|
|||||
|
الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين صاحب تجربة غنية بالكتابة، واصدر العديد من المجموعات الشعرية- التي تترجم واقع الذات والانسان والمكان والعاطفة والموت والحب. بعد كل الذي كتبه، يقول شمس الدين: «الشعر أهم من الحياة». وانطلاقا من هذا الأساس انطلق حواري معه ، وكان على الشكل الآتي: - ما هو الشعر؟ كيف تفهمه اليوم بعد تجربتك الطويلة معه؟ هل يخضع لتطور الزمن؟ كيف تفسر هذا التطور؟ ٭ ثمة بلا ريب، ملايين من الصفحات، وأطنان من الكتب، كتبها الفلاسفة والنقاد والشعراء، وبجميع لغات العالم الحية، للوصول للاجابة على سؤال: ما هو الشعر؟. وعلى الأرجح، وعلى جميع الافتراضات حول الشعر، والشعريّة (شعريّة النار مثلا لباشلار)، والشاعرية... بقي شيء ما في هذه التجربة الانساية التاريخية، واقعاً في منطقة الغموض والعصيان على الاحاطة، وعلى الحدّ أو التحديد، وربما بقي الموضوع بكامله، شأنه شأن الموسيقى مثلاً، واقعاً في منطقة الالتباس، إن لم يكن في منطقة الطلسم.. ما سمح لك الآن، في هذه الساعة من هذا اليوم من هذا العام، تسألني السؤال القديم الجديد المتجدد: ما هو الشعر؟ والسؤال، بالطبع، ينطوي على التسليم بنسبية مفهوم الشعر، هذه النسبية التي أسس عليها البرت آينشتاين نظريته في الفيزياء والزمان والحركة، والتي ما زالت في تطور نظري علمي حتى هذه الأيام.. وآخر من طورها واكتشف اكتشافه العبقري المذهل «نظرية الفمتو كيمياء الليزر» المؤسسة على ادراك وفهم علم الزمن والمادة، من خلال كيمياء الليزر فائق السرعة بحله الفمتوتاني» هو البروفيسور المصري أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل للعلوم العام 1999. إذ «فتح زويل عيون العالم أجمع على واجهة ساحرة أساسية بالغة العمق من واجهات الطبيعة أو مظاهرها على المستوى الذري» (كما ورد في حيثيات منحه الجائزة) لقد كشف زويل عن تحولات الذرّة الكيميائية، من خلال أشعة الليزر، ومن خلال حدوثها في أقصر لحظة زمنية في التاريخ: وهي جزء من مليون بليون من الثانية. الأمر مذهل ويفوق المخيلة، وعلى الرغم من تحققه في العلم وفي المختبر وفي التطبيق العملي، إلا أنه أقرب ما يكون من الأسطورة، أو القدرة الإلهية التي رسمتها الأديان، أو شطح الشعر واتصاله بالغيب. جاء في الذكر الحكيم: (إن يوماُ عند ربك كألف سنة مما يعدون)، وفي قصص القرآن أن أحد الجن قال للنبي سليمان (وهو في أرض فلسطين) أنه. قادر على أن يأتيه بعرش بلقيس وهي جالسة فوقه (وهي تملك في اليمن) قبل أن يرتدّ إليه طرفه. نسأل: هل هذه هي الفمتوتانية التي كشف عنها زويل العظيم؟ نسأل أيضاً: أهذا هو إعجاز الدين؟ نسال أيضا: أهذا هو إعجاز الشعر؟ وحين نسأل عن الشعر، ما هو ؟ فأجيب اجابات متعددة بعضها يتعلق بالعلم والبعض بالدين، ففي اعتقادي أن النسب متين بين الدين والشعر، من حيث أن كليهما يصدر عن منطقة في الوجود اسمها «منطقة الغيب». وعلى الرغم من أن العلم بدأ تجريبيا، مؤسساً على التجربة والخطأ، إلا أن علوم ما بعد الحداثة ieuels Postmoderistes تجاوزت بطء التجربة والخطأ، نحو الافتراض التخييلي، وهو عنصر المخيلة، وأسست عليه (على الطاووس) آلات الطب، والطيران، والمركبات الفضائية. نضع اصبعنا حتى الآن، على عنصرين من عناصر الشعرية: الغيب، والمخيلة. ولا نرى النظرية النقدية العربية القديمة (حتى مطالع العصور الحديثة) بعيدة عن هذا الافتراض، وهي نظرية أسسها دارسو الشعر ونقاده من ابن قتيبة الدينوري الى الجاحظ الى أبي هلال العسكري وصولا لحازم القرطاجني، ولخصها الفلاسفة العرب أبدع تلخيص، فقد اشترط كل من الفيلسوفين العربيين الاسلاميين الفارابي وابن سينا للشعر شرطين متلازمين هما: المخيلة والوزن. وبالتالي فان مخيلة بلا أوزان، لا تصنع شعراً.. انها تصنع، مثلا، الذكر القرآني الحكيم وهو الذكر وليس الشعر... بل إن الخالق عز وعلا، قال للرسول انه ليس بشاعر ولا ينبغي له ان يقول الشعر، كذلك منهج