ريلكه في باريس:
الإقامة المستحيلة للشعراء في العالم !

 

أحمد المديني


وصل راينر ماريا  ريلكه (Rainer Maria Rilke) (1875 - 1926) إلى باريس سنة1902، بتاريخ 28 آب (اغسطس) منه تحديدا، واستقرمباشرة في منطقة الحي اللاتيني، محج الفنانين والأدباء والجامعيين وقتئذ، بشمالها على الخصوص لا يغادرها إلا لماما، حيث أقام بعدد من الفنادق الصغيرة المتواضعة ومنها انطلق يتنقل أغلب الوقت في حدود المنطقة المذكورة، ويشرع مباشرة، وعلى طريقته، في«غزو» مدينة الأنوار، أو بالأحرى اكتشافها، إدراكا منا لنزوعه المسالم، شبه الصوفي، ليواصل تغذية وتطويرتجربة عيش أرادها صاحبها من البدء خصوصية، وبموازاتها، أو كوجه عاكس لها أخرى إبداعية ما انفكت تتشكل وتتصاعد.

ينبغي لفت النظر أول شيء إلى أن باريس التي قصدها الشاعر النمساوي، عبقري الشعر الألماني، كانت تعيش آنئذ ما اصطلح الفرنسيون على تسميته «العهد الزاهي» La belle époque حقبة جعلها المؤرخون متراوحة بين 1880أو1900إلى 1914،المتوافق مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. نشطت فيها الآداب والفنون، حيث تميزت باختراقات عدة وتبلور تيارات من قبيل التكعيبية، والإنطباعية الجديدة، وتلقي تأثيرات موسيقية، وولادة السينما، وعلى الخصوص بروز ما سمّي ب« الفن الجديد» ) nouveau Lrat الذي وجد تطبيقاته في التشكيلات الخارجية على يد المهندس هكتورغيمار، وتعد تزيينات مداخل المترو الباريسية نموذجه الأمثل، فضلا عن تجليه الباهر في برج إيفل. تميزت هذه الحقبة على الخصوص بتمظهراتها الحياتية والسلوكية، استحقت باريس بفضلها تسمية«مدينة الأنوار»،انطبعت في مباهج الحياة وأسلوب العيش ترافق الإشعاع الثقافي وتعززه. هكذا يمكن القول بأن ريلكه كان محظوظا في زمن وصوله، ليغترف من أغنى ينابيع الفن والثقافة وأصفاها في مطلع القرن العشرين، تلك التي ستقود في بعض جوانبها أهم عطاءات الحداثة الغربية اللاحقة، وسينقل إلينا بدوره وجوها مصطفاة لها.  

بيد أن حضور ريلكه إلى باريس لم يتطابق ضرورة مع ما سيصبح عند الفرنسيين، ابتداء من الستينات الماضية، مرجعا لنوستالجيا وزفرات على أجمل ما فات عندهم. فهذا الشاعرالقريب إلى بودي أو ناسك زهد في الملذات المبذولة، وأي حياة بوهيمية تقلّب في أطاييبها وجحيمها أسلافٌ له وأخلاف، ممن قصدوا باريس لتعلم فن العيش والدربة على روح التمدن والجمال، أقوى ما يوجد في قلب القارة العجوزـ وهم كثر من أصقاع العالم كله من شعراء وروائيين وفلاسفة ورسامين، طرقوا ويطرقون بابها بعنف أو برفق، حسب أمزجتهم، لتمنحهم شهادة الميلاد التي بدونها كأن وجودهم في العالم مبتورا أو غير شرعي. أما صاحب «مرثيات دوينو» فإنه يبدو وهو في محطة سفره الدائب هاته إنما حل بباريس ليبحث عن تأكيد، قل يقينا، لاكتشافات سابقة لا تعطيها المدن، مأواها ليس المكان ولا الزمن/ الزمان، وإن عززتها هذه، وظهرت احتمالات إقامة، في عبور دائم نحو نص شعري ما ينفك يتأسس ويجدد ميلاده دائما من الجذور، تراه غير عابئ بالعمران الواقف، والشيء الكامل، الشامخ، والوقت الصاخب بلا حساب. لتظنه منذ البداية أراد أن يوفرعليه معركة ضارية حدس أنه سيكون الخاسر فيها حتما، فتجنبها ليواصل معركته الأمّ، إذ رغم طيبوبة قلبه لم يسذج، ولا هو من الرجال الجوف ليتوهم أن مدينة كهذه ستسلس له القياد فيدعي وصلها، ويتنطع باكتساب خصالها بأي شكل من الأشكال، بل سنراه يتباعد عنها حدا يثير الدهشة، ويرفضها إلى درجة القذع والتشنيع، لكن، وكما يجدر الاحتياط لغايات أبهى من بهائها وأسمى.

وصل ريلكه إلى باريس في المحطة الخامسة من ترحله الدائم الذي قاده بالتتابع من إيطاليا إلى روسيا، ومن الدانمارك إلى فرنسا، فسويسرا، فضلا عن رحلته لاحقا إلى إسبانيا، والجزائر ومصر، واستقراره الطويل بفرنسا مرة أخرى في فترات متقطعة؛ لقد عاش بحق شاعرا رحالة بين البلدان، وداخل المدينة الواحدة، هنا حيث لم الفنادق سكنه الوحيد لا يألف غيرها، ومتنقلا بينها، لا يهمه فيها على الأغلب إلا انفتاحها على قطعة من السماء، أو شعاع قمر، يلمحهما من كوة في غرفة مؤجرة، وكم يغتبط لذلك أو يحزن. من البدء سيتصدى لمدينة الأنوار دفعة واحدة  من دون أن يمهل نفسه الموتورة دائما، ولا أن يتريث ليجد ما يكفي من الأسباب لشن مختلف أنواع الغارات على باريسه. إن له دافعا مستعجلا أولاً، يتمثل في مراسلة زوجته كلارا التي تركها في ألمانيا مع البنت الوحيدة التي أنجبها «روث» وستلتحق به لكن لتعيش حياتها الخاصة كنحاتة في ظل معلمها رودان، وسيحافظان على صداقة ستطول، وإليها ندين بالتعرف على جزء هام من حياة هذا الشاعر المتعدد الأوطان حتى لا وطن له تقريبا؛ أولم يولد راينر ماريا ريلكه في براغ(٤ ديسمبر1875)، ويرحل إلى ميونيخ ويعيش في النمسا، ولا ينقطع منذئذ عن التنقل في محطات وعواصم سيكون لها أبلغ الأثر في توليف وتوجيه أعماله، تقع باريس في قلبها إن لم تكن أقواها.

