الكتابة والصيرورة التاريخية
 عند محمد برادة

 

 محمد الدوهو


        «ما كان طبيعيا أمس لم يعد اليوم كذلك»

Hermann Hesse. le loup des steppes ed. . Calmann-Lévy.-tra. Fr. 1947.p186

١- الكتابة والنسق

في خاتمة رواية  «امرأة للنسيان» (١)للروائي المغربي محمد برادة ،وفي حوار أشبه بحوار الموتى ، تخاطب ف.ب ،الراوي قائلة: «أنت أيها الكاتب جالس بين مقعدين  لا تستطيع  أن تعلن انتهاء الماضي  ولا أن ترسم معالم مستقبل  تتخطى ذلك الماضي ، لعبة النسيان لم تعد تجدي ومفعولها في التهدئة  استنفد مداه ،وها أنذا امرأة للنسيان لم تعد تجدي».(ص123).

هذا مقطع  يلخص إشكالية  الكتابة و الصيرورة التاريخية في ثلاثية الروائي المغربي محمد برادة، ذلك أن قراءة راصدة لمفهوم الكتابة والصيرورة في نصوص «لعبة النسيان» و«الضوء الهارب» ثم «امرأة للنسيان» ستجعلنا نقر منذ البدء أن الكتابة عند هذا الكاتب ،وكما يقول،نبش في الأعماق  ومسرحة للذات والذاكرة(٢).

الكتابة في هذه الحال سفر وجودي في تاريخ الذاكرة الذاتية والاجتماعية في صيرورتهما المشتركة.هي أيضا بحث عن صيرورتهما المطبوعة بالنشاز في صيرورة المتغير المغربي وممكناته التي تتحكم في توليفات بنيته العميقة عدة عوامل متنوعة.

 تتحول الكتابة إلى عامل خفي يطارد بلا هوادة صيرورة الذات والجماعة في الصيرورة التاريخية، لكن هذه المطاردة محكومة بما يسميه محمد برادة بحرية الكتابة التي تنتهك الحدود بين الواقع واللاواقع في صيرورتهما بين الملموس والمحلوم به.إنها كتابة الحفر في تجاويف التاريخ.(الحوار نفسه).

هي أيضا كتابة عن زمن الطفولة وزمن التعلم الذي تعتوره نقائص تاريخية وسوسيولوجية ،انتربولوجية ونفسية تعوق دون اكتمال فحولة بطلها .الكتابة عند محمد برادة،كمايرى، تعبير عن رؤية للعالم تعبر عن جيل له ذاكرة مثقلة محاطة بتاريخ منسي ومحرمات كثيرة تخصي دفق الحياة .

إنها أيضا كتابة عن المفارقة السوسيولوجية المتمثلة في هذا النشاز الوجودي القائم بين الفرد والدولة في تاريخ المجتمع العربي.بحكم أن الصيرورة الاجتماعية عند محمد برادة تحكمها ثنائية الظاهر والباطن ومبنية على التواطؤ وهو المفهوم الذي يتردد صداه بشكل ملفت للانتباه عند محمد برادة، التواطؤ هنا عند محمد برادة ظاهرة تاريخية تعتور سفر الكتابة في تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في صيرورة تاريخ المرجع الذي تسعى الكتابة إلى محاكمة صيرورته ،لكن صيرورة المرجع محكومة ،وكما سلف الذكر،بثنائية الظاهر والباطن، فالصيرورة ،كما يقول أحد الأبطال النفعيين في رواية امرأة للنسيان هي «غير التاريخ المرئي المعلن عنه الذي يدير دفته قائد اوركسترا لا يملك سوى عصاه وحركاته البهلوانية»(ص٦٨).الشيء الأكيد أن العلاقة القائمة بين الكتابة و الذات و الصيرورة المزدوجة التي تعيشها مبنية على مفارقة غريبة يختزلها محمد برادة كذات تاريخية وثقافية ،فيما يقوله بطل «امرأة للنسيان» عن الصيرورة «أنها تؤثر عل تلك اللحظات التي نحس خلالها بأن كياننا كله حاضر ومتورط في فعل نعتقد انه الوحيد  القابل للاعتقاد والمفضي إلى تغيير نوعي بعلاقتنا بالذات والآخرين».ص86-87.

حاصل القول أن الكتابة والصيرورة عند محمد برادة مبنية على فعل الزمن والتورط،الزمن مقولة فلسفية ووجودية وتاريخية، بها يقاس مفهوم التطور والعمران، أما التورط فشأن ذاتي  يكشف عن تورط ذاتية تبحث عن أجوبة يطرحها الوعي الجمعي في صيرورته التاريخية والزمنية(٣).

