تهويمات الجسد وبندول من ورود
«أغنية عاشق» يستكمل غواية جان جينه سينمائيا

 

زيــــــــاد عبدالله


ستكون غواية ليس لمن يعرف جان جينه جيدا إلا أن يستسلم لها، غواية أن تشاهد فيلما من كتابته وإخراجه يكون مكملا للهامش الذي جسده أدبه مسرحا وشعرا ورواية، أو القاع الكلمة الأدق إن تعلق الأمر بجينه الذي غاص في هذا الهامش حد ملامسته القاع الذي ينتمي إليه والمزدحم بالمحرومين واللصوص والقتلة واللقطاء والخونة والشاذين وكل من لفظتهم مجتمعاتهم، والقائمة تطول إلى أن يتخذ منهم معبرا إلى من لفظهم العالم سواء مع فهود أميركا السود أو الفدائيين الفلسطينيين الذين صار أسيرهم العاشق.

 

لن تكون لا وردة ولا مليكة طافيتان على سطح الشاشة وقد خرجتا للتو من مسرحية «البارافانات» ، ولا أي شخصية أنثوية أخرى كان لها أن تستقر بين دفتي إحدى رواياته، أو تصعد خشبة المسرح بكعبها العالي الذي تصر على أن ترتديه ولو كان في ذلك مقتلها بقدمين داميتين طوال مسيرها المديد لمئات الأميال، فقط لأنه يشعرها بارتفاعها، بعلوها ولو قليلا عن سطح الأرض، كونها مسحوقة.

ستعثرون بدلا عن ذلك على الذكورة في أكثر لحظاتها فجاجة وقسوة، وهي تخرج من الحبر إلى فضاء الصورة، ومن عبارات جينه التي كانت دائما تخرج بأصبعين مصوبين مباشرة إلى عيني القارىء، إلى المشهد السينمائي ينحته بأزميل لئيم، حاقد يتشفى منا نحن ونشاهد بدل أن نقرأ أو أن نواجه خشبة، نشاهد لعنة سينمائية تتبع لعنات كثيرة أطلقها على كل شيء بالاستعانة بكل هامشي على سطح الأرض. ستكون شخصية جان في «شعائر الجنازة» الذي مات على متاريس باريس في 19 اغسطس (آب) 1944 حاضرة بقوة، والذي يغطي جسده جينه كما الجذام، والذي يهرب النحل من عينيه، «من محجريه حيث تدفق بؤبؤاه الصافيان من تحت الجفنين الرخوين. إن التهام صبي قتل عند المتاريس، افتراس بطل صغير، ليس عملا سهلا. كلنا نحب الشمس. فمي ملطخ بالدم وكذا أصابعي. قطَّعت اللحم قطعا بأسناني. الجثث لا تدمي عادةً. جثته أدمت».

ستقعون على كارثة الفازلين في «يوميات لص»، وهشاشة أن تكون ثيابك مقلمة بالأبيض والأسود وأنت محشور بينهما كونك السجين والمنبوذ الأزلي من كل عيش يعيشه من يعيش، مثله مثل الفدائي الفلسطيني أيضا في «أسير عاشق»، حين يبدأ كتابه عنهم بصفحة بيضاء سرعان ما تمتلىء بالكلمات السود، وليكون هذا الفدائي وثورته في كل انزياح صغير بين كلمتين، في الفاصلة ربما أو النقطة، بعد أن يتساءل إن كان مكتوبا في العدم.

قد تجدون كل هذا في فيلم جان جينه «أغنية عاشق» الذي أخرجه عام 1950، أو نتفا من هنا أو هناك، على اعتباره التكثيف السينمائي للمنغمس بالكتابة أولا وأخيرا، أو لا شيء من هذا أو ذاك، على اعتباره فيلما مفرطا في ايروتكيته إن شكل هذا الملمح زاوية الرؤية الوحيدة لمقاربته وتسليط الضوء عليه، وبالتالي تغليب ذلك الرفض الجاهز على أية قيمة أخرى.

