|
|||||
|
يتوغل بول شاوول في مجموعته الشعرية «كشَهْر طويلٍ من العِشق » بتعريض خط مساره المختلف داخل الحداثة المكتوبة باللغة العربية ويبدو للعيان انه منسجم مع ذاته في تجربته الإبداعية. وكعادته يذهب بكل إصدار جديد له إلى ما هو مغاير عن سابقه ويأخذ بالتجربة إلى مناطق غامضة وخصبة في اللغة الأجواء محدداً علاقته بالوجود من خلال جوهر معرفي وجمالي- فكري. يقتنص في ممارسة الكتابة حالات مكتظة بالمعرفة الشعرية والوجودية ويغوي باستدراج كائن شعري بجسارة وتسخيرية في التجديد والتجريب وهو العارف في كيفية السيطرة على مفاصل قصيدته وتجنبها من السقوط في نمطية التكرار وإعطائها اعتباراً فوق الكثير من المقامات. بول شاوول قادر على تحقيق معادلة صعبة ومتفردة في مشروع الحداثة الشعرية المكتوبة بالعربية ويحق له ذلك لأنه قادم من تجارب مختلفة حيث له في الشعر - أيها الطاعن في الموت، ط١،1974،ط٢،.198،بيروت، بوصلة الدم، دار النهار للنشر - بيروت،1977،الهواء الشاغر، بيروت، ٥٨٩١،موت نرسيس، دار الحداثة - بيروت،1990،أ وراق الغائب، دار الجديد - بيروت، ٢٩٩١. في المسرح له - المتمردة،1975، فناص يا قناص، 1985، الساعة خمسي، 1985، ميتة تذكارية، 1990، الزائر، 1995. في الترجمة له - كتاب الشعر الفرنسي الحديث، ط١،1985 ط٢، 1990، بيروت، مختارات من الشعر العالمي، دار الحداثة - بيروت، 1990، في انتظار غودو، سلسلة المسرح العالمي - الكويت، 1990، نهاية اللعبة، سلسلة المسرح العالمي - الكويت، 1992. وبالإضافة إلى مئات المقالات عن الحداثة الشعرية والفن عموما وعن موقف المثقف من السياسة والسلطة بكافة أشكالها. «بين ليالٍ من شَتِيْتِ ما انقضى، ووردٍ مَلُولٍ، يَشهقنَ، مومساتُ الأمس، وكثيراً ما يَسْتَرْسِلْنَ في نشيج صعبٍ خلف أسمال أجسادِهن، وخلف نوافذَ أسِيفةِ الصبح ، رَخيةِ بين جفافِ الجلد وصفاء المرآة.» (ص 41) هكذا يكتب الشاعر بول شاوول قصيدته التي تضم رؤيته ومعرفته وطريقته في الحياة من زوايا حسية - الجسد بنفس متجدد داخل مشروعة الشعري ويشغل فيها حالات العشق المكتظ بالوجود وبها يستنهض الشاعر لغته في وجه العالم الماشي.من خلال هذا الإنشاد يحاكي الأعماق ويحرك الرغبة الأزلية في البحث عن امتلاء وتثبيت الرغبات المتجددة في انتظار ارتواء ظمأ متخف داخل إنسان.وهنا يؤكد المخلوق الشعري رغبته في التخلص من قسوة الكون ويفسح الممرات أمام المقصود في الإمساك بالمبهم والوصول إلى اعترافات مبطنة في أعماق الكائن البشري والكشف عن الانسان واقتراب من رغبات قابعة في دهاليز داخلية لهذا الكائن اللغوي. إن العشق والجسد اللذين يسيطران على مناخات هذا الكتاب هما مدخل التأسيس عن تأملات واستعارات متعددة في طرح الغياب والفقدان والكتابة ضمن نسيج اللغة الشعرية المتكاملة. فهو يمارس عليها