|
|||||
|
أجل بهذه العبارة تطمئن نفسي حين أمسك بالقلم لأريق دماء الكلمة. ملتحمة التحاما قويا بما أكتب. ففي هذه اللحظات أحقق وجودي. أستطيع القول أنني أوجد. أتحقق. أجمع أشلائي المبعثرة. أمارس فعل الهوى بحرية. أرسم على جسدي بالمفردات جنوني. هذا الجنون الذي أفصح عن طبيعته. على جبيني أكتب أنوثة نصوصي. أحقق لذة ومتعة اكتشاف متواصل ومتحرر. أمنح للأنا سلطتها الوجودية. فبالكتابة وحدها أدرأ موتي. أخرج ذاتي من عدمها. من الموت. الكتابة رجل اكتشفت المرأة ذلك فمارست الكتابة لتشكل هويتها وتسترد عرش الحكي عن طريق سلطة الكتابة. بين الأمس واليوم عبرت الكتابة لديها مسافة بل مسافات حين ودعت عالم الحكي. حيث كانت الكتابة رجلا والحكي أنثى ١ فقررت السفر والمغامرة والبحث في عالم كان مغلقا في وجهها. عالم الكتابة ودهاليزها..عالم ارتبط بالفحولة وسيادة الفحولة. كانت الأنثى فيه موضوعا للحكي وملهمة السيد المبدع الذي هو الرجل. كانت مفعولا به ولم تكن فاعلا. لأنها لا تمتلك حق دخول مستوطنة ذكورية والانضمام إلى ثقافة الفحل التي شيد قلاعها الرجل وهي قلاعه الحصينة. مركونة دائما على هامش الثقافة. لم تعد المرأة إذن ذلك الكائن الحكواتي الذي يتقن الخطاب الشفاهي البسيط. ظلت حبيسة جدرانه تحت وصاية الرجل منذ قرون من تاريخ الإنسانية الذي لم يسمح لها بتجاوز هذا الحد. لم تعد ذلك الكائن الليلي الذي مثلته شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة. أصبحت كائنا نهاريا يمارس الغواية وفضيحة الكتابة في واضحة النهار. خرجت من زمن الحكي إلى زمن الكتابة. من زمن الإمتاع إلى زمن الإبداع. أصبحت صوتا مستقلا يمتهن فعل الكتابة وليست فقط مادة خاما للكتابة. عانق الكائن الليلي الكتابة وسطع نور النهار عليه. لكن هذا الكائن الليلي كان دائما يختلس لحظات المتعة للاستراحة قليلا تحت أشعة الشمس. يلتفت يمينا ويسارا ومن خلفه خوفا من أن يداهمه الحارس التاريخي الذي سجنه داخل غرفته الخاصة المظلمة مانعا عنه نور الضوء وحرارته. يلتمس هواء نقيا يجدد إحساسه بالحياة. ألم يقل خير الدين نعمان أبي ثناء الألوسي٭ فأما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله، إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن لما كن مجبولات على الغدر، وكان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الفساد والشر، وأول ما تقدر المرأة على تأليف كلام فإنه سيكون رسالة إلى زيد أو رقعة إلى عمرو وبيتا من الشعر إلى عزب وشيئا آخر إلى رجل آخر. النساء والكتب والكتابة كمثل شرير فاسد تهدي إليه سيفا أو سكيرا تعطيه زجاجة خمر، فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وأنفع ثم ينتقل إلى القول: لي مقت شديد لكل النساء المخربشات، إن إبرة الخياطة وليس القلم هي الأداة التي يجب أن يتعاملن بها وهي الوحيدة التي هن قادرات على استعمالها بمهارة(٢) أليس في هذه المقولة ما يعبر عن ظلم تاريخي ظل الرجل يحمله بين جوانحه للمرأة إلى وقتنا الحالي سواء أتعلق الأمر بالرجل البعيد عن الثقافة والإبداع