يعيش بطل محمد برادة في صيرورة زمنية وتاريخية ويسائل نفسه هل وعيي يساير وعي الكائن والزمن الذي اكتب عنهما، وعندما يمعن النظر في ما يكتب عنه يكتشف أن لاشيء تطور وإنما ما يحلم به يخالف ما يكتب عنه.

لنلاحظ ذلك وليكن أول ثقب نطل من خلاله على ما نقول مفهوم التزمين والمتمثل في البرمجة الزمنية لأحداث الحكاية وشخوصها عند محمد برادة (٤).

 ٢-بنية المحكي والصيرورة الزمنية

يتمفصل زمن الكتابة عند محمد برادة بين زمنين زمن الماقبل وزمن المابعد.فالتاريخ يتسلل  عنوة وبالفعل والقوة إلى صلب الحكاية ليمتزج بصيرورة المتخيل-الكتابة،وفي هذا التمازج تتمسرح الذاكرة الذاتية وصيرورة قولها الخاص في صيرورة الزمن ،بين ماض-زمن الطفولة وزمن الاستعمار ومقاومته- اتسم بمثاليته كما تشخص ذلك  رواية «لعبة النسيان» وحاضر،زمن الماقبل،زمن ما بعد الاستقلال،اتسم كما يرى برادة بتدهوره وانسداد آفاقه.

 لنلاحظ منذ البداية أن بنية المحكي عند محمد برادة تتسم بطابعها الدائري،ففي رواية لعبة النسيان  تبتدئ الحكاية بموت الأم  وتنتهي بتذكر الأم ، أما في رواية «الضوء الهارب» فينفتح النص على  زمنية الغروب وتنتهي بسؤال يكشف عن القلق الوجودي الذي يعتور سؤال الكتابة في علاقته بالزمان والكتابة، في بحثه عن ضوء هارب يشبه تلك النقطة المضيئة في عتمات الصيرورة التاريخية؟.أو ليست رواية «الضوء الهارب» رواية الاتصال الفاشل. فشل العيشوني في الاتصال بغيلانة، وفشلت فاطمة ابنة غيلانة في الاتصال بالعيشوني وسفرها إلى فرنسا لتعيش بحرية كل ما تحلم به،ثم لماذا انقطع التواصل بين غيلانة التي تحولت إلى مومس وابنتها فاطمة؟ و فشل علاقتها الداودي الطالب الجامعي الذي تحدى الأعراف السياسية وسجن تاركا جنينا ينمو بين أحشاء فاطمة، ثم يخرج ليتنكر لمبادئ الماضي، وأفكار كانط وهيجل ثم ماركس التي أدخلته إلى زنزانة سلطة «المراقبة والعقاب»، خرج ليجد أباه في انتظاره و الذي«يتطلع إلى إنتاج دجاج كل واحدة منه تزن سبع كيلوغرامات كما هو الحال في النمسا»(ص١٢١). ثم ألم تبعث ف-ب النكرة من زمن النسيان لتحكي للراوي سيرتها ثم تموت في حجرة كالمجنونة ؟

هذه أسئلة تكشف عن الجدل القائم بين الكتابة والصيرورة التاريخية عند محمد برادة.لكن زمنية الرواية هي غير زمنية الواقع.ذلك أن هذه الأخيرة ،كما يرى محمد برادة، «تولد ديمومة تختلف  عن ديمومة الزمن التعاقبي الذي نتوهم  العيش داخله ،إذ أن الفروق تزول  بين الحاضر والماضي والمستقبل لتخلق الرواية  كثافة أخرى متماسكة وفاعلة في السر هي التي تقود الشخصية الروائية إلى أن تستعيد وعيها بقوة الزمن وهشاشة الكائن ومن ثم التحايل على لامعكوسية الزمن ومحاولته استعادته بأشكال مختلفة».(الحوار نفسه).

الكتابة في هذا الإطار بعث  لتفاصيل الماضي الموشوم بين الواقع والمتخيل، كتابة عن زمن موشوم في الذاكرة واللاشعور،كتابة عن الزمن الأعلىLe temps suprême المفقود، وفي تقفي أثر هذا الزمن  في دروب الذاكرة ،ينبعث زمن الطفولة وتنفض الحكاية عنه غبار النسيان.وفي العودة إلى ماضي الطفولة-طفولة الهادي-تنفتح الحكي عبر الذاكرة على زمن الأصل،حيث الكلمات تساوي الأشياء.ويتحقق الكائن -الهادي الراوي-في الزمان والمكان، إذ تتحول شخوص الماضي إلى أنماط مثالية تجسد الانسجام بين الفرد والجماعة وسيلان وديان الألفة بينها،وأمام ما يرى تهتز كل التفسيرات.(ص26).يقول الراوي «أحيانا  أخوض في تفسيرات  سيد الطيب مستعملا  الأبعاد الفيزيولوجية  والاجتماعية والدينية ..لأعثر على خيط تنظم تلك المشاهد والمراحل ويحتوي التناقضات، ثم فجأة، ينتصب أمامي داخل إطار فاس القديمة وداخل الدار الكبيرة بجسده الممتلئ فتهتز كل التفسيرات».(ص27).

يتحول الفضاء المرسومة معالمه في ذاكرة الراوي إلى فضاء أسطوري تنبش الحكاية في تجاويفه عن معنى مفقود، يجعل شخصيات الحكاية تتحول إلى شخصيات بارديكماتية (٥) تشكل ينبوعا للزمن الممكن المفقود في نسيج الحكي وتتحول إلى شخصيات مفهومية تثير بأزمنتها ووعيها وقيمها أسئلة متنوعة في ذاكرة القارئ. لم تكن هناك قطيعة بين الكلمات والأشياء والدال والمدلول.كان هناك بعد ملحمي يتحكم في مصائر شخوص زمن الماقبل، متوغل في جوهر الذاكرة الجمعية ويوجه التصرف الجمعي.يقول الراوي :« في بداية الخمسينات كان الهادي والطابع على موعد مع ساحة واسعة ستمتص منهما تدريجيا شيطنتهما وتضعهما على سكة وعرة وحافلة بالمفاجآت. كانت أحاديث التوعية جزءاً من الدروس في المدرسة الحرة التي يدرسان فيها الأحاديث تتواتر بإيقاع سريع واحتفالات عيد العرش مناسبة يعبر فيها الجميع عن مشاعرهم الوطنية وتعلقهم بالحرية.مناخ يبدو الآن خرافيا موغلا في زمن لا يكاد يمت بصلة إلى هذا الزمن الحر الفاقد لسعة حرارته الداخلية».(ص26).إنها حكاية أمثلة ماضي الماقبل، ماض ملحمي ذهب ولن يعود وظلت ذكراه جاثمة في اللاشعور الوجداني للراوي ،باختصار انه زمن تسلطنت فيه لغة الحكي الوطني، وتسبح ذكراه في فردوس الزمن المفقود المبحوث عنه .

 العودة إلى الماضي عودة إلى صدى الطفولة والانتشاء ونشوة الاكتمال.(ص17 ).عودة نحو زمن فردوس الطفولة المفقود وسحر السياق المنغرس في الذاكرة والوجدان والوجوه.(ص24).لكن صيرورة الزمن في علاقتها بالمحكي الاسترجاعي-استرجاع زمن الماضي -محكومة بالموت والنسيان.لهذا السبب نلاحظ أن الحكاية درء لتحكم النسيان في مصائر الشخوص التي يحكي عنها، خاصة الأم-للا الغالية- والخال سيد الطيب والشخوص التي تدور في فلكه،تعمق من أهميتها عبر فلسفة موتها في صيرورة الزمن الذي تنتمي إليه. صورة الموت المتعمق في الوجدان والموغل في ذاكرة الطفولة والعشق أمام صورة  جثة زوجة سيد الطيب الهامدة، وفي استذكارها تشعرن لغة الحكي وجودها قبل أن يطفئ الموت عينيها يقول الراوي «جميلة كانت في بياضها، بشعرها الفاحم وابتسامتها الطيفية نعومة متناهية. تمثال متناسق حتى كأنه ينتسب إلى العالم الآخر. سعيد كان خلال أيام العرس السبعة ثم خلال السنتين اللتين عاشهما مع عروسه قبل أن تنطفئ فجأة فيما يشبه الومض».(ص17).

وعن سيد الطيب يقول الراوي لحظة وداعه الأخير «لا أكاد اسمع نشيج الباكين في الباحة الواسعة.كلهم أحبوك...وأنا أحاول ،عبثا ،أن استوعب معنى أن تكون ممددا أمامي  داخل الكفن ميتا منتهيا وراحلا عنا..وقبل خمس سنوات كنت تشهق إلى جانبي كالطفل الملدوغ أمام جثة للا الغالية أمنا.هل أمد يدي لأفك عنك لثام الكتان الأبيض السميك ليطالعني وجهك الصبوح،ومن يدري قد تتفتح العينان ويفتر الثغر.؟».(ص27).

لنلاحظ أن العودة إلى الماضي مدخل نقدي على مستوى المتخيل لتنهال الكتابة بمطرقة الشك على استمرارية وصيرورة المرجع الذي تحكيه الكتابة عند محمد برادة.خاصة وان زمن المابعد-زمن ما بعد الاستقلال-يشكل على المستوى الحكائي مجالا لتشخيص ما يمكن تسميته مع كريماص بأزمة الحقيقة(٦)   Crise de véridiction  التي تتحكم في التجربة التاريخية والسياسية والاقتصادية ثم القيمية لمجتمع المابعد والوعي الذي يتحكم فيه،كما أنها تتحكم في الاستراتيجية السردية والخطابية في ثلاثية محمد برادة.

