|
|||||
|
في ليلة قمراء من ليالي منتصف أكتوبر، وعلى رمال شاطئ رأس الجنز، المطل على المحيط الهندي والواقع في منتصف ساحل عمان، تتلألأ أمواج المحيط التي تؤوي ملايين الأسماك المضطربة في حركتها في البحر والمتألقة بلونها الفسفوري البرونزي. تنكسر الأمواج بصفير يتبعه زئير صاخب، وفجأة تتلاشى أضواؤها الراقصة باعثةً مدىً فائضا على الشاطئ. يُخيم خمسة عشر شخصا على منبسط رملي على بعد ثلاثين ياردة من خط الساحل، أبصارهم متعلقة بحافة مياه الشاطئ. سيُكافَأُ صبرُهم في هذه الليلة إذ بدأت تبرز من المياه الضحلة نصف كرة سوداء برّاقة، تعلوها بقعة بيضاء مصفرة لامعة كأنها القمر. هذه واحدة من السلاحف الضخمة القادمة باتجاه الشاطئ لتضع بيضها على الرمال، كعادتها منذ خمسة عشر مليون سنة إلى يومنا هذا في الفترة بين يوليو ونوفمبر من كل عام. يعتبر مثل هذا المنظر البطيء والمؤقَت له باعثا على الراحة في خضم عالمنا السريع والذي يفتقد إلى الاستقرار. قادمة باتجاه الشاطئ؟! تعبيرٌ عفويٌ. ففي البحر تسبح السلاحف الخضراء كغيرها من السلاحف البحرية بعظمة ورشاقة، تدفعها زعانفها الأربع التي تبدو وكأنها النسخة المائية لمحرك الدفع الرباعي. أما في اليابسة فتبدو السلاحف متثاقلة في حركتها على نحو ميؤوس منه. ولما كانت السلحفاة تفتقر إلى الأقدام، فإنها لا تستطيع تحريك جسمها إلا على هيئة تشنجات، تدخِل السلاحفُ زعانفها داخل الرمال في زاوية حادة وبعدها تدفع هذه الدعائم الشبكية إلى الخارج، ثم تسحب بدنها إلى الإمام بضع بوصات في كل لحظة. تترك زعانفها آثاراً تشبه تلك التي تخلفها عجلات جرَّار الحفر المدببة التي يصل عرض عجلاتها إلى أربعة أقدام، في حين يرسم ذيلها الزاحف قناة وسطية غير عميقة. وفي اليابسة تبدو السلاحف في وضع مزرٍ وكأنما وُضِعت في غير موضعها! ومن المؤكد أن السلاحف تشكلت عن خطأ تطوري هائل. فالأسماك وسلاحف اليابسة تحتاج إلى بيئة واحدة فقط حتى تتأقلم (إما اليابسة وإما الماء وليس في الوسطين معا، المترجمة). ولكن مشاهدة هذه الحيوانات البالغ وزنها مائتي رطلا أو أكثر وهي تناضل لتصل إلى ما هو أبعد من خط الماء حيث تضع بيضها بأمان هناك يجعلك تستحضر عظمة الخالق وكمال صنعه، كما يلهمك بالعديد من التساؤلات منها: تُرى كم بعد المسافة التي قطعتها هذه السلاحف لتصل إلى الشاطئ؟ وهل هي منهكة من جراء السباحة لمئات الأميال؟ وما الذي دفعها لتأتي لليابسة؟ وكيف تعرف التوقيت الآن؟ وبعيدا عن المسافة والوقت، كيف تعرف أن عليها أن تأتي - على نحو لا يخطيء - في كل عام لتضع بيضها في ذات مكان التعشيش الذي كانت قد وُلدت فيه وزحفت منه إلى الماء لأول مرة؟! فبطبيعة الحال لا تعتمد هذه المخلوقات الضخمة على النجوم، ذلك لأن أعينها لم تخلق إلا لترقب يمنة ويسرة وقدُما، لا لتحملق في السماء. لابد أنها زودت منذ ولادتها ببوصلات داخلية ذات مجالين مغناطيسي وكهربائي تقودها إلى ذلك. تعتبِر الحكومة العمانية شواطئ رأس الجنز وشواطئ رأس الحد المتاخمة لها ثرواتٍ قومية، حيث