أو الرجل الممارس لها. مع بعض الاسثتناءات طبعا رغم ما بلغته الإنسانية من وعي وتقدم في الفكر وحقوق الإنسان. الرجل دائما ينظر نظرة انتقاص لكل ما يصدر عن المرأة من نشاطات كانت حكرا على الرجل ويمارس عليها الوصاية والحجر ليمنعها من الأنشطة الفاعلة وخاصة فعل الإبداع. فعل الكتابة تحديدا الذي يتطلب لممارسته روحا منطلقة. جموحة. ثائرة على ذاتها وعلى العالم. متمردة على الأعراف والقيم الموروثة. كيف إذن يوقف الرجل جموح هذا الكائن الذي أصبح يركض فوق أرضه. ينافسه على اكتساحها. وهو الذي كان إلى وقت قريب يمتلكه ويسخره لخدمة نزواته وجنونه.؟؟؟....سيلجأ بالتأكيد إلى سلطته الذكورية التي يمنحها له المجتمع والتاريخ لقمع الأنثى المبدعة بداخلها. بمقابلة ما تبدعه بالتجاهل والصمت. فما يبدعه القلم النسائي في نظر النقاد والقراء الباحثين هو أدب قاصر في مقابل الأدب الراشد. أدب الرجال. هي أحكام قيمة اصطلاحية أصدرت للتدليل على أن المرأة لا تكتب وإنما تخربش كما جاء في مقولة أبي ثناء الألوسي. الذات الأنثى ٭ أمسكت المرأة القلم وافتضت بكارة بياض الصفحة. امتطت صهوة الكتابة. ابتدأت الرحلة. تسللت إلى العراء لتمنح للحرف روحها وجسدها. أعلنت قصة عشقها بل مارست الحب أمام الملأ. بما أن الكنابة تبيح لها الغبطة والتحرر والانطلاق نحو أفق مفتوح. لكن الكتابة لم تكن لتملأها لذة فقط فهي تمارسها بألم عميق لأنها. تكتب بدمها عن صرخاتها المكتومة. تستجدي الكلمات بأنفاس لاهثة لتفك عنها العزلة والإقصاء والتهميش. باحثة عن دائرة الضوء التي ستخرجها من قهر الظلام. ترتق صوتها بالقلم والألم لتحوك نسيج حكاياتها من أجل صياغة جديدة لحياتها. جاءت كتاباتها مختلفة عما يكتبه الرجال لأنها تحكي الجرح والألم. تحكي ذاتها الممزقة. ترسم هويتها وخصوصيتها. فأ صبحت مصطلحات الأدب النسائي، الكتابة النسائية. أدب المرأة. المرأة والكتابة. مصطلحات كثر استعمالها وتداولها وربما لم تستمد شرعيتها إلا من وفرة استهلاكها. فأضحى حضورها أمرا واقعا. لأنها متهمة بالكتابة عن ذاتها ولذاتها. لا يتجاوز قلمها مشاكلها الخاصة. المرتبطة بحميميتها بما يعني محدودية المخيال الإبداعي لديها وهو مصطلح ارتبط بكتابة المرأة منذ أن بدأت تتناسل الأقلام النسائية لتعبر عن حجم المعاناة التي تعانيها في سجن التاريخ الذكوري فلم تكن كتابتها إلا صرخات متتالية لا تتجاوز مشاكلها وهمومها. مازال النقاد يستعملون هذا المصطلح من زاوية عدم نضج هذه الكتابة وانفتاحها على آفاق واسعة وليس من زاوية التصنيف الجنسي. كتابة كانت ضرورية لمرحلة تاريخية تمردت فيها المرأة على كسر طوق صمتها. الأكيد أن رحلة الكتابة رحلة شاقة وهي أكثر شقاء بالنسبة للمرأة لأنها تدفع ثمن الكتابة وثمن الأنوثة في مجتمع مازالت تحكمه قيم ذكورية تمارس الحجر على النساء. و ما نراه اليوم يؤكد أن لا شيء يقف أمام إرادة الإنسان رجلا كان أم امرأة. روح المبدع الحقيقي عند الرجل هي نفسها عند المرأة. تلك الروح التي تعاند. تثابر. تلتزم. تصر على أن يكون الإبداع هو قضية حياتها. قضية وجود « أنا أكتب إذن أنا موجودة». التزامها نحو ذاتها ونحو الحياة. نقف عند التطور الكمي والنوعي في كتابة المرأة وعند مآزق التلقي والتداول، حيث لم تعد تلك الكتابة الذاتية التي لا تعبر سوى عن صوتها وصوت معاناتها في المجتمع الذكوري. انفتحت إلى الكتابة عن الحياة والقضايا الكبرى التي تشغل بالها كإنسان يعي حقيقة وجوده أولا. وحقيقة وجود الآخر ثانيا. أطلقت المخيلة في فضاء التجريب متجاوزة الحدود والخانات التي ترتبط بها هي فقط كذات أنثى. أبرزت وعيا متجددا بثقافتها المحلية والإنسانية. صاغت كتابة أكثر نضجا وبلورت رؤى أكثر إحساسا بواقعها. أبدت طريقتها في تذوق العالم. أمام هذا الكم من إنتاج الإبداع النسائي، نطرح السؤال هل هناك مواكبة نقدية حقيقية ؟ قد يتناول النقاد بالتحليل والنقد هذه النصوص المفتوحة التي إلى حد بعيد التحمت بالحياة والناس وانصهرت معهما، لكن إلى أي حد ينظر الناقد إلى المادة التي سيتناولها بحياد دون أن ينزاح إلى ثنائية أنا الذكر هي الأنثى ؟؟؟.... أتصور الناقد في تقييمه للعمل الإبداعي الذي وقعه القلم النسائي وكأنه في غرفة عمليات يشرح النص كما يشرح الجسد. حينما يعي أنه أمام جسد أنثوي تتغير مشارطه وأدوات تشريحه فيجري عمليته لتنتهي بأن يقطع الأنسجة الحية، لأنه لو اختار أدواته بدقة وموضوعية بعيدا عن إرث الفحولة لديه لأنصت بإمعان للنص الذي بين يديه دون النظر إلى جنس كاتبه. أظن أن المرأة الكاتبة بوعيها الجديد ونضجها الثقافي الذي تبلور من واقع التناقضات العربية الحالية. استطاعت كما فعل الرجل في إبداعه أن تنتج نصا إبداعيا لا يطمح فقط إلى نقل الواقع المعيش أو محاكاته بل يكشف عن عوالم إبداعية من حيث هي اشتغال على اللغة والتخييل. فبين التخييل والتلقي هناك التواصل والمرأة سعت في إبداعها إلى ربط هذا التواصل الذي كان مقطوعا فكانت الكلمة وكان المعنى. بانطلاقها في مخيالها الإبداعي واقتحامها النصوص المفتوحة تصبح لديها ترنيمة وعي بأن الإبداع أكثر رحابة من مجرد عالم من الموجودات التي تدخل في دائرة اختصاصها. أصبحنا نجد أن المرأة في كتابتها أكثر قدرة على تطويع مداخلها التي مهدت لها الاشتغال على بناء مخيالي أوسع وأعمق. وهي تقنيات أكسبت حضورها تميزا. وما شهدته الساحة العربية في السنوات الأخيرة من إنتاجات إبداعية لديها يؤكد هذا الحضور الذي زعزعت عن طريقه مفاهيم الرجل حول ما تبدعه المرأة وحدود إبداعها. كتاباتها تمتح من التراكمات المعرفية لفهم العالم من حولها ومحاولة تغييره وفك رموزه وتفكيك ذاكرته الذكورية وهي تتغيا بذلك رد الاعتبار إليها كإنسان يحب الحياة ويشارك في البناء المجتمعي عن طريق الحوار مع الذات ومع الآخر- وإبداع خطاب أدبي بأجناسه المتنوعة والمتجددة يحمل خصوصيتها لتغيير المقولات المقيدة بالإرث التاريخي بمقولات محررة تغرف من معين الحداثة وما بعد الحداثة. وهي بذلك تنتج فكرا وخطابا تواصليا يزيح عنها الحجب ويوضح لها الرؤية في سبيل يقظتها. لكن رغم ما راكمته المرأة من إنتاجات مولية ظهرها لكل صد وتهميش إلا أنها تبقى سجينة إطار من مصطلحات النقد