|
|||||
|
إلى «ش» البحيرة التي بحث عنها الغريب في الصحراء.
السدرةُ بنتٌ الصحراء المدللة، وسيدة الأمكنة الجميلة . كانت هي المتربعةُ على العرش في ساحة بيتهم ،وهي موسيقى طفولته، كبيرة كأحلامه ، طيبةُ كحنان أمه التي ماتتْ قبل أن تتباركَ عيناه بها. يجلسُ كل مساء وحيداً فوق سطح منزلهم، يعدُّ العصافير القادمة من نخيل القرية ، خمسة عشر... ثلاثة وثلاثون ... الخامس والأربعون. فجأةً تختلط الأعداد في رأسه. تحملُ العصافير أوجاع النخيل وهتافاتها الصاعدة إلى السماء، وأغاني المعذبين والجياع. تمرُّ المساءات بسرعة وفي كل مساء يتناقصُ عدد العصافير القادمة . وعندما بزغت خارطة البلوغ في وجهه لم يعد يأتي عصفور واحدُ لينامَ فوق السدرة ، ماتتْ أغاني النخيل في قلبه كما ماتتْ أمه، وقصائد الجياع التي عزفتها العصافير. في الورقة قبل الأخيرة من كتابه «لغتي» كتبَ « لا توجد عصافير في قريتي يا أستاذي».بدأت الغربانُ تغزو السدرة بأعداد متزايدة. والمساءات تمرُّ بسرعة ، وتمضي أيامه بسرعة أكبر . ظلّتْ العصافير تزقزقُ في قلبه . أقسم بالله في تلك الليلة أنه سيُكني نفسه بأبي العصافير . وسيكتب ديوان شعر بعنوان « عصافير». وسيحضّر شهادة الماجستير والدكتوراة في «العصافير».ماتتْ كل العصافير في قريته.نصحهُ صديقه بالذهاب إلى العاصمة . فالعاصمة مليئة بالعصافير. ظلَّ لأيام يكنسُ بوجهه الشوارع والحدائق ووجوه البشر. فلم يجد أيّ عصفور. فالعاصمة مليئة بالغربان وأكثر من ذلك فغربان العاصمة أكثر فسقا وسواداً من غربان سدرة طفولته.لم يكتف بذلك ، سافر إلى الدولة المجاورة يبحثُ عن عصافير فلم يجدها . ظلَّ يرسمُ عصافير في كل شيء،في دفاتر الرسم، وجدران غرفته، وطاولة المقهى ،وكرسي السينما، وقلب حبيبته، وقبر أمه. ظلَّ جنون العصافير يطارده . سافرَ مرةً أخرى. هذه المرة إلى بلدان الثلج ، للبحث عن عصافير تشبه عصافير طفولته، في بلاد الثلج فشل مرةً أخرى. ظلَّ أسبوعاً يرسم عصافير وفي الصفحة المقابلة يرسم غُراباً أسود وبحركة سينمائية يشعل النارَ في الغُراب. لكّن نعيق الغُربان ظلَّ يطارده . رجع إلى قريته بجنون أكبر بالعصافير . وجدَ أن (البلدية) قد قطعتَ السدرة ، وبررتْ ذلك لسبب مزاحمة السدرة للأسلاك الكهربائية . ظل يبكي عند الغروب السدرة والعصافير الضائعة . بكى الطفولة وأمه. سقطتْ صباحات القهوة في بئر الغياب .في لحظة غروب الشمس والحُلم حطّ غُراب فوق عامود الكهرباء ونعق بصوت ماسأوي مرتفع وتقيّأ عصافير ميتة. صرخ «هو» بصوت مجنون : - لا توجد عصافير في قريتي يا أستاذي. |
|||||
|
|||||