  وبطبيعة الحال فالقراءة السيميائية للمسارات السردية لشخوص الحكاية وبرامجها السردية ستجعل القارئ يتوقف سواء في «لعبة النسيان» و«الضوء الهارب» و«امرأة للنسيان» على تجليات أزمة الحقيقة وانعكاساتها على وعي أفراد مجتمع ما بعد الاستقلال.

  سيتسلل الخلاف معتمرا طاقية الخفاء إلى مؤسسة الأسرة بين الهادي وأخيه الطايع وفي تشخيص اختلافهما استعارة تاريخية لتشخيص أزمة الحقيقة التي تعتور العلاقة القائمة بين الكتابة والمرجع الذي تحكيه، بين الفرد والمجتمع، السلطة وفكر الاختلاف، في صيرورة المجتمع.

 حاصل القول أن كلا من الهادي والطايع يشكلان نمذجة تاريخية وسوسيولوجية،على مستوى النسق القيمي والايديلوجي، لما ستؤول إليه الأوضاع التاريخية  في مجتمع المابعد، وتشخيص لأزمة الحقيقة في مجتمع المابعد.ارتكن الطايع إلى النزعة الدينية القدرية بعدما لاحظ بأم عينيه أفول الأحلام التاريخية،  لكن الهادي يخاطبه قائلا: «لماذا تدفن فشلك ،فشلنا وراء الآيات والأحاديث واستحضار الموت».(ص79)، وكما يقال لا دخان دون نار ،فموقف الطايع نابع من رغبة ، يلخصها وهو يحاور أخاه الهادي، «أنه يريد أن يعتزل ويتفرغ إلى دراسة كتاب الله والى العبادة والتأمل لأنه تبين أن عشرين سنة من حياته تصرمت مثلما  يشرب الرجل الماء بدون أن يتحقق شيء مما كان يعمل لأجله». ويضيف مخاطبا الهادي المهووس بالمطلق والأحلام، قائلا:« أنت أيضا خيبت ظني بعشق الأحلام وتمني النفس بانتصار ينبثق من داخل الهزيمة».(ص79). .انجلت الأوهام واكتشف الهادي أن رياح التاريخ جرت بما لا يشتهيه الطموح الفردي والجمعي الذي يستمد نسغه وروحه من طموحات الحركة الوطنية.أولم يخاطب الطايع ،المقاوم والمناضل في صفوف الحركة الوطنية المغربية،أخاه الهادي قائلا: «عشرون سنة تعلمت خلالها أشياء كثيرة.غير أنني لم أكن أتصور  أن تخف درجة حرارتي ، ويهدأ الغليان إلى هذا الحد الذي لا أستطيع  معه أن أتكلم عن سنوات الهدم والبناء  بمثل هذا التباعد، بل والسخرية أحيانا. الجمر في تحول إلى رماد؟».(ص70). اكتشف الطايع وهو الذي خبر وعاين وتعلم أن ثغرة عميقة نسفت ما كان يحلم بتشييده، مستسلما لقراضة الصيرورة التاريخية وفعلها الباهت الألوان، قائلا: «الآن انجلت الأوهام  أو هذا ما أحسبه على الأقل لأنني أستقبل الأيام بدون أن انتظر منها مفاجأة سارة وبدون أن أتوقع  تحولات تخض الزنبرك المترهل في داخلي، لتعيد له النبض والتحفز.حالة غريبة بالمقارنة إلى ما كنت عليه قبل ثلاثين سنة.كأن دائرة الحياة انغلقت من حولي وأنا مستمر فيها بقوة داخلية لا أعيها تماما».(ص67).

لماذا هذا الاستسلام التاريخي؟الجواب يأتي حادا وقاطعا على لسان الطايع، يكشف عن النزعة النفعية التي قلبت ،في نظره،موازين صيرورة التاريخ الاجتماعي الوطني وبدأ خطابها يتسلل رويدا رويدا  إلى عقر داره.فهذه زوجته ومنذ سنوات عدة تحتج على إسرافه في الاجتماعات وإهمال الأولاد وتنتهي كما يقول: «إلى أن كل مناضل عمل علاش يرجع وأن علي أن افتح عيني لأرى حقيقة ما يجري فكنت اعتكف بضعة أيام ثم أعود إلى الحلبة مدفوعا بشيء ثاو في الأعماق لكن الشرخ كان يستعصي على المسكنات جميعها».(ص71).