البلاغة لافتقاره للوزن، والاشارات والتنبيهات التي كتبها الصوفية، ومقابسات أبي حيان التوحيدي وما أشبه ذلك. كما ان وزناً بلا مخيلة لا يساوي شعراً، بل هو نظم.. أو كما قال ابن الرومي واصفاً صاحب الوجه الطويل: «مستفعلن فاعلن فعولُ مستفعلن فاعلن فعولُ بيت كمعناك ليس فيه معنى سوى انه فضول» الوزن هو الناظم الموسيقي للشعر، هو النوتة بالتعبير الموسيقي. وهذا المفهوم الفلسفي العربي للشعر، متأثر لحد بعيد، بكتاب أرسطو في الشعر والنظرية الفلسفية لافلاطون، فالشعر تبعاً لهما هو المخيلة»، وقد طرد افلاطون في مدينته الشعراء من السلطة السياسية، التي خصّ بها الحكماء والفلاسفة... وذلك لأنهم يتعاملون مع المخيلة، وليس مع الحقيقة العقلية، وعلى هذا الأساس، ما نرجح. وورد ذم الشعراء في القرآن.. «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر انهم في كل وادٍ يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون...»، فالشعر مرتبط هنا بالهيام أو شطح المخيلة، او بالجن وعبقر ثم معنى الصدق فيه والحقيقة، يفارقان المعنى الأخلاقي الديني الحرفي للصدق والحقيقة «يقولون ما لا يفعلون»... لكن الاسلام التاريخي، على امتداد جميع العصور حتى اليوم، حافظ على الشعر والشعراء، بمعنى انهم أصحاب شطح ومخيلة، تصل بهم لحدود الصوفية، فاحتضنهم الاسلام الحضاري... بشكل استراتيجي... على الرغم من صلب الحسين بن منصور الحلاج وقتل السهروردي.. إلا أن صلب الاول وقتل الثاني لم يكن بسبب الشعر، بل بسبب الشطح الخارج على الناموس والسنة. مع العصور الحديثة، بدأ مفهوم الشعرية العربية، يتغير، تبعاً لتغير العصر، وتغير الموسيقى، وتغير المعنى والازمنة والأمكنة. ولم يكن ذلك ببعيد عن تطور معنى الشعر ومفهوم الشعر والموسيقى والايقاع في الشعرية الغربية، التي أسست لمفهوم قصيدة النثر، وتجاوزت الوزن باتجاه جملة من التوازنات والقيم الابداعية للقصيدة، مما يعتبر اليوم من أدبيات الحداثة الشعرية الغربية، والعربية... (يراجع كتاب قصيدة النثر من بودلير حتى اليوم لسوزان برنار ومقدمة ديوان «لن» لأنسي الحاج). بطبيعة الأمور، ثمة تعريفات مدرسية وفكرية للشعر، كتعريف المدرسة التاريخية والانطباعية، والتعبيرية، والنفسية (مع ظهور وتطور علم النفس الحديث: فرويد ويونغ والاحلام، وقد لعبت دورا مميزا في سبر أغوار اللاوعي الذي يعتبر من محركات القصيدة الخفية) والرمزية والبرناسية والمستقبلية والسريالية، والبنيوية والألسنية... فضلا عن تعريفات الحداثة modernisuse وما بعد الحداثة ... Postnuoderiuswe وصولا إلى هذه اللحظة؟ لكنني أعتبر أن المدارس الشعرية والنقدية، هي، كما قال الياس أبوشبكة، بمثابة «وحوش» تفترس جوهر الشعر وأسراره الخفية. فالشعر، بالنسبة إليّ كائن جوهري وما عداه من مدارس ونظريات، أعراض وهوامش. هذا أولاً. يضاف أن الشعر مرتبط ارتباطاً قوياً بالمستور في قاع النفس البشرية من أصوات وأناشيد (أناشيد المهد ، مثلا) او موسيقات: رياح، حفيف أشجار، عاصفة ليلية... أصوات حمائم او غربان... الخ، وهي شبيهة بما يطمر في قاع الغابات من جذور وجذوع وأوراق... يضاف أيضا مجموعة من الاحاسيس والافكار الجنينية المخزونة في نفس الشاعر، ولا تحدّ بزمان وربما نسي الشاعر مصادر ذلك، وانغرست في اللاوعي. لا ننسى مخزون الثقافة والقراءات والأفكار، ولا ننسى اللغة وهي دلالات وأقنعة ورموز. كل ذلك يتكون في الغرفة السريّة السوداء في ذات الشاعر ليكوّن ما نسميه مادة الشعر أو «ماغما القصيدة» Mahma. كيف تولد القصيدة؟ نسأل ونجيب: بين الوعي واللاوعي. وبمقادير متفاوتة تبعا لحالات الشعراء. وهذه المسألة يعرفها كل شاعر. وقديما طالما اقترن الشعر بالجنّ وعبقر (وادي الجن في الاساطير العربية القديمة) للدلالة على ما يشبه التلقين الغيبي الذي يكتب من خلاله الشاعر أو يتلقاه. انه بالتأكيد اللاوعي الذي يملي الكتابة، فتسيل الكلمات سيلاناً آلياً وتلقائياً غير ممسوك بالكلية من قبل الشاعر، حيث كما يقول هيدغر «تتكلم اللغة في الشاعر». وهذا على الأرجح، ما سماه السرياليون الكتابة الآلية. ثالثا وأخيراً، الشعر إما انبثاق تلقائي من داخل ذات الشاعر joillissemeut كما ينبثق بركان او بصورة ألطف ينبع من أعماق الأرض، وهو ما أمارسه شخصياً، او تغلب عليه سمة الترتيب اللغوي والصورة والايقاعي (الهندسة)، كما يفعل أدونيس على سبيل المثال. وربما كان الأمر بين هذا وذاك. في الشعر أيضا قيم غنائية ووجدانية.. فلعله غناء ضد الرعب مثلاً، وفيه ايقاع وموسيقى حتى مثل الشعر موسيقى، ولغة واقنعة ورموزا وهو أيضا ما هو قبل الاشارات وما هو بعدها. غارق في الصمت. لكان الشعر كائن الصمت العميق. وموضوعاته من شدة تنوعها لا تحصر: من القيم والحروب والكوارث حتى الهوامش واليوميات.. وحتى لا شيء.. اللاشيء.. وكل ما تمّ تقديمه هو افتراضات حول الشعر، وليس الشعر، ففيه سر لا يعرف. أما ما هو اليوم وكيف كان بالأمس وما هو غدا.. فثمة عنصر استراتيجي لا زمني ولا مكاني وحتى لا لغوي في الشعر يجعل من أشعار الكهوف الأولى، وألواح سومر وأكاد، وأناشيد كلكامش، وأشعار الجاهليين، شعرا له حضوره اليوم وغداً. وثمة بلا ريب عناصر متغيرة، في المعاني والحياة ومستجدات الواقع وتطورات اللغة، يهضمها الشاعر في قصيدة، وليس ذلك في رأيي، هو الذي يقترح أن يكون نصا ما قصيدة، فما يقترح ذلك عناصر فنية وابداعية بعضها معروف وبعضها خفي... وسيبقى الشعر هكذا نصف في الضوء نصف في العتمة، والمستور اكثر من المكشوف فيه. والصمت أقوى من الكلام. - ثمة مسافة كبيرة فاصلة بين الشعر والقارئ: قراء الشعر هم اليوم أقلية، كيف تفسر هذا الانحسار الشعري (إذا جاز التعبير) وهل يتحمل مسؤوليته الشاعر أم القارئ)؟ ٭ الشعر في عمقه حال من أحوال دخول الشاعر الى ذاته الخفيّة . ومغامرة في ذات الشاعر اولاً وأخيراً.. ذلك لأن ما هو خارج هذه الذات (أو الموضوع) سواء كان الكواكب والمجرات او هوامش العيش، منفضة سيجارة أو رائحة مكان أو امرأة... الخ، يبقى حيادياً ما لم يغتسل بماء الذات الشعرية. من هنا الشعر كأنه سيرة ذاتية للشاعر. لكن لنسأل: ما هي الذات؟ أهي نواة مغلقة وبذرة شيطانية، لا منافذ فيها على السماء او على الشوارع؟... ثم ما صلة الذات بالآخرين، هؤلاء الذين سمّاهم سارتر «الجحيم»؟. هل هناك قارئ ضمني كائن في سويداء الشاعر؟ ومن هو؟ هل هو على صورته ومثاله أم هو ضده ونقيضه؟ هل هو افتراضي (رجل وهمي) أم حقيقي (امرأة بعينها او زعيم بعينه او موسيقي أو رسام أو حتى طفل بعينه...؟). في الاجابة عن السؤال، تكثر الافتراضات والاسئلة. فالشعر إذا كان افتراض رسالة مرسلة من ذات الشاعر لذاته- مثلاً- وللآخرين (بالضرورة بعد تحوّل الشعر الى قصيدة وكتاب ونشيد أو اغنية) فمن هم الآخرون؟ في اربعينيات القرن المنصرم، أقيمت مناظرة كان لها صداها في حينه بين الأديب اللبناني الماركسي رئيف خوري وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين حول موضوعة لمن يكتب الكاتب؟ للعامة (كما كانت تتجه حماسة خوري الاشتراكية) أم للخاصّة، كما كان يعتقد رأي طه حسين؟ والمفاجأة كانت كلمات قليلة قالها طه حسين حسمت الجدل: قال: الكاتب يكتب لمن يقرأ. من هو القارئ؟ هذا هو السؤال، ولماذا في سلسلة ميتات ونهايات القرن والتاريخ التي أطلقها فوكوياما، ورد موت الكاتب وورد موت القارئ؟ القارئ في تصوري شكل من أشكال الكاتب وهو كقارئ شعر، يشبه الشاعر من عدة نواحٍ. لذلك اقول ان القصيدة هي التي تختار قارئها، بمقدار ما يختار القارئ القصيدة. والشعر في النتيجة استحقاق.. أي استحقاق القارئ للقصيدة، تبعاً لمنظومته الاحساسية الشعورية والمعرفية والجسديّة... وتبعاً للغة. لماذا انحسر الشعر في المساحة الأفقية؟ نسأل، ونجيب: ولكن تجذر وتعمق في العمق. بالطبع، وبسبب تطورات الفنون الأدائية وتقنيات الايصال ووجود فنون جديدة سريعة سمعية بصرية، حصلت انجذابات شبابية واسعة إليها من خلال السينما والانترنت والفيديو.. ولربما، أدائياً، بإمكان الشعر أن يستخدم تقنيات الفيديو ليصل أسرع وأشمل الى الآخرين. لكن يبقى تحفّظ يجعلني لا احبذ الانتشار الواسع (الجماهيري أو الشعبي) للشعر، وهو متعلّق بطبيعة القصيدة، الغامضة، المراوغة والسريّة. أنا ضد خروج الشعراء كثيراً على التلفزيون. ضدّ الغناء الواسع لقصائد محمود درويش، ضدّ الجماهير الواسعة لنزار قباني،. ان هذا الانتشار للقصيدة يفضحها.. وينتهك أسرارها. ومهما أخذت التكنولوجيا والتقنيات والفنون الادائيةالسمعية البصرية من خصوصيات القصيدة، ستبقى والى أبد الآبدين، أجمل مغامرة وجودية ولغوية للانسان. - ثمة من يقول ان الشعر كان حاجة للانسان في زمن معين واليوم استنفد هذه الحاجة. ما رأيك؟ ٭ الشعر الذي كان باتساع قارة هي الكرة الارضية، والذي صار اليوم جزيرة معزولة، كما يقول الشاعر الفرنسي «تارديو»، سيظل حاجة لمن هو بحاجة إليه، شأنه شأن الموسيقى وسائر الفنون. هل هي حاجة عضوية غريزية كالطعام والشراب والماء والهواء والجنس مثلا: أم هي حاجة نفسية مرتبطة بالتكوين النفسي والفكري للانسان؟ نعم... فإذا كانت الموسيقى مثلا تحرّك حتى الأبقار فتجعلها أكثر قابلية لتدّر الحليب، وتؤثر في النباتات والأشجار، وأحسب انها تؤثر حتى في الجوامد، فهل يعقل ان يبقى الكائن البشري معزولاً عن أثرها التلقائي والغريزي فيه، هو المزوّد بالاحساس والوعي؟ الشعر كموسيقى، والشعر كعبارة، في نظري، سيبقى ضرورة من ضرورات الكائن البشري، اتسعت هذه الضرورة أم ضاقت... وأعني بذلك انه، على الرغم من التغيرات الحادثة على الصيرورة البشرية، وانتقالها على التوالي من عصر لآخر.. من عصر الكهوف الى عصر السهول الزراعية والعصر الرعوي ومنه للعصر الحرفي فالصناعي فعصر التكنولوجيا وما بعدها... فانه مع تبدّل هذه العصور وتغيّرها لحقت تغيّرات جذرية في حاجات الانسان وأفكاره وأدواته، وقد تغيّرت المعاني أيضاً تبعاً لذلك وليس الكلمات وحدها، وتغيرت اللغة... هذه العصور، استولدت بطبيعة الأمر، فنونها وأدواتها مثلما استولدت أفكارها وقيمها.. إن أزمنة الفروسية والحروب والفتوح، على سبيل المثال، كان لها شعراؤها: فالشاعر الفارس والشاعر الملحمي وليدان لزمان ملحمي، والشاعر العاشق وليد لزمن آخر. لا يعني ذلك فصلاً محكماً بين الازمنة، ولكنها طبائع العصور تنطبع على طبائع الفنون. لقد انحسرت فنون وتقدّمت أخرى، وولدت فنون وتراجعت فنون. فإذا كان الشعر في زمن من الازمنة هو ديوان العرب، فلعلّ اليوم الرواية هي ديوانهم. ولعلّه أيضا هوليود ديوان الأمريكيين أما اليوم فالفيديو والانترنت هما ديوان العالم. فالفنون تأخذ من بعضها البعض مساحات في الاتساع وأخرى في الاهتمام ومساحات في العمق. الشعر اليوم حقاً ليس فناً واسع الانتشار والتناول. أكبر الشعراء في أمريكا أو فرنسا أو اسبانيا وسواها من البلدان المتحضرة والقارئة، لا يطبع من اصداره الشعري أكثر من ثلاثة آلاف نسخة على الأكثر. وكثير من الشعراء المعدودين في فرنسا على سبيل المثال، يطبعون دواوينهم على حسابهم الشخصي، ويوزعونها هم بأيديهم.. وكأن الشعر صار محفلاً سرياً او مأسونياً، ولم يعد تعاونية وأخوية واسعة. نحن العرب، لا يختلف وضع الشعر والشاعر بيننا عما هو عليه في العالم. فلو استثنينا نزار قباني وشعراء الزجل من هذه المعادلة، لظهر لنا الشعر والشاعر، يوغلان في الخصوصية والعزلة، بمقدار ما يوغلان في العمق والرمز والقناع. فعلى من تقرأ مزاميرك يا داود؟ وعلى الرغم من ذلك، ومهما شعر الشاعر بالوحدة، وردّد «آه يا وحدي» أو قال كما قال الشاعر السويدي ترنسترومر: «كثيرون. واحد»... أو استعاد مقولة جدنا المتنبي: «أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود»، فإن الشعر سيبقى حاجة بشرية لشرط بشري مزدوج: يتعلق أولهما بأن الشعر قلق انساني ووجودي يتغيّر ولكنه دائم ولا ينفد ولا ينتهي، لأنه مرتبط بطبيعة الانسان ومتعلق بفطرته. فالانسان شاعر بفطرته، أي قلق بفطرته، سواء كان منبع القلق في التأمل والوعي والتفكر في الموت والحياة والطبيعة والصراع والعيش... الخ، أو التأمّل في التطور والخوف والمتعة واللوعة... أو في الافكار والفلسفات والتواريخ، أو في الهوامش واليوميات العابرة والآلة والنفس... الخ... الخ. وثانيهما أن الشعر سيبقى مهما تطورت الفنون الادائية ودخلت الآلة على أدوات التعبير الفني، سيبقى الشعر وحده ملزماً باللغة، حارساً لها، منجراً لامكانياتها، وطفلها الجميل والوحيد. - رغم الدعاية الكبيرة التي رفعت من شأن الشاعر العربي، إلا أن الواقع العربي لم ينجب بعد نواة شاعر كبير يؤثر في واقعه، هل توافق معي على هذا الرأي أم انك ترى الأمور في غير معنى؟ ٭ لنتفق أولاً على معنى تأثير الشاعر في الواقع العربي، ومن بعد ذلك، نستعرض الأسماء الشعريّة ونسأل: أين هي من الواقع؟ الشاعر بحكم طبيعته الشعرية (الإبداعيّة) يعيش داخل وخارج بيئته الاجتماعية في وقت واحد. وعلى الرغم من أن ظروف العيش اليومي والمعاش اليومي والعائلة والبيئة، فضلاً عن العالم باعتباره كما قيل صار مثل قرية صغيرة، تؤثر على حياة وأفكار وأحاسيس الشاعر، إلا أنه أيضا بحكم مخيلته، قادر على التفلّت من هذه الشروط وأن يكون حراً، بمقدار ما تحرره مخيلّته من ضواغط الواقع وحدوده. من هذه الناحية، يمكن أن نقرّب عمل الشاعر الابداعي، من عمل الفيلسوف صاحب النظريّة، فكلاهما يعمل على المرتجى او على المخطط الذي يرسمه للانسان وللمجتمع. إنّ الشاعر يؤثر على منطقة شديدة الحساسية في الحيّز النفسي والنظري للانسان، إنه يحفّزه أو يحرّصه على أن يتقمص صورة أبطاله، أو يحرّضه على الوقوف مع أفكاره، أو يعمل على أن يصنع منه «إنسانه الشعري»، كما كان يعمل روسوّم على صنع «انسانه الآلي». ثمة ثلاثة أنواع من الانسان: الانسان العاقل (أوموسابينسي) HOMO Sabies - - والانسان الصانع (أومو فابر) Homo Faber والانسان الشاعر (اومو بويتيك) Homo Poet وهو ما نقترح اضافته للتصنيف. فإذا كانت الثورات والتغيرات والتواريخ يصنعها البشر، فإن الشعراء فئة ممن يصنعون مخيلة وشخصية ومفاهيم الناس. ومثلما ساهم ارسطو في صنع شخصية الاسكندر المقدوني الذي فتح العالم المعروف في أيامه وغيّر خريطة زمانه، فان المتنبي شارك بالتأكيد في صنع شخصية الأمير سيف الدولة الحمداني.. فأثر الشاعر في الصانع وأثر الشاعر في العالم وأثر الشاعر في الفارس والمقاتل اثر واضح ولا يحتاج لنقاش أما اليوم، فتسألني عن شأن الشاعر العربي وأثره في الواقع العربي.. وأجيب أن الشعراء العرب يشكلون حيّزاً في الثقافة العربيّة الراهنة. وهذا الحيز نظري وفاعل بمقدار ما يفعل الشعر في تكوين وتغير الناس.. وشأنه شأن الموسيقى مثلاً. ولكنه أكثر قرباً منها لكونه يعمل على المعنى. وإلاّ فلماذا تستعاد ابيات ابي الطيب المتنبي على امتداد التاريخ؟ ويتكئ عليها الانسان العربي لمعرفة طبائع البشر وأحوال النفوس، فتقول مثلاً «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» وتقول «عيد بأية حال عدت يا عيدُ...» وتقول وتقول وتقول الى آخر أقوال المتنبي. ثم هل من احد ينكر فعل قصائد وأناشيد نزار قباني في تشكيل الحساسية الشعبية؟ هل يمكن المرور بأشعار هذا الشاعر حين التكلم عن تفاصيل الحب والعلاقات بين رجل وامرأة؟ ومن الجواهري الى بدوي الجبل فعمر أبوريشة فسعيد عقل ومن السيّاب الى دنقل فالماغوط وأدونيس. ومن أشعار الشعراء العاميين المعدودين الى ما تغنيه فيروز من أشعار وصولا الى محمود درويش وفعله الشعري في المناخ الرسمي والشعبي الفلسطيني لا مجال لانكار فعل الشعر في الذات العربية والواقع العربي.. فإنه ما زالت له سلطة على هذه الذات، تفوق أحياناً سلطة الموسيقى، وتوازي سلطة الغناء. - صرّح مؤخرا الشاعر محمود درويش ان المتنبي اكثر حداثة من كل شعراء هذا العصر، واتهم الشعر الحديث بالنمطيّة، ووصل الى القول: كل الشعر الذي يكتب اليوم متشابه. كل القصائد الحديثة كأنها لشاعر واحد. سؤالي: هل يصيبك هذا الاتهام؟ كيف تنأى قصيدتك وسط هذا الحشد الشعري؟ ٭ الجواب هو أن كلمة محمود درويش، نفثة، أو صرخة، أو احتجاج على نمط متشابه من القول الشعري، سواء ما يسود منه في الصفحات الثقافية من قصائد النثر او ما يتشابه من قصائد أخرى. نعم أوافق على أن الخصوصية الشعرية نادرة... وأن التميّز الشعري عزيز وقليل. ولكن متى كان الشعر غير ذلك؟ الشعر دائما وأبداً لا يوزن بالقنطار بل يوزن بالقيراط.. ميزانه ميزان الذهب، وليس ميزان القشّ ولا ميزان الخشب. وأنظر حولي وأسأل: هل ثمة من تماثل أسلوبي او لغوي او ابداعي بين الأسماء التالية: أحمد شوقي، وأحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وعلي قنديل ومحمد صالح في مصر؟ وهل ثمة من تماثل أسلوبي أو لغوي او ابداعي بين كرمي: خليل حاوي وأدونيس ونزار قباني ومحمد الماغوط ونزيه ابوعفش وأنسي الحاج ومحمد علي شمس الدين وشوقي ابي شقرا وحسن عبدالله... الخ... الخ... الخ... في بلاد الشام؟ ثم ألا يفترق السيّاب عن سركون بولص؟ ودوريش نفسه عن سليم بركات؟ وسليم بركات (عنك انت يا اسماعيل فقيه) وفقيه عن جابر وجابر عن سواه.. حتى لا نوسع البيكار؟ نعم: ثمة تماثل في أماكن، وتمايز في أماكن، والشعر يموت بالتماثل ويعيش بالتمايز. أما حداثة المتنبي فأمر آخر، كل شاعر عظيم هو شاعر حاضر في كل مكان وزمان. إن طرفة بن العبد حاضر اليوم أيضاً.. وعروة، وأبو نواس والمعري، حضور أدونيس والبياتي.. نفثة درويش ضيق صور من الشاعر باللاشعر، وهو حقّه ، وهو سمى نفسه أولاً، فقال حداثتنا ولم يقل حداثتهم ومن ساواك بنفسه ما ظلمك. - ما الذي حققته بالكتابة.. ماذا قلت لنفسك وللآخر؟ ما الذي أسسته لذاكرة ستتذكرها الأجيال القادمة؟ ٭ حققت بالشعر ما لا أستطيع تحقيقه بأية قوّة أخرى. وانني أعتبر القصيدة أهم من الحياة. أما ما هو الذي حققته؟ فهو القصيدة نفسها، قصيدتي التي تخصّني وفيها تستطيع أن تقرأ سيرتي المستورة، وشغفي وجميع ما ينتابني من أوهام ومسرات وأحلام. ولو ألححت في السؤال: ماذا وكيف؟ لأحلتك على دواويني وقصائدي، لتجيب أنت عن هذا السؤال، أو ليجيب سواي، لأن اضعف الناس تجاه قوة شعره، هو الشاعر نفسه، الشاعر يكتب القصيدة، قصيدته، فإذا شرحها أضعفها. يستطيع الشاعر أن يبدي رأياً بأشعار الاخرين، ولكنه تجاه قصائده، فهو غما مقصّر أو واهم أو عاجز عن سبر أغوار اللاوعي الكامن في عباراته وسطوره. لديّ إحساس بأنني لا أكتب لوقتي فقط. ولهذه الناحية، تساعدني عناصر من ذاتي في تشكيل النصّ: الصورة، المفاجأة، الالتباس... ومن ثمّ الايقاع الذي يخفف من ثقل هذه العناصر، أو قل يحملها بحمولتها الثقيلة ويتسلل بها الى أماكن صعبة ومحروسة. وحين أقول مثلاً: أنحني الف عام «لأصغي اليك» أكون قدمت سطراً شعرياً من سطوري. - دخلت مؤخراً على خط الترجمة، ونقلت قصائد ايرانية الى العربية من خلال قصائد «شيرازيّات» لحافظ الشرازي. لماذا هذا الاختيار؟ ٭ اختصر هذه المسألة التي طالما تكلمنا فيها، بالنقاط التالية: أ - لست مترجماً لقصائد حافظ الشيرازي. المسماة «غزل»، ولا ارغب في ذلك، فضلا عن أنني، في هذه المسألة بالذات، أميل الى رأي ابي عثمان الجاحظ عمرو بن بحر في ترجمة الشعر، وهو انه أمر صعب ومحفوف بالمخاطر، ولا ينصح به الا بشرط شديد الصعوبة وهو أن يقدّم المترجم لقصيدة ما بلغة ما، قصيدة أخرى لا تقل عن القصيدة الأم. ب - قصائد حافظ الشيرازي، قراتها، وفعلت في نفسي فعلها الأكيد من اثارة ما كان في هذه النفس في الأصل، من معاني الوجد والعشق والموت والنشوة (الخمرة) ووحدة الوجود، والمرأة، والطبيعة... وهي ما اختصره حافظ بمقاطع الغزل. ج - ما اختزنته في صدري من أحوال حافظ، تركته يتفاعل مع غيره من أشعاري السابقة، سيما ديوان «أناديك يا ملكي وحبيبي» الصادر العام 1979، وقصيدة «ذكر ما حصل للنبي حين أحب» ويوميات الصمت واميرال الطيور.. وسواها من قصائد الغيب الذي يداخل نفسي وشعري من الأساس. د - بنتيجة المرض والألم، انبثقت