رائحة ..لم ينتبه لها أحد

 

سعيد الحاتمي


حدث في أحد صباحات كانون الباردة أن وصلت نادلة بأحد المقاهي القريبة من المرفأ قبل بداية عملها بنصف ساعة تقريبا.. بعد أن وضعت حقيبة يدها في احد أدراج طاولة المحاسب تجمدت حين لمحت شالا أخضر تحت أحد الكراسي على يسار المدخل.. وهي تضعه بالقرب من حقيبتها كانت تحاول بيأس أن تقنع نفسها بان هذه الرائحة لا تشبه أبدا تلك التي يرشحها أحد قمصان نومها الحريرية....

...... حدث أيضا في مكان آخر تماما أن شاهد بعض المارة الزائدين عن الحاجة مجموعة من الأحذية ذات الواقيات السوداء وهي تحاول ركل باب أحد المداخل بعد أن تكومت أمامه صرر غسيل اعتيادية......

ما لم يحدث إطلاقا أن واحدا من هؤلاء المارة حاول فهم ما يحدث!

(ما حدث في الصباحات السابقة ليس سوى تقديم خارج النص)

- هل يبدو أن هذه الغرفة تبدو أوسع هذه الأمسية؟

غمغم حين بدأ يعرك النوم في عينيه.. ترجل من السرير واتجه كمن يعرف طريقه جيدا إلى الحمام .. لأول مرة منذ اكترى هذه الغرفة قبل عدة أشهر تثير الأسماء المكتوبة على الجدران بخطوط رديئة فيه شعورا بالسخرية.

- ماذا تعني كل هذه الأسماء هاه؟؟

أزرار قميصه ورفع ياقته بالقدر الذي يغطي أذنيه ثم تناول الشال الأخضر

- لم أعد أميز هذه الرائحة بالفعل.. على كل يجب أن انهي هذا الأمر الليلة.. أتوقع أن كل هذا سينتهي على يد هذه النادلة..

٭ ٭ ٭

(( هذا الوجع مبجل يا بني .. حاذر أن ينكسر.. أعطه كلك يمنحك رائحة اليقين)) .. قالت وهي تلف على الأرض فم كيس القماش.. كان هو يثبت وجهه على الجدار كمن يفتش عن شيء..

بعد فترة حين شعر أنها تنتظر ردا  خلع وجهه ودار إليها.. تناول من يدها كيس الملابس ووضعه في كيس أكبر.. انحنى يربط الكيس بينما أسلمت هي وجهها للنافذة.. (( لن تنسى أن تخبره بأمر الأغراب الذين يضعون ملابسهم على المدخل كل صباح.. أليس كذلك؟؟))

حين استعادت وجهها من النافذة كان يغلق فتحة الباب بجسده ويمنح ظهره للغرفة.. تمايل يصارع الحيرة ووقفت هي خلفه مباشرة..

كل ما بقي من المدينة أصبح مصابا بالعثة.. روائح الفجر ما عادت تستلطف المكان.. وحدها الريح كانت تعوي ولا شيء سوى النتانة.. وضع كهذا قد يسهل الأمر عليه كثيرا.. غير أمه لن يكون هنالك ما سيجلب الحنين إليه..

٭ ٭ ٭

الساعة ما بعد الواحدة بقليل ساعة ملتبسة .. يراوده شعور بان لن يجده بعد كل هذا .. «قد يهرب إن سمع بي، إن لم ينكرني أصلا.. وربما يرفض العودة معي إن وجدته ويتركني أضرب خيبة بأخرى.. عموما قد لا يحدث كل هذا واجده في منتصف الدرب..»

 آآآآه..

«يضببني الحزن ولا يشكلني سوى الضياع.. طريقي معمدة بالشوك ولا زاد يخدر الألم.. ستنفطر سماوات  ولن ترق أفئدة لبؤسي.. الساعة ما بعد الواحدة ساعة منتصفة أيضا .. تنتصف كل الموجودات.. الليل معتوه يحك جلده بأعضائي ولا أحد بإمكانه أن يفرمل صخب الحياة هنا..»

كانت أشعة النيون الزرقاء تنعكس على تجمعات الماء التي خلفتها العاصفة الثلجية عصر أمس، الطريق الممتد من محطة المترو حتى المقهى الواقع في نهاية الطرف المغلق من الشارع بدأت تفقد ضجيجها، وحده من بين المارة كان يتعمد أن لا يتفادى برك الماء الصغيرة هنا وهناك..