من هو العامل المعاكس الذي قلب الموازين و أحدث حالة اللاتوازن في صيرورة الحكي-حكي الراوي.

انه عزيز ابن للانجية أخت الهادي والطايع. نمط سوسيولوجي Type sociologique يعكس على مستوى صيرورة المرجع الذي تحكيه الرواية نموذج النخبة التي ستفرزها الدينامية الثقافية والاقتصادية ثم الاجتماعية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين،ففي  حفلة زواج عزيز وسعيدة التي درست الصيدلة في مدينة مونبلييه بفرنسا،وبعد استرجاع حكائي  يصف الراوي  ظروف لقائهما كفاتحة لزواج تطبعه النفعية وشكليات الزواج المبني على رهانات الاكراهات الاجتماعية العميقة للنفعية(٧) ،يصف الراوي هوية عزيز ومساره،تاركا للقارئ حقه في التأويل واستنباط الحقائق المضمرة من وظيفته التفسيرية والإيديولوجية قائلا:« عزيز كان يتشبث  بضرورة البدء ببناء مستقبله والاعتماد على نفسه.آثر أن يستعيض عن الحب ببعض المغامرات العابرة المدروسة العواقب سلفا،فاستطاع أن يبرمج لهوه في حدود اللائق المقبول،مستعينا بأداء الصلوات في أوقاتها،وبمزاجه المعتدل وطبعه  الحذر المتوجس خيفة من كل شيء.حتى عندما كان طالبا،في بداية السبعينات، وحركة الاحتجاج الطلابية في أوجها عرف كيف يتحصن داخل سوء ظنه وحذره،مرددا أمام زملائه المندفعين لابد أن نعرف وجهات النظر جميعها قبل أن نختار».(ص١٠٥)، وبطبيعة الحال لم يكن عزيز« نموذجا فريدا على كل حال، فهو وعلى شاكلة أصدقائه ومجايليه كانوا، يضيف الراوي، داخلين سوق رأسهم يواظبون  على الدراسة ويستفيدون من وقتهم للنجاح في الامتحانات، قبل الالتحاق  بسلك الوظائف والشركات  لمتابعة  نفس السباق المأمون العواقب.كل ذلك كان يتم في سياق  بناء أجهزة الدولة.وبالرغم من مواقف الاحتجاج والرفض، وارتفاع أصوات المعترضين،فان منطق  الواقعية والتسابق إلى الانتهاز فرض نفسه، وشيئا فشيئا خفت بريق الشعارات الوطنية،وخلفه شعار» لا تشييد بدون دولة قوية«.البناء يتشيد، والذين يسهرون على سيره لا يتورعون عن استعمال العنف، ولاشيء أفضل من أن تفوز- أيها الطامح- بموقع جيد وان لم يكن القرار من نصيبك. ويضيف الراوي قائلا بصيغة سردية تنم عن سخرية دفينة مما آلت إليه صيرورة المرجع الذي يحكيه قائلا :«العجلة تدور،عليك أن تحتل مكانك وتنتظر.انتظر لأن شعار المرحلة المقبلة،كما يقول أحد الظرفاء،هو الدولة تمضي ويبقى الموظفون والتقنوقراطيون !» (ص١٠٦).

 طبعا ستذهب هذه الرؤية النقدية والسياسية لصيرورة المرجع الذي تترصده الكتابة عند محمد برادة إلى أبعد مداها في نص «امرأة للنسيان»، إذ ستنتقل الكتابة من نقد الكلية الاجتماعية في صيرورتها إلى نقد تجربة الحزب وتعميق البحث في معضلة الكتابة والاغتراب في الزمان والمكان في زمن ما بعد الاستقلال. فشخوص برادة الرئيسية - سواء أكان الهادي، الطايع ، غيلانة، فاطمة، «ف.ب» وغيرها من الشخوص التي تؤثث دينامية الاغتراب في الزمان والمكان،تعيش صراعا داخليا يجعلها تحس بان هناك أيادي خفية  تمتد من عتمات وردهات أعماق ما يسميه ادوارد سابير الانا الجمعي لتجذبها إليها وتنكمش على نفسها حتى حدود التقزيم.ولعل هذا ما يفسر فشل تجارب الاتصال التي تؤثث النسيج الحكائي في نصوص محمد برادة لكنه فشل محكوم بصراع الارادات التي يصل إلى حدود النشاز بل وحتى الموت كما هو الحال في رواية «امرأة للنسيان».

