جيمس ساكري
 
أكتبُ لأحبّك
(مختارات شعريّة)

 

ترجمة محمّد الغزّي


يُعَدَّ «جيمس ساكري» من أهمّ الشعراء الفرنسيين المعاصرين الذين كتبُوا قصيدة جديدة تفترقُ عن كلّ القصائد السّابقة افتراق تباين واختلافٍ.. قصيدة استدعتْ ضُروبًا من المعرفة شتّى استرْفدتها من ثقافات عديدة وطوّعنها لإيقاع تجربتها، فباتَتْ في تضاعيفها، إيماءَات خاطفة وإشارات عابرةً تُشِعًّ بمعان ودلالات كثيرة.

وُلد هذا الشاعر في 17 يوليو 1939 وقضّى جانبا من طفولته وشبابه في إقليم «فاندي» الفرنسي ثمّ انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعمل في جامعاتها، أستاذا مُحاضرا. عاد إلى فرنسا وأقام في مدينة مونييلي» وتفرّغ للشّعر يكتبه منذ سنين عديدة.

من خصائص قصيدة «ساكري» أنها تسعَى إلى إثارة أسئلة الوجود المعقّدة بكلمات بسيطة تمْتحُ من اللّغة العاميّة تراكيبها وطرائق صياغتها... فشعر «ساكري» يبدو للوهلة الأولى، شعرًا واضحًا يتجنّبُ الرموز والأقنعة والاستعارات البعيدة ويقبُل على السّرد يصوّر من خلاله حركة الحياة من حوله...

لكنّ قراءة متأنيّة لهذا الشّعر تكشفُ لنا عمّا استسرَّ منْ معان وراء ذلك الوضوح الخادع، وما تخفّى من دلالات وراء تلك البساطة المُريبَة... «ساكري» هو شاعر «الفكرة» و«التأمّل» و«المواقف»». في قصائده ترتدي الحكمة، بمعناها الإغريقي القديم، لبُوسًا شعريًّا، فنتحوّل إلى صور ومجازات وتخاطب منّا الحاسّة والجارحة.

ثَمّة شخصٌ ما، هنا في أصابعي...

وقد يكون في قلبي

هذا إذا كانت العبارة تنطوي على معنى

شخصٌ يحرّر هذا الكتاب معي...

من العسير أن نشرحَ ذلك...

ردّد «ساكري» في الكثير من قصائده أنّه يتوسّل بالكلمة لِيُدْرك معنى الأشياء، فالشّعر عنده ليس زخرفًا أو نَفْلاً زائدًا، وإنّما هو المخرج الذي لا ينال بغيره، عن طريقه ينفذُ إلى ما وراء الأشياء الملفّع بالغموض، لهذا عدّهُ شكلاً راقيا من أشكال المعرفة، تمامًا مِثْلَ العلم والفلسفة! فلا غرابة إذن أن يَكْتُبَ العديد من القصائد تنعطف على اللّغة بالنّظر والتأمّل... فكلّ كتابة للشعر هي كتابةٌ في الشّعر، كتابة عن الشّعْر.

لكننا نعجزُ عن الإعلان

عمّا يُمكن الظّفر به في ثنايا القصيدة

عمّا يحدثُ حين نُقْبِلُ على كتابتها

لكأنّه إزْجَاءُ شَكرٍ لهذا المشهد...

هذا الشُكْر يشبه مداعبة حبيب في الظلام

لكنّ قصيدة «ساكري» ليستْ قصيدة «الحالة الواحدة» أو «الموضوع الواحد» وإنما هي قصيدة احتشاديّة فيها تتعدّد الحالات وتتوالى المواضيع يأخذ بعضُها برقاب بعضٍ، وربّما كان الاحتفاء بالإنسان، الانسان على وجه الحقيقة والإطلاق، إيقاعًا متواترًا في كلّ قصائده، لهذا ما فتئ يردّدُ أنّه يسمعُ في أجراس اسمه حفيف أسماء أخرى، وانه يجد في الشعر واشِجَةً تَجْمَعُهُ بكلّ الحضارات بكل الثقافات... فالكتابة لديه «إيمَاءَةُ حب» للأحياء والموتى، لِكُلّ مَا أنجزوا من أعمال، لكلّ ما خطّوا من كلمات...

