|
|||||
|
منذ زمن طويل لم نقرأ عملا أدبيا بمثل هذا الحجم والمستوى. منذ زمن طويل لم نقرأ عملا يهزنا، يعصف بنا من الداخل (لا يمكن ان تخرج منه سليما معافى كما دخلت)، أقصد بأنك تخرج أفضل بكثير مما كنت سابقا: تخرج أكثر تسامحا، وحرية، وانفتاحا على الآخرين، كل الآخرين. منذ زمن طويل لم يضحكنا عمل أدبي، لم يدخل البهجة الى قلوبنا مثل هذا العمل. لقد ضحكت في عشرة أيام (حيث قرأته مرتين متتاليتين) أكثر مما ضحكت في عشر سنوات أو ربما عشرين سنة، أو ربما طيلة حياتي كلها. ضحكت كثيرا اذن حتى كدت أموت من الضحك، وتقريبا في كل صفحة. ولكني بكيت أحيانا، نعم بكيت وانتحبت بدون أن أشعر او بدون أن أفتعل أي شعور. لقد نظفني هذا الكتاب من نفسي، حررني من أوجاعي وساهم في تفجير المكبوت المحتقن في داخلي. أعادني الى الأزمنة الغائرة القديمة. منذ زمن طويل لم أقع على عمل أدبي يجمع في طياته بين كل جوانب الحياة العربية: من جنس، وسياسة، ودين، وغرب وشرق، وماض وحاضر، وكوابيس، ومخابرات، وعلاقات فرنسية - عربية، ونماذج بشرية مصورة بشكل فوتوغرافي تقريبا: أي بشكل واقعي مقنع تماما. تقريبا لا يوجد أي افتعال في رواية صموئيل شمعون هذه، ولست بحاجة لأن تبذل أي جهد لكي تقرأها بنهم من البداية وحتى النهاية وأنت تتمنى لو انها لم تنته. هذا هو العمل الأدبي الحقيقي. والا فما معنى الروائع الأدبية؟ (Les Chefs doeuvres). من اين جاء بها صموئيل شمعون يا ترى؟ من أعماق الحياة المعاشة، أو بالأحرى من النزول الى الطبقات السفلى للجحيم، أقصد الجحيم العراقي، والعربي، والفرنسي الباريسي. كل أنواع الجحيم عرفها الكاتب واكتوى بحر نارها. وبعد أن خرج من أتون المعاناة منصهرا أبدع روايته الخالدة. لكي نفهم أبعاد هذا العمل الذي فاجأنا ينبغي أن نطرح هذا السؤال: كيف يولد الأدباء الكبار في التاريخ؟ كيف يظهرون؟ وللاجابة عن هذا السؤال يكفي ان ننظر الى حياة بعضهم. يكفي أن نتذكر حياة جان جاك روسو البوهيمية بعد أن هرب من مدينته الأصلية «جنيف» وهام على وجهه في القرى والمزارع حتى أصبح خادما عند العائلات الارستقراطية لكيلا يموت من الجوع. ومع ذلك فان هذا لم يحمه من النوم في العراء أكثر من مرة كما حصل لصموئيل في محطات باريس وكراجاتها. بعدئذ ظهرت الأعمال العبقرية كـ«الاعترافات» وسواها. وفي نهاية المطاف ألا يمكن اعتبار كتاب صموئيل هذا بمثابة اعترافات شخصية أيضا، وان من نوع آخر؟ ألم يتحدث عن طفولته وأمه وأبيه «الاخرس الاطرش» بشكل لم يسبق له مثيل في الكتابة العربية على حد علمي. وحده روسو والكتاب الاجانب على أثره تجرأوا على الحديث بكل واقعية وصدق عن أصولهم الأولى بدون أي تزويق أو تزوير. وحدهم فضحوا أنفسهم بأنفسهم وعروها. يكفي أن نتذكر حياة دوستويفسكي وبخاصة بعد أن أوشك على الإعدام وعاش حياة الاشغال الشاقة في سيبيريا لمدة أربع أو خمس سنوات لكي نفهم حجم الجرح وعمق الجرح الذي أدى الى ولادة روائعه الأدبية الخالدة. يكفي أن نتذكر حياة ادغار ألن بو الذي سقط ميتا في الشارع وهو سكران يتعتعه السكر لكي نفهم تجربة صموئيل شمعون التي أدت الى ولادة «عراقي