|
|||||
|
«الدك» صار مقتنعا تماما بأن ما رآه ما هو إلا وهم نسجه رأسه المصاب بالخرف، ولا مجال لتصديق الوهم! سالم، القهوجي المعروف في سوق الظلام يمشط السوق ذهابا وإيابا، يقرع فناجين القهوة بعضها ببعض فيسمعه حتى البعيد، يلقبه الجميع بـ«الدك» ينادونه فيلبي النداء بأسرع من «هبة الريح». يسكب من المدلاة(١) القهوة التي لا يجيد صنع مذاقها المميز عداه، والتي لا يضيف إليها الكثير من الهيل والزعفران كما يفعل البقية. «الدك» الذي، بإزاره الملون القصير عادة وقميصه الأبيض المتسخ قليلا ببقايا الفحم الذي يعد عليه القهوة، بقي محافظا على المهنة لأكثر من عشرين عاما حتى صار أحد رموز سوق مطرح وسوق الظلام، لا يذكر بأنه أسقط المدلاة أو أحدا من الفناجين من بين يديه طيلة تلك السنين، فيما عدا ذلك اليوم الذي يعتبره الدك، أشأم يوم في حياته. في ذلك اليوم بالتحديد أسقط المدلاة وصف الفناجين من يديه فتبعثرت حطاما فوق الإسفلت. منذ ذلك اليوم ولمدة عام كامل اختفى الدك عن الوجوه والمحلات والأسواق واعتكف في بيته الكائن بقريات ممتنعا عن الحديث المباح وغير المباح. الدك لم ينطق ولم يخبر أحدا بالسبب الذي جعله يهتز ويرتجف ويفقد القدرة على السيطرة على نفسه ويتسبب في خسائر ليست بقليلة على نفسه إلا مؤخرا جدا بعد أن بردت الصور في ذهنه وترهلت وتزاحمت أمامه صور جديدة نافست القديمة وأخذت الحيز الأكبر من الذاكرة. الآن نطق وحكى ما يقف لسماعه شعر الرأس ونبض القلب. وبعد أن حكى ذلك عاد إلى مهنته تلبية لطلب الكثيرين الذين توقفوا عن التبضع في سوق الظلام حزنا على اختفائه المفاجئ. الدك قال - والقول لسالم الملقب بالدك-بأنه فيما كان يمضي في عمله كما اعتاد، وكان آذان العشاء قد ارتفع قبل قليل، وهو بوسط سوق الظلام، متجها إلى سوق الذهب، انحرف إلى ناحية سكة في الجانب الأيمن - يسمونها فيما بينهم سكة الراحة-لقضاء حاجته، إذا برجل يغتصب طفلا لم يتجاوز عمره العاشرة فيما يبدو. كان الرجل الذي يعرفه الدك حق المعرفة يضع يده على فم الطفل مانعا إياه من الصراخ، وكان الرجل يئن ويتلوى وهو يمارس عمله ذاك، ناخرا جسد الطفل البريء. بقي الدك واجما متجمدا لا حول له ولا قوة بعدما أسقط كل ما بيديه ذعرا من المنظر الماثل أمامه. إلا أن ما زاد «الطين بله» وألجم الدك - وربما كان السبب الرئيسي الذي لأجله قرر ترك المهنة والاعتكاف في البيت - أنه رأى فيما بعد وبعد أن فرغ الرجل من عمليته ماسحا أسفله بمنشفة صغيرة ، أن دس ورقة نقدية في يد الطفل ومضى إلى حال سبيله. في حين انطلق الطفل يجري مرعوبا على ما يبدو وبأقصى ما أوتي من سرعة، مختفيا في البعيد مخلفا الدك بدهشته وراءه. الدك، عاد الآن إلى مهنته مختلفا عن السابق. حين تراه الآن مارا على الدكاكين والباعة والمشترين، يبدو هلعا قليلا ولم يعد يسلك كل الطرق التي تعوَّد على تمشيطها مرارا في اليوم، ولم تعد تسمع كثيرا لقرقعة فناجينه وصوته الجهوري وهو يعزم الناس على فنجان قهوته. حتى قهوته على ما يبدو، قد تخلت عن طعمها المميز البديع الذي ينفرد به الدك. كما طالت شعيرات لحيته الشبه مبيضة والتي كان يواظب على تشذيبها كل صباح. يجزم العديد من التجار في السوق بأن ما رآه الدك هو محض اختراع أو وهم، أو أنه رآه في منامه فصدقه، وأن واقعة بمثل هذه الفظاعة لا يمكن لها أن تحدث هكذا جهارا أمام الناس في سوق الظلام المكتظ بالمارة وفي وقت صلاة العشاء المقدس. الدك لا يزال يمخر الممرات بمدلاته وفناجينه، ولا يزال يلمح ذلك الرجل الذي لم يشأ ليذكر اسمه أمام أحد، ويلمح بين الحين والآخر وجه ذلك الطفل أو وجه طفل يشبهه، لكنه هو الآخر أصبح مقتنعا تماما بأن ما رآه لم يكن حقيقة، وإنما كابوس أو وهم من صنع رأسه الذي بدأ في التخريف على ما يبدو. «هل يمكن أن يحدث ذلك؟» يسأل نفسه. «لا يمكن أن يحدث ذلك في سوق الظلام المكتظ بالناس يا معتوه» يجيب، ويردف: «يستحيل أن يحدث ذلك في سوق الظلام يا رأس يا مخرف». ــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- اناء لحفظ القهوة. |
|||||
|
|||||