ورؤيته لأدبها. فهي كما تنادي بالمساواة في الحياة العامة تنادي أيضا بالمساواة في الإبداع ولم تقبل بالتصنيف الجنسي للإبداع والاختلاف بين القلمين النسائي والرجالي الشيء الذي جعلها تعيش ازدواجية في نظرتها لما تكتب ومعاناة داخلية إثر كل فعل إبداعي لأنها تضع دائما في ذهنها ما سيقوله الآخر الرجل عن كتابتها. هذا الإحساس الذي يرافقها في حالة الكتابة يجعلها تسعى سعيا حثيثا إلى تحقيق المساواة مع الرجل في كتابتها، فتنفصل عن ذاتها وعن كل خصوصية تميزها كذات أنثى وتميز رؤيتها لما تكتب فتأتي كتاباتها بدون ملامح. لهذا لو دافعت عن اختلافها في أساليب الكتابة وتأنيث لغتها وذاكرتها لحققت مصالحة مع ذاتها كامرأة كاتبة تؤمن بالاختلاف والتكامل بين الجنسين وتجعل من تعدد الرؤى وأدوات الكتابة ثراء للإبداع الإنساني. والمساواة قد تتحقق في كل مجالات الحياة إلا في الإبداع، فالاختلاف في الرؤية واللغة أمر وارد كالاختلاف بين كاتب وآخر وضروري لتعميق تواصلنا بالحياة من وجهات نظر الجنسين معا. اللغة أنثى لذا أظن أن اللغة هي الأداة التي ستمنح للمرأة مصالحتها مع ذاتها إن هي اغترفت من معجمها الأنثوي وأصبحت لغة مؤنثة تستقي من ذاكرتها المؤنثة. فاللغة تاريخيا هي مؤسسة ذكورية وعقد علاقة مع اللغة جعل المرأة تنغرس في الوجود اللغوي بواسطة الكتابة مكنها أن تبتعد عن المرأة (الرجل) لتقترب أكثر من المرأة الأنثى وتسترجع بتلك اللغة أنوثتها وتغترف من الذاكرة المؤنثة. تجرأت المرأة إذن على فحولة اللغة وأعلنت عن أنوثتها بشكل صارخ بتأنيثها لخطابها الأدبي. خطاب يعتمد على شعرية الأسلوب ولعل الكتابة الروائية الأخيرة لأحلام مستغانمي بأجزائها الثلاثة ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير. أعلنت هذه الثورة بما أن الكتابة هي ثورة مستمرة في اللغة حسب بارت لتكون الأنوثة في هذا العمل الروائي الطويل فعل تأليف وتلق، فكان اتحاد المرأة الكاتبة بنصها المؤنث اتحادا بين جنس بشري وجنس لغوي، منح للخطاب الأدبي حمولة ثقافية جديدة برزت فيه ثورة الأنثى، التي كان واضحا أنها تناضل من أجل أنوثة النص وأنوثة قلمها. وما الزلزال الذي أحدثته كتابة أحلام مستغانمي في الأوساط الأدبية والنقدية وبين القراء في الوطن العربي إلا دليل على أن المرأة استطاعت أن تسترد ما سلب منها وتسترجع أنوثتها القوية باسترجاع سلطتها في اللغة، فانتقلنا من فحولة اللغة إلى أنوثتها بلغة شاعرية آسرة. المرأة ليست في حاجة لكي تسترجل لتمارس فعل الكتابة. هي تكتب العالم والحياة بأنوثتها وبلغتها المؤنثة لتكون إضافة نوعية إلى القلم الإنساني وإثراء يغني الأدب بما أن هذا الأخير هو قبل كل شيء وفي نهاية الأمر لغة. وأن تكتب بلغتها لا يعني أنها تحصر كتابتها في ذاتها بل تكتب قضايا الإنسان بعين مؤنثة ورؤية نسائية. اللغة المؤنثة هي تلك الهوية والخصوصية التي تبحث عنها المرأة منذ الأزل وباكتشاف هويتها وخصوصيتها تحقق الأنثى مصالحتها مع ذاتها وقبولها الاختلاف من منظور تكامل وغنى لا منظور انتقاص ودونية. يكسب الأنثى ثقتها في ذاتها