تُوْلَدونَ فـي الذهب

 

عــهــد فــاضــل


لتلك البلاد على كتف النهر

وللقلعة المهدّمة وهي في طريقها إلى بلاد التُّرك .

وللحَمام السمين الذي يفرّ من غرفة الملك الميت .

وللرواية التي تشق القميص لِتُبْرِزَ ثدييها .

وللحراس الإلهيين بين الماء والغبار .

وللحكاية تقص الرائي

وتقص الخاطئ الهارب من عقوبة الجماعة .

وللأطفال بين أرض الولادة وأرض الهياكل العظمية .

ولزورقٍ نَقَل الموتى قبل أن يموتوا .

ولنقصٍ جوهري في حكاية وجودنا

حينما اليدُ المتكلمة تخنق اليدَ الصامتة

وحينما لاسرّ لنا إذ تأخذنا الصور كما لو أننا ثمرٌ بليدٌ اكتَمَل .

وحينما لانعرف أن الظل الذي نخافه ليس إلا الجزء غير المتكلّم في الحكاية .

من يقول للرواة إن القلعة قرب النهر ضمّت غير العسكر وغير كلام الجنود؟

وإن العبيد قتلوا سيدهَم على الأبواب المشرعة ولم يحزن أحدٌ

وإن الغبار يطير لمجرد الإمعان في السر

وإخفاءِ السيد الميت على يد عبيده .

الماء حول القلعة لإخفاء السيد

أبراج القلعة لمنع مشاهدة السيد

الحراس البدوُ يمعنون في إخفاء السيد .

من يقول للرواة إن في سطر سيداً مسجى ولم يقرأه الغرباء

            حملوا الكاميرات لتخليد الحمام السمين وماظهر العبيد يطعنون ملكهم

بين النهر واليابسة سرّاً على شكل ظلال

خلاصاًعلى شكل خلاص

أسئلةَ البدو ورائحةَ الجبن الأبيض وبقعاً على العباءات الغامقة

أساتذةَ الفطرة يرعون الغنم إلى مكامن العشب والنوم والخطيئة .

من يقول للرواة عن رُحّلٍ لايَرْحَلون :

هم مُخَلَّصون كالبرية التي تتهيّأ للريحَ

هم مخلّصون في شكل يدٍ يابسة ووجهٍ لايبتسم وشعورٍ مرسَلة

ما لم يقله الرواة ذَهَبٌ . والحكايات سهلةٌ في المدن .

كلّما أحصى المالكُ عدد يديه تاه في أقصوصة بلا ظل وقال ثمة كثافةٌ في هذا الفجر وإن من يزورنا يأكل خبزنا ولايقول لأحفادنا : هذا الذهب خلخالٌ يطوق سيقان النساء وفيه كتبنا حكايةً وغباراً .

من يقول للمالك : بيت أبيك على طرف الحكاية ، في رسالة لا تصل . حدِّقْ في السماء فوق النهر ، في الغبار ، في دخان سيارة الجيش ، في الأطفال الذين يُطَهَّرون قبيل ذهابهم إلى أرض الهياكل . حدّق في غرف التلاميذ ويأس الطفولةِ . حدق في الجليد الذي تصنعه الرياح النازلة من جبال «طوروس» ، وفي فتاة جاءت من حدود العراق وأرض الترك ، كان وجهها يحترق من جليد الجبال وكنتَ لاتصدّق أنها تتنفس هواء ساخناً . حدّق في صور الأبيض والأسود ، في الطرف المأكول من الصورة قد تتأكد من بيت أبيك وأن الذهب هو كل ما لايظهر في الصورة ، أن رائحة الجبن والشاي كل ما لايظهر في الصورة ، وأن العبيد الذين قتلوا سيدهم لا يظهرون في الصورة ، أيضاً .

 قل للراوي : كلما أغمضتَ عينيك تنجلي الصورة الأصل . كلّما تحركت اليدُ الصامتةُ يستعدُّ الكلامُ الذهبيّ للنشر .

لا لم ينقلنا أحدٌ على حمّالة

ولم يشعلوا ضوءا أصفر لتمييز وجوهنا

كان حنانُ الأشياء الضائعة يئنّ من صلابة الأشياء المكتَشَفة

وكلّما قلنا : هذي يدنا ومناديلنا المطوية . نظل في النوم.

نختنق في الاحتفال ، ولا يأتي شكْلُنا.

قلنا للمخلَّصين الرّحَّل : هو دم أبينا ذاك الذي يعلوه الذباب الأزرق

وذاك الذي تخبئه القلعة ويحاصره النهر

والذي يأكله الأولاد والأمهات والآباء الذين ليسوا من فئة السر

قلنا للمخلَّصين هذا كتابنا وتلك رائحة الأشياء قبل الحكاية

وشكل من نحب قبيل الشروع بتذكُّرِهِ.

خذوا جرار زيتنا وأرض التبغ وبساتين الليمون وأعطونا أزراراً للسترة العمياء ، ضعوا أي شيء على شكلنا قد يظهر عنكبوتٌ أو سمكةٌ أو شبيهٌ بالرواة وبالرُّحَّل سارقي صكوك الملكية . خذوا جميع الآباء الذين من الفئة المتوسطة وأعطونا حجراً في القلعة نتعبّده ، حماماً سميناً من كثرة ما أكل جثة الملك المطعون من عبيده ، هناك الدفء الذي لا يعرفه إلا المنديل المطوي في يد ، وهناك نومٌ عميقٌ وعيدٌ و«آيس كْريم» ومفرقعات وأجساد مدرّسات فائقة السرعة ، وكهوفٌ أيقظ فيها الصبيةُ وحشَ التمتّع الجنسي .

سنعود للقلاع التي لم تعد تستقبل الأجانب .

وسنقول للرُّحَّل : نَدَمُنا صخرةٌ رمِّموا فيها الأبراج والسرد.

سنتنفّس غباراً شهيا ونعيد لـ«طوروس» مجدَ اللذة الأولى

سنقف بين حدود الترك وأرض السواد وبلاد مابين النهرين راسمين خطوطاً من الأشكال المعقّمة .

سنكمن للشكل بلا فرح

سنضع أيدينا على خصورنا عابقين بمجد الطبيعة الذي لا يُقْهَر

سنقول لحنان الأشياء الضائعة : أنتَ الماء والقلعة وبيت الآباء

ونحن الذهب على سيقان النساء

ودفاترِ الحكاية

وأصابعِ الملوك وتيجانهم

وتماثيل من ماتوا في مصر والشام ونهرالأردن والصين وفارس .

سنقول لكبرياء الذين لم يُسْرَدوا مِن قَبْل :

تُوْلَدُون في الذهب ، وهذا هو النص .


تصميم الحاسب الشامل