ما تكتشفه بطلة «امرأة للنسيان» في باريس،وهي بالمناسبة بطلة بدون بطولة حقيقية،أن الصيرورة التاريخية توجهها قوى النفي. اكتشفت هيجل وماركس وفرويد ، الأولان غذيا لديها الإيمان بنفي ماهو قائم لاستجلاء ما هو كامن في المجتمع والإنسان، أما الثالث  ففضح الليونة التي تخفي الغليان.(ص١٨)..عادت(ف.ب) من باريس إلى فضاء الوطن، فضاء- الأنا الجمعي، لتقذف بها الصيرورة التاريخية إلى عوالم العزلة والحمق.تقول مخاطبة الراوي: «منذ كتبت »لعبتك» وان تختبئ وراءها. ألم يحدثك الهادي عني؟منذ رأيته آخر مرة،منذ سنوات في المقهى بباريس لم ألتق به. عشت تجربة مليئة بالاهتزازات، من تدحرج إلى آخر، وانتهى بي المآل إلى ما تراه محبوسة، معزولة. أنا في نظر العائلة حمقاء»، وتصل حالة الاغتراب حدودها القصوى ، التي تترجم حالة انفصال الفرد عن الزمان والمكان وتحكم العبث الذي يفرغه من محتواه الإنساني، قائلة وهي تشرح حالتها الوجودية للراوي «الشعور المهيمن علي هو أن العالم لم يعد يغريني.يمكن أن امضي أياما متتالية وأنا في وسط رؤى مبهمة،هاربة من كل ما يلتمع في الذاكرة. أغمض عيني وأجهد في البحث عن نقطة  صفر لا يوجد بها شيء يشدني إلى ما حولي. وكلما وخزتني الأصوات والنداءات والكلمات المتناهية إليّ من الشارع، أمعنت في ملاحقة السديم الذي ينسيني انتمائي إلى هذا العالم».(ص١٢). تشعر «ف-ب» أنها في محبس محكم الأبواب. وحتى عندما تزوجت بالدكتور جليل وسافرا إلى مدينة «الراشيدية»، مسقط رأسه للعيش هناك اتضح لها أن هناك أصواتا تناديها من أعماق ذاكرة الماضي، «أدركت أنها لا تستطيع أن تتحول إلى امرأة تعيش كالخلد تحفر جحرها وتكن على بعلها»، فالحياة، كما ترسبت صورتها عندها، مقترنة بالحركة الجذابة والاستكشاف اللاينتهي. (ص٦٠).

تعيش«ف.ب» ما يمكن تسميته مع ايمانويل ليفناس مرض الهوية في الزمان والمكان لشعورها بالشلل التاريخي والوجودي الذي يحول دون تحقيق هويتها في الصيرورة التاريخية. إنها شخصية ترمز لجيل ربما مخالف لجيل عزيز في «لعبة النسيان»، لم تحترمه الصيرورة التاريخية.(٨).

 وإذا كانت رواية «امرأة للنسيان» قد شخصت مرض هوية جيل مجتمع المابعد ،فان رواية «الضوء الهارب»  جاءت لتثير معضلة الاتصال مع الآخر و سعيها لشعرنةnoitasitéoP عبر لغة الحكي لجدل الاتصال مع الآخر/المرأة. بل إن رواية الضوء الهارب في رصدها لجدل الاتصال والانفصال مع الآخر تعتبر رواية المصائر المجهولة في صيرورة الدينامية التاريخية التي يحصر فيها محمد برادة فضائيا وزمانيا حكاية شخوصه.ولعل قراءة للمسارت السردية لعلاقة كل من غيلانة والعيشوني من جهة ولعلاقته بفاطمة من جهة أخرى ثم علاقة فاطمة بأمها وعلاقتها بالداودي الطالب الجامعي الثائر ،قمين أن يجعلنا نتعرف على معضلة مصير الفرد في علاقته بالمجتمع الذي يؤطر وعيه وكيف ينظر المجتمع  في صيرورته التاريخية إلى نمط العلائق بين هذه الشخوص، بل إن قراءة عميقة لمنطق الممكن السردي لعلائق الاتصال والانفصال في الصيرورة الاجتماعية، قمين أن يجعلنا نقف على منطق عميق يتحكم في عدم تحقق الشخوص وانتقالها من حالة الاحتمال إلى حالة الامكان ثم التحقق.

   وهذا ما تعبر عنه فاطمة ابنة غيلانة عندما تفشل تجربة اتصالها بالداودي الطالب الجامعي الذي اعتقل تاركا جنينا ينمو بين أحشائها.ثم يخرج ويكتب تعهدا لينهمك في تهيؤ مستقبله والاهتمام بمشاريع الدجاج بدل الاهتمام بكانط وهيجل وفاطمة وابنتها. تقرر فاطمة السفر إلى فرنسا لتتزوج بفرنسي تاركة وطنها لإحساسها بان الصيرورة التاريخية لم تحترم إرادتها.تقول مخاطبة العيشوني: « لم اعد أنتمي إلى أي شيء ولم يكن يؤلمني أنني غدوت كذلك حين استرجع الآن كل ما حشي به دماغي عن الهوية والتاريخ والوطن، أجد كل ذلك الجهد وكل ذلك الكلام لا يساويان وزن قشة أمام تلك الحالة التي عصفت بي وافرغتني من شحنات الذاكرة وارتباطات الماضي».(ص١٢٧).

