|
|||||
|
استكمالا لمشروع بدأتـُه في أعداد سابقة من نزوى، أقدم اليوم نموذجا آخر من الشعر الإنجليزي الذي تناول عمان ثقافة ومكانا. رأينا سابقا أن الربع الخالي، وهرمز، وظفار، ومسقط، وقلهات، وأماكن أخرى من عمان كان لها صدى قوي في الشعر الإنجليزي منذ القرن السادس عشر وحتى القرن الحالي. وإذا كان حضور عمان في قصائد شعراء مشهورين من أمثال شيلي، ووايت مان، وجون ميلتن، وتوماس مور يمثل في الماضي استلهاما رومانسيا للشرق وغرائبيته، فإن تجربة شاعر إنجليزي معاصر مغمور، هو مايك هايويل-ديفيزMike Hywel-Davies، في مجموعة أصدرها في مسقط سنة 1999، بعنوان «عمان تزورها ولا تنساها »، تمثل بعدا ونوعا آخر من الشعر.(١) ليس ثمة مصادر تتحدث عن الشاعر، ولكن عبر مقابلة شخصية معه في مسقط يمكنني على الأقل تسليط الضوء على جانب يسير من حياته. ولد مايك هايويل-ديفيز في لندن سنة 1942، ويبدو أنه لم يرغب في إكمال تعليمه الجامعي، فانخرط في العمل المهني مبكرا. كانت أولى زياراته إلى عمان سنة 1977، لكنها لم تدم طويلا، ليعود بعدها مرة أخرى سنة 1990 ليعمل في شركة النفط العمانية (PDO) مدة أحد عشر عاما، حتى سنة 2001. يعمل حاليا مديرا عاما لمشروع نادي مسقط الريفي للجولف. هذا كل ما يتوفر من معلومات حول الشاعر، لكن مجموعته التي اشتملت على ستة عشر نصا إيقاعيا، ترصد المكان والثقافة معا في عمان.النصوص جاءت مصحوبة بروعة الصور التي التقطتها كاميرا الفنانة التصويرية جوليا دي فير ماكلروي (Julia de vere McIlroy)، والتي تربطها بعمان «ذاكرة ثرة سعيدة» لا تقل عن عشرين عاما، كما تقول. أهمية قصائد مايك هايويل أنها ترتبط ارتباطا حميميا بتفاصيل الحياة اليومية في عمان. هذا الارتباط الذي يعبر عنه جاستون باشلار في كتابه الرائع جماليات المكان «بقيم الألفة»، القيم التي تمتلك جاذبية تجعل القارئ يتوقف لا إراديا عن قراءة قصيدة حول مكان ما ليصغي لذكرياته حول ذلك المكان.٢ «قيم الألفة» هذه تزدحم بأصدائها في كل قصيدة من قصائد مجموعة «عمان تزورها ولا تنساها». في جبل شمس يلتقط مايك هايويل صورةَ شعرية لرجلٍ عجوز، دامعِ العينين، رثِّ الهيئة، يسوم للسيّاحِ مقتنياتِه البسيطةَ من منسوجاتٍ، وحفريّاتٍ، وفضيّات. يتلكأ في التخلصِ منها، وحين لا يُرضيه الثمن يُولي وجهَه، زاهدًا، شَطـْرَ الهاوية السحيقة للجبل، ليُطلَّ على غِرْبانٍ تذرعُ المنحدراتِ في كل حين. وفي يوم ماطرٍ من أيام الصيفِ الحارقة في عمان، ما مِنْ شيءٍ أجمل وأروعُ في عينِ الشاعرِ الغريبِ من مشهدِ قلعةٍ تلوحُ بعيدا على التلال كدُمْيةٍ في الأفق، أو مشهدِ مئذنةٍ وحيدة وغريبةٍ تحرسُ مسجدًا صامدَا منذ الأزل، أو مشهدِ نُهيْرٍ فضيٍّ يخترق الشِّعاب. وفي مَحْفلٍ من المحافلِ الشعبيةِ الخاصة بالنساء، لا تُخطئ عينُ مايك هايول صورةَ مهرجانِ الألوانِ الطبيعيةِ الزاهية التي تتبهرجُ بها النساءُ من مختلفِ الأعمار. وفي أسواقِ الماشيةِ يُذهله تـَيْسٌ حرونٌ جُلِب للبيع، يَرْشُقُ المساومينَ بعينِ الكراهية والازدراء، بينما تخطرُ أمامَه العنزاتُ بشَبَقٍ ماكر. ويرى الشاعرُ أنّ هذا التيسَ سينتهي لاحقا إلى مُجَرّدِ وَجْبةِ برياني بالتوابل والبهارات، مُهيِّجةٍ للجنس ونافخةٍ للكرش! وفي رمالِ الشرقية بولاية بدية يلتقط الشاعرُ هايويل-ديفيز مشهدا لفجرٍ صيفي في أعالي الكثبانِ الذهبية، حيث تتكوّنُ مفرداتُ الصورةِ من سماءٍ باهتة، وشُجيراتٍ عطشى، وعظامِ إبلٍ بالية، ورسومِ أقدامٍ عابرة، وقـُميرٍ خجولٍ في السماء، ودُخانِ مواقد، وغيومٍ كالحةٍ تبدد شائعاتِ الليل وتصرخُ عاليا في القـُبّةِ الزرقاء، وأشعةِ شمسٍ قاسيةٍ تقتحم ظهورَ الكثبانِ تنتزع نداوةَ الفجرِ من أعشابٍ مناضلةٍ تحلم بالحياة. وفي شواطئ عمان يلمحُ الشاعرُ صيّادِين، لهم عثانينُ قصيرة وعيونٌ ثاقبة، تلتمعُ ملابسُهم الرثـّةُ مع حراشفِ أسماكِهم، أصواتـُهم الصاخبةُ هازئةٌ بالأفق، وهم يُلقون شِباكـَهم الماكرةَ في البحر لتتلقفَ أسرابَ سردينٍ صغيرة، تـُنازعُهم عليها النوارس والخطاطيف. وفي وادٍ خصيبٍ من أوديةِ عمان، يحتفي هايويل-ديفيز كثيرا بالصمتِ الذي يُطـْبقُ على الأوديةِ بُعـَيْدَ سقوطِ المطر وهدوءِ العاصفة. صمتٌ يصفـُه بأنه جافٌّ «جفافَ عظمِ عِجـْلٍ حتى البيَاض». صَمْتٌ لا يَحـْتفِرُه إلا سَيـْلٌ عَرَمْرَمٌ ينزلقُ فجأةً من أعالي الجبال، ليجرفَ كلَّ شيء وينتهي إلى أسماكٍ لاهثة وطحالبَ لـَزِجة. ويلفتُ نظرَ هايويل-ديفيز في عمان طريقةُ التحيّةِ الشائعةِ بين البدويّات، وهي رَفعُ البُرْقـُع والتصافحِ بأرْنَبةِ الأنف. طريقةٌ يرى فيها من الألفة والحميميّةِ ما يشدُّ من روابطِ الصلة و«أختيـّةِ الإنسانِ الكامنة» بين النساء. وهايويل-ديفيز الذي جاء من مجتمعٍ قد تحررت فيه المرأةُ من التقاليدِ القديمة، لا يرى غضاضةً في البراقع ولا ينظرُ إليها بسخريةِ الخِطابِ الغربي من الحجاب؛ بل يُعظـَّمُ الجَمالَ في العيون المكحولةِ لظِباءِ الفلاة. ويرى في العينينِ المُدّخـَرتيْنِ وراء البُرقعِ حُريّةً كاملةً تمنح الأنثى أن ترى ما تـُريد! وفي قصيدتي «الدخان» و«دائرة الزمن»، لعلهما من أروعِ ما في هذه المجموعة، مشاهدُ لا أعتقد أنّ أحدا قد التفتَ إليها شِعريًّا. في الأولى يصفُ دُخانـًا يَصّاعدُ بين سَعـَفِ النخيل، حيث المشهدُ يمتزج مع صورةِ يومٍ من أيامِ العيد في عُمان. هتافاتُ الأطفال وهم يمرحون بين النُّخيلاتِ تـُزنـِّرُ مشهدَ أشرطةٍ من دُخانِ الخـُوص والكـَرَب وهي ترفرفُ من سَعـْفةٍ إلى سعفة، حاملةً معها آمالَ الصغار والكبارِ إلى أفقٍ مجهول، مُخلـِّفةً وراءَها شَذىً من عَبَقِ الطبيعةِ الأولى. وفي القصيدةِ الثانية يلتقط هايويل-ديفيز بعينٍ شِعريةٍ ثاقبة مَشهدًا من مشاهدِ الصِّبا التي مَرّ بها كثيرٌ من العمانيين في طفولتِهم القـُرويّة. مشهدٌ يرصدُ فتىً مُطرِقَ الرأس، عن تأمُّلٍ لا عن خنوع، يجتازُ سِكـّةً غبراءَ من الطين وبقايا الخوص، يحثُّ الخُطى إلى الكـُتـّابِ أو المسجد، مُكـْتهِلا في حديثِه وتفكيرِه، مُحاصَرًا بزمنٍ لا يَريم، بينما هو يحرقُ مراحلَ العُمرِ شوقا إلى عالـَمٍ مجهول. هذه بعض من «جماليات المكان» أو «قيم الألفة» -كما يسميها باشلار- تتردد بشكل مدهش في هذه المجموعة الشعرية الصغيرة. صُوَرٌ شعرية لتفاصيلِ الحياةِ في عمان لا تبثُّ روعتـَها في النفس عبر جسور البلاغة القديمة من تشبيه أو استعارة، وإنما من خلال الكلمات البسيطة وكثافة المشهد.(٣) الهوامش ١- العنوان الأصلي: (Oman Once Visited Never Forgotten (Muscat: Modern Colour Printers, 1999) ٢- جاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، الطبعة الثانية (بيروت: المؤسسة الجامعية، 1987). ٣- استثنيت من ترجمة قصائد المجموعة قصيدتين، الأولى بعنوان «مخيمو عطلة الأسبوع» والثانية بعنوان «المغتربون في اللهو» وذلك لركاكة وضعف فني فيهما لا يتلاءم مع جودة القصائد الأخرى. |
|||||
|
|||||