|
|||||
|
-١- كان مساء لندن ينتظر خارج القاعة ممعنا في رماده وطراوتـه . وكنت حينهـا أتهيأ لقراءات شعرية في منتدى الكوفة، بينما يقوم فوزي كريم بمهمة التقديم لهذه القراءات . كانت القاعة الصغيرة مكتظة بجمهور نوعي في إصغائه ومداخلاته، جمهور صقلته الغربة وعذّبه الحنين إلى بلد الأنهار والشعر والكوارث، وكان ذلك عام ٣٠٠٢م. كنت أصغي إلى فوزي وهو يقدمني وكأن صوته يفوح من جدران القاعة محملاً بوعود الستينات وأمطارها البعيدة. -٢- يمكنني القول أن فوزي واحد من الشعراء القلائل الذين عكفوا على مشروعهم الشعري بمثابرة دائمة. كان شعره، وسط صخب الستينات، ملاذاً لذاته المرعوبة. ومع أنه كان واحداً من شعراء الستينات، إلا أنني لم أكن أراه واحداً منهم تماماً. وحين اقترن اسمه بجماعة البيان الشعري، الذي أصدره مجموعة من شعراء ذلك الجيل، عام 1969 كان الأمر بالنسبة لي مثار استغراب واضح؛ لأن فوزي لم يكن منتمياً إلى عقيدة سياسية، أو ذا روح صِدْامية، ولم يكن صاحب ادعاءات كبيرة في التجديد الشعري. لقد كان بعيداً عن ركوب الموجات المثيرة للجدل، وكان شاعراً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ولم يستمد قيمته من أية صفة أخرى غير الشعر. لذلك كان وجوده بين جماعة البيان الشعري طارئاً، وغريباً ، كما أن شعره لم يكن خيطا متجانساً مع نسيج السجادة التي حاكتها مصادر ثقافية عديدة: متنافرة حيناً، أو منتزعة من منجم بعيد عن لوعة الذات في أحيان أخرى. -٣- كان فوزي قد حسم أمره منذ البداية: ترك مهنة التدريس مبكراً، وكرس حياته للشعر والسفر والموسيقى بعيداً عن أي امتياز اجتماعي أو وظيفي: لحية خفيفة ووجه سمح، وصوت مفعم بالعذوبة وهو يغني قصائد السياب والبياتي وأدونيس، وأغنيات عبدالوهاب والمقام العراقي. وكانت دراجته الهوائية التي يذهب بها إلى عمله محرراً في مجلة ألف باء، أحد مكملات صورته المعروفة. غير أن ما يتركه اللقاء الأول من انطباعات لا يظل دقيقاً على الدوام كما يبدو، فثمة طبقة أخرى قد لا تكتشفها في لقائك الأول. إن هذا الفيض من البراءة البيضاء، ومظهره الذي يشبه مظهر النادم، أو الضحية، أو المتأمل قد يخفي وراءه، أحياناً، نرجسية عميقة أو اعتداداً كبيراً بالذات. لكنك، في الحالتين ، لا تملك إلا أن تحبه و تأنس إليه، فهاتان الصفتان مشوبتان دائماً بطفولة عذبة أو شيء من المرح الجميل ، وهو قادر على اخفائهما بتلقائية يحسد عليها حقاً. لقد مثّل ومنذ بداياته الأولى، نموذجاً للشاعر المفتون بحلمه الشعري، والمستعد للتضحية من أجله بنعمة الوظيفة، ومباهج العائلة، وقد أعجبني فيه انقطاعه إلى الشعر وافتتانه بالحياة معاً: كان مقبلا على الحياة دون ابتذال ومبتعداً عنها دون ذبول أو عزلة. وانسجاماً مع ميله إلى الحيطة وتجنب المواجهات اكتفى من الحياة، أو كاد، بهامش مشقوق كلسان الأفعى يتحرك فيه: ليل الحانة ونهار الوظيفة. -٤- يمتلك فوزي شمائل ربما لا تتكرر عند سواه: شمائل تقع خارج نصوصه، أو في الجوار منها تماماً؛ لقد كان صوته رخيماً، وكان يضفي على جلساتنا الكثير من اللطف وخاصة عندما تبلغ به النشوة أقصى مدياتها. ولا تفارق ذاكرتي أبداً تلك الليلة الاستثنائية التي أمضيناها في أحد النوادي الجميلة، ونحن نحتفي بعودته إلى بغداد بعد أن أمضى في بيروت سنة أو أكثر. كان ذلك عام 1976، وكنا مجموعة من الكتاب والشعراء الشباب: عبد الستار ناصر، نبيل ياسين، حميد الخاقاني، وأنا . هذا إذا لم تخني الذاكرة. كان فوزي قد عاش في بيروت فترة كان فيها على تماس مع ما يشبه الفاقة، واضطرارات العيش ولكن على طريقته البعيدة عن التهتك. وكان يمكن لذلك النمط من العيش أن يأتي على الكثير من تماسكه لولا موقف صديقه الحميم شفيق الكمالي، الذي كان شاعراً وقيادياً لامعاً في الحزب والدولة، آنذاك، وكان، إضافة إلى ذلك، رئيساً لتحرير مجلة «آفاق عربية». قام شفيق الكمالي بتعيين فوزي كريم مراسلاً للمجلة في بيروت، ولكن ذلك، كما يبدو، لم يحل دون تفكير فوزي في العودة إلى بغداد ثانية. وكان يمكن أن تظل عودته في إطار الحلم ربما لولا شفيق الكمالي أيضاً، إذ يتوجب عليه إما أن يؤدي خدمة العلم، أي الخدمة العسكرية، أو أن يدفع مبلغ البدل النقدي عوضاً عن الخدمة الفعلية. لم يكن فوزي قادراً على أيّ منهما لأسباب نفسية ومادية. وهنا قام شفيق الكمالي بموقف لم يحصل إلا مع فوزي : أقنع رئيس الجمهورية، الذي كان وزيراً للدفاع أيضاً، بإعفاء فوزي كريم من الخدمة العسكرية دون أن يخدم يوماً واحداً في الجيش، ودون أن يدفع البدل النقدي كما يفعل الآخرون. وسط هذا الجو المفعم بالانفعالات كان احتفاؤنا بفوزي كريم تلك الليلة. بدأ الليل ليّنا وحميماً، وتنامى مزاج الجلسة؛ فاندفع فوزي يغني قصيدة البياتي الشهيرة: مدن بلا فجر تنامْ ناديت باسمك في شوارعها فجاوبني الظلام وسألت عنك الريح وهي تئّن في قلب السكونْ ورأيت وجهك في المرايا والعيون وفي زجاج نوافذ الفجر البعيدْ وفي بطاقات البريد مدن بلا فجر يغطيها الجليدْ كان لا يمل من غناء هذه القصيدة في جلساته الحميمة، رغم نفوره من شخصية البياتي، الذي كان بدوره يحاول التقليل من قيمة فوزي الشعرية في مجالسه الخاصة. وانعطف فوزي، بعد ذلك، إلى غنائيات مهيار الدمشقي لأدونيس الذي كان فوزي أكثر أبناء جيله افتتاناً بصوته الشعري. أخذ صوته يعذب شيئاً فشيئاً، وبلغ انسجامنا معه أقصى مدياته. وما هي إلا لحظات حتى اندفع في اتجاهنا رجل ضخم الجثة، ودميم الشكل: اقتلع فوزي كريم من مزاجه وتجلّيه، وحمله بخفة مصارع. كان ذلك الرجل هو المسؤول عن حفظ الأمن في ذلك النادي . مشهد لا أنساه: كان فوزي يرافس، مثل طفل، بين ذراعَيْ ذلك الرجل الهائج، وكنا نحاول أن نهدئ من غضبه دون جدوى: تارة ندعي أن فوزي ضيف شفيق الكمالي شخصياً، وتارة نبالغ في أهميته الشعرية. ولم يفك الرجل الضخم قبضته عن فوزي كريم إلا بعد أن أوصله إلى خارج النادي، بل وخارج حديقته الكبيرة. وأثناء ذلك كله، كنا نهرول وراءه في مسيرة ليلية مخذولة عاجزين عن فعل أي شيء. -٥- في شقته، في ضاحية (كرين فورد)، كان كل شيء بالنسبة لي، ينضج بأمطار الروح وتوتراتها: جدران مغطاة بتأوهات ريشته الندية كرفيف الذكرى، لوحات وتخطيطات لوجوه غيّبها