لالتماس أهمية الإقامة الباريسية توجد مصادر متعددة ومتشابكة في حزمة خيوط، والمراسلات التي شكلت مادة غنية للدارسين من أهمها. وبالفعل فقد راسل ريلكه من باريس، ومن غيرها، أيضا، عشرات الأصدقاء والصديقات، والخليلات، يبث الشكاوى والنجوى، ويطلب منهم العون على مصاعب الحياة المادية أو تدبير حلول لمشاكل عطلة وإقامته دائما مستعصية تخاله لا يعرف أين يقيم، وإن استقر وقتا فالقلق شريكه في المكان لدرجة تكاد تكون عصابية، وليس مثل المرحلة الباريسية مثالا أفضل عن هذا الوضع. وهو يطارحهم الرأي كذلك حول معضلات الوجود وشؤون الإبداع، ويلقي إضاءات كشافة على كثير من نصوصه المنشورة. منها رسائله إلى معلمه وقدوته رودان، وإلى معبودته لو أندرياس سالومي، وعلى ماري دولاتور، ومع سيزان، والرسائل الشهيرة إلى شاعر شاب وغيرها، اطلعنا على أغلبها  ولم نجد أفضل من رسائله إلى كلارا في الفترة الممتدة من 1902 إلى 1910المصدر الأهم لاقتفاء أثر ريلكه في باريس، واستقاء آرائه حول قضايا الإبداع المختلفة، وهي تمثل حقا مادة غنية لكل من يرغب في معرفة متانة العلاقة الفنية التي أقامها الشاعر الإنسان مع المدينة، من جهة، والملاحظات الذكية المبثوثة عبرها لما يمكن أن يمثل نظرية مستقلة في التشكيل وفن الشعر، تحتاج إلى دراسة مستقلة على ضوء نصوص الشاعر، إضافة إلى نظرته الخصوصية للوجود التي نراها مندغمة في شعره بشكل عضوي، من جهة ثانية. (ننوه باعتمادنا الطبعة الفرنسية، مترجمة عن الألمانية، باريس، ريفاج، سلسلة المكتبة الصغيرة، 2006) .

من لحظة وصول ريلكه إلى باريس ستأخذ العلاقة معها ميسما صداميا مبنيا على الاستغراب إن لم نقل الإستهجان: «إنها حقا مدينة كبيرة، غريبة، جد، جد غريبة عني أنا»، يكتب في الرسالة الأولى(31 آب (اغسطس) 1902) وهو يحس بقلق أمام كثرة المستشفيات، واكتظاظها بالمرضى، أوما يسميه بجيوش من الموتى. إحساس بالكارثية من الحدة أنه يستغرب له هو نفسه: «تقلقني المستشفيات التي أراها هنا في كل مكان، وأستطيع أن أفهم الآن لماذا نراها تُستعاد بلا انقطاع في أشعار فرلين وبودلير وملارمي. في كل الشوارع نرى المرضى غادين إليها على الأقدام أوالسيارات، ونراهم عبرنوافذ مستشفى أوتيل اديو مدثرين بملابسهم الغريبة، اللباس الحزين والموحد للمرض. تخمن فجأة أنه يوجد في هذه المدينة الهائلة فلول من المرضى، وجيوش من المحتضرين، وشعوب من الموتى. إنني لم أحس بهذا في أي مدينة اخرى، فهل غريب أن أعانيه في باريس بالذات، حيث نبض الحياة أقوى من أي مكان آخر»، ليتساءل مباشرة هل هذه هي الحياة، ويعطي الجواب نفيا:« كلا، إن الحياة لهي حال من الهدوء، والرحابة، والبساطة. نبض الحياة هو سباق مطاردة، هو تمّلك الحياة فورا، كليا، في ساعة واحدة. وباريس ممتلئة بهذا، لذا هي أقرب إلى الموت. إنها مدينة غريبة، غريبة.». وفيما المدينة تطفر في سنوات بهجتها لا يكاد يفارقه هذا الإحساس: «هذه المدينة كبيرة جدا، ومشحونة بالحزن حتى الجمام.» وأماسي الصيف فيها خاصة تثقل عليه يجدها ضاغطة وخانقة، بل مقبرة: «أضع وجهي أحيانا على السياج الحديدي لحديقة اللوكسمبورغ لأحس بقليل من الأفق، والسكينة، وشعاع القمر، لكن يبقى الهواء ثقيلا باعثا على القلق». ( رسالة ١١ أيلول، سبتمبر). إلى أصفيائه يبوح، ويجأر بالشكوى، وممّ؟ تصوروا، من باريس دائما!» كلارا تعمل طوال النهار في محترفها، أنا كذلك في غرفتي، وباريس تعيش بجوارنا. إنني لأجد صعوبة في تحمل هذه المدينة الخرابية. » ( رسالة إلى فريدريش هوش 16/12/1902). في رسالة إلى سالومي يقيم مقارنة بين سنوات إقامته في المدرسة العسكرية المرعبة بالنسبة إليه والبلاد الفرنسية في ما حركته داخله من هزات وغوامض. وفي ليلة السنة الجديدة يأبى أن يتخلى عن تطيّره منها فيكتب إلى صديقه أوتّو مودرسون: «تمسّك ببلادك، إن باريس ـ وهذا نردده كل يوم ـ مدينة صعبة، صعبة، ضاغطة. والأشياء الجميلة التي نعثر عليها بها لا تجد ما يعوضها بكل إشعاعها الأبدي، ما ينبغي أن نتحمله بسبب ضراوة وتشوش أزقتها، والمظهر المصطنع لحدائقها، لناسها وأشيائها». ونراه يقتنص المناسبة وهو يدعو صديقه لزيارة هذه المدينة الخصم لوقت وجيز، فيعبر عن شعور ممضّ ربما لمسنا فيه أحد أسباب الخصومة: «من يملك وطنا عليه أن يداعبه، وأن لا يبتعد عنه إلا قليلا، فالعالم لا يوجد لديه خارجه، وعليه أن ينتظر بصبر ودأب أن يأتي إليه من كل الآفاق، وأن تملأه أشياء الوطن بكل ما يصنع التنوع والعظمة والفتنة.» وافتقاد الوطن يتكرر الإحساس به ويرافق النظر إلى ما حوله، مثلا في كونه لم يقم إلا في فنادق أو غرف مؤثثة. تتوالى أعوام الإقامة ولا تحدث الهدنة بينهما؛ في رسالة إلى كلارا بتاريخ(12/09/٥٠٩١م): يكتب: «باريس هي، هي، لا تزال على صلفها، هائلة دائما، وممتلئة بالضرورة في الصغيرة والكبيرة.» وهذا ما سيغدو عنده لازمة، وقرينة في أي تذكّر، لذلك سيكتب لكلارا في الذكرى الخامسة لوصوله مسترجعا اللحظات والرعشات الأولى، لم تتغير رغم الزمن، فأيّ خصام ريلكوي هذا؟! : «مضت خمسة أعوام اليوم،إذ في أغسطس وصلتُ للمرة الأولى إلى باريس. أتذكر جيدا وصولي، الطريق من محطة الشمال إلى زقاق تولييي، وما اعتراني منذ البداية من مشاعر الغرابة والخوف، المختلطة رغم ذلك بالتوقع والوعد والضرورة القائمة في كل تفصيل.».