فبفضل هؤلاء تعلّم «ساكري» الكتابة تعلّم الشّعر.

ثمّة شَخصٌ ما يسكُنُ أصابعي

وربّما قلبي

هذا إذا ما كانت العبارة تنطوي على معنى

ثمّة شخصٌ يخطّ هذا الكتاب معي

... ... ...

نحن لا نَخُطُّ كتابا

إلاّ إذا أمسكَ أحدهم بأيدينا،

أنا أقربُ إليك من حبل الوريد،

لكنّني لا أكادُ أسمع ما تردّدُه روحي على مسمعيك

الصّداقة تنتابُها الحيرةُ،

تُعاني من هذا اللّيل المرهف

الذي نُسمّيه الكلام

يخترقُ آذاننَا الصّاخبَةَ،

تُرى من أيّة رُوح كان قريبًا؟

إنّنا نسمَعُ في تشابُه رغباتِنَا

صوتَ اختلافنا

وربّما انقلبَ الأمرُ،

الصَّمتُ ضَرْبٌ من الكلام أيضًا،

ما تردّدهُ روحك على مسمعي:

أنتَ أقربُ إليَّ من حبلِ الوريد.

نهاية ظهيرة في مدينة مراكش

إنّنا نفكّر في هُبُوب الريح في البريّة،

في الوقت ذاته

ثمّة شخصٌ يتناءى في البعيد

ونَحْنً، على سبيل المثال، كنّا أمام الطّاولة منهمكين في الكتابة،

ورُبّمَا كُنّا قد تفرّسنَا في وجوهنا

في مرآة المغسل،

دون أن تتعرّف إلينا

(كأنها رغبة في البكاء تستبدّ بنا)

كُلّ ما نُحبُّ سيتَبَدَّدُ في الماضي

ثَمّةَ خَدٌّ يَلْتمِعُ

كلما استعدتُ ذكراك

لكنّما الأيّام، كما الأشغال، تأخذك بعيدًا عني

قديمًا وغدًا

ما الذي أفعلُ حتّى تلتحق بك الكلمات في الزمن؟

أكتب لأحبك

بْضعةُ سُقُوفٍ موزّعةٍ في ضَوْءِ الظهيرة،

نُبْصِرُهَا من هذا المكان

حيث كنّا نجلسُ فوق العشب

أصواتٌ تبعث الحياة

في سكون المشهد

كيف للأشياء في قربها الذي

-يبدُو كما لو كان ساكنًا-

أن يقضي أناسًا نعرف

أن يُقصي وجوهًا كثيرةَ،

يُقصِي وجهَك أنت... لا أعرفُ كيف!

- آه كَمْ أحب كُل هؤلاء-

تُرى ماذا تقولُ لحظات العُذُوبةِ في العالم؟

أكتبُ لأحبك

يتكاثَفُ الزّمن

لا نَعْرفُ على وجه اليقين

إنْ كان ثمَّةَ شخصٌ قادمٌ إلينا أمْ لاَ

يكادُ العالم أن يجنحَ

إلى القليل من اللّون

يمثّل حياتنَا اليوميّة،

الكتابة قصيدة، تتلوها قصيدة أخرى

طفلٌ صغيرٌ يمضي حاملاً

لَوحَ الرغيف إلى الفرّان

شيئًا فشيئًا نَسْتبِينُ

أصواتَ النّاس

(ضحكات، وأيْدٍ يشدُّ بعضُها بعضا)

هكذا نُدرك، في آخر المطاف،أن كثافة الزّمن مثل شفافيّته

المسألة ترتدُّ إلى أساليب التعبير

أجل ثمّةَ شخصٌ قادمٌ

نهاية ظهيرة في مدينة مرّاكش

لوْ أن شخصًا كان يقدرُ أخيرًا

أن يعلنَ أن الشعر عملٌ مُهِمّ

إذن لظفرنا بأنجع الأساليب لكتابتهِ

لثابَرْنَا عليه،

كَمَا نُثابرُ على أيّ عملٍ آخر

يتيحُ لنا أن نَحيَا حياةً لائقةً،

أو حياة متواضعةً،

لكنْ لا أحد يعرفُ كيف للقصيدة

أنْ تقيم داخل الكلام

وفي بهجة الوجود

أوْ أن تستقرّ في بؤس العالم

ولا أَحَدَ يعلمُ ما ينبغي أن ننسَى من بؤس ذواتنا

ونستمرّ في المقدّمة (مثْل قلب نابض)

حين تتدافع الكلمات (لا أحَدَ يعرف)

ونُواصل الكتابة

بكل ما يردُ علينا

دون طول تفكير

قُلْ كيف لنا أن نعتقد أن هذا سيصنع قصيدًا للآخرين

أجل قصيدًا

نهاية ظهيرة في مدينة مرّاكش

ثَمّةَ شخصٌ ما يسكنُ أصابعي

وربّما قلبي

هذا إذا كانت العبارةُ تنطوي على معنَى،

ثمّة شَخْصٌ يخطّ هذا الكتاب معي

من العسير أن أشرحَ ذلك

كلمات تحملُها رسالةٌ

كلمات متبادلة

(لكن الذكريات التي نحملها عنها

وهي شبيهةٌ بالذكرى التي نحملها عن مشهدٍ،

أو عَنْ لحظة حضُور،

هي أكثرُ من كلمات بيّنة،

إنّها حركةُ حُبّ)

طريقة في الوُجُودِ،

وحركاتٌ تَمْنَحُ صَمْتَ هذه اللحظات

شكل سؤال خفيفٍ.

(اللحظات هي لحظات الكتابة التي تنطوي على مجازفة السقوط في الوحدة، كما تنطوي على رغبة في اتقائها)

إنّنا نسيرُ فوقَ سلك رفيع،

لكن السّقوط لا يؤدّي إلى الهلاكِ،

والحفاظُ على التوازن

لاَ يُفضي إلى الحياة، على الحقيقة...

إن الحياةَ موصولةٌ، بواشجة قويّة، بالموت أكثر من هذَا التّدريب الخاطئ الذي يُقْبلُ عليه السّائرون فوقَ الأسلاك.

نحنُ لا نخطّ كتابًا

إلاّ إذا أمسكَ أحدهم بأيدينا.

تقدّم قال أحدهم

مُزارعُون شيوخ ذوو شوارب

يَرْتَدُون خليطًا من اللباسِ

لباسَ أيام الآحادِ

ولباسَ أيام الأسبوع الأخرى،

قَدْ يركُنُون إلى الصَّمتِ،

وقدْ يتحاورون

ما زلْتُ، منذ زمنٍ طويل، أندهشُ لمرآهم

دُونَ أنْ أجْلسَ إليهم طويلا

في هذا المكان

حيث الحجارة منحُوتةً

وحيث النّوافير

افكرُ كيف التقيتُ بأبي لمامًا

كَمْ كنتُ أتمنى لو أنّي رافقتهُ

في الكلام وفي لُعبةِ الحياة

وكمْ كنتُ أتمنى لو لمْ أرافقْهُ كثيرًا

في حال الغَضَب

إنّي أفكّر في نافورة عرفتها في طفُولتي

نافورة لم تعد اليوم قائمة

الكتابة على الهامش

ثَمَّةَ شخصٌ قَادني في هذه المشاهد الطبيعيّة

«تَقدّم» قال لي

مُرْدفا كلامهُ، أحيانَا، بمقاطع لاسمٍ مَا

«تقدّم» فالسفرُ قد يكون في الحقول،

وفي بعض أنحاء المدينة،

كما يكون في صداقة هذا الصَّوْتِ.