الموت أو الصمت أو الرحيل، وأخرى لفوزي نفسه. كانت شقته تكريساً لعزلته حيث لا شئ إلا الكتب، ودواوين الشعر، والرسوم، والاسطوانات الموسيقية. كنت أعرف فيه اهتمامه بنقد الشعر بالدرجة الأولى، وكنت أراه، في الوقت ذاته، ميالا إلى التنوع. لقد اتسعت اهتماماته النقدية لتشمل الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى الشعر. لم ينبهر بالموضات العابرة كما قلت، ولم تجتذبه غوايات الحداثة أو الركض وراء ظواهرها على الرغم من أنه من جيل عرف بنزعته الحداثية حد الهوس. وما كان يلفت انتباهي، وفي فترة مبكرة، أن فوزي لم يكن يرى في الحداثة الشعرية أو النقدية قطيعة مع التراث أو انقلاباً عليه، بل كان يبدو باحثاً عن حداثة لا تجافي الانتماء الرصين لروح الأسلاف ، وعن احتفاء بالجذور لا يحجب عنه هواء العالم؛ لذلك يمكنني القول إنه كان يتجه في كتاباته النقدية، رغم قلتها مقارنة بشعره، وجهة خاصة. كان ينأى بنفسه عن صخب الجوقات، وكان يبدو وكأنه، في شعره ونقده معاً، كلاسيكي جديد: يذهب مع التجديد إلى حد لا يتجاوزه ، ويرتبط بالماضي بوشائج تتعصّى على الانفصام. وقد يكون في ذلك تفسير لكتاباته المبكرة عن أسماء أو أعمال لم يكن فيها بريق حداثي: معلقة لبيد، شعر الجواهري، قصص إدمون صبري على سبيل المثال. ويمكن اعتبار كتابه النقدي الأول ( من الغربة حتى وعي الغربة) نموذجاً لعقل متفتح وذائقة جديدة، لكن ذلك العقل وتلك الذائقة، كليهما، لم يكونا بعيدين عن الارتباط بالتراث. وكان هذا الكتاب إفصاحاً عن ملامح حداثته الحذرة المتسائلة التي تطورت، فيما بعد، لتتجاوز الحذر إلى الشك، وتتخطى المساءلة إلى الرفض، وقد تجلى ذلك، بوضوح في مجلة (اللحظة الشعرية) تحديداً وفي بعض كتاباته المتأخرة بشكل عام. ظل فوزي وكأنه يهرب إلى قرارة ذاته بعيداً عن الآخر، أيا كان هذا الآخر: شاعراً أم قصيدة أم حياة عامة، وظل مفتونا بعالم لا يرى سواه، وتصور للشعر لا يطمئن إلى غيره. لقد حفر طويلاً في تربته الشعرية الخاصة حتى حجب غبارها عنه الكثير من مكملات المشهد ولوازمه، وحتى بدت السماء، أمامه، ناقصة أو مليئة بالأخاديد. أحُس، أحياناً، وكأن فوزي، رغم ملكته النقدية، مشحون بطاقة تحليلية سالبة، إحساس بالرضا عن الذات ألحق أذى فادحا بقدرته على التفاعل مع النصوص الأخرى، وقطع عليه الطريق إلى تلك اللذة الخالصة من أي انفعال مكدر. وأتساءل، أحياناً، هل بالغ فوزي في تدريب مجساته النقدية تدريباً سالباً، فلم تعد قادرة على الإضاءة الحية، أو الكشف الودود؟ ربما. وقد يتساءل المتأمل لتجربته: هل يمثل فوزي على مستوى النقد، نموذج الشاعر الذي يحاول دائماً، كما يقول اليوت، الدفاع عن نمط الشعر الذي يكتبه؟ -٦- لم أكن أتوقع أن يصل فوزي، في موقفه من الحداثة الشعرية ، إلى التخوم التي وصلها أخيراً، مع أن شاعراً مثله ، بموهبة ممتازة وذاكرة شجية، لابد أن يجد نفسه غريبا على هذا المشهد الشعري المليء بالادعاءات، وتبادل المنافع، والذي يتحرك، أحياناً، بعافية زائفة. كان فوزي جريئاً، في تعريته لهذه الظواهر حتى بدا لي، في بعض الأحيان، عدوانيا على غير عادته، كما بدا في أحيان أخرى، وكأنه منقطع، حد الإدمان ، إلى نموذج شعري لا يرى أفقا غيره، ولا نافذة سواه. ومع ذلك، فإن حياتنا الشعرية في حاجة ماسة إلى من يقف ، بجرأة، أمام هذا الطوفان الشعري الذي يعترض معظمنا على معظمه سراً، لكننا نتدرج في سياقه علانية لا تنحرج منها. وإذا كان فوزي قد بدا في مجلته (اللحظة الشعرية) نافد الصبر ومستاء، فإنني كنت واثقاً أن هذا الانفعال العاصف سينتهي به، ذات يوم، إلى موقف نقدي أكثر احتكاماً إلى المعايير. إن النقد، لدى فوزي، ليس رطانة، بل انغمار في روح النص، و معانقة لحرائقه الداخلية. ومع أنّه لا يلتزم، في الغالب، منهجا نقدياً محدد المعالم، ولا يحتكم، في أحيان أخرى، إلى أبنية النصوص قدر احتكامه إلى ذائقة قابلة للنقاش، إلا أن النقد الذي يكتبه يظل نقداً نستمتع به ، ونحتاج إليه: إنه النقد الذي يرى في القصيدة تجربة روحية عميقة، وجهداً تخيلياً شديد الإثارة. -٧- حين عرفته للمرة الأولى لم أكن أدرك أن هذا الوجه الطفولي، المرح، الحزين يخفي وراءه كل هذا التوتر والارتياب والأسى. مظهر غارق في هالة من التصالح مع الأشياء والناس والحياة، لكنه يتشظى في الوقت ذاته كالزجاج أمام قلق روحي محتدم: يندفع بصمت، ويتنامى على مهل. كنت أغبطه على تماسكه الفريد، كان قادراً على كبح ردود أفعاله، وتذويب أكثر انفعالاته خشونة، بعذوبة الطفل، ومرح العابث. كنت أحسه ينسحب من الحياة إلى الحلم، ومن فظاظة الخارج إلى دفء الذات وكأنه يهرب من انفعال الجسد إلى بهاء الداخل. وبذلك كانت انفعالاته الآنية، وردود أفعاله قابلة للتأجيل على الدوام. وكأنه يدفع بها إلى الداخل لتختمر ، وتتشابك، وتصبح جزءاً من مكونات فعل شعري مكتمل وبطيء، بدلاً من أن يجعل منها محفّزاً لانفعال حياتي متعجل لا يعمر طويلاً. كانت القصيدة بالنسبة إليه، هي الرحم الذي يعود إلى دفئه وغموضه هرباً من نهار الحياة الصاخب، وما يستدعيه من مواقف ومواجهات. وهكذا كنت أحس أن الشاعر، في فوزي هو الأشد ضراوة من الإنسان فيه، كما أن القصيدة، لديه، أكثر بهاء من الحياة، وأعمق جدوى منها . وهو حين يتفحص أشياء الحياة ومواقفها فإنه، في الغالب، لا يفتت كثافتها بالاستطراد ، ولا يهتك دلالاتها الخفية بالمباشرة ، بل يلمسها برهافة. -٨- كانت عناية فوزي بالإيقاع تلفت انتباهي دائماً، وكنت أحسبه، وما زلت، امتداداً للسياب في هذه الناحية بالذات. لقد ظل مفتوناً بالوزن حتى اليوم، كما ظل إلحاحه على القافية سمة شديدة الرسوخ في شعره، وكان هذا الإلحاح يفصح ، أحياناً، عن قصدية واضحة. يأتي الإيقاع عنده في الغالب شفيفاً مكتوماً، ويصدر عن تجربة حارة، دون تطريب صاخب، لكنه في أحيان أخرى يخلي مكانه لوزن شعري، متدافع، يجرف أمامه لحظات من التأمل الصافي، أو يضيّع عليه مواقف محتدمة بالألم الذي يهبط إلى الأعماق بطيئاً وحافلاً بالمرارة. وتقدم مجموعته (السنوات اللقيطة) ٣٠٠٢، أمثلة كثيرة لهذا الإيقاع المتسارع ، والقافية التي تستند إلى وعي وقصدية عاليين: وقطعت الشوط : رأيت جلاوزة يفدون كما يفد الحجّاج على محرابْ قطعوا أشواطا في الألقابْ ! سمّوه الشعر المفتونْ بالنفس ، وسمّوه المسحورْ بالجمهورْ سموه الطرّة في تاج الملْك ، وقرة عين الشعر المحدث ، والرائي عبر جدار الأسمنتْ سموه ، محاباة للأضداد ، الحيَّ الميتْ سموه سلاح المعتقد القاطع بيد الفقراء ، والحربة في خاصرة الأعداءْ وأقاموا في مذبحه شبحا محزوناً فرحاً الأبيات مأخوذة بالوزن المتسارع، تتدافع راكضة صوب قافية لا تسمح للدلالة بالمرور، ولا للنسيج بالامتداد: كل بيت ينتهي بقافية، أو بكلمة ساكنة، أو كلمات تتفق في وزنها الصرفي. وبالتالي أحس وكأن إيقاع هذه الأبيات يستعيد إيقاعات القصيدة الخمسينية أو يحاكي ملاحقتها اللاهثة للدلالة. وفي هذه المجموعة أيضاً أمثلة أخرى لهذا الإيقاع المتسارع، والقافية التي تستند إلى ترصّد واضح: - تناءى المشهدُ ، صار الباصْ يتباطأ، حتى خلْتُ تباطؤهُ قصْدا وكأني أخلفتُ مع أحدٍ وعدا - إني ليفتتني الصباح ، إذا هجرت فناء داري وأخذتُ كف أبي الصريحة، وهي ترعش في انتظاري وتبعت نبض وريدها: «عجّل» يقول أبي« حذار من أن يرى متطفلٌ ما نحن فيه من الفرارِ .. - قلت لي : إن جدار البيت لا يستر عارا وكذا العمرُ إذا كان معارا ! - في حافة الأرض أبصرتُ غابا وفجراً وشيكا على كلّ غصنِ وزوجين زادا اقترابا إن غنائية فوزي الكتيمة الملتاعة تختزل نفسها هنا بالنبرة العالية، والإلحاح على التقفيات المطلقة، مما يعّرض قصيدته لانهدامات إيقاعية جمة: الابتعاد عن الانثيال الحياتي الحار، وانفصال اللحظة الإيقاعية عن نسيجها النصّي. وتبدو هذه الشرائح النصية وكأنها عودة لحقبة عروضية تجاوزها المنجز الشعري، عودة إلى الشكل الوزني الذي كان يفارق دفق الحياة ، وعصف الألم. وبدت القافية، في قصديتها وإطلاقها بشكل خاص، وكأنها في تعارض تام مع سيولة اليوميّ، وغنائيته، وفي تعارض مع نبرة الحياة وما فيها من نضح تلقائي، لا حذلقة فيه. وفي مجموعته (آخر الغجر) 2005، نصطدم بالظاهرة نفسها، الحاح الشاعر على التقفية، في بعض مفاصل القصيدة، حتى تبدو هذه المفاصل وكأنها رقع من نسيج إيقاعي مختلف، وكأن الشاعر، على العكس من أجوائه الإيقاعية المعهودة، يتصيّد القافية، وبحرص مبالغ فيه أحياناً: - نقطع الشوط لا نقتفي أثرا ، أو نحاول مجداً وراء الخرائب مندثرا ، - بمحض الإشارة جاءت وراء السياج المهدّم ، مدت ذراعا تعّرتْ إلى النصفِ ، أحسستُ هذا بفعل ابتراد التلامسِ ولّتْ سراعا . - لأني أعلّل شعري بما ليس فيه ، وقارئ شعري بما يرتئيه ، إذا هو أمسك عن شاغل، واكتفى ، ولكنني والثلاثين قوس ونشابة لم تصبْ هدفا لاشك أن الأبيات، في المقاطع السابقة، في طراد متّصل، حتى كأن فوزي يقطع على نفسه ذلك الانسياب الغنائي الذي عرف به ، ويجهدها في مطاردة هذه التقفيات المتعمدة، والتي بدت تتصبب عرقاً لفرط ما تعرضت له من قسر. وإذا كانت القافية، كما يقول جمال بن الشيخ، هي دال « يفرض نفسه على قول في طور الصياغة»، فعلينا أن ندرك كم كبير هو الأثر الذي تركته هذه القوافي التي تفتقر إلى ميزتين مهمتين: الحيوية، والاندغام في مجرى النص الشعري ودلالته. |
|||||
|
|||||