بحرية مطلقة مفهوم تشعير اصل الأشياء والذهاب بها إلى اقصى حالات الكشف عن حقائق ورغبات داخل الحواس. وهو يطل في هذه المجموعة على وديان ومنازل العشق والرغبة بأنامل حاذقة يعمل على إعادة غرس الورد في مساحات شعرية لاتحمل إلا اسم بول شاوول نفسه وكارزميته الشخصية. «هكذا تقبلين عليَّ كشهر طويل من العشق، مُضَمَّخةً بَعَرقكِ القاطرِ علي، وبأنفاسك حَرَّى من ضيق الأسِرَّة، ومن هبّاتك الوردِ الشبقة على جسمك، وفَتيته المتناثر على عُري صبور، صبور كمرآة، وفاسق كبياض من الياسمين، ومنتفض بأنينه كتبتُّل قديسات في الدغل وفوق القصب والينابيع. كشهر طويل من العشاق والمأسورين والخطأة أرفعك من شهواتك كشَتْلة من ترابها ومائها وورقها، وأهتزك، بأجسامك السابقة، والمقبلة، والحية، والخفرة، والمقتولة والقاتلة، وأراك عبرها، كمن يخضن زغباً حاراً في يديه، أو كمن يفتح النافذة على سنوات طويلة من الأرق الُمشمس واليقظة المحرورة. وترينني بحواس من دغلٍ كثيف، ومن أقمار حُمرٍ عمياء ومن ارتطام أنّات أنّات من قعرِ الحُفَر، ومن حرائق، ومن اجتمار الأصابع، والعنق، ونثار ما يَمَّلِسُ على التمدد، والخروج بلا مقابل.»( ص٧) والواضح أن الشاعر يكتب قصيدة مركبة ويشتغل على علاقة المفردات ببعضها البعض وهو بذلك يشيد قصيدة بلغة باذخة ولكن يعمل على إخضاعها واستنطاقها إلى اقصى مدى ممكن في التعبير وتوظيفها كإحدى العناصر الأساسية للقصيدة المركبة التي تعتمد على فن الحذف في شكلها النهائي والتي تتميز بقسوة التعامل مع اللغة المكتوبة حيث يصل به الأمر أحيانا إلى تعريضها للقمع والعنف المسبوك في قطع الأجزاء الهشة من جسد القصيدة وهي أشبه بتعامل النحات مع مادة الحجر وبها نتلمس إصراره على التفريق بين القصيدة والشعر وهو يخلص لفن كتابة القصيدة ويؤكد ذلك من تذييل العنوان على الغلاف الأول للكتاب بكلمة «قصائد» وكما هو معروف إن القصيدة هي ارفع أنواع المكتوب وهذا النوع يعمل على التوغل في الذات والتي هي إحدى ابرز السمات الأساسية للحداثة العربية الشعرية وطموحها في التجاوز والابتعاد عن الشفوي والتطريب والغناء والمباشرية واليومي والبلاغي ونلاحظ انه يبتعد عن الكتابة المنبرية التي تجلب التصفيق والإعجاب في حالات الاستعراض الاستهلاكي حيث نلاحظ قلة مشاركته في المهرجانات والاحتفالات الشعرية التي أصبحت تكرس لبعض الأسماء وهم اصبحوا تقليديين يكتبون قصائدهم بما يناسب ذوق إدارة تلك المهرجانات التي هي ابعد ما تكون عن الذائقة والمعرفة الشعرية. وكما هو ملاحظ إن عدد كتبه لا يتناسب مع تجربته الطويلة. على ما يبدو لا يهم عدد الكتب بقدر ما يهم في كل إصدار طرح تجربة جديدة من حيث اللغة والموضوع وكأنها في قطيعة مع سابقاتها وهو من الكتاب الذين لا يحبون النمطية والتكرار والنسج على منوال واحد