يحرسها حُراس المحميات بحماس، فيبدون جدِّيين في حُليهم السمراء اللون، التي يتوسطها حزام مطَّعم بالبارود ومسدس في منطقة الخصر. السلاحف الخضراء مهددة بالانقراض وعُمان حريصة على حمايتها، حيث يحظر التجول في الأماكن التي تستخدمها السلاحف في التعشيش بلا حراسة. وفي كل ليلة خلال فصل التعشيش في تمام الساعة التاسعة والنصف مساء، يقوم الحراس بمرافقة مجموعات السياح (التي تتكون كل مجموعة منها عن خمسة عشر سائحا في كل جولة) إلى أماكن التعشيش على الشاطئ. وتبذل الحكومة العمانية الجهودَ من أجل منع التدخل عنوة في المراحل المبكرة للتعشيش، كما يُمنع التصوير الفوتوغرافي، وبما أن المكان معتم ليلا فإنه لا يمكن التقاط الصور حتى خلسة ذلك لأن أقل ومضة ضوء قد تتسبب في إرباك السلحفاة. إلا أن بعض العوائل تأتي مزودة بالمناظير الليلية التي تصدر ضوءا أخضر مخيفا وغير مرغوب فيه على الكائن البرمائي الذي يرغبون في مشاهدته. وبعد بضع دقائق يومئ حارس المحمية الذي يرافقنا سامحا لنا بالاقتراب بحذر وببطء، وحينما نقترب من مواقع التعشيش، نمشي على رمال خفيفة متناثرة، تشكلت من منخفضات رملية مخروطية الشكل يصل عمقها إلى حوالي قدمين ويبلغ قطرها أربعة أقدام أعلى مستوى سطح الأرض، وهذا ما يتشكل بعد انتهاء السلحفاة الأم من وضع بيضها. لذلك نجد أماكن السلاحف المعششة مستلقية أسفل أقدامنا، حيث تحمل هذه الحاضنات بيضا في مراحله المختلفة من الحضانة. وجد حارس المحمية عشا قيد البناء فأومأ إليه بنشاط، قام بعدها بخفض راحة يده آمرا إيانا بالجلوس. كنا على مقربة عشرة أقدام فقط من السلحفاة، ننظر إليها بصمت فقد قدمنا لنشهد معجزة! وبعد حوالي نصف ساعة من المشي المضني أعلى الشاطئ ذي الانحدار اللطيف، تجمعت السلاحف الخضراء المتثاقلة في حركتها على الرف الرملي بالقرب من المكان الذي كنا نجلس فيه، ثم اختارت منطقة رملها عميق ومتناثر، وشرعت بالحفر بزعانفها. كان لون الرمال بنفس لون قشرة البيض، فالرمال بمثابة الحاضنة التي لابد وأن تتحمل الأمهات العملاقة والتي طال غيابها عن مكان التعشيش. فإما أن تكون السلاحف كبيرة جدا بحيث لا تستطيع الرقود أعلى بيضها كما تفعل الطيور المُحبة لصغارها والخفيفة الوزن، أو غبية جدا بحيث لا تستطيع أن تتخيل مصير بيضها المكشوف للملأ. كلما حفرت السلاحف أعمق غرقت في الرمال ببطء وكأنما تحفر قبورها بأنفسها، إلا إن هذا الحفر إنما هو وسيلة للتناسل وبث الحياة، وليس لإنهائها. وبعد حوالي خمس عشرة دقيقة، تكون السلاحف قد غرقت في الرمال إلى عمق يتراوح من قدم إلى قدمين أسفل مستوى سطح الأرض، وتكون حينها مغطاة بأكملها بالرمال. تبيض السلاحف في الاتجاه المعاكس للمنخفضات الرملية التي كانت قد أضنت أنفسها في حفرها، حيث تُشكِل هذه المنخفضات الرملية أكواماً مزدوجةً من الرمال بحجم ما يحمله المحراث الصغير الممتلئ. وتستمر السلاحف بالاندفاع بعيدا عن الحفرة بشكل متقطع لمدة نصف ساعة أو أكثر، حيث تشبه في حركتها الانفجارات المنبعثة من البراكين الهاجعة