«تقدّم»

كأنّك بينَ قريةٍ في مكان غير معلُومٍ،

وحدّ غابٍ يتبدّى من بعيد

(سماء القرية غيرُ متناه

ومنازلها تُواريها عن عُيوننا أسيحة الصبّار)

في فضاء حقلٍ شاسعٍ يمتدُّ حتّى الكثبان

حيث يستمرَّ لون العشب الأخضر

نعْبُرُهُ حاملين صَمْتنَا

والحيرة التي تنتابُنا تتبدّدُ هُنَا

لأنّنَا نَشعُرُ أنّنا، في آخر الأمر، وحيدين

واكتشفنا، في الوقتِ ذاته، حضور الأشياء الغامر،

والحياة التي تُرافقُ، دونَ، هَذَرٍ، البَشَرَ والحيوان

كما هواء المشاهد وَلَوْنُهَا لا شيء حولنا تقريبا...

ثمَّةَ رحابة العالم الهشّة،

أريدُ أن يكون حلولي بالغاب

مثل حلولي بضفة قصيد جديد

تقدّم... إنّي لأسمع حفيف اسم آخر في اسمي

إنّنا نسلس القياد لمُتْعَتِنا التي تنتابها بعضُ الحيرة،

لنلتقيَ مع الكلمات

في تركيب نحويّ غير منتظر،

لكأنّنا نتكهّنُ، مع ذلك،

 بأن السّببَ يرتدَّ إلى المشهد

إنْ كُنّا نحبُّهُ أو لا نحبّهُ

لكنّنا لا نستطيعُ

أن نقول ما يمكن الظّفرُ به

في ثنايا القصيدة

كَمَا لا نستطيع أن نتعرّف

إلى ما يحدثُ لحظة كتابتها

لكأن القصيدة إزْجَاءُ شَكْرٍ للمشهد،

لكأنّنا نحسُّ فجأة

أنّ الصّورة قد تكون، هي أيضًا،

إزْجَاءُ شكر لهذا المشهد،

شكر كمداعبة حبيب في الظّلام

تقدّم قال أحدهم

أتمنّى أحيانًا، أنْ تقول قصائدي

معاني تبدُو صحيحة،

أو أن تكون مثْلَ لُغْزٍ

يظفَرُ القارئ بحلّه بَعْد لأي

فيمتلئ عندئذ بهجةً

معاني مثل التي انطوتْ عليها كلمات غوته

تلك التي أوردَهَا بعضُهُمْ في دوريّة:

«كُلّ شعْرٍ هو شعر مناسبات»

و«إنّني أحيا في كلّ الأزمنة»

أنا أُثنِي على كلّ مَنْ يَدْعوني

لنَلْتقيَ حول لقب خَاصٍّ،

أوْ اسْمٍ مَا

لكنْ هَلْ كلمتا الابتسام والخوفِ

الحاضرتان في فَوْضَى المعاجم المنطقيّة ستَسْتَمِرّان طويلاً؟

وأيّةُ حكاية قديمة لمستقبلٍ غَامضٍ؟

نحن منذورون للموت، لا شكّ في ذلك

وما الشّعْرُ إلاّ مناسبَةٌ

ها هُو الصّمتُ يكتسحُ الأزمنةَ!

نهاية ظهيرة في مدينة مرّاكش

ثَمَّةَ، ذاتَ يومٍ رجُلٌ ساقاهُ أكثر دفئا من أيّ كلامٍ.

لنُدرك كُلّ ذلك علينا أن نَتْرك الرفاه.

لقد نِمنا على سرير قُدّ من مصراع بابٍ وضعَ فوق مقاعد مدرسة. نِمنَا دُون لحاف، والغُطاءَ الصوفي الثقيل يحيط بِي كَمَا لو كنت أرعى الأبقار في يَوْمٍ ماطرٍ، المطر الذي استمرَّ طويلاً... كما هذه الليلة.

كان دفء القدمين العمياوين لذيذًا، لكنّ القدمين كانَتَا نابضتيْن بالحياة داخل الجوارب، لأنّنا احتفظنَا بثيابنا فَلَمْ نخلعها.