يبدو انه في هاجس وقلق دائم ولا يستقر على شكل معين بل يشتغل على كل تجربة بأدوات بما يناسبها من حيث اللغة والشكل ونراه يستخدم أساليب لا حصر لها منذ مجموعته «أيها الطاعن في الموت» وانتهاءاً بـ«كشهر طويل من العشق» التي هي الاحتفال بالجسد وبلغة الجسد في كل أحواله: جسد المرأة، جسد العاشقة جسد المترهلة، الجسد المتعب، الحي، الشبق، الجسد الايرويسي. نلاحظ انه يستخدم بعض المفردات التراثية بتشكيليتها الإنشادية- المزمورية بل هي تتكرر في اكثر من موقع في المجموعة وهي تأخذ بالقصيدة إلى أقصى العمق في التعبير التشكيلي وهي لا تبدو مصطنعة بل حقيقية الاصطناع لأن الموضوع يتطلب ذلك وهو يتعامل مع اللغة كنحات ولا يتركها إلا بعد إعطائها شكلا مسكوبا متناسقاً مع الكل. «وكيف لي وأنا على عتبة هامدة أن أصغي إلى الغرائز والصبابات وإلى ما يمليه بلاء الجسدُ بلا ندامة ولا جدوى وأنت مثلي كتلة من كتلٍ موزعة حولي بلا طائل ومن رميم الوقت ومن كدس القيلولة ترمين سهاماً طائشة في فضاء أعمى،، كأنها المسافات المبتكرة أو ما يقتل الموتى في عزّ ميتاتهم أو ما يثقل الحاضر بأجسام رثة وكآبات معتمة ومهارات تجري عبثاً بين آلاتها الفائتة. جسدك العاري وحيدٌ في عريه فاتر في تدفق أغساقه وظهيراته بلا طائل/ بين كتلٍ موزعةٍ حوله بلا طائل/عريٌ لا تخشاه العتمة/ لا يلمحه الضوء/ عري أحزن من يدٍ بلهاء ترتفع فجأة/ لتضم الهواء/ الهواء الأعمى/ الهواء الذي يختلط بالأشياء/ بلا وقع ولا ذاكرة ولا عبق/ شموسٌ عديدة ترخي ظلالها الباردة عليك/ جدرانٌ كثيفة/ تذوب في شفتيك/ تُفتُّ على جِلدِك/ والغرفة بيضاء بيضاء باهتة في ذلك البياض القاسي الجارح الثقيل»(ص 79). وهو يستخدم في هذا الديوان مفردات تراثية معتقة تعبر عن العشق والجسد المختبرين بكثافة في الموروث المكتوبي العربي وهذه المفردات تعطي القصائد طبعاُ تتجاوز من حيث الزمان وتشتغل على إعطائها شعوراً حسيا. ويعتمد بول شاوول على البلاغة ويوظفها ضمن نسيج القصيدة بشكل إحيائي تشم فيها العشق والجسد ومن خلالها يصل إلى معادلة أتساع اللغة في أقصى حالاتها بها يضمن للقصيدة أن تعيش عبر الأزمنة المفتوحة على زوايا متعددة للمجاهيل- الأشياء وهي لا تركن إلى ما هو متفق عليه بل تحيا من خلال قراءتها في كل مرة وتهيمن عليه (القارئ) بلهب النشوة وسحر العشق ويفتح أبواب في سهول الجسد ويخلق مناخات وأقاليم فيها الغرابة ومفاجأة المتبدل كفصول الزمن. نستطيع القول بان بول شاوول بقي خارج القوالب والتصنيفات والمدارس والأساليب المحددة وكأنه يرفض في قرارة ذاته تكريساً من المؤسسات والجهات الرسمية أظن حتى من الجمهور. وبالتالي هو أحد الفرسان الكارزميين في مشروع الحداثة الشعرية المكتوبة باللغة العربية بل أكثرهم إخلاصاً وأقلهم توظيفاً نفعيا. |
|||||
|
|||||