في سبات عميق ثم استيقظت من نومها. تحفر السلاحف الأم فجوة في أسفل مؤخرتها بمساعدة زعانفها الخلفية، يتراوح عمقها من 12 إلى 16 بوصة ، وتكون هذه الفجوة أعمق من الحفرة التي كانت قد حفرتها لتحتضنها، حيث يبلغ عمق الأخيرة ثلاثة أقدام. يتلاشى عواء الذئاب المسموع على مقربة من مناطق التكاثر دون أن يشعر به السياح، فأدوارها في الدراما الليلية يجهلها أولئك المنكفئون على السلاحف، أما أكوام الرمال - وهي قليلة الآن- فتستمر في الانتشار بعيدا عن عش التكاثر. ويحبو حارس المحمية على بطنه باتجاه حافة مكان التعشيش ليلقي نظرة فاحصة دون أن يربك هذه العملية، ينظر بتمعن ثم ينظر صوبنا ملوحا بيديه، نقترب مجددا بهدوء، بعضنا يزحف على قدميه وركبتيه حتى يصل إلى حافة مكان التعشيش. صوَّب الحارس مصباحا على مؤخرة السلحفاة، ثم رفع زعنفها الأيمن ليُرينا قناة البيض المتدلية والتي تشبه خرطوم الفيل. يتدلى البيض الحليبي البيضاوي الشكل من القناة، حيث تسقط من بيضة واحدة إلى ثلاث بيضات في كل مرة، يتخللها تدفق سائل حليبي يُرطب مسار البيض. ولما كان البيض مرنا وجلديَ الملمس فإنه لا يتعرض للكسر عندما يسقط إلى الفجوة الصغيرة. سمع أحد السياح تنهدات تصدر من السلحفاة الأم من وقت لآخر تصاحبها دموع تسقط على خدها، قد تكون هذه الدموع ناتجة عن دخول حبات الرمل إلى عيني السلحفاة فتؤذيها. وفي العادة تضع السلحفاة أكثر من ٠٠٣ بيضة خلال خمس عشرة دقيقة، وعندما تنتهي من وضع بيضها، تبقى في مكانها لفترة، ثم تملأ الحفرة بالرمال ببراعة مستخدمة زعانفها الخلفية فقط. وتقوم بهذه العملية بشكل عشوائي حيث تقودها حاسة اللمس للحفر، وعندما تمتلئ الحفرة بالرمال، تبتعد السلحفاة عن المنخفضات الرملية الكبيرة، نافضة الرمال عن ظهرها ثم تحمل نفسها عائدة إلى أسفل المنحدر باتجاه الماء المعتم. وفي النهار يكون المنظر أقل رومانسية عنه في الليل حيث الأمواج التركوازية (١) تنكسر على الرمال البيضاء التي تشبه قشرة بيض السلحفاة، إلا أنه يكون أكثر برودة من الليل. وتأتي السلاحف إلى الشاطئ مستترة بستار الليل فقط، ولا يحبذ خروجها إلا في ذلك الوقت. وحينما نمشي على الرمال الحاضنة لما يقارب عشرات الأعشاش من البيض، نلحظ إشارات مشؤومة توحي بحفر حديث وآثار لأرجل ذئاب، وتكون إحدى الحفر هناك معرضة للهواء والشمس. في الفجوة الحاضنة تفقس البيضة ويخرج صفارها للخارج، ومن الغرابة ألا يتأثر باقي البيض ولا ينفقس. وثعلب ماكر - كشخصية الدكتور سوس (٢) - تذوق البيض الأخضر وتقزز من لونه غير المألوف فقرر ألا يأكله! ومهما يكن الأمر فإن باقي البيض - معرضا للهواء الطلق وللحيوانات المفترسة - يبقى محكوماً عليه بالهلاك. فما يبدو جنين السلحفاة الخضراوي اللون في خارج أماكن التعشيش يكون هالكا في الشمس، فالسلاحف في خطر داهم من اللحظة التي تتحرر فيها كبيض من أمهاتها. أما عندما لا تسلب الذئاب أو الأفاعي البيض فتقع السلاحف الفاقسة - عندما تتمايل بإرتباك نحو البحر - فريسة للحيوانات المفترسة الطائرة