عندما غَادرت صباحًا كانت السّماء معتّمة... حملني القطار مع نومي الّذي لم ينقطع بعدُ. كان ثمّة رجال يجْلسُون على المقاعد. حين وصلتُ المحطة أرسلت بطاقة بريدية... ربّما عبرنا الرّيف لكيّ نظفرَ بها داخل مركز البريد الباقي...؟

إنّها نفس الأرجل الصمّاء.

من العسير الآن أن أظلّ في مكان دافىءٍ متدثّرا بغطاء قديما من الكلمات.

تقدّم قال أحدهم

ربّما باتَ الحُبّ، كما تَقُولينَ، ضربًا من الدّيانة،

يتمدَّدُ الزّمنُ كلّما استعدْنَا ذكرى أحدهم

هذا لوْن عتبةِ الصّخر أمامَ البيتَ

يُصبِحُ، في خُشُونته، مُبْهِجًا

مثلما خدّك في البعيد...

ما الذي يتغيّرُ

حين يقتحمُ الزّمن الأشياء؟

وماذا أفعلُ

لأثبت حُبّي لك

سوَى أنْ أجوسَ بينَ السّقوف الحُمر

وزهور الحديقة

(سحرُ زهور الخَطْمّي وبؤسُها

بعد أن جرفتْها العاصفة)

ملتبسةً تكون الذكرى في أحيانٍ كثيرة

وتبدُو، في بعض الأحيان، مُلِحّةً

ذكرى حركاتك

ولون خدّك

وذكرى كلمة

هذه التي لم أكُنْ أنتظر

كلمة «الدّيانة»

وَثِقي أنّي، وانْ توسَّلْتُ بالقصائد،

لا أسْتطيعُ أنْ أُثْبِتَ أكثر مَدَى حُبّي لك

(سيّان تَكُونين قريبةً أم بعيدةً)

إلى أصدقائي في دوار الجديد

وفي خاتمةِ المطاف أقمْنَا معا في مكان لا شكلَ لهُ، يمتدُّ بين الطريق واللّيل، في ضجيج الصّمتِ والتخاطب باللّسان العربيّ.

كانت الحركة تَسْتَديرُ، وكان رفاقي، بينَ الفينة والأخرى، يرطُنُون باللّسان الفرنسي، شغفًا ببعض كُتّابنا، كلّما أثيرتْ مسائل الدين السياسة.

كُنْتُ ذاهبًا إلى النّوم (أكانتْ ثمارُ البُرتقال لذيذةً، ولذيذة كانت كأسُ النبيذ إذا حان دوري)...

سؤال كما قدمُ لاعب ترتطمُ بقلبي (كنتُ في سرّي مزهُوًّا وواثقا من تواضعه الذي يُعطله) ولكن ما الأمر المهمّ الذي يُمكنُ أن نقول؟

المساء بدَّدَ ألوانهُ في ليل «سيدي سليمان» الدّافئ.

يسُود الصَّمتُ.

ترتفعُ أغان تحتفي بالحُبِّ، وبالبُؤس يسْتشْري في أرض تحوّلت إلى كلمة... فلسطين(١).

ينتصب رجلٌ واقفا، ويعود حاملاً قارورة نبيذٍ أخرى،

أريد أنْ أعودَ حاملاً كتابا،

ليس هَمّى أن أقول أمرًا مُهمًّا،

ولكن لأكون هُنا، حاضرا بينكم

نهاية ظهيرة في مدينة مرّاكش

أتَمَنّى أَنْ تسْتمِرَّ الذّكرياتُ في تبسمّها

كُنتُ أقول هذا

وأنا أمرّر أصَابعي على بَعضِ مَا كتَبتْ

تلك التي اجتَهَدَت،

في رسْم حروف اسْمِهَا،

اسْمِ شَخْص كان حَيًّا

كُنْتُ أقول هَذَا بسبَبِ الحُزْن الذي تَمّلَكَنِي،

ولأنني

أصْغِي إلى ضَرْبٍ من السعادة المستحيلة

تَمْنَحُ العَالَمَ لونَهُ وضحكَتَهُ،

أو تمْنحهما، ببسَاطةٍ، لزاوية طريقٍ،

أو لشَخْصٍ آخَرَ يَمْضِي في هذه الحياة التي تَمْضِي

أيانَ يَمْضي؟

أتمنّى أن تَرتدَّ الذكرياتُ حقيقة،

تَرْتَدَّ صَاخِبَة،

مثل هَذا الذي أُبْصِرُهُ في الزّمنِ.