بعيدا عن الخيارات سابقة الذكر فإن ما يلي سيكون محاولة لعرض فيلم يستدعي التوقف ومحاولة الاقتراب منه تاريخيا وجماليا، بوصفه عملا مفصليا في تاريخ السينما أولا كما يصفه المخرج البريطاني ريتشارد كيتينيوفسكي صاحب فيلم «حب وموت وجزيرة طويلة». وكون هذا الفيلم الوثيقة الوحيدة وإن كانت محظورة التي تجسد هوس جينه السينمائي واستجابته المدوية لهذا الهوس الذي ذهب به بعيدا كما يقول الكاتب إدموند وايت المتعقب والراصد لخطوات وحيوات جينه. مع التأكيد مجددا على أن «أغنية عاشق» تكثيف بصري لحالة جينه الإبداعية وخصوصيتها من جهة، وإدراجها على  الصعيد السينمائي، لتأتي تحت خانة الحامل الجمالي لمساحة تجريبية غنية لا يمكن إلا اعتبارها بمثابة الإضافة، وتحديدا أن الفيلم صامت ومكثف بما لا يتجاوز ال 25 دقيقة، وعليه فإن شعرية جينه هنا هي شعرية الصورة فقط، و التي أضيف إليها موسيقى من تأليف الإنكليزي سيمون فيشر ترنر، وذلك في  إصدار مؤسسة الفيلم البريطاني باعتباره الأول من نوعه على قرص دي في دي، والذي أتاح لكاتب هذا السطور مشاهدته.

على كل لم يفرج عن هذه الوثيقة السينمائية  إلا بعد زمن طويل من تصوير جينه لها، كما حدث في بريطانيا على سبيل المثال التي أجازته عام 1992، كما أن جينه عارض عرضه على نطاق واسع  عام 1970حين كان من الممكن أن يطرح هذا الأمر، مفضلا عرضه على نطاق ضيق ومحدود وضمن ما تتيحه نوادي السينما الخاصة من انتشار.

تدور أحداث الفيلم في سجن، البؤرة الرئيسية في أعمال جينه، ويبدأ من حارس ذلك السجن (لوسيان سينمود) في إحالة بديهية إلى السلطة أي سلطة لها أن تجد في هذا الحارس أعتى تجلياتها، والذي نشاهده يهرع إلى السجن ونظره معلق في الأعلى، حيث بدت ورود مربوطة بخيط يتأرجح بين يد ممدودة من نافذة زنزانة إلى أخرى في زنزانة ثانية، لتنتقل الكاميرا إلى خلف الجدران، لندرك على الفور أنها لعنة الجدار التي تفصل بين سجينين يتوق أحدهما للآخر، الأول (كوكو لي مارتينيك) يرقص وحيدا بينما يتحسس وشما مرسوما على ذراعه يشبه امرأة رسمت كما في الرسوم المتحركة وعلى شيء من الملامح الآسيوية، والثاني (أندريه ريبيز) يتمرغ بالجدار والدموع تملأ عينيه. الأول كما تقدمه الكاميرا بحنكة فإن ملامحه أقرب إلى الرقة مع نظرة حالمة لها أن تضفي شيئا من الملائكية، وخاصة أن شعره مصفف بعناية وذقنه محلوقة ولامعة. بينما الثاني بذقن نصف نابتة وحاجبين كثين وفحولة محتفى بها، إضافة إلى نظرة تحمل عذابات مضاعفة متفوقة على تلك التي لدى السجين الأول، كما لو أنها تجسيد للحرمان الممتزج بالقسوة، والبدائية التي تروضها المؤسسة العقابية التي يقبع فيها. يمرر الثاني للأول في ثقب يصنعه في الجدار قصبة رفيعة ينفث من خلالها دخان سيجارته، بينما يكون الأول غارقا في احتفائه بنفسه، وطوال الوقت يتنقل الحارس بين الزنزانتين متلصصا عليهما عبر الفتحة التي تترك عادة في باب كل زنزانة، ومع تصاعد الحالة ينتقل جينه بالكاميرا إلى زنازين أخرى لنشاهد شابا زنجيا وآخر بملامح لاتينية، وليكون الجميع في هذه اللحظة الجمعية في حالة اثارة، كما لو أن هذا الشيء هو الوحيد الذي يجمع بينهم.

لا يعود جينه إلى إظهار الزنجي واللاتيني، كما لو أن هذين الاختيارين سيشوشان على أغنية العشق التي يتهيأ لترنيمها بصريا،  ويقتصر الحدث الرئيس على السجينين سابقي الذكر والحارس ليكون هؤلاء الثلاثة محور الفيلم الرئيسي، وفي موجة من التهويمات التي يختلط فيها الحلم بالذاكرة، بمعنى أن تواصل السجينان عبر معاودة محاولة تمرير القصبة الرفيعة في الجدار وتنشق الأول لما ينفثه الثاني من دخان سيجارته يأخذ الفيلم إلى فضاء ما خارج السجن بحيث يحدث تواصل بين السجينين عبر تصويرهما في غابة يلحق أحدهما بالآخر في لحظة حرية ليس لنا أن نميز إن كانت حلما أو من الذاكرة المستعادة، مع ممازجة ذلك مع تدخلات الحارس الذي يمارس سلطته من خلال مسدسه الذي يضعه في فم السجين الثاني أو حزامه الذي يسوطه به ، مضافا إلى ذلك تشكيلات الجسد، التي تحتفي بكل تفصيل من تفاصيله، باختلاجاته وانثناءاته ، مع كل ما يلزم لفرض تناغم بين جسدين  اللافت أنهما جسد السجين الثاني والسجان أو الحارس والذي قد يحيلنا إلى فعل الاغتصاب وخاصة أن هذه المشاهد تكون خلف الجدران، بينما التواصل بين السجينين المتخيل يكون في البساتين والاحراج والغابات ودون أي تعري.

لا تغيب عن الفيلم التيمة الرئيسية أو اللازمة التي تتكرر لأكثر من أربع مرات  المتمثلة بالخيط المربوط في نهايته ورود تفشل دائما يد تحاول التقاطها عبثا، بما يشبه بندول الساعة، بحيث تكون أيضا إن شئنا ساعة الفيلم الرمزية.

ينتهي الفيلم من حيث بدأ، يغادر الحارس من المشهد الذي جاء منه، وخيط الورود يتأرجح بين النافذتين، لكن هذه المرة تلتقطه يد السجين الأول، كما لو أنها التهمته وأدخلته إلى جوف الزنزانة خلف القضبان.

يبقى ما تقدم محاولة لمقاربة الصورة التي دائما ما تكون أشد بلاغة، ما يدفع للاعتقاد أن أشياء كثيرة قد أفلتت مثل اللحظة التي يقبِّل فيها السجين نفسه حين يعثر على يده أمامه، وعلى شيء مما يحيل قارىء جينه إلى مقطع من روايته «عذراء الورود» التي كتبها أصلا في السجن حين يحكي جينه عن يده التي يقبلها بمجرد أن يخرجها من جيبه كما لو أنه عثر على شيء لم يعرفه من قبل. كما أن الأمر قد يمتد إلى حد أن تشكل الوجوه التي حملتها الكاميرا تكثيفا لنموذج أو «مسطرة» إن صحت التسمية لشخصيات روايته ومسرحياته وقد بعثت حية على الشاشة، وبحرفية عالية تتناغم وكتابة جينه، الشعور الذي دفعني للتقديم له في البداية مستعينا بشخصياته الروائية والمسرحية ، أو الإحساس بأن هذين السجينين هما إريك وجان وقد خرجا من «شعائر الجنازة» على الأقل، ووفق توجيهات جينه السينمائية التي تلفَّظ بها لمرة واحدة فقط لا غير.


تصميم الحاسب الشامل