والمذعورة. وتستطيع الصقور والنوارس والعقبان انتزاع حصتها من السلاحف الهائمة والعاجزة. وحتى في الوسط المائي الآمن للسلاحف تلتهم الأسماك الكبيرة صغار السلاحف، ولذلك أينما حلت وارتحلت - على اليابسة أو في البحر أو في الهواء - تُصطاد السلاحف بلا هوادة. وتبقى بيضة واحدة تقريبا من كل 300 بيضة (وهو مجموع ما تضعه السلحفاة الأم) على قيد الحياة إلى أن تصل إلى مرحلة البلوغ، وهذا الرقم الإحصائي المروِع يجعل مشاهدة سلحفاة وهي بالغة ومكتملة النضج أعجوبة في حد ذاتها، فقد تغلبت هذه السلحفاة بشجاعة واستبسال على الأخطار المداهمة. ومن الظواهر التي تبعث على الأسى ظاهرة سرقة بيض السلاحف، غير أنها في الوقت نفسه متوقعة وربما جوهرية، حيث تتغذى عليها الذئاب وغيرها من الأحياء البرية لتبقى على قيد الحياة. ولعله من العدالة أن نشير إلى أنه في هذا الجزء من الشاطئ لا نرى الجانب الآخر من الطبيعة، فنحن لا نرى السلاحف الخضراء وهي تتغذى على صغار غيرها من الأمهات في المحيط، ذلك لأن الكائنات الحية (الإنسان والحيوان والنبات) لا يربطها بعضها ببعض سلسلة الغذاء من أجل البقاء وإنما تربطها أيضا السلسة العظيمة لعدم البقاء ألا وهي سلسلة الغذاء (٣). وفي هذه الليلة القمراء البلسمية على شاطئ المحيط الهندي، يُقاس الزمن فقط بوحدات الطبيعة البطيئة والمتناغمة متمثلةً في دوران الشمس حول الأرض الذي يؤدي إلى تعاقب الليل والنهار، ودوران القمر الذي يضيء الليل ويسبب حركات المد والجزر، ودوران الكواكب الذي يؤدي إلى تعاقب الفصول الأربعة، وأخيرا دورة التكاثر التي تدفع السلاحف الخضراء للخروج من الماء متجهة نحو الشاطئ، قد نشاهد السلاحف المعششة بالأمس أو سنشاهدها غدا أو قد شاهدناها في الماضي . بيد أن ما نشاهده كان موجودا منذ الأزل، فلم تكن أنفسنا لتختلق أيا مما رأيناه. كان المنظر عابرا وليس لنا أي تدخُل يُذكر لانعكاسات الظل فوق الرمال. وللوهلة الأولى يبدو ما رأيناه مدعاة للتواضع والاستغراب وسيبقى كذلك دائما وأبدا. الهوامش ٭ عمل سابقا أستاذا مساعدا للأدب بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس. يكتب الشعر والمقالات القصيرة الهادفة. يمتاز بلغته الشاعرية، ولا يخلو أسلوبه من السخرية وكثرة التشبيهات الأدبية والاستعارات. أمضى ثمانية أعوام في عمان وتجول خلالها بين سهولها وجبالها ورصد تقاليد أهلها. ١. التركوازي: درجة لونية تجمع بين اللونين الأخضر والأزرق. ٢. قاص وروائي مشهور يشتهر بكتابة قصص الأطفال، يمتاز أسلوبه بالتهكم والمراوغة. ٣. هيمنت هذه النظرية (تُدعى بالسلسلة العظيمة للبقاء) في القرن السابع عشر. ومن مناصريها ألكساندر بوب. وتفترض هذه النظرية أن الكائنات تتغذى بعضها على بعض من أجل البقاء، فالإنسان - على سبيل المثال - يتغذى على الحيوان والحيوان على النبات. وفي المقابل فإن الكائنات التي تغذت بعضها على بعض ستؤول إلى الزوال في نهاية المطاف، فالحيوان الذي اعتمد على النبات ليعيش سيأكله الإنسان تباعا. |
|||||
|
|||||