بنيَّةٌ صَامتة

كانَتْ عيناهَا مَشْدُودتَين إلى البَحْر،

وإلى أمريكا،

كانتْ عيناها مَشْدُودتَيْنِ إلى «فلورنْسا»،

مَشْدُودتيْنِ إلى «البيانُو»

تحملهُ يَدَاهَا

كانَتْ عيْنَاها مشدُودَتَيْنِ إلى الشوفانِ

في قريةٍ من قُرَى إقليم فانْدِي

ذَات عيد ميلادٍ أزرقَ،

عيد ميلاد جوقاتٍ

تنشِدُ واقفةً في كاتدرائية بباريس،

كانَتْ عيناها مَشْدُودتَيْنِ

إلى فلورنْسَا وإلى فرنْسا

كانَتْ عَيْنَاها مَشْدُودتَيْنِ إلى شاعر

تائهٍ بيْنَ الكلمات والنَّوَافير،

كانَتَا مَشْدُودَتَيْن

إلى قرية في اقليم فاندي،

كانتَا مشدُودتيْن

إلى موسيقى الغاباتِ

موسيقَى المُدُن،

موسيقَى العَالم بأَسْرِهِ

قَلْبٌ وقصيدةٌ في الحنين حَمرَاء

في أعماق ذَاتي

كانَتْ يدي مُسْندةً إلى سَطْح المائدة الأمْلَسِ،

هَل تُرَاهَا تُفَكِّر؟

هَذَا اللحْمُ النّابِضُ بالحياةِ

الذي يًحْمل ظلاَلاً وأضْواءً دقيقةً فوق أَظَافِرِهِ،

وَهَا هُوَ يَهْتَزّ من تلقَاءِ نَفُسِهِ،

وعَلَى مَسَافةٍ جدّ بعيدة فَيتَبَدَّى

كشيْءٍ مُلْتَبِسٍ في ضباب الذّكْرى

يَدي تَرْسُمُ، في أعْمَاقِ ذَاتي،

شكل أيديكم،

وعلى مَسَافةٍ بعيدة،

فوق مائدةٍ طويلة

تجْنَحُ نَحْوَ مشاهدَ طبيعيّةٍ،

لا شكْلَ لَهَا ولاَ لَوْن!

شكل اليَد وقد استندَتْ إلى الخدِّ،

شكل اليد وقَدْ استقرّتْ من جديد داخل النّظر

شكل اليد يستعيدُها الفكر المنتبِهُ

فجْأةً إلى الحياة تتنَاءى بَعيدًا عَنْهُ

علاقة العراقيل، المتعة، الوجوهُ التي تَخْلَعُ عَلَى الفعل «أحَب» مَعْنَاهُ، البؤس، إنّنا نَسْمَعُ وقْعَ الشّقاء في البعيد، الحرب التي تندّ عن الفَهْم، اللّيل الذي يَنْهَارُ، الجَسَد الهش الذي يفْنَى، النّاس الذين نُحِبُّ، مُتْعَةَ الكتابة، الحيرةَ أيْضًا، لون الكلمة، ومَا عَسَاهُ تحدَثُ من أثرٍ، وجرسُهَا ها أنا داخِلَهَا وإلى الأبَدِ (زَمَنُ القصيد في كلّ الأحْوال)

فشبيهُ قُولنا: إنّه يحْيَا... بقَوْلنَا «انّهُ مَات»

قطعةٌ من الأرْض صغيرةٌ... كلّ الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١- كتبت هذه القصيدة قبل قيام دولة فلسطين.


تصميم الحاسب الشامل