الكاتبة ويمنح قلمها جرأة أكثر واقتحاما أوسع ورؤية أكثر رحابة للحياة والعالم. الذاكرة أنثى هذا التخييل على مستوى اللغة والثورة على فحولتها أكسب إنتاجها وضعا اعتباريا بين بعض النقاد الذين طالما استقبلوا إنتاجها بالصمت. استفزت إذن الأنثى الكاتبة فحولة الرجل الكاتب. ولم تكتف بتأنيث لغتها بل راحت تؤنث ذاكرتها بركوب مغامرة السيرة الذاتية و«فضح الأنا» أحيانا أكثر جرأة من السيرة الذاتية الرجالية. اغترفت من ذاكرتها المؤنثة لتكتب كتابة قارئة للذات وللآخر. أعترف أن بعضا من نصوصي الأولى هي جزء من ذاكرتي، من أحلامي، شذرات من سيرة ذاتية عريت فيها الأنا. عريت مواطن ضعفها. أعدت ترتيب فوضاها الداخلية. تعمدت أن أقتحم بها فحولة الكتابة وأجعل الآخرالرجل يصغي لحكاياتي وهو يشعر بتورطه في عملية الفضح التي مارستها. هكذا تتحدى المرأة الأحكام الصادرة عن كتابتها من قيم اجتماعية متوارثة وليس من قيم إبداعية تحكم على النص دون جنسه. أنصتت إنصاتا واعيا لذاتها واقتحمت كتابة السيرة الذاتية لإعادة التفكير كتابة في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلية وهي بهذا تؤنث الذاكرة وتغرف منها. على حد تعبير عبدا لقادر الشاوي « المرأة التي تقوم بكتابة سيرتها الذاتية تسعى إلى بناء هوية نصية منسجمة انطلاقا من درجة وعيها النقدي بمسار حياتها. تعلو على مظاهر الدونية والاضطهاد والقمع وصوتها السردي في كل ذلك صوت له علاماته اللفظية الظاهرة التي تدل عليه. بصورة واضحة على التأنيث الحقيقي المتصف دائما بالولادة والتناسل على الشيوع والشهرة».(٣) حين توفر عند المرأة وعي قوي بذاتها الفردية ونفسيتها امتلكت قدرة على تأمل هذه الذات وتحليل أعماقها والتعبير عنها بجرأة وهو ما صدم المجتمع لأنها تقوم بتعريته من خلال تعرية ذاتها كشكل من أشكال المقاومة التي تقوم به لإخراج ذاتها من دائرة التهميش التي حوصرت فيها منذ التاريخ القديم. هي تكتب نفسها وتكتب مجتمعها. هكذا عرف العقد الأخير من القرن العشرين ظهور كتابات للسيرة الذاتية النسائية متمردة على كل الأعراف الاجتماعية السائدة متطلعة إلى التحرر في الفكر والسلوك. فكانت كتابة السيرة الذاتية النسائية جزءا من فعل تأنيث الذاكرة، حيث جاءت لتؤسس لها موقعا في مبنى الذاكرة المؤنثة. فبعد تجربة المرأة الطويلة مع الكتابة اكتشفت أنها تسترجل حينما تكتب بلغة المذكر وتغرف من ذاكرته. لذلك سعت إلى الانعتاق من الأسر الذكوري. فجرت المرأة الكاتبة إذن ذاكرتها على الورق. فمن بين تلافيف الذاكرة تخرج حكايات ويكون تخييل المرأة المبدعة تخييلا لا يرتكز فقط على ذاتها الفردية بل على الذات الجماعية النسوية، لأن المرأة عندما تتحدث عن قصتها تحكي قصة جنسها. من بين السير الذاتية النسائية في الأدب العربي الحديث نجد « الرجوع إلى الطفولة» للكاتبة المغربية ليلى أبو زيد 1993. « رحلة جبلية...