فيما تمنح «دفاتر مالت لوريدس بريدج» صورة بالغة التهويل تجاه باريس من قبل هذه الشخصية التي جعلها ريلكه توازي وتنقل صوته الباطني واستيهاماته وحتى جنونه اليقظ بما ومما حوله في فترة من إقامته هنا، ومنها هذا المقطع المثير:« ثمة حضور للمهول في كل مقطع هواء، أنت تشمه بشفافيته، وهو يتكاثف فيك، يتصلب، يأخذ أشكالا حادة وهندسية بين أعضائك». ما تكف هذه النظرة أن تتطور وتتقلب على حدي الحيرة والالتباس، بين القبول والرفض في تراوح مدوّخ حقا؛ اقرأ معي ما كتبه إلى نوربير هلينغرات، الناشر الشاب لهولدرلين، أثناء إقامته بباريس، بتاريخ 13 فبراير1912 تعبيرا عن هذه الحالة: «كم مرة تساءلتُ ما إن كانت باريس ضرورية جدا لك]...[ ولا أخفيك أنني هجرتها غير مرة، لكن ما إن أحسست بالأمان حتى عادت تمنحني، وقد غدت مسالمة وهي قصيّة، صورة صافية ودائمة بعد أن استعدت شجاعتي، مكنتني من أن أكتشف وأتعرف على الأسباب التي تخصني عن كثب حين أكون هناك، والتي اتخذتها سببا لوجودي هناك» (الأعمال النثرية، لوسوي، 1966) بعد 1914، مع اندلاع الحرب الأولى، سينقطع عن سكنى هذه المدينة غريمته، مع التردد عليها بين فينة وأخرى يحس أنه لا يستطيع التخلص منها، أوليس هو القائل: «إنني في حاجة إلى باريس» التي ستستدرجه نهائيا سنة 1925 وهو في حالة عصاب حاد، سنة قبيل انطفاء شمعته الأخيرة.

لنخلص إلى  أن هذا الشاعر المهووس بالمدن التاريخية حد العبادة أقام مع باريس علاقة اتسمت بالفصام، فهو إذ يسقط حساب ذاته، أو بالأحرى يشحنها بالانفعالات في مواجهة الأماكن، وعبر الفصول، كان يعيد إليها في كل الأوقات الإعتبار، يبادلها تحيات الفهم والتبجيل، يحاورها بمقام رجالها المبدعين، ومعالمها التاريخية، الباروكية خاصة، الباذخة، وخصائص الجمال مطلقا، كما يتطلع إليها مبدع لا يكف عن بناء عالمه الشعري، يغذيه ويستدعي إليه الأجدر والأبهى، والأعمق للتجربة الروحية؛ أي تقدير أكبر من هذه العبارات بعد شهر من الوصول: «أحسب أن بإمكاننا أن نتعلم كثيرا هنا، لكن لا بد من التوفر على بعض النضج  وإلا ستعمى أبصارنا. من جهة، لكثرة ما يمكن أن نراه، ولأن الطرق هنا متعددة، من جهة ثانية». علينا أن نتذكر أن ريلكه وصل إلى باريس مبرّز العطاء الأدبي، تسبقه أعمال سردية «( في مهب العمر»/ و«قصتان من براغ» وأشعار من «كتاب الصور» وقد أحس أن موهبته معطلة يخاف عليها أن تصدأ، والرحيل هو أداة صقلها، ما لا يتم إلا بالتعلم والاطلاع على تجارب الكبار، ومحاورتهم، مباشرة أو وجدانيا، في عمق تجاربهم الكبرى، ووجودهم اللصيق بالفن أولا وأخيرا. لذا يمكن وسم كل إقامته هنا بأنها سنوات تعلم بامتياز. ذلك التعلم الذي له نظامه وقوانين سيره، وسنتعرف على أهمها لتتشكل لنا ما أمكن الصورة الحقيقية لبحث شاعر عن إقامة لن يجدها في أي مكان؛ في رسالته إلى السيدة إلين كيي يصرح بلهجة التشكي ونبرة الشريد: «زوجتي وأنا أصبحنا بلا أيّ مكان نقيم فيه، ومن يدري فلعلنا نطلب من بلدكم الشمالي [الدنمارك] أن يمنحنا بقعة نقيم فيها.»، وهي شكوى عادة ما تأتي عقب ضجرلا يتوقف من باريس: «الصاخبة، الضاغطة، الغريبة، قوالة الغرائب، ومثيرة القلق في ساعات السكينة النادرة.»

