل من أجله كل «عذاب الآلهة» بما في ذلك لعنة السقوط، لينخرط، انطلاقاً منه، في نشدان عودةٍ مستحيلة.

هوامش

١ - عبده وازن: نار العودة، المدى، الطبعة الأولى، 2003.

٢ - رولان بارت: درجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الطبعة الثالثة، ص91.


تصميم الحاسب الشامل