رحلة صعبة. والرحلة الأصعب » لفدوى طوقان 1985- 1993. « على الجسر بين الحياة والموت » للمفكرة الإسلامية عائشة عبد الرحمن 1987 « أوراقي حياتي » للدكتورة نوال السعداوي. « المحاكمة » للكاتبة الكويتية ليلى العثمان 2000. « شرائط ملونة من حياتي » للكاتبة اللبنانية ليلى عسيران. الذاكرة تنزف جسدا لكن محاولة المرأة الكاتبة في تأنيث ذاكرتها ولغتها لم يكن بالأمر الهين لأنها في طريقها إلى ذلك انغرست الأشواك في قدميها، فتخضبت بالدماء وحملت ذاكرتها المخضبة بالدم.فنشأت العلاقة بين الجرح والذاكرة واللغة. نزف جسدها الأنثوي ذاكرته فكتبت المرأة عن الجسد لتزرع ذاكرة الأنثى في حقول اللغة وفي أحضان ثقافة الفحل. فتحت المرأة أبواب الذاكرة. عانقت أسرار اللغة. عرفت أن اللغة سلطة تقبض عن طريقها على أطراف العالم إن هي مارستها بعشق ممارسة عاشقة. وأن الذاكرة لا تكشف الماضي فقط وإنما تستشرف المستقبل. فكانت اللغة وكانت الذاكرة بصيغة مؤنثة منحت للكتابة النسائية وضعها الاعتباري من حيث هي تصنيف جنسي له ملامحه وخصوصيته الأنثوية التي تزيده قوة وندية أمام ما يبدعه الرجل. تبني المرأة لهذا الخطاب الأدبي وهذه الشراهة في ممارسة الوعي عن طريق ممارسة الكتابة لم يغفر لها صدق كتابتها حيث تقابل عند بعض النقاد بالإعجاب المرهون بالمتعة الوقتية والمجاملة فالآخر - الرجل ناقدا كان أم قارئا وحتى امرأة - لم يستوعب أن الذاكرة أنثى ولغتها أنثى فهو مازال تحت تأثير صدمة التلقي لوعي جديد خرج من كائن ضعيف كان إلى وقت قريب تحت سيطرة ثقافة الفحل، لذا أمام المرأة الكاتبة زمن طويل حتى تقنع المتلقي بسلطتها الإبداعية الآتية من تأنيث ذاكرتها الثقافية. جاءت جرأة المرأة في الكتابة عن جسدها لتستفز المفاهيم الذكورية عن المرأة إنسانة ومبدعة. أثار ذلك جدلا كثيرا ومواقف متباينة بين مؤيدة ومعارضة، فزعم بعض النقاد أن جرأة الكتابة لدى المرأة بتجاوزها الخطوط الحمراء واقتحامها المناطق المحرمة والمواضيع التي ظلت دائما تنتمي إلى مجال المحرم ( كالاستمناء، التحرش الجنسي، زنا المحارم، الجنسية المثلية) والتحدث عن علاقات تعد في قائمة الطابو أي ما يسمى بالأدب المكشوف هي نوع من لفت الانتباه وتسليط الأضواء على الشخصية المبدعة ونوع من الإغراء الذي تمارسه المرأة منذ أزمنة خلت. هي عملية أنثوية تستهدف الجذب بما تمتلك المرأة من سلطة إغراء كسلطة وحيدة. اقتحم القلم النسائي الأدب المكشوف الذي يترك جسد النص ينفتح على أكثر اللحظات حميمية وارتباطا بالجسد دون أن تخرس صوته ليصبح كل ما يصدر عن الجسد عبارة عن صورة حية تستدعي كل التفاصيل التي تكون أكثر عفوية والتحاما بنسيج النص دون مواربة أو استحياء من فعل هو في صميم السلوك الإنساني. كتبت المرأة إذن عن جسدها لإيمانها أن الأدب لا يقتصر على دخول الأبواب المفتوحة بل وظيفته الأساسية هي فتح الأبواب المغلقة واختراق جدران الصمت. الكتابة هي قراءة للذات أولا والمعرفة الحق تتضمن فضح الأنا كما يقول بارت وهي أيضا أن تتجول عاريا بخيلاء وكبرياء في شوارع الإبداع وتمارس فضيحة الكتابة في واضحة النهار. تحدثت المرأة في أدبها بلغة الجسد مصرة على أن تدوس الألغام لتفتح حوارا متواصلا مع الحياة والآخر من خلال تجارب ذاتها الأنثوية التي تستقي من ذاكرتها