في باريس». ويمكن أن نتذكر ايضا حياة رامبو في باريس حيث عرف التشرد والجوع على الرغم من مساعدات فيرلين وشعراء آخرين. كما عرف نفس الشيء في لندن وبروكسيل قبل أن يكتب نصه الحاسم «فصل في الجحيم» ويمكن أن نذكر.. ونذكر. كل هؤلاء نزلوا الى الطبقات السفلى للجحيم قبل أن يخرجوا الى السطح بالجواهر والدرر. كل هؤلاء ذاقوا طعم الهوان والذل واحترقوا بأتون المعاناة ودفعوا الثمن عدا ونقدا قبل أن يكتبوا حرفا واحدا. وصموئيل شمعون هو أحدهم بدون شك. انه ينتمي الى نفس السلالة ونفس العرق والجنس و«الدين». لا أستطيع هنا بالطبع ان ألخص مضمون روايته المؤلفة من روايتين في الواقع: الأولى تحكي قصة حياته بعد خروجه من العراق الى سوريا فلبنان فالاردن فالمقاومة الفلسطينية ففرنسا وباريس. والثانية تحكي قصة حياته قبل أن يخرج من العراق: أي قصة طفولته وشبابه الاول حتى نهاية الخدمة العسكرية. وبالتالي فالرواية هي عبارة عن سيرة ذاتية في الواقع. ولكنها سيرة ذاتية أدبية أو خيالية ضمن مقياس انها تتخذ طابع الفن الروائي القصصي. فالى أي مدى يدخل الخيال في بنية الوقائع والاحداث الفعلية او تحويرها وتغييرها يا ترى؟ لا أحد يعلم. ولكن يبدو واضحا ان الصراحة التي تصل احيانا الى حد الواقعية القحة هي الغالبة على الكتابة. واعتقد انه لولا الصدق العاري الذي يبدو واضحا في كل ثنايا الكتاب لفشلت الرواية. هناك سؤال يطرح نفسه: لماذا ابتدأ المؤلف كتابه برواية الجزء الثاني من حياته قبل الأول؟ أو بالأحرى لماذا رتب الكتاب بشكل معكوس فوضع قصة حياته اللاحقة قبل قصة حياته السابقة؟ السؤال لا معنى له ضمن مقياس ان القارئ يمكن ان يبتدئ بقراءة النصف الثاني من الكتاب قبل النصف الأول اذا شاء. يضاف الى ذلك ان كلا الجزءين يضيئان بعضهما البعض. وأنا شخصيا قرأت الكتاب في كلا الاتجاهين لكي تضاء لي بعض القضايا. الجزء الثاني من الكتاب أو الرواية، او من السيرة الذاتية لا فرق، يحمل العنوان التالي: «البائع المتجول والسينما - قصة طفولة» هنا تشعر بالانشداد الى ذلك الجو العراقي في مدينة «الحبانية» حيث ولد الكاتب وترعرع. تشعر بالتعاطف مع تلك العائلة الآشورية البسيطة التي تعيش مع العائلات الاسلامية بدون أي مشكلة. ولكن هنا تنتظر القارئ مفاجأة غير متوقعة: ألا وهي ورود الكثير من العبارات الآشورية في الحوار. وأنا شخصيا ما كنت أعرف ان صموئيل يعرف الآشورية! وهذا اكبر دليل على جهلنا نحن العرب الاخرين بحقائق العراق وتاريخ العراق. ولحسن الحظ فان المؤلف يترجم دائما العبارات الآشورية الى العربية. وهنا يصور صموئيل العلاقات داخل عائلته بكل صدق وصراحة تماما كما يفعل روسو في «الاعترافات». فهو لا يخجل من اي شيء ولا يخفي اي شيء بما فيها دعاء أمه المستمر على أبيه «متى يأخذني الله. لا أريد أن أموت من رائحة هذا الأخرس الأطرش!» (ص 201). متى يموت هذا الحمار! متى يخلصني الله منه، الخ. أكثر من مرة شعرت بالحاجة الى البكاء اثناء حديثه عن والده او الاجواء العائلية للأسرة بشكل عام. أحسست بالكثير من مشاعر الحنان والنزعة الانسانية العميقة. واعتقد ان أحد أسباب