جاء ريلكه إلى باريس مدفوعا بحوافز عدة، لكل واحد دوره في نوعية العلاقة التي أقامها معها طردا وعكسا. كان وهو في ألمانيا قد أحس برغبة في الانتقال إلى مكان يعيد فيه شحذ موهبته، وهو الذي صارالترحال ديدنه، وتحدثث له رفيقته كلارا ويستوف التي تتلمذت على النحات الفرنسي الكبير رودان بعض الوقت عن معلمها الكبير، وكان ريلكه شديد التعلق به، راغبا في التعرف على فنه عن كثب، بعد أن أطلعه مؤرخ الفن الألماني ريشار موثرعلى نماذج مصورة لأعماله، وشجعه في المضي قدما بتكليفه إعداد بحث عنه لسلسلة فنية يشرف على إصدارها. بينئذ كان ريلكه قد تزوج كلارا، وأنجبا طفلتهما روث فازدادت حاجته للإنفراد بنفسه في عزلة رآها دائما ضرورية لإنجاز إبداعه، يؤكد هذا أنه استمرفي سكنه الانفرادي حتى بعد أن التحقت به إلى باريس. هذه الحوافز مجتمعة ينتظمها ناموس واحد يُختصر في نشدان التعلم، ومزيد اكتشاف لإنضاج التجربة الشخصية. والتعلم يحتاج عادة إلى معلم، هو أكثر من ملقن وأسمى، أي أنه يكون المثال والقدوة، والسائرعلى هذا الدرب يتفانى فيه، وقد وجده شاعرنا في رودان، أو أراد أن يتخذه معلمه الباريسي، وهو ما تمّ له رغم التوتر القوي الذي امتحنت به علاقتهما وأحدث أشد الوقع في نفس شاعر سيدميها الهجر والجفاء، ونوع من المعاملة الغريبة سيلقاها من المعلم القدوة، خاصة حين سيبدأ نجمه في اللمعان إلى حد أنه سيتشكك من غيرته، وهو شيء عجيب ومفهوم في آن!

 رودان هو من سيرشده إلى أول قاعدة لنجاح الإقامة الباريسية، إنها تختصر في كلمة« العمل» ولا شيء يعلو عليها. من رسالته الأولى إلى كلارا، المنوه بها أعلاه، وطوال التراسل معها الممتد إلى 1910، مع إغفالنا مراسلات عديدة أخرى في الفترة نفسها، خاصة مع لو سالومي، يشغل إسم النحات الكبير موقع الوسواس، لابد أن يقود الكلام إليه، وينتهي إلى ضفافه« ثمة رودان، الوحيد..فكل شيء سيؤول إليه ويتجمّع حوله.» (م.س) وبطريقة شبه تعبدية مدهشة يصف اللقاء الأول به، وأجواء عمله وعيشه، يلتقط حركاته وسكناته بذهول المتبتل ويشرب كلماته فعل المريد مع شيخه، وقد قصده إلى سكناه ومحترفه القائم ب(مودون) غربي باريس،غير بعيد عنها. سيراه هنا يحيا ويعمل وضمن جوه العائلي والمزاجي، أيضا، وربما انطلاقا من هذه الزيارة تحدد مصيره قي إقامة المكان والوجدان، وبينهما نسق التعلم. كيف سيهديه معلمه حين أخبره مرة أنه إنما تزوج لأنه لابد من امرأة، وهو يتحدث عن الجماعات والصداقات حدد بأنه لايمكن إنتاج شيء إلا بمجهود توحدي، والأهم الجدير بكل جهد هو العمل، فقد توجه رودان إلى زائره ليقول بنبرة فخمة: « أجل، ينبغي العمل، لا شيء غير العمل، وعلينا امتلاك الصبر» فذلك عنده هو المدخل والقاعدة، لذلك يلح ريلكه على تدقيقها بصورة منهجية في رسالته إلى كلارا وهو ينقل تفاصيل زيارته إلى المعلم في عبارات يتماهى معها كليا ومن المفيد التشديد عليها هنا: «لابد من العمل والصبر، أن لا تلتفت يمينا ولا شمالا. أن تُدخل كل حياتك في قلب هذه الدائرة، وأن لايكون لك شيء خارج هذه الحياة. ذاك صنيع رودان. سمعته يقول: «لقد وهبت شبابي لذلك». وما أشك بتاتا، إذ يجب التضحية بالباقي، من قبيل المصاعب البيتية لتولستوي، أو عدم تناسب الغرف حيث يعيش رودان، فهذا كله ناجم عن شيء واحد ووحيد: أن نقرر الإنحياز إما لهذا أو لذاك؛ إما السعادة أو الفن.. «علينا أن نجد السعادة في فننا».

سيتحول هذا المعنى إلى مبدأ ناظم يتكررلازمةً في الرسائل ويشرئب كلما جرى حديث عن الفن والحياة في أي شكل. فعقب زيارته لرودان سيبعث إليه برسالة ينوه فيها بالتناغم القائم بين أسلوب عيشه ونوع إنتاجه، وليطرح عليه خصوصا ما يصطلح على تسميته فلسفيا بالسؤال «الأنطولوجي» القرين في النهاية بالناظم المعلن: «إنني لم آت إلى هنا [إلى بيتك] لأنجز دراسة [عن فنك] فقط، ولكن لأسألك كيف يمكن العيش؟ ولقد أجبتني: عليك بالعمل. وهذا ما أفهمه جيدا. أحس أننا بالعمل نعيش بدون أن نموت، وإنني لشديد الإمتنان لك، مفعم بالغبطة، فهذا كل ما أردته منذ يفاعتي» (١١ أيلول/ سبتمبر1902). مما لا شك فيه أن مفهوم العمل قابل لاستعمال وفهم متعددين، وهو عند الشاعر يخص موطنه الشعري أولاً، وذاك ما يؤكده ريلكه في خطابه: «إن شدة حبي لعملي حّوله لدي إلى طقس احتفالي، مرتبط بحالات إلهام نادرة، وقد مرت بي أوقات لا أفعل شيئا سوى أن أنتظر بحزن لا نهائي الساعة الخلاقة». إنما للعمل عنده، أيضا، وجهه المادي، المباشر، مورد العيش، ورغم أنه «إذا انتظم يمكن أن ينزع حتى سلاح مخاوف الفقر نفسه» فإنه لا مناص للمحتاج، شأن شاعرنا، من ممارسته وإن على مضض. نراه يلتمس مساعدة معلمه الذي سيتخذه لفترة سكرتيرا خاصا، ويتخلى عنه بعد أربعة أشهرلأسباب متشابكة؛ يخاطبه: » أريد أن أحاول كسب قوتي هنا في باريس، بطريقة ما، وأنا لا أحتاج إلا للنزر اليسير، وعندئذ سأبقى[هنا] «.