صحيح أن العيشوني المثقف يتصل بغيلانة ويحقق معها ذاته لكن هناك جملة مفتاح تكشف عن هذا الجدل العميق القائم بين ما يسميه عبدالله العروي التاريخ والحب،والذي يبرز لنا فشل تجربة الاتصال بالآخر في الصيرورة التاريخية للمرجع الذي يؤطر فيه محمد برادة شخوصه. أو لم يعبر عن ذلك العيشوني قائلا ،بعد انفصاله عن غيلانة، «غيلانة هي جزء من هيكل اكبر  هو هذا الملكوت الذي صنعته الأوهام وأحلام الإبداع والتواصل الطبيعة والتعبد في محراب الحب والجنس».(ص٥٩)..ثم ألا يعني اللجوء إلى الحب في الصيرورة الاجتماعية فشل في التاريخ ولجوء إلى الذات والمرأة لتعويض الفشل التاريخي. ألم يخاطب العيشوني ذاته قائلا:« لم أكن أطيق أن تبتعد عني  بعد أن زرعت التوتر واستفزت مني الحواس...وعبرها،عبر كلامها وجسدها،عبر خطواتها،قد أستطيع امتلاك شيء ينقصني،وهو وحده ماسيجعلني أطفئ الأوار المتقد لأعود إلى العيش بغير قلق كما كنت».(ص٥٠).

أو ليس هذا الموقف في نهاية المطاف في إطار الجدل القائم بين الكتابة والصيرورة التاريخية التي تؤطر الكتابة عند محمد برادة كذات تاريخية واجتماعية وسياسية تعبير عن هذا الموقف الذي يجعل،كما يرى العروي، «العبور من الحب إلى التاريخ هو الوصول إلى سن النضج،أما الانتكاس من التاريخ إلى الحب  فهو الصد عن الإخفاق الاجتماعي،ينعزل المرء فيعود إلى حياته الشخصية.. وبالتالي إلى الحب»(٩) وبعبارة أوضح يعمق عبدالله العروي تصوره هذا قائلا: «حين ينهار المجتمع كمشروع اجتماعي، فان كل واحد ينغمس في حب شخص واحد.إذا كنت لا تريد أن تحب الله ولا تريد أن تنغمس في المجتمع والثورة.فماذا يبقى؟ انك تنغمس في شخص واحد.. عندما ينهار المجتمع ينغمس الإنسان في الحب وكل حكاية إما أنها تاريخ أو حب وإذا كان التاريخ قد خرج من الباب فأننا ندخل الحب وإذا أردنا إخراج الحب فانه يلزمنا إدخال التاريخ».(١٠)، وحتى عندما يأتي الموت على هذا الآخر/المراة فانه يظل الملاذ الوجودي المفقود،يقول الراوي في رواية «امرأة للنسيان» بعد موت«ف.ب»: «ووجدتني أقول بلوعة:لا يمكن أن أنساك. أنت احتمال له كامل الحضور وله قدرة لا تقاوم على تغيير المسار،أقصد مساري.بعد رحيلك أنا في فراغ، بدون نجية تجيد الاستماع»(ص١١٧).

 لكن الكتابة عن التاريخ وصيرورته عند محمد برادة تشي بتورطها في تحويله إلى حكاية.التاريخ حكاية ولكنه ملتصق بالنسيان، والنسيان دليل على اشتغال الذاكرة التي تضيع في عوالم المطلق وأشيائه الجميلة المفقودة. أشياء لايمكن نسيانها بل يجب وشمها في لغة الحكي المضاد للغة النسيان.أليس هذا ما يريد الهادي قوله في رواية «لعبة النسيان»،عندما وصف زمن الطفولة وزمن الأربعينات حتى نيل الاستقلال،بلحظات الصفاء المندثر.(ص٧٧).. كيف يمكن نسيان تلك المرأة المسماة «ف.ب» في صيرورة الحاضر ؟ بعد أن قضت عليها التقاليد ومؤسساتها المبنية على العنف والتواطؤ ثم المصلحة والإذعان لمؤسسة التقاليد التي تعيد إنتاج نسقها التاريخي الخاص ؟.

لنسيان كما يقول محمد برادة وسيلة للتفكير  فيما هو غائب، وهو أيضا استحضار بعض ما نظن انه انقضى ولكنه يعود بشكل من الأشكال، وهو ملازم أيضا لما تشتغل عليه الذاكرة.(الحوار نفسه).