نجاح رواية صموئيل هو هذه النزعة الانسانية بالذات. وحتى عندما يصرخ والده بأصوات صماء بكماء غير مفهمومة فانك تكاد تموت من الضحك وتطفر الدموع من عينيك في نفس اللحظة. وبالتالي فلا تعرف هل تضحك أم تبكي أم الاثنين معا. هذه القدرة على الاضحاك حتى في اكثر الحالات تراجيدية، هذه القدرة على السخرية من كل شيء بما فيها نفسه وبالأخص نفسه وعائلته تمثل احدى السمات الرائعة لهذه السيرة الذاتية التي قل نظيرها في ادبنا العربي الحديث. يضاف الى ذلك ان هذه السيرة الذاتية يمكن أن تقرأ كوثيقة تاريخية من قبل الأجيال القادمة. ففيها تصوير حي للبيئة العراقية في الستينات والسبعينات، وتصوير ناجح للكوابيس العربية من سورية، ولبنانية كتائبية، واردنية، وفلسطينية الخ. وفيها تصوير رائع لنماذج عربية عاشت في باريس على هيئة صحفيين ومثقفين في الثمانينات والتسعينات. وفيها تصوير للشوارع الباريسية والمقاهي والحانات والميترو والمطاعم الخ.. باختصار فيها تصوير رائع ومقنع لشرائح كاملة من حياتنا نحن الطلبة العرب الذين جئنا الى باريس في تلك الفترة بالذات وعشنا فيها. فنحن أيضا كنا نتسكع في الحي اللاتيني والسان ميشيل والسان جيرمان وبقية الأماكن المذكورة في الرواية مثل صموئيل شمعون. ولكن ولا واحد فينا فكر في أن يخلد تلك المرحلة الفوّارة بالحياة بعمل أدبي يرتفع الى مستواها. واذا ما استثنينا «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس و«موسم الهجرة الى الشمال» للطيب صالح، فلا أعرف مثقفا عربيا آخر استطاع ان يخلّف وراءه عملا من هذا النوع. يمكن أن نستثني ايضا الاعمال الادبية لهنرييت عبودي. وحده صموئيل شمعون استطاع ان يرتفع الى مستوى التحدي ويبز سابقيه على ما أعتقد. كلنا مضينا، مررنا على تلك المرحلة الذهبية من حياتنا مرور الكرام دون أن نعرف كيف نسجلها في عمل أدبي يليق بها. وحده صموئيل الذي كان أقلنا حظا عرف كيف يحول باريس الى رواية عربية! لقد كتب الرواية التي كنا نحلم بها جميعا دون أن نستطيع التوصل اليها. لقد كتبها بالنيابة عنا كلنا. فليست حياته الشخصية هي وحدها المنعكسة في هذه الرواية، وانما شرائح كاملة من حياتنا نحن أيضا. ولولاه لضاعت تلك الشرائح الى الأبد واندثرت. لولاه لذهبت مع الريح. من كان يعتقد بان صموئيل هو الذي سيكتب النص الاساسي لتلك الحقبة؟ لقد ضحك علينا جميعا... هذا الكتاب يطرح كل المشاكل العربية دفعة واحدة كما قلت سابقا. ولكنه يطرح ايضا مشكلة الأقليات. كيف يمكن أن تعيش في عالم عربي اسلامي اذا كان اسمك صموئيل شمعون؟! على مدار الكتاب نلاحظ ان هذا «الاسم الثقيل» يسبب له المتاعب الى درجة ان أمه ندمت عليه ولكن بعد فوات الأوان، بعد زمن طويل. ففي سوريا اعتقلته المخابرات لأنها اشتبهت من الاسم بانه جاسوس يهودي! وفي فرنسا نفسها حاول احد الأصوليين المغاربة طرده من بيت أخيه قائلا له ولزوجته «لا أعرف ما الذي يعجبكم في هذا اليهودي الذي تقحمونه في حياتنا» (ص68). وفي تونس شكّوا فيه، وفي اماكن اخرى ايضا. ولكنك لا تشعر اطلاقا اثناء اثارة هذا الموضوع الحرج والحساس بأي حقد لصموئيل على العرب