وكما استمر متذمرا من إقامته في باريس، فإن شكواه ستعلو طوال سنواته الثماني الأولى بها، جميع رسائله ترتجف بالحاجة وضنك العيش رغم زهده في الملذات، يعيش حقا على الكفاف، ومنه أنه كان نباتيا، وكفّ باكرا عن معاقرة الخمرة تجنبا لتدخل أي إثارة في إبداعه. نراه لا يتردد في مخاطبة أصحاب أو معارف بالرسائل يناشدهم إيواءه وزوجته لقضاء عطلة أو تمضية أيام ليتفرغ لإنجاز عمل ما. وعدا ما يتحدث عنه من تكليف ببعض الكتابات، منها الكتاب الذي أنجزه عن رودان، أو إلقاء محاضرات، فالرسائل تتكتم عن تكاليف الحياة اليومية وإن بدت زهيدة، وفي كل مرة يحاول أن يطمئن زوجته من هذه الناحية بعفة المغلوب على أمره. لكن الهارب أبدا إلى مثل وانوجادات هي ما يعوض المفقود المادي، بل ويتسامى عليه. إنما، وفي الأحوال جميعها نراه لا يقبل التنازل قيد أنملة لأي داع يشوش العمل الإبداعي. فإلى صديقته السويدية  إلين كي يبوح بهمّ اليومي وخوف  مفارقة الإبداعي: «..أنتبه الآن أكثر فأكثر أنه لاشيء أصعب عليّ وأخطر من إرادة كسب المال بقلمي. ذلك أنني لا أستطيع أن أجبر نفسي على الكتابة، ويكفي أن أعرف وجود صلة بين كتابتي والقوت والحاجات اليومية ليصبح عملي مستحيلا؛ إنني في حاجة لأنتظر في الهدوء وصول النبرات كما أعي أنها لن تأتي إن تعسفتُ في إحضارها.»(13 فبراير1903). هكذا يتبدى العمل الإبداعي مصدر قلق ممض لديه بسبب الكمال الذي ينشده صاحبه وقلّ أن يطوله، وعنده «أن العمل الحقيقي، سدرة المنتهى،لا يبدآن إلا وقد تخطينا الصعاب الكبيرة كلها». (إلى كلارا، 19أكتوبر1907)، وفيما يقر بعجزه عن امتلاك قدرة العمل دائما يغبط اولئك الذين لا تعوزهم، يقصد تحديدا رودان وفان غوغ، اللذين يجدان سعادتهما في الإنكباب على مشغلهما أو أي شأن آخر. ليست التربية كافية لبلوغ هذا المرام، ولا العكوف عليه كرها، بل ما ينجبه من فرح خالص، وإحساس بانسجام فطري، وعنده أن المتمثلين لدرس الحياة هذا لابد أنهم عرفوا طريقهم، فهموا« المهمة» التي علينا القيام بها بكيفية ساطعة. وهي صورة أخرى للتعبيرعما ساوره في هذه الفترة من قلق على مساره الشخصي والإبداعي يبحث له، وبواسطة ناظم العمل دائما، عن مرتكز راسخ يمضي فيه بلا هوادة: «كان باستطاعة فان غوغ أن يصنع (مشفى داخليا) [إحدى لوحاته الشهيرة عقب دخوله مستشفى الأمراض العقلية]، وهو يرسم في أحلك الأيام أقسى الأشياء، بالله كيف أمكنه ذلك لولا صفاؤه، وليس بالإكراه، نحتاج لبلوغ هذا». (إلى كلارا ٤ أكتوبر1907) .  

ينزع ريلكه هنا إلى اختبار قدرة الكمال وتسنم ذروتها عبر تطويع العمل وهو سيلح على هذا المبدأ الثاني المتفرع، الخاص بالفن تحديدا، يدفع صاحبه إلى المخاطرة، ذلك أن:« الشيء الفني هو نتاج الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة حيث لم يصل أحد ولا يستطيع أن يذهب أبعد. وكلما تقدمنا إلا والحدث يصبح ملكا لنا، شخصيا، فريدا للدرجة التي يتحول فيها شيء الفن،أو الشيء الفني أخيرا تعبير ضروري ونهائي محسوم للخصوصية الفريدة.» (إلى كلارا، 24يونيو1907). لايتعلق الأمر لدى ريلكه بكمال مثالي يمتح من علياء لا مرئية، بل ببحث تتطابق فيه المادة الفنية المشغولة بعمل الذات الداخلي، وهو ما يقود إلى الدرس الفني الكبير كما لقنه إياه المعلم رودان. مرة أخرى لاشيء غيرالعمل، الذي يقول المعلم إنه انقطع أو توقف، ففي المدارس الفنية كل ما يفعله المتعلمون هو أنهم « يركّبون»] Ils composents [ ولا يتعلمون شيئا عن جوهر الأشياء. يكمن الجوهر عند  رودان في « المنمذج» أوالمصوغ» Le modelé ينقل ريلكه تعريفه كالتالي: «إنه معالجة السطح، أي نوعا ما نقيض الأطراف. إنه قانون العلاقة بين المساحات..لاشيء يوجد في نظره إلا المنمذج، في كل الأجساد والأشياء، ينزعه منها، ويصنعه بعد أن يأخذه منها ليصنع منه شيئا مستقلا، أي المادة التشكيلية، الفن التشكيلي. هذا ما يجعل قطعة ذراع أو ساق أو جسد لديه كلاًّ، وحدة، لأنه لا يفكر في الذراع ولا الجسد قط، وإنما في المنمذج الذي ينغلق، والذي انتهى وانغلق على ذاته.» عدا المصوغ، هناك التحويل وهو المفهوم الذي يقول ريلكه إن النحات الكبير سعى إليه ليجد بواسطته التعبير الخاص من بين آلاف الأشياء المتاحة له، خاصة الجسد العاري أمامه. هنا يوجد المستوى أو الناظم الثاني للحياة الكبرى للفنان. وعلى سبيل الإيجاز يختزل النظام كله في نقطتين، حماسه لشرحهما دليل قطعي لتبنيه المطلق لهما: «الأولى أنه [رودان] اكتشف عنصرا جديدا جوهريا لفنه؛ والثانية عزوفه عن كل شيء في الحياة، اللهم التعبير عبر هذا العنصر مدمجا فيه كل ما هو خصوصي لديه.» (إلى كلارا،٥ستمبر1902). في ختام الرسالة يتخذ من مخاطبة رفيقة عمره آنذاك ذريعة لمخاطبة شخصية، وانطلاقا منها أبعد نحو آخرين يطمحون وعانوا كثيرا للتوفرعلى صوتهم الخاص، وهو المطلب الذي ألح عليه ريلكه باستمرار، ورأى في تحققه شرط وجود الشاعرمن عدمه، كما أوصى بذلك برسولية ووضوح لا مزيد عليهما في «رسائل إلى شاعر ناشئ» (أنظر ترجمتنا لها في: عمان، دار أزمنة، 2005) يقول: «أوترين، كيف أن رودان لم يعش إلا ما هو موجود في أعماله. لقد كبر هذا حوله. وهكذا لم يضِع، حتى في سنوات اضطر خلالها لأشغال دونية، لأنه كان ينجز ليلا ما حلم به نهارا، بذا أصبح كل شيء حقيقيا. المهم عدم البقاء في حدود الحلم، ما هو مشروع فقط، أي على غرار ما فعل رودان.» هذا المعلم الكبير الذي توجه إليه يستأذنه في زيارة محترفه أثناء غيابه: «أملا في توثيق الصلة بأعمالك التي غدت بالنسبة إليّ بمثابة قربان به أستعيد الشباب والصواب، تضيئني من الداخل ببركة جمالك.»( الرسالة ن) .