أو ليست العودة إلى الماضي عودة المكبوت؟عودة إلى زمن الأصل ،زمن الأم وزمن الحب حيث يتحقق الهادي-الطفل في الزمان والمكان ،عودة أيضا إلى مكبوت التاريخ  المتمثل في ذلك الوئام الوطني المفقود ورموزه، الذي كان الهادي الطفل بمعية أخيه الطايع على موعد معه في بدايات الخمسينات من القرن العشرين. عودة إلى زمن أسطوري، بالمعني الذي يتكلم عنه ميرسيا الياد(١١)، يتسم بانسجام كليته الاجتماعية،و تشكل العودة إليه هربا من وطأة الحاضر المتوغل في عنفه الرمزي، عنف لا تستطيع حتى الكتابة عند كتاب ، ما يسميه ادوارد سعيد، الأدب المابعد الكولونيالي وهم يعودون إلى إعادة كتابة التاريخ الأصلاني لشعوبهم(١٢)، الإفلات منه، فحتى الكتابة ، كما يقول محمد برادة في «امرأة للنسيان» على لسان بطلته ف.ب لايمكن أن تنجو من العنف (ص١١٨)،و تبقى الكتابة ربما، في نهاية المطاف ، وفي إطار علاقتها بالصيرورة التاريخية، يضيف محمد برادة على لسان بطلته، تعطينا وهم الانعتاق ولامتنهائية التحقق (ص٨٥).

هوامش

١- سينصب اهتمام هذه القراءة على ثلاثية محمد برادة .رواية «لعبة النسيان».ط٣.دار الأمان.٥٠٠٢. رواية «الضوء الهارب» .نشر الفنك.ط١. ١٩٩٣.رواية «امرأة للنسيان».ط١. نشر الفنك.جميع أرقام الصفحات الواردة في هذه القراءة تحيل إلى الطبعات التي أتينا على ذكرها.

٢-انظر الحوار المتميز بين محمد برادة والكاتبة المغربية زهرة زيراوي.جريدة «الزمان»-الانترنيت-العدد1725-1726. التاريخ07/02/2004.

٣-هذا ما حاولنا إبرازه في دراستنا «منطق الممكن في »ذاكرة المدينة«لعبد الرحمن مجيد الربيعي».مجلة «الحياة الثقافية».تونس.2004.

٤ يراجع مقال التزمين.- Temporalisation  في معجم ج.كورتيس و أ.ج كريما

. Dictionnaire raisonné de la théorie du langage.1979. hachette.

٤-. Mircea eliade. Mythes. rêves et mystères Gallimard.1957.p32.

A.J.Greimas.Le contrat de verédiction. in Du sens2.ED seuil.1983.p108.?

٧- A.J Greimas/F.Rastier .Les jeux des contraintes semiotique.Ed

seuil.in du sens.1970.p135.

٨- يقول محمد برادة:«إنها» ،أي« ف.ب»، تعني جيل المغرب الذي عاش انتقالات متسارعة،جيل أتيح له أن يتعرف على الثقافة الأجنبية الأوربية شخصية(فا،باء) لم تستطع أن تتكيف مع بنية تقليدية مورثة عندما رحلت،أشياء تغيرت فيها، ولم تستطع أن تعيش مع بيئة زوجها بإحدى مدن المغرب الجنوبية،لأن هناك شيئا يخص الإقليم، يخص الثقافة ،يخص تقييم الحياة،صيغة العيش.أشياء كلها تبدلت،وكلها ملتصقة بشخصيتها ومن ثم فهي تصطدم.عوالم متشابكة.عالم الواقع،وعالم الحلم، والمقصود إبراز بعض الأسباب التي جعلتها تلجأ إلى العزلة والابتعاد عن الحياة العادية،أصبحت نحس أن هناك أشياء أقوى من أرادتها، وهذا جزء من مأساتها.(الحوار نفسه).

٩-محمد الداهي.«عبد الله العروي:من التاريخ إلى الحب.حوار».نشر الفنك.1996.ص٦٨.

10-عبدالله العروي. الأفق الروائي حوار .مجلة الكرمل.عدد١١.  1984.

١١-مرجع مذكور. يراجع الفصل الأول من هذا الكتاب.

12- ادوارد سعيد .«الثقافة والإمبريالية». نقله إلى العربية كمال أبوديب.ط٢. ١٩٩٩.دار الآداب.ص٩١.

 Nouveau : téléphonez moins cheravec Yahoo! Messenger ! Découvez les tarifs

 international. Téléchargez la version beta.   exceptionnels pour appeler la France et 


تصميم الحاسب الشامل