أنا الذي كنتُ فـي المرآة

 

علي المقري


يحدث في النسيان

جثة النصر

يهتكونَ النِّسيان

بحثوا عنه في الهيْبَةِ،

صرخ أقلَّ من رصاصةٍ:

- أنا لستُ قميصَ الشَّعبِ،     

أو حذاءَ الدولةِ.

لكنهم تحدَّثوا عن تفاصيله،

كأنَّهُ جُثّةُ النّصر

كأنَّه ليس هو

كأنَّه كانهم

كأنَّه كان

نسينا الكلام

جئنا على حربٍ، في ليلٍ يتراكمُ فوق بعضه الذي هو نحنُ.

 قَطَعْنَا الإسفلتَ، ومضينا في طريق سيَّل خطواتنا إلى جهات تسْطعُ بالعتمة وهي تحترق بحطب الأوهام وزيت العادة.

نمشي حيثُ لا نمشي

كأنَّنا عرفنا الحربَ أوَّلَ مرةٍ

أو عُدْنا من موتٍ توغَّلَ في أصواتنا

نحن الذين كُنَّا قد نسِينا الكلام

نتحدث بصمتِ صافرٍ(١)

كي لا نُتَّهَمَ بالصَّمْت أو بالكلام.

صرتُ أشبه الذي هو أنا

أنا الذي هو كنتُ في المرآة

لم أكن أنا الذي كنتُ هو خارجها.

استسلمتُ للمرآة،

أنا الذي هو في خارجها

هو الذي أنا في داخلها.

صرتُ أشبه الذي هو أنا

ثم قال

جاء قبل أن يحدُثَ ما حدَثَ

وكان يظُنُّهُ ألاَّ يحدُث.

ما حَدَثَ حدثَ في حضورِه

أحداثٌ كثيرةٌ، قال، قد حدثت من قبلُ

لكن ما حدثَ هذه المرَّ ةَ، لم يكن قد حدثَ

لقد حدثَ في حضوره.

ثم قال:

هكذا، حدث ما حدث...

حدث ما حدث لأَنَّ هناك من تذكَّرَ ما لم يحدث

......................................

...................................

..................................

..................................

ما لمْ يحدُثْ كان يحدُثُ في النِّسيان

أنامُ بدون عُكَّاز

أنامُ في النَّهارِ

أصحو في الليلِ

أنام في الصَّحو

أصحو في النوم

هكذا، أكسِرُ الأزمنة من عَضدِها

أكسر حاجتكَ إليَّ،

حاجتي إليكَ،

لنبلك العالي،

وانضباطكَ الرفيع

أكسر النهار من ساقه

وأنام بدون عكَّاز الغد

الأيّام الصعبة 

ظننَّا الحياةَ سهلة،

إذْ رافقنا كارل ماركس لسنوات طويلة

كان يشدُّنا ، منذ طلوع الفجر حتى هبوط النَّوم،

إلى ثورات وانتفاضاتٍ ومظاهراتٍ

تُزيح السِّتارَ عن بهجة الحياة

إلى أبدِ الأبد

كانت أيّاماً سهلة،

أن نصحو مع (مارسيل خليفة) نُغنِّي:

(منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفّي قصفة زيتون

وعلى كتفي نعشي)

أو ننهضُ مع شمس (فيروز):

(طلعت يا محلى نورها

شمس الشموسة)

كانت أيّاماً فقيرةً وسهلة،

فبالرغم أننا لم نكن نؤمنُ بوجود رب كريمٍ أو بخيل

كان يكفينا لنغالط الفقر أنْ نغنِّي (سيد درويش):

(ياللي معك المال

برضه الفقير له رب كريم)

كانت أيّاماً سهلة،

حتى عندما تراكمت الخيبات،

وصرنا كثيراً ما نمسك الرفيق كارل ماركس بذقنه الكث،

ونعاتبه مثل أيِّ شيخ مسلم : (الله المستعان).