المؤنثة، لكن أمام هذا النوع من الكتابة عند المرأة التي أشرعت فيها أبواب ذاكرتها لتكتب جسدها. جسد الذاكرة الأنثوية. تصطدم بمأزق التلقي عند النقاد والقراء العرب الذين يعتبرون أن كتابة المرأة الكاتبة استلت من تجاربها الشخصية لأن القارئ العربي دائما ينظر إلى قلم المرأة الكاتبة كقلم لا يجيد إلا الكتابة عن الذات... وفي ذهنه تحضر العلاقة بين الأنثى الكاتبة والأنثى موضوع الكتابة. لأنه غير قادر على الفصل بينهما وهو مأزق مرتبط بقضية التعبير عن الذات في أدب المرأة ولعادات قراءة أدب المرأة. حاولت المرأة إذن أن تختلق بلغتها المؤنثة لغة مختلفة لجسد عاشق ومعشوق. جسد نابذ ومنبوذ. جسد في كل توتراته العشقية والشبقية لترسم صورة ليست كما هي عليه في الواقع ولكن كما تريد أن يراها الآخر. تلك الصورة التي تسعى دائما إلى تغييرها ووضعها في حجمها الذي يجب أن تكون عليه. فالجسد حين ينعكس في مرآة الكتابة عند المرأة يغدو جسدا آخر مغايرا. ذلك الجسد الذي تعيد تشكيل جغرافيته. تميته وتحييه في صورة أخرى تنطق خطابا يمارس سلطة فعلية في وعي الآخر. تحاول دائما تفكيك النظام الرمزي الذكوري لتقاوم كل الأشكال والمفاهيم التي تضعها في خانة ولا تفارقها. هي الخانة التي نحتها منطق الرجل عبر التاريخ. عندما يغيب التواصل بواسطة الكلام بين المرأة والرجل تصبح الكتابة أداة ملحة ودالة من أجل محو الإقصاء والنفي. وتعبيرا عن رغبة في تحطيم وتدمير الصور التي يحملها كل من الرجل والمرأة عن الجسد وتغييرا لنمط تفكير أصابه الترهل. المرأة أعلنت سلطتها في الإبداع واستقلال صوتها ذاكرة ولغة، حيث مارست وقاحتها الإبداعية وعرت المستور والموبوء في اختلالات علاقة المرأة والرجل. في لحظات العري هذه تتجرد الذات الكاتبة من رقابة الأنا والآخر وتنصت إنصاتا حقيقيا وصادقا لخلجات وتوترات النفس والجسد معا سواء أكانت للمرأة أو للرجل. وهي بذلك تلتحم التحاما قويا بنبضات الواقع وأفعال الحياة في بساطتها وقوتها دون زيف أو تصنع. جرعة الوقاحة العالية هذه تعمل على الخلخلة. تقاوم ولا تهادن. تشاكس وتثير الأسئلة. أليس الأدب فعل مقاومة ؟؟ كما أن الأدب هو جرأة. حرية واقتحام كل الطابوهات الإنسانية هو فعل إيجابي متفاعل مع الواقع. ينبش في مكامن الخلل من أجل التغيير والتطوير. انطلاقا من هذا التفاعل اللامحدود بين الذات المبدعة ومجالات الواقع. نترك للإبداع وللقلم النسائي حرية الصراخ والاستفزاز والكشف واستجلاء مواطن الجمال بكل أبعاده في مشاهد القبح الإنساني بعيدا عن الهم النرجسي في التظاهر بلغة هي لغة الأنثى تتسرب بعمق إلى مختلف المشارب الآدمية وتلويناتها. إذن لن أسترجل لكي أكتب. سأكتب الحياة بلغة تشبهني وتشبه أنوثتي.
هوامش ١- « المرأة واللغة». عبد الله محمد الغذامي. المركز الثقافي العربي. بيروتالبيضاء. ٢- عن مخطوطة كتبها أبي ثناء الألو سي سنة 1898 حول الإصابة في منع النساء من الكتابة. ٣- » الكتابة والوجود: السيرة الذاتية في المغرب«. عبد القادر الشاوي. الدار البيضاء وبيروت: أفريقيا الشرق 2000. |
|||||
|
|||||