٭ ٭ ٭

(( ضعي الأكواب على الرف واسألي ذلك الشاب على يسار المدخل أن كان يحتاج شيئا قبل أن تنصرفي.. ))

عدل من وضع  بنطاله قبل أن يدلف إلى الداخل.. سئمت من كثرة تحديق هذا الشاب بي.. كم هم أغبياء هؤلاء العابرون.. يأتون من آلاف الأميال من وراء البحار ولا يتقنون سوى التحديق في مؤخرات النساء.. ثلاثة أيام وهو على نفس المقعد لا يفعل شيئا سوى النظر إلي مع أن الأمر لا يحتاج أكثر من : عفوا آنسة، هل أنت حرة هذه الأمسية.. هل أستطيع أن أدعوك لسهرة في شقتي أو أي مكان آخر تودينه.. أنا وحيد هنا ولا أعرف أحدا في هذه المدينة الغريبة !

متأكدة الآن أنه يركز بصره على مكان ما في جسدي.. هذه الليلة يجب أن أضع حدا للأمر.. سوف أضع أكواب الشراب على الرف ثم أخلع مريلتي وأحمل حقيبة يدي وأتجه إليه مباشرة.. سأقترب منه وأحاول أن أجعل نبرتي حادة قدر الإمكان.. حين تتسع فتحتا أنفه سوف لن أمهله.. ((عفوا أيها السيد يجب أن تعلم أنك تثير قلقي وتوتري أيضا.. ما الذي تريده مني بالضبط.. لماذا تحدق بي باستمرار.. هل تشبه علي بأحد ما.. أم يعجبك عطري لدرجة أنك تبالغ في تنشقه كلما اقتربت منك.. الأمر لا يستحق كل هذا العناء أن كان يتعلق باللهو معي.. هذا ما يجب أن أقوله له.. ربما تحضرني هل أخرى حينها ))

٭ ٭ ٭

منذ الحادثة والصباح الذي تلاها بأسابيع ولا شيء يحرك النهارات الراكدة سوى أصوات المجنزرات.. بعد كل فجر يتمدد النهار بطيئا لدرجة أن الجميع تخلوا عن ساعاتهم.. وحدها كائنات البناطيل المموهة كانت تتعامل مع الوقت بحرص.. لا شيء في المدينة أكثر دقة، منهم.. تنهض على صوت عربتهم أمام البيت، وعلى نفس المكان تجد كومة الملابس كل صباح، قبل الغروب يجب أن تضعها لهم.. في الأيام الأخيرة كانت قد تخلت عن  تجميع حجارة العد الصغيرة ووضعها بأحد الأواني.. كما أن النظر إلى الطريق لم يعد يثير فيها النشاط.. في غرفة الغسيل المقابلة لباب الصالة المملوءة بالصور والنياشين بدأت صرر قطع الملابس المختلفة في التراكم.. مع هذا فإن ما يحدث لم يكن ليثير انتباه أحد ما.. لأنه لم يكن  من أحد غيرها يدخل البيت أصلا .. هو آخر من خرج وكانت آخر من دخل..

- لقد افسدوا ذاكرتنا يا أمي.. أين سينبت وجه أبي؟؟

- لكتفه رائحة الجبال.. حين تقترب منه لن يخطئها أنفك.. خذ ثوبي هذا وستجده غارقا بها.. عندما يغادر رجل مثله امرأة لا تملك إلا أن يترك رائحته عليها.

ودون أن يلتفت تناول الثوب.. وضع رجله الأخرى خلف الباب.. أوصته أن يحفظ الطريق جيدا وبصوت مختنق رجته أن لا يتأخر.. شيعته عيناها طويلا ثم تناولت حزمة بناطيل الكاكي المموهة من أمام البيت ودخلت..

الشارع في ساعة صباح أولى كان خاليا كعادته منذ الحادثة إلا من بعض العربات المقطورة.. المدينة كانت تبدو كأشباح رمادية تتكسر في الفراغ.. شعر أن أشعة الشمس سوف تعاني طويلا كي تصل الأرض.. حين نظر للمرة العاشرة كانت أعمدة الدخان تتصاعد من بعض الأحياء القريبة من طرف المدينة.

قرر بأن تكون تلك آخر مرة ينظر فيها للوراء.. حين حاذته إحدى العربات أعطى ظهره لكل شيء ومضى.

( تذييل خارج النص أيضا )

..... حدث في أمسية احد باردة أن ثلاث نادلات يعملن  بمقاهٍ مختلفة في المدينة الواقعة على النهر اكتشفن أثناء لقائهن بأحد الأماكن العامة أنهن جميعا عانين من شاب اسمر يقضي وقتا كبيرا في المقهى ولا يفعل شيئا سوى التحديق والمبالغة في تشمشم عطر النادلات.

..... حدث أيضا في مكان مختلف تماما أن فوجئ أحد المارة في المدينة الواقعة على طرف الصحراء بقدرته على الشم حين قبض على رائحة نتنة تخرج من أحد المنازل التي ظل مدخلها مفتوحا منذ آخر زيارة لكائنات البناطيل المموهة.. وحدث أن احتفل مع مجموعة أخرى بعودة قدرتهم على الشم..

ما لم يحدث إطلاقا أن واحدا من هؤلاء حاول معرفة مصدر هذه الرائحة....


تصميم الحاسب الشامل