على أن قضية العمل تأخذ بعدا نفسيا عميقا لديه ربطها الشاعر والمترجم السويسري فليب جاكوتيت بهاجس قلق لم يفارقه قط، ومنه كيف يحوله إلى« أشياء» للفن CHOSES dart  أي صياغة رودان، في لوحات، تماثيل أو في أشعار. ما رآه متعذرا عليه، وقد نبهه إلى الصعوبة جهارا، وأنه لن يملك الناصية إلا إذا بواسطة «الحرفة» Le métier   بتغيير جذري لطريقة عمله. حسنا، إذا كان مثال رودان هو العمل المثابر أبدا، وصبر الصانع، فماذا ستكون أداته هو، ما هي مطرقة فنه؟ على هذا السؤال يستحضر جاكوتيت [انظر: جاكوتيت،  مونوغرافيا، باريس، لوسوي، 2006 بصواب التنبيه الذي وجهته إليه لو أندرياس سالومي من أن «اللغة لا تعالج مثل الطين»، معتبرا أنه وصل في النهاية إلى الجوهري في معتقداته وأولُه أن الفن ليس نشاطا غير مشروع. في رسالة إلى لو يقول: «في قصيدٍ توفقت فيه، هناك كثير من الحقيقة كما هو في كل حركة أوإحساس؛ هنا حيث أبدع، فأنا حقيقي، وأحب أن أجد القوة لأؤسس وجودي كله على هذه الحقيقة..» (جاكوتيت ص٥٥). ولقد كان لرودان الفضل في ما سماه الروائي العظيم روبرت ميوزيل بتحول شعر ريلكه من فخار إلى رخام، وسيتقوى أكثر مع دروس وعِشرة كبار آخرين خلال الإقامة الباريسية.

في رسالته إلى كلارا مؤرخة بـ19 مايو 1906 يخبر بحصول القطيعة مع رودان الذي أنهى خدمته كسكرتير له بسبب خلاف شكلي ذي أسباب كامنة، أعقبتها أخرى يجدد فيها الإخبار مع مواساة من قبيل رب ضارة نافعة: «مضت الآن عدة أيام على مغادرتي لرودان، لأعود إلى عملي، إلى نفسي، إلى كل ما كتبته فيّ منذ وقت بعيد.». بإمكاننا القول بأنه لن يتداوى من هذا الفراق، وسيشغل إسم النحات جميع رسائله اللاحقة تقريبا، بإشارة هنا، وتلميح هناك، وتسّقط اخباره، وهذا إلى أن يأتي ما يشبه العلاج في الإنتقال إلى جاذبية فنان عبقري آخر، وهو ما سيتحقق بمناسبة معرض الخريف للفنون في خريف 1907 ، فلقد دقت في هذه المناسبة ساعة « بول سيزان» Paul Cezanne ما سيمثل لحظة قوية ثانية في محطة إقامته في باريس. ابتداء من أكتوبر1907سيأخذ سيزان موقع الصدارة في عديد من رسائله إلى كلارا، طريقة ونوعية عمله على الخصوص. يتحدث عن ديمومة بوهيمي معلمه الجديد إلى حدود الأربعين، وإعجابه بـ«بيسارو»، وكونه أمضى الثلاثين سنة الأخير من حياته في العمل مطلقا؛ أمضاها: «في غضب لا ينقطع، متخاصما مع كل واحد من أعماله، لا يجدها بلغت ما يعتبره ضروريا حقا» ثم يسهب في ملاحظات نعتبرها ألصق بعمل ريلكه، واجدا فيها هواه، ما ينتقده ويبحث عنه في آن، وهو ما يدعو إلى اعتبار كل علاقة أقامها خلال إقامته الباريسية، وحديثه عنها، تعكس الوجه الخلفي المكمل لصورته وهواجسه وانتظاراته الأدبية؛ يقول: «إن الطابع المقنع، والتحول إلى الشيء، والحقيقة المحتدمة بلغت درجة التدمير لتجربته الخاصة مع المادة، ذاك ما بدا له الهدف الحميم لعمله.». عنى له عند سيزان التصميم على الإنجاز بقوة، والابتعاد عن السهولة والمتاح، في الشكل واللون المتميزين بفداحتهما المصنوعة بتدرج . يعاضد هذا القدر على العيش في شروط قاسية نوعا ما، أي، كما أسلفنا اختيار الفن عوض مباذل الحياة، أو ما يسمى عرفا السعادة. هذا ما يفضي إلى الطريق الشخصي والصوت الخاص بالعملة القائلة:« أن تعمل دون أن تعبأ بأحد، وأن تكون قويا» كما يخاطب كل زائر.

