|
|||||
|
منذ عشر سنوات وهذه المدينة تلقنني دروسا في الوحدة والإغتراب ، وتصر أن تجعل من عواطفي كرتها المفضلة للعب. أظن أني عرفت كل حيطان المدينة وعرفت أنها مؤلمة، وأن غير الحيطان هناك حديقة الأشواك التي يسكنها المثقفون ، وشارع الحمراء الذي أحب ، شارع طويل وجميل، ولا أفهم لماذا أكن له كل هذه المشاعر الجياشة مع أنه مجرد شارع، وربما الجزء المهم من حديقة الأشواك تلك . المقهى الذي على اليمين، والذي لا يُسمح فيه بالتدخين هو مقهاه المفضل، وليكن »مقهى الأميركان» أصبحت أحب الأميركان من أجله. كنت أمر فقط أقطع الشارع مشيا من أوله إلى آخره واسترق النظر إلى المقاهي على جوانبه، وأبحث عن وجه أعرفه لأسلم عليه لتخف حدّة ذلك الشعور المؤلم في داخلي أنني امرأة وحيدة بدون حبيب، بدون صديق، بدون رفيق، بدون عائلة، بدون ضجيج الحب الذي يجعلني أسمع صوت الحياة. أظن أن الموت سكن في أذني باكرا قبل أن يجتاح باقي حواسي في يوم ما. كنتُ أراه وحيدا ، ليس وحيدا تماما ، أوراقه أمامه دائما، وجريدة » السفير» وهاتفه ومفاتيحه... وقلم! عرفت «بذكائي الخارق » أنه لا يدخن وربما لهذا السبب أحببته ، ثم بدأت أحب أصابعه ولا أدري كيف تطورت الأمور فأصبحتُ أحب ذقنه ولحيته، ثم عرفت أن عواطفي دخلت منطقة الخطر... حين قدمت له نفسي ظل صامتا، وكان صمته يقول جملة واحدة لا غير « لست الرجل الذي تبحثين عنه» ومع هذا بعد لحظات من الصمت قال أن إسمه » مارسيل» ليكن » مارسيل » .... « مارسيل»... هل يمكنني أن أغير الواقع ؟ قال بعد أسئلتي التي جعلته يكاد يكفر : -لا أضع صليبا في عنقي، ولا أدخل الكنيسة، وحين أرغب في الصلاة أحضن العود وأعزف، العزف الهادئ كالصلاة تماما. فرضا أنني لم أقتنع بكلامه- وهذا ما حدث فعلا- إذن لماذا صدقته ؟ أظن - والله أعلم- أننا حين نصدق سخافات شخص ما فهذا يعني أننا وقعنا في حبه . كانت سعادتي به لا توصف، وكانت عشر دقائق معه تشحنني بفرح يدوم أسبوعا . أكثر من أسبوع ... شهر... الوقت كان يمر بسرعة، ومع هذا لم أعرف عنه غير القليل وسخافاته الجميلة ، سخافات بلا عدد من بينها أنه قال لي أنني صديقته رقم واحد! لنضع نقطة هنا ، ونبدأ من جديد : بيروت تشبه الفنجان الذي تلقي عليه البصارة نظرها فترى فيه الكون كله، حتى التفاصيل تراها، أمّا أنا فقد تأكدت أني أمية فعلا ، وأني مثلما أقرأ الجرائد قرأت بيروت ، إكتفيت بالعناوين فقط وتجاهلت التفاصيل. صديقتي «نانسي» قالت لي وأجنحة رأسها ترفرف بقوة: «وْلي عليكِ... هايدا (علي) مين قالك عنُّو إنّو إسمو (مارسيل)؟» لحظتها فقط أصبحت كجار جحا ومحتارة أأصدق جحا أم الحمار؟ -غير معقول (قلت لها) إسمه «مارسيل» وفي المعمودية إسمه «بطرس» و لكنها أقسمت أن إسمه «علي» وضحكت ساخرة :«وكمان بتعرفي إسمو بالمعمودية ؟». هو قال لي ذلك، قال أنه مسيحي بالوراثة وأن عمته جوسلين« عرابته» هي التي اختارت له إسم « بطرس» أردت أن أحلل الأمور واستوعب ما يحدث فسألتها بصدق: - هل يمكن أن يكون إبن شوقي خير الله؟ لم تجب ، هزّت رأسها بحزن مثل أي خاسر في مباراة رياضية وقالت : - أعرفه منذ عشر سنوات، وإسمه علي وهو مسلم أبا عن جد... خلصْنا بقى! -طيب ... كل شيء يتغير في لبنان، ننام على شيء ونصحو على شيء، فلماذا تريدينه أن يظل « علي»؟ عشر سنوات وهو » علي» ... صار الوقت ليصبح « مارسيل». لا فائدة ! ملّت مني وغادرت... و أنا كالعادة عدت للبحث عنه في زواياه المعتادة. - هل أنت إبن شوقي خير الله؟ فتح عينيه على الآخر مندهشا وأجاب: - كان يمكن أن يكون أبي. - شو يعني ؟ - أمي تزوجت غيره ! - إذن أنت مارسيل ولست علي؟ هو لم يقل شيئا ، عيناه قالتا بصريح العبارة: »حرام! خالْصة بالمرة!» ثم قال مستغربا : -لماذا يهمك الأمر أن أكون مارسيل أو علي أو إبن شوقي خير الله؟ - لأني أحبك جدا ... - os قال «ساو» باللغة الإنجليزية وباللبناني يعني «الخبرية كلها ما بتهمني» حاولت أن أفهمه أني جادة، وأني سأبدو غبية أمام صديقتي «نانسي» إن أحببته على أساس أنه «مارسيل» وهو في الحقيقة «علي»... هناك كذبة ما في لفيف ما يحدث، لكنه لم يهتم، ضحك ساخرا وقال لي : - أغلب الطرقات مغلقة في بيروت بسبب الحوار الوطني، «الداون تاون» فارغة من الناس ، كيف يغلقون الطرق ويفرغون وسط المدينة من الناس ليقوموا بحوار؟ من غير انتباه قلت له : -علي... خلينا بموضوعنا. و كأنه استيقظ من النوم في تلك اللحظة، نفض رأسه وقال: -أي موضوع؟ يا إلهي ، تأكدت تماما أنه رجل مُتعِب، رجل يحرق الأعصاب، رجل له علاقة متينة بالفن ... إنه لا يعرف معنى الحب بالمرة! - أريد أن أعرف من أنت بالضبط «مارسيل» أو «علي» أريد أن أعرف هويتك، أن أعرف لمن ينبض قلبي ، وعلى من أبني آمالا للمستقبل ، أريد أن أعرف موقعي عندك، هل أنا ما تقوله : «صديقتك»؟ أو ما تقوله عيناك «وحدة بلا مخ»؟ لم يجب تماما ، قال لي وبعض القسوة في عينيه : - سنحكي بالموضوع ، لكن ليس الآن، أنا متعب، و«مكركب» وأمر بظروف صعبة... كاد أن يقول شيئا آخر، ولكن شخصا مرّ بالقرب، بدا صديقا له، سلّم عليه بحرارة وقال له : - كيفك «جاد»؟ هل أمطرت في تلك اللحظة؟ لا أدري ، سمعت رعدا أو قصفا أو شيئا يشبه انفجارا ثم لم أجد أحدا بقربي، انتفضت، وبحثت عنه ... كان مغادرا، ناديته : -جاد؟ استدار وأجاب بهدوء مخيف : -خلّيكي على «مارسي» أو «علي»! |
|||||
|
|||||