المسلمين. على العكس تشعر بالدفء والمحبة بينه وبينهم وتكتشف ان معظم اصدقائه منهم لا من غيرهم. ولكنه لا يتوانى عن ذكر الوقائع كما هي بدون اية مساحيق ايديولوجية كاذبة على طريقة الخطاب البعثي او القوموي المهترئ. فالرجل يتحدث عن مجزرة الاشوريين على يد الاكراد ولكن دون أن ينضح من كلامه أي حقد على الاكراد (ص ٢٦٢ وما بعدها) بل يكتفي بالقول: كلنا في النهاية ضحايا التخلف.. ثم يردف: معظم أصدقائي من الاكراد. وحتى عندما هجّر النظام البعثي الصدامي العائلات الاشورية والكردية والتركمانية فانه لم يحقد على العرب، وانما اكتفى فقط بادانة المفهوم الشوفيني الغبي للقومية العربية على لسان قرياقوس استاذ طفولته (ص 300) ثم يردف قائلا «نحن أصل هذه البلاد. نحن مثل الهنود الحمر في اميركا». بمعنى اننا سوف ننقرض. انهم يهجروننا من قرانا وبيوتنا، وبالتالي فكل مشاكل العراق الحالية من عرقية وطائفية يرهص بها الكتاب ويعرضها بطريقة واقعية صادقة لا أثر للايديولوجيا الكاذبة فيها. لهذا السبب نجحت الرواية. انها رواية لا ايديولوجية على الاطلاق. بمعنى اخر فانها تغلب الواقع على الايديولوجيا كما كان يفعل بلزاك او نجيب محفوظ او كل الكتاب الكبار. نقول ذلك ونحن نعلم ان الشيء الذي قتل الكتابة العربية (وليس فقط الرواية) طيلة نصف القرن المنصرم هو الايديولوجيا. أقول ذلك وبخاصة ان هذا الجزء من الكتاب أُلف عام 1985، أي في عز انتشار الفكر الببغاوي الايديولوجي وسيطرته على الثقافة العربية. وبالتالي فالكاتب لم يقل ما قاله بعد انهيار الايديولوجيا العربية وسقوط النظام العراقي وانما عندما كان في أوجه. القسم الأول من «الكتاب - الرواية» يمكن أن نطلق عليه اسم: مشاهد من الحياة الباريسية المليئة بالنماذج العربية الدينكوشيتية اذا ما قفزنا على مغامرات البطل في سوريا ولبنان والاردن قبل الهجرة الى الغرب. والقسم الثاني يمكن ان نطلق عليه اسم: مشاهد من الحياة العراقية والطفولة البريئة والشقية. ولا استطيع ان استشهد بمقاطع من كلا القسمين لاني عندئذ سوف أنقل الكتاب بحرفيته تقريبا. فهو كله تقريبا قابل للاستشهاد. ولذلك سوف أترك متعة اكتشافه للقارئ وحده. فلا شيء يغنيه عن القراءة المباشرة، والعرض النقدي للكتاب يظل أقل قيمة من الكتاب بكثير. يظل صدى شاحبا لكتاب يكتظ بالحياة. ولكني لا استطيع ان أقاوم اغراء ذكر بعض المقاطع. ففي بدايات الرواية يطرح المؤلف هذا السؤال «أالى هذا الحد كنت مدمرا نفسيا؟» ولكن هل يعلم ان هذا الدمار النفسي هو الذي يقف وراء «عراقي في باريس»؟ فلولاه لما كانت هناك رواية ولا سيرة ذاتية ولا نثر شعري ولا ابداع خلاق ولا من يحزنون. كل التجارب المرعبة التي عاشها المؤلف كانت ضرورية للتوصل الى عمل أدبي من هذا الطراز. فليحمد الله اذن على تلك الاحداث الجسام والسنوات العجاف . والشيء الذي يلفت الانتباه في الرواية واعتقد انه ساهم في نجاحها الى حد كبير هو استخدام المؤلف للعبارات الفرنسية كما هي اما بحروف فرنسية مباشرة احيانا او بحروف عربية غير مباشرة في معظم الاحيان. واعتقد انه الروائي العربي الوحيد الذي لجأ الى مثل هذا الاسلوب. فمثلا عندما يمر الكاتب الشهير صموئيل بيكيت من أمام المقهى الذي يوجد فيه صموئيل يرد صاحب المقهى على تحيته من بعد قائلا «بون سوار شير مسيو، سافا بيان»! (ص 108) ولا يترجمها المؤلف وانما يتركها على حالها لكي تزيد من واقعية الرواية وصحتها. وهي تعني لمن لا يعرف الفرنسية «مساء الخير يا سيدي العزيز، هل كل شيء على ما يرام؟». من الواضح ان الترجمة تسيء للنص اكثر مما تفيده، ولذلك تحاشاها المؤلف في بعض الاحيان فأبقى على الكلمات الفرنسية كما هي بعد ان نسخها بحروف عربية.وهنا تنطبق على صموئيل كلمة رامبو: لا شعر جديد بدون اشكال لغوية جديدة.وما ينطبق على الشعر ينطبق على الرواية وكل انواع الادب الاخرى.يوجد هنا شكل جديد يقحم لأول مرة في الرواية العربية.ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن العبارات الاشورية او تلك الواردة بالمغربية الدارجة الخ.. نلاحظ ان مغامرات البطل في باريس وانتقاله فجأة من الحضيض الى القمة او من القمة الى الحضيض تشبه مغامرات ألف ليلة وليلة. انظر مثلا قصته مع السيدة الفرنسية «ميشلين» التي أضاعت كلبها يوم الاحتفال بالثورة الفرنسية والتي تسكن شقة فاخرة في بولفار سان جيرمان الدي لا يسكنه الا الاغنياء الكبار. ثم اصبحت عشيقته، وهكذا انتقل الكاتب فجأة من الشارع الى حياة القصور تقريبا! وانظر الى المشكلة التي دارت بينه وبين الكلب داخل الشقة. فهي لا تتسع لكلبين على ما يبدو.. بالطبع لا استطيع ان اذكر كل القصص المميتة من الضحك لانها اكثر من ان تحصى او تعد. ولكن ليقرأ المرء قصة شبهه بالممثل المعروف «ألدو ماتشيوني» وكيف سبب له هذا التشابه مشكلة حقيقية في شوارع باريس وفي الميترو أيضا.فهولم يعد يستطيع ان يركب الميترو فراح يغطي وجهه بجريدة عربية خشية ان يعرفوه.. في كل صفحة تكاد تقع على عبارة تفجرك تفجيرا وتجعلك تنقلب على قفاك من الضحك والبهجة والحبور. ان قراءة هذه الرواية ليست فقط ممتعة وانما هي مفيدة ايضا للصحة النفسية والجسدية، وربما أنقذتك من السرطان أو من السكتة القلبية. ولهذا السبب أقول «بدلا من أن تذهبوا الى المسرح او السينما للترويح عن أنفسكم اقرأوا كتاب صموئيل شمعون! لقد فشل في أن يصبح ممثلا او مخرجا سينمائيا كبيرا، ولكنه نجح في ان يصبح روائيا من أعلى طراز، ألا يكفيه ذلك؟ وما الفرق بين الممثل والكاتب؟ كلاهما يتقمص دورا ويلعبه. والحياة نفسها ليست الا مسرحية هزلية تراجيدية يتفوق فيها الواقع على الخيال احيانا. والآلهة نفسها ما هي الا «السيناريست الأعظم» كما يقول المؤلف في اكثر من موضع. وانظر الى هذه العبارة باللهجة المغربية والتي تكاد تفوق الوصف: «يا دين الرب كيفاش Rien ؟ نهدر معك بالعربية وتجاوبني بالفرنساوية (168). لم يكتب صمئويل شمعون سيناريو الفيلم الذي كان يحلم به منذ الطفولة «الحنين الى الزمن الانكليزي»، ولكنه كتب ما هو أهم منه وأعظم. كتب رواية الحنين الى الزمن العربي الضائع في الداخل والخارج، وعلى أرصفة باريس الموضوعية الباردة، وأرصفة لندن، وكل المنافي الاوروبية التي اصبحت وطننا الوحيد الممكن. كتب رواية الزمن العربي المسروق بشكل اجباري حتى قبل ان يبتدئ. كلنا مشردون وصعاليك بلا أمل في العودة او الرجوع. نعود الى أين؟ الأوطان اصبحت ركاما او حطاما، والبكاء على الاطلال ممنوع. لقد كتب صموئيل شمعون قصة السحق العربي من المهد الى اللحد، قصة الكوابيس التي تلاحقك اينما حللت وارتحلت. كتب قصة النزول الى الطبقات السفلى للجحيم ثم الخروج منها بقدرة قادر، واستطاع ان يعرّي كل العلاقات العربية في الداخل والخارج بأسلوب لا يضاهى من حيث القدرة على اثارة الضحك حتى وهو يتلوى وجعا في أقبية المخابرات السورية واللبنانية والاردنية. واستطاع ان يعرّي شخصيات الكثير من الصحفيين والمثقفين العرب في باريس، ويكشف عن ارتباطهم بالانظمة التي يدينون قمعها واستبدادها. استطاع ان يسخر من كل هذه الايديولوجيات الموميائية المتحنطة التي هيمنت علينا طيلة خمسين سنة وكأنها حقائق مقدسة لا تناقش ولا تمس. ألا يكفيه ذلك في رواية واحدة؟ لقد صوّر لنا الأجواء العربية في باريس من خلال لوحات أخاذة للعديد من النماذج البشرية أي من الصحفيين الذين اكتفى بتحوير او تغيير اسمائهم فقط. نضرب على ذلك مثلا شخصية عبد الوهاب، رياض، شامل، وسواهم عديدين. هذا دون ان نتحدث عن الشاعر العربي الكبير أدامس الذي بالكاد يخفي اسمه المقنع اسمه الحقيقي. وهو الوحيد الذي عرفته لأن علاقاتي الباريسية ضيقة جدا ولا تسمح لي بمعرفة الاخرين، وهو يقدم عنه صورة ناجحة، ايجابية، دقيقة في مجملها: صورة انسانية، جد انسانية. أما عن الجنس فحدث ولا حرج! فهو حاضر في الرواية بكثرة، وأحيانا بشكل صريح جدا وبدون أي لف أو دوران. ولا اعتقد ان كاتبا عربيا آخر استطاع ان يتناول مشكلة الجنس بمثل هذه البساطة والجرأة الواقعية البورنوغرافية تقريبا. ألفظ كلمة بورنوغرافية هنا بدون أي معنى سلبي. الجنس هنا عار على حقيقته والألفاظ التي تدل عليه شديدة الصراحة والدقة، ولكن اياكم أن تنسوا البعد الانساني للنظرة الى المرأة او للعلاقة معها. فهو ليس غائبا اطلاقا عن فلسفة المؤلف. على العكس انه يقع في الصميم منها. ولكن المرأة الطيبة بالطبع، المرأة المسكينة المغلوبة على أمرها. (انظر حالة المغربيات اللواتي كان صديقه «شامل» يصطادهن في الميترو..)وانظر ايضا فرحه لعودة صديقه الجزائري احمد الى زوجته وعائلته بعد ان كان قد قرر تركها او نوى ذلك.وهناك مقاطع اخرى عديدة تدل على عمق انساني لم يمت في شخصية الكاتب ولم يتشيأ على الرغم من كل ما عاناه في حياته من محن وعذابات. لم يستطع صموئيل شمعون أن يصبح مخرجا سينمائيا لكي يعمل فيلما عن أبيه الفران الاخرس الاطرش الغارق في حب ملكة انكلترا. لكنه استطاع ان يلخص كل تاريخ العراق والمنطقة بل وحتى المنافي العربية بباريس في رواية واحدة. استطاع بشكل مباشر او غير مباشر ان يعبر عن التراجيديا العربية بلغة مضحكة، لغة المهزلة والمفارقة والسخرية المرة. استطاع ان ينزل الى اعماق تحتية نادرا ان يخرج منها من نزل اليها.وعن طريق المضحك - المبكي استطاع هذا الآشوري المنبوذ ان يقدم لنا احدى روائع الأدب العربي في هذا العصر وربما في كل العصور. |
|||||
|
|||||