يختم ريلكه رسالته المخصصة عن سيزان فنانا وإنسانا المرصودة بين محطتي عمله في باريس أولا، ثم بلدته الأصلية إيكس، بقوله: « هذا ما أردت أن أحكيه لكِ، إنه على صلة بما يحيط بنا، وذو علاقة بنا نحن في نقاط كثيرة.» بعد أسبوع يخبركلارا بأن سيزان بات يشغله، وأنه يتغير بسببه. يقصد أخذه العمل بجدية متناهية، وأنه يكرر مشاهدة لوحاته في صالون الخريف ليمتلئ بفنه. ومن نحو آخر يلح على الجانب الشخصي لحياته، فسيزان عاش معذبا، وبعد مرحلته البوهيمية، انصرف إلى عمل فني مضن، وفي شروط مادية مقترة، إقامته في سكن جماعي مؤجر لا ينعم فيه إلا يوم الأحد بوجبة مناسبة، وباقي الأيام يغدو إلى محترفه يمشي طويلا ليبلغه ذهابا وإيابا، وأحيانا يتعرض له الأطفال ملاحقين له وراشقينه بالحجارة كأي منبوذ. لأمر ما لا يخلو من تعاطف وبحث عن التماهي مع الوضع الهش لهذا الفنان المحتقن بالغضب على نفسه، وعلى رسمه إلى أن يبلغ به الإنجاز المكتمل، ينزع ريلكه بحثا عن التطابق، راسما في آن توزعه بين النمذجة الفائقة للشيء عند رودان، والتوترالمستمر لدى سيزان في لزومه ما لا يلزم. إنهما، إذن، قدوتاه، ومعا يشكلان الوجه والقفا لصورة تنحت ملامحها بالتدريج في سنوات التعلم الباريسية، وهي تستعير تقاسيمها الدقيقة من صور اكتملت وتفوقت، وعرفت نفسها أخيرا. هوذا مثلا يطمح إلى الإنسجام الداخلي للعناصر المكونة للمادة الفنية (الإبداعية)، يسترعي انتباهه عند سيزان حيث الألوان باعتبارها عماد الرسم تتفاعل في مابينها وحدها. من هنا يستطرد معمما:« إننا بمجرد أن نتدخل ونأمر، ما إن نطلق العنان لفكرنا وسلطتنا، وإلا سنحدث الإضطراب. لا ينبغي للرسام أن يكون على بينة من اكتشافاته( شأن أي فنان)، وبدون أن يتخلى عن التفكير فإن فتوحاته تبقى ملتبسة عنده، وأن تُمتص سريعا في العمل حدا يعجز فيه التعرف عليها». (إلى كلارا21 أكتوبر1907).

وقد رصد جاكوتيت بعناية التأثيرات الخصوصية لعلاقات ريلكه مع عدد من الرسامين يبقى رودان على رأسهم، وما يمكن تسميته بتتلمذه الحرفي على جملة أعمال باذخة في المتاحف الفرنسية، وتفاعله الشعري تحديدا معها.هذا ما ظهر أولا في «كتاب الصور» يليه «أشعار جديدة» الذي يضم مائتي قصيدة، وهو الذي يبرز التفاعل الحي مع عالم المرئيات. في رسالة إلى كلارا يصرح واصفا المرحلة السابقة على هذه القصائد قائلا: «كنت أمشي، وأرى ليس الطبيعة، وإنما ما توحي لي به من رؤى». وهو يعني أنه تعلم أن يرى ويعمل. يقول جاكوتيت: «إن ـ أشعار جديدة ـ لهو كتاب عمل، وليد الإلهام الذي نستدعي ونتملك، هو مجهود تحويل أصلي للعالم. إن تلك القصائد تمرين طويل للنظر واليد، والتي كانت مستبعدة تماما لولا فرنسا، دون اكتشاف عالم تشكيلي مغاير جدا عن الجرماني أوالسلافي حيث عاش ريلكه أولا.» ويضيف : «إن هذا التأثير مقروء من العناوين المعطاة في الديوان، هي ما يمكن وضعه بلاحرج على لوحات. هكذا نحس أن النظر الذي لم يفتح من قبل سوى على الرؤى الداخلية، يتركز الآن، وبكثافة، على موتيفات محددة، دقيقة: فهد، غزلان، زهرة الأورطنسية أو آلة عود». عند جاكوتيت دائما، فإن ما كان يرسم من قبل في صورة آفاق واسعة وفضفاضة، أضحى دقيقا وتناغمه الثمين على درجة من التركيب والرهافة. وباختصار فهو عمل نمذجة، تركيز على شيء معطى أراد ريلكه بواسطته الإفلات من شرك جاذبيات الإلهام. وبالنتيجة، فإن هذا القسم من شعره هو ما كان الأقرب منالا للقارئ، والذي ظل الأرغب عند الجمهور الفرنسي. بالمقابل، نراه الجزء الذي بدا أقل «ريلكية» لدى النقاد المشدودين خاصة إلى الشاعر الملهم إلى حد أن بعضهم عدّه غريبا عن فطرته الشعرية. مرة أخرى، فهو السعي لصنع الأشياء بأداة القلق، أي« تحويل القلق ـ من باريس التي ظهرت له في شكل جبل ظلمات مدلهمة ـ إلى أشياء خارجة من الزمن ومزجاة إلى الفضاء، على غرار منحوتات رودان، ذاك ما طلب ريلكه في أشعار جديدة».(م.س. ص.58).

هل انتصر شاعرنا حقا في رهانه هذا بتحقيق النمذجة المشيئة للقلق، للعالم الداخلي بواسطة أشياء الواقع لا استيهاماته؟ يذهب جاكوتيت محقا إلى أن المسالة أكبر من أن تحسم من طرف واحد، ذلك أن المنازلة تمت بسيف ذي حدين، بالنظرإلى أن كثافة العمل التي تطلبها الديوان ولّدت نقيضا غير متوقع، أو ظل كامنا بالمرصاد بما أنه من طبيعة الشاعر أصلا، ليعود بأقوى مما ظن صاحبه أنه انتصرعليه بتخطيه نحو إبدال شعر إبداعي مشذب. يتطلب الأمر الوقوف قليلا ، لكن ضرورة   عند نص يعتبر محطة أساسا في إقامة ريلكه في باريس، النص السردي بامتياز حيث تجمعت كل نزوعات الذات والوجودي، وتقاطعت مصادر القلق الطفولي مع معايشات التذمر اليومي الباريسي؛ إنه« دفاتر مالت لوريدز بريج»، الذي شرع في تحريره في فبراير 1904 بروما وأنهاه في ليبزغ سنة 1910. ولقد تضافرت أسباب معينة أدت به إلى اختيار شخصية بجنسية دنماركية بطلا لقصته، والمهم أن مساره يتمثل في كونه وهو يغادر سني طفولة ومراهقة مثاليتين عاشهما في كنف العائلة بقصر منيف، سيصطدم لما دفعته ظروف الحياة ليعيش وحيدا في باريس بمعضلة الوجود الغامضة، ويحاول عبثا الصمود في وجهها. ليست هذه الشخصية الإشكالية إلا الوجه الآخر أو المضمر للشاعر نفسه يتقلب على نار أحاسيسها وهو يتماهى مع وضعها، وهو يعرب عن ذلك صراحة في إحدى رسائله إلى كلارا (٨ سبتمبر 1908) يحدثها عن ارتعابه من عالم مالت لوريدز، ورغبته في أن يتوحد معه ليحس بضرورته ويتبنى ضياعه: «أظن أنه كان علي أن أكتبه [قصته] العام الفائت، أي بعد رسائلي حول سيزان مباشرة التي تمسه عن كثب. وقتها بلغتُ ذروة شخصيته: ذلك أن سيزان إنما يمثل النجاح الأولي، الفج بعد، الذي لم يبلغه مالت. وما موت بريدج إلا حياة سيزان في الثلاثين عاما الأخيرة من عمره. وأفهم الآن لماذا أحسست بضياع شديد العام الماضي، وفي المكان غير المناسب: ذلك أنني لم أتموضع في هذه الشخصية التي لا ينقصها سوى سلطتي لضبطها وتجميعها، سوى قلبي ليصطدم بها كما نضرب جرس هذا الوجود..».

يعتبر جاكوتيت أنه رغم إصرار ريلكه على عدم خلطه بمسارهذه الشخصية فإن ما يقرب بينهما مركزي، يقصد الوساوس التي تحدث عنها واصفا بقوله: «الألم المكتوب في الدفاتر بمثابة هذه الأسئلة: كيف يمكن أن نعيش حين نعجز مطلقا عن السيطرة على عناصر هذه الحياة ؟ حين نكون دائما ناقصين في الحب، مترددين أمام القرار وعاجزين إزاء الموت؟ كيف بإمكاننا أن نحيا؟..». في رسالة أخرى يبين كيف يبحث عن الجواب لهذا القلق :«إن الشاب مالت لوريدز بريدجّ لفي حاجة إلى تملك حياته وهي تتوارى، بواسطة التشخيصات والصور؛ يجدها تارة في في ذكريات الطفولة، وتارة أخرى في استدعاءات القراءة، وكل هذا له القيمة نفسها، والديمومة ذاتها، والحضور عينه. ليس صدفة أن مالت هو حفيد الكونت براه الذي كان يعتبرأن كل شيء، أي الماضي شأن المستقبل، هو حاضر..». ينعكس هذا على الشكل المرن الذي صيغت به الدفاتر، حيث تزدوج الإنعكاسات النفسية الأليمة باستذكارات الطفولة، ثم التأملات المستوحاة من أماكن محددة تتقابل مع أعمال فنية وشخصيات تاريخية، بغية ما يسميه ريلكه نفسه بالحاجة إلى تملك لحياة تتبدد أبدا، ومن أجل التصدي للقلق بالصورالمثالية أو الواقية.

 بيد أن الأخطر من هذا كله، الأجود تبيانا لما تسهم به الشخصية المذكورة في الكشف عن قسم مهم من شخصية ريلكه خلال الإقامة الباريسية ذات التأثيرات المتضاربة على حياته وشعره، لتبرزه الحساسية الحادة للتوجس كما تفصح عنها المذكرات. ما يحمل جاكوتيت، من بين قراء محترفين آخرين،على وصفها بكتاب الهواجس أو الوساوس Livre de hantises .

هواجس متعددة الروافد، تخرج إليه وهو يمشي في باريس كأشباح، يفتتن بها صنيع بودلير. أشباح عميان، أو مرضى ومتسولين، وجميعها تضج بالكلمة التي طنت في مسمعه من أول لقاء بهذه المدينة التي رغم التباس علاقته بها ستصبح معبودته؛ كلمة الموت. وليس مثل هذه الكلمة تعبيرا سواء عن التطابق الحاصل بينه وشخصية مالت، أوعن الوسواس الخناس الذي سكنه طوال حياته.هما معا يلتقيان في الإنزعاج من الموت الغفل، كما يحدث للجميع، وتطلّب موت خصوصي وصف به ريلكه رحيل الحاجب بريجّ في الدفاتر، ينبغي عنده أن يكون تفتحا للحياة بدلا من انقطاعها ، ذلك أنه لا يتحمل القطيعة قط. ينبغي أن يتمثل ذروة ما يسميه الموت الشخصي، الخصوصي، في مواجهه التشابه والغفلية العامة والحياة في ابتذالها كما يشاهد بعض مظاهرها في باريس، يغورها مالت ممتزجة بخيوط الطفولة المتلبسة بأحاسيس موت غامض يريد الانتصار عليه، فيعمد إلى الكتابة يبثها وساوسه يلقي بنفسه في آن واحد في أتون لا يمكن أن يسلم من ناره، ذلك أن فعل الإبداع غير مضمون العواقب. ومالت لن ينجو في الأخيرمن موت محقق أراده متساميا، شأنه شأن ريلكه لاحق الوجود بتفان في إبداع خفقت فيه روحه أبدا بالحياة وأسئلتها بهواجسه المستحيلة،لم تنقطع حتى استسلم الجسد وحده.

بتاريخ 18 نوفمبر1910 كتب ريلكه لكلارا  رسالته الأخيرة من باريس قبل أن يغادرها في رحلته إلى الجزائر، جاء فيها: «..أشكرك على إرسالك مجلدات «ألف ليلة وليلة»؛ كل شيء كان معلقا حتى وقت قريب، لكنني الآن أعرف بشبه يقين تقريبا أنني سأصل إلى الجزائر في مطلع الأسبوع المقبل[ تحققنا أنه وصل إليها فعلا بتاريخ 25 نوفمبر 1910 حيث سأنزل في زنقة ميشلي، فندق سان جورج. إنني مدعو إلى سفر سيقودني إلى تونس، وربما أبعد، حتى مصر؛ سأخبرك بهذا تدريجيا. ليس سهلا علي الذهاب من هنا، رغم أنني استصعبت باريس في الفترة الأخيرة. أجل في كل مرة نعود للإحساس بهذه المدينة بسبب وزر الصعوبات، ولأن هذا الوزر قرين بها. ومع ذلك أحس بكل وضوح أنني، هذه المرة، ينبغي أن أذهب،إلى أبعد نقطة ممكنةـ.ما يسرني هو أنني سأترك شقتي الصغيرة هنا مفتوحة، بما تحويه من كتب ـ بيد أنني لا أعرف على أي حال سأعود. أرى نهر السين يرتفع، يكاد مستواه يضرب حواف الجسر؛ وفي الليل يشغلني بقلق وجود كل هذا الماء بقربي، لذا أستطيع الآن أن أتخيل كيف يحدث فيضان، لكني، مرة أخرى، أشعر أنني لن أكون شاهدا على هذا الحادث... ».


تصميم الحاسب الشامل