أشعار جديدة سميتها «شيرازيات، من هذا المخزون الغريب والممتع. المؤلم والمتأمل. فقصائد «شيرازيات» تنتمي إليّ بمقدار انتماء جذورها لحافظ. هـ - صنيعي معه شبيه بصنيع غوته الألماني معه في ديوانه الشرقي الغربي. لقد أحييته في اللغة العربية. و - يخيّل إليّ، أنني اقتربت في صلتي بحافظ الشيرازي، مما فعله أدونيس مع المتنبي في «الكتاب»، فهو يقول انه قام بتحقيق مخطوطة منسوبة للمتنبي، في صنيعه الشعري الصادر له في ثلاثة أجزاء كبيرة... وهي بالطبع حيلته الشعرية، من حيث أن المتنبي قناعه، الشيرازي (حافظ) أيضاً، بالنسبة لي في «شيرازيات»، قناع. - هل تعتبر نفسك دخلت مرحلة التصوّف؟ ٭ ارغب في الاشارة الى ان هذه المرحلة، ليست جديدة لديّ، فهي سابقة على «شيرازيات» بسنوات عديدة، وقصائد كثيرة. وقد اشار اليها بالتحليل، الشاعر والاستاذ الاكاديمي المصري الدكتور وليد منير من خلال بحثه العميق بعنوان «الذات والعالم والمطلق- تنويعات الرؤيا الصوفية في الأدب العربي الحديث» المنشور في مجلة فصول المصرية العدد 60/ صيف- خريف ٢٠٠٢. حيث أشار الى تبادل الحسّ والتجريد أدوارهما في خطاب الرؤيا في قصيدة «سورة النشوة» من ديوان «طيور الى الشمس المرّة» ما يقرب من تقنية عملية «التعريض» في السينما الحديثة.. والى مسالة الهجرة وكونها الوجه الآخر للمعراج في قصيدة «يوميات الصمت» (من ديوان أما آن للرقص أن ينتهي؟» مشيرا الى عملية «الدورة» في رحلة السماء والأرض في القصيدة، والى الموت كمصفاة للوجود على قول كيركيجارد وهيدغر، من خلال قصيدة «أغنية للرؤيا» في ديوان «أناديك يا ملكي وحبيبي» ، وعن التوتر الحاصل من انصهار الطرفين، وفضاء العلامة من خلال المستوى الاشاري المتحوّل لها، خاصة في ديوان «الشوكة البنفسجية» وقصيدة «عودة ديك الجنّ الى الأرض» ، ثم اشار الى «الرؤيا داخل الرؤيا» من خلال قصيدة «غزال في غابة في غزال»... وهكذا ... وهكذا... فأنت ترى كم هو قديم ومتجدد عندي البعد الرؤيوي الصوفي من قصائد مهربة (العام 1974) حتى اليوم «شيرازيات 2005). - ثمة من يقول إن الشعر الحديث يفتقر الى غذاء فكري، إنما يرتكز الى الايقاع اليومي المعيوش، وهذا ما جعله يقع في النمطية والتشابه. ما رأيك؟ ٭ ثمة ما يسميه المفكر الماركسي الراحل (اغتيالاً) مهدي عامل (حسن حمدان) الفكر اليومي، بمعنى المنطق التلقائي الآلي أحياناً، إنما الموجود، للحركة اليومية والسلوك اليومي للانسان. ثمة أيضاً نمط من الشعر، بالمقابل أو بموازاة الفكر اليومي، وهو ليس جديداً بل قديم من أيام ابن الرومي الذي وصف الزلابية والأحدب والوجه الطويل، يهتم باليومي والعابر، ولا يتفلسف كثيراً على الواقع، وقد كثرت شواهد هذا الشعر في هذه الأيام، من خلال شعراء يوميين يلتقطون الهامشي والعابر ويستغرقون في اللحظة، بلا أخلاقية او فلسفية أو لا زمانية يشغلون أنفسهم بها. نستطيع أن نذكر وديع سعادة على سبيل المثال. شعر الهايكو الياباني قريب من هذا النمط.. الشعر المكتوب على الإنترنت، ومراكز عدد كبير من الشعراء في العالم على الإنترنت، من هذا القبيل. هل ذلك يؤدي بطبيعة الحال الى التشابه والنمطية؟ إن الاجابة عن ذلك لن تكون دقيقة وصحيحة إلا من خلال المقارنة.. ولكن، ثمة انطباع عام لديّ بأن هذه النمطية موجودة بالفعل، والخروج منها يستوجب مواهب مرموقة وحاضرة، نظراً لسهولة الموضوع، ومباشرته وراهنيته، بحيث هو مبذول لكل انسان على الكرة الأرضية، مثلما هي الجريدة مبذولة. - أغلب الشعراء حين يصلون الى مرحلة متقدمة من العمر، يعتبرون طقوس التصوّف هي الأقرب الى سلوكهم. كيف تفسر ذلك؟ ٭ أقول في قصيدة بعنوان «احتفالات بلقيس»: «ضيعت الحكمة حين غزاني الشيب». فالمسألة غير مرتبطة بعمر معين. حين كتب يرثور رامبو ديوانه «اشراقات - Illumiuotiona » وهو قصائد تلامس المعنى الصوفي mystque ، كان في الثامنة عشرة من عمره. كما أن شعراء الرومانسية الصوفية الألمان من أمثال نوفاليس وشيلر وهلدرلن وريلكه، كتبوا أشعارهم التي تعتبر أشعار وجد احيائي صوفي تجاه المرأة والطبيعة، غير مرتبطين بعمر محدد. ثمة نوعان من الشعر: الشعر العرفاني والشعر الصوفي. والعرفانية هي مقام روحي (ديني) غيبي، يناله السالكون أو العارفون بعد مكابدات روحية وجسديّة، تجعلهم في مقام يدّعون أنه أعلى من الشعر، كما هو الحال في كل من جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. أما الصوفية فهم فئة من السالكين والمتقشفين لابسي الصوف، ارتقت فكرتهم من حيّز الزهد الى حيّز الشطح ووحدة الوجود والمتناقض من أمثال البسطامي والحلاّج والسهروردي، وكثير منهم قتل بسبب ما كان يعلنه من فلتات اللسان والأشعار لجهة توحده بالخالق، عزّ وجلّ، كقول الحلاج «ما في الجبّة إلا الله» أو قوله: «أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان سكنّا بدنا فإذا أبصرته أبصرتني وإذا ابصرتني أبصرتنا» وهناك تفرّعات كثيرة من هذه المسألة، كوحدة الحق والخلق، والوجود والشهود، كما نشأت فرق منها المولوية التي أنشأها جلال الدين الرومي وتميزت بالرقص الدائري (الدوران)، والفرقة الرفاعية، وانتشرت في جميع البلاد الاسلامية من تركيا الى ايران. وعلاقة العرفانية والصوفية بالشعر علاقة ثقافية وسلوكية في وقت واحد. فقد رأى أدونيس على سبيل المثال، أن الصوفية هي السريالية العربية الاسلامية، علماً بأن الصوفية طريقة تفكير وسلوك غير مختصة بالاسلام وحده، بل نراها لدى المسيحيين والهنود وهناك في اوروبا مفكرون معروفون اعتنقوا فكرتها مثل كولن ولسن على سبيل المثال. لذلك، فليس من الضروري ارتباط هذه الافكار بتقدم الشعراء في العمر، بمقدار ما هي مرتبطة بتحولاتهم الفكرية والنفسية والروحية. أنا شخصياً ومن البدايات المنشورة لي «قصائد مهرّبة الى حبيبتي آسيا» عن دار الآداب ٥٧٩١، كنت أكتب الشعر باعتباره جزءا من إملاء الغيب... وبالتالي فهذا الانخطاف موجود في أصل تجربتي الشعرية... ولا يزال. - أنت ابن قرية ولدت في الريف الجنوبي، وعشت في المدينة. ماذا يعني لك المكان اليوم: هل هو المدينة أم القرية أم هو خارج التصنيفات المتعارف عليها؟ هل المكان في حياتك هو محسوس ومكتوب أكثر مما هو واقع ملموس؟ ٭ في قصيدة لي بعنوان «الطواف حول المنزل»، وصف لأحوال علاقتي بالمكان الذي عشت فيه طفولتي الاولى، ثم دفنت هذه الطفولة تحت ركام الايام، كما تغيرت معالم المنزل، فلم يعد الطفل طفلاً ولم يعد المنزل القديم كما كان. في هذه القصيدة التي هي جوابي على السؤال أقول: - ١ - «تستوقفني أحيانا وأنا أسرع في خطوي نحو المنزل أشجار لا أعرفها تتقوّس نحوي بثمارٍ دانيةٍ وتناديني أسأل نفسي: هل للأشجار دم فيحنّ وللأغصان يد فتلوّح إذ تلقى ضوء جبيني؟. - ٢ - تستوقفني أحياناً وأنا أسعى في البرد القارس نار تألفني تتمسّح بي كالقطّة أو تتبعني كالكلب الى سكني وأنا أتلافاها وأخبئ وجهي بين يديّ وأومئ للدار أجيريني. -٣ - تستوقفني أحياناً وأنا أجلس في بيتي أصوات لا أعرفها تأتي من زاويةٍ لم تكشف للضوء حواشيها أسأل نفسي: هل لحجارة هذا البيت فم يختزن الأصوات ويحييها؟ هل لنوافذ هذا المنزل ذاكرة تذكر أرواح محبيها؟ -٤ - تستوقفني أحياناً أسئلتي وأنا أدخل في القبر لأنساها أتوسّل أن تتركني وحدي فأنا أرغب موتي منفردا». علاقتي إذن بالأماكن التي لامستها بحواسي وعايشتها بالجسد والعادة، علاقة واقعية سحريّة. أما علاقتي بالأماكن التاريخية والمتخيّلة، فعلاقة ثقافية وجدانية، وبالنتيجة علاقة شعرية، مثل قصيدة «البحث عن غرناطة». - بعد تجربتك الطويلة، في الحياة والكتابة، هل تعتبر أنك نلت حقك في الحياة، وقد تكرر ما قاله يوماً الشاعر التركي الراحل ناظم حكمت: «أشهد أني عشت». أم أنك لم تعش كما تريد أو تشتهي وتالياً ترى أنك ظلمت؟ ٭ يلزمني أكثر من حياة، لكي أرى، واروي، وأعتقد أن ما عشته وما سأعيشه بعد، حتى لحظة الموت، وما سجلته وما اقترحته وما عانيته أو عاقرته هو تمهيد للكتاب القادم. |
|||||
|
|||||