بعدها أيضاً،

كانت أيّاماً سهلة،

ونحن ننتقل إلى السكن مع جان بول سارتر

مجاورين سيمون وكامو

حيث لم نعد نقول، أبداً، صباح الخير

كانت أيّاماً متشحة بالسواد وسهلة،

أنتزع فيها ميلان كونديرا منّا الضحكَ

والتباهي بالنسيان

كان الندم يشدّنا من أوّل الصبح

حتى آخر النوم

ذبحنا سنوات العمر على عتبة الندم

ولم يتبقّ لنا أيُّ شيء لنتباهى به

أو

نندم عليه،

صرنا بلا تباهٍ،

وبلا ندم،

بلا أيِّ شيء.

كم صارت الأيّام صعبة؟

مسابقة الأعداد المتقاطعة

أوّلهم يسكرُ في الوقتِ

ثانيهم يمشي في الكلام

ثالثهم ظِلُّ رابعهم

رابعهم ظلام

خامسهم صمتٌ وسادسُهم

سادسهم كُلُّهُمْ وسابعهم

سابعهم سادسهم

سادسهم خامسهم ورابعهم

خامسهم رابعهم

رابعهم ثالثهم وثانيهم

ثالثهم ثانيهم

ثانيهم أوّلُهم

أوّلهم ثانيهم وثالثهم

علب أفكار

أغلق المفاهيم التي ضاقت من بعضها

أغلق عشرين مفهوما حول الجنس

ومفهومين حول الحرب

أغلق عُلب أفكار فتحها مخزنو القات

وبدون هذه المفاهيم والأفكار

بدون الشخص الذي كُنْتُه طوال النهار

أحاول أن أنام

هكذا.........

خاليا.........

حتى الأحلام سأؤجلها هذه الليلة

أريد أن أنام خاليا من كل شيء

كميّتٍ لم يعد له إلاَّ أن يرقبَ هاويته بهدوء

مَنْ يدُقُّ الباب؟

هذا الّليلُ لا أحَدْ

هذا الصباح لا أحد

هذا النهار لا أحد

هذا أنا

لا أحد

كأنَّكِ  وحدي

ستكتشفين غدا أنّ الظلَّ الذي كان يتبعكِ لم يكن ظلَّك بل هو ظلّي

وسأكتشف أنا أنّ التي كانت تمشي إلى جواره لم تكن أنتِ

كأنَّني وحدكِ في الترقب

كأنَّكِ وحدي في الغياب

ربَّما في حياةٍ أُخرى،

لن نُغلقَ فيها أيّامنا على فزعٍ

أو نفتحها في ارتباك،

ستصبح أوهامنا عاريةً منَّا

وحيث ابتعدنا سَنَجِدُنا

حينها، رُبَّما، نبكي

أو نضحك

نندمُ

أو نغنيِّ

.... ....

........

.... ....

.... ....

ما الفائدة؟

تدليك

أحتاج إليكِ بشكل مؤقت

يمكن أن تُسمِّيه حُباً أو عِشقاً أو جنوناً

ما أحتاجه ليس عناقاً

أو قبلةً عابرة

لكنَّهُ ،أيضا، ليس دواما طوال الَّليلِ

لساعة واحدة فقط

أريد أن أعرِّيكِ تماما

ثم آخذكِ إلى الحمّام

وأدلكُ جسمكِ بالصابون وتدلِكينني

حتى يسهل الدخول إليكِ والخروج مِنِّي

بعدها تقفين عاريةً

 تنشِّفينَ جسمكِ

بالمنشفة التي أُقدِّمها للناس الذين لا أهتمُّ بهم كثيرا

وتذهبين بدون وداع.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١ - صافر: طائر يصفر ليلا خيفة أن ينام فيؤخذ ومنه المثل:هو أجبن من صافر(المنجد).


تصميم الحاسب الشامل