الشعر العربي المعاصر
والتاريـــــخ

 

فخري صالح


بقدر ما هي علاقته بالتاريخ مركبة وملغزة يبدو الشعر مسكونا بالتاريخ بصورة سرية، مصنوعا، في لحظاته الأكثر كثافة، من مادة هذا التاريخ رغم محاولة الشعر الدائمة التخلص من أرضيته، وتحرير نفسه من الاشتباك بنسيج اليومي والعارض ليسمو في معارج الخيالي والمنقطع عن عرق الحاضر ودمه النازف. كانت هذه الرغبة تسكن كثيرا من شعر العرب في القرن العشرين، ما أنتج كثيرا من الشعر الأثيري ذي النزعة الميتافيزيقية وابتعد بالكتابة الشعرية عن مصادرها اليومية وجعل هذه الكتابة تمرينا في تأمل العالم والعيش من علٍ، من نقطة بعيدة في برج الشاعر العاجي تجعل البشر والموجودات مجرد سديم لا يتشكل في سماء القصيدة.

هذه النزعة الأثيرية في الكتابة الشعرية تقابلها نزعة مضادة لا ترى في الشعر سوى انعكاس لليومي، والحدث العارض، فتسعى إلى تسجيل وقائع التاريخ أولا بأول، وتتشبث بالأحداث الكبرى، من انتصارات مأمولة وهزائم متكررة، لتبني مادتها الشعرية منها. وقد ازدحم كتاب الشعر العربي المعاصر بقصائد ودواوين، لا عد لها، لا تسمو بالعارض واليومي إلى مصاف الكتابة الشعرية الحقيقية، وتكتفي بالوصف والانسياق وراء الحدث وتطوراته.

لكن الشعر الحقيقي لا يسكن في أرض هذين النزوعين المتباعدين بل فيما يؤلف بينهما، فيما يطلع من أرض التاريخ ولكنه يعيد تأليفه وترتيب ذراته ليكون الحدث، وما يسمى التاريخ (بمعناه الشامل الذي يرفعه من وهدة التسجيل التاريخي)، مجرد ماء سري يسري في أحشاء الكتابة الشعرية. وهكذا يبدو شعر بدر شاكر السياب، المسكون بالمعجم الأسطوري والذي رغب على الدوام في تخليص شعره من شبهة اليومي والتاريخي، وهو يقيم علاقة معقدة مع التاريخ؛ فليس بالإمكان قراءة شعره، الذي أنجزه على خلفية تاريخ سياسي واجتماعي عاصف ودام (عام وشخصي)، دون رؤية النسيج المعقد الذي يربط السياب بزمنه، وعلاقة الشاعر الرائد بالتحولات التاريخية التي صنعت عصره. في هذا السياق تقرأ قصائده «رحل النهار» و«أنشودة المطر» و«غريب على الخليج» و«حفار القبور»، وما كتبه السياب عن جيكور، وعدد آخر من قصائده التي يبدو فيها نسيج التاريخ منشبكا بنسيج الكتابة الشعرية، ولا يمكن للهوس الدائم بكتاب الأساطير، في شعر السياب، والرغبة بعجن الشعر بعناصر الأسطورة أن تضللنا عن مادة الحدث اليومي التي تشكل عصب قصيدته، والزمان التاريخي الذي يبدو كمرآة يسطر الشاعر على صفحتها غير الصافية رؤيته المشظاة المنكسرة للعالم.

في السياق نفسه تبدو علاقة أدونيس بالتاريخ، واليومي فيه، علاقة إشكالية معقدة؛ ويبدو شعر أدونيس، بدءا من «أوراق في الريح» وانتهاء بـ«الكتاب»، وكأنه يعيد كتابة التاريخ عبر استدعاء شخصياته الشعرية من زمان العرب القديم مهملا، في الظاهر لا على الحقيقة، صراعات الحاضر وسلسلة أحداثه وشخوصه. إن أدونيس منشغل باستعادة التاريخ والكتابة عن شخصياته، وإعادة موضعة هذه الشخوص في كتاب التاريخ العربي ليمكن لنا أن نعيد تأويل أدوارها ومعنى هذه الأدوار في سياق تاريخ من الاستبداد الذي قمع الأصوات الهامشية وأجبر من كانوا في هامش السلطة على تبني الحكايات الكبرى للفئات السائدة. ولعل «الكتاب» أن يكون ذروة طموح أدونيس في هذا النوع من الاستعادة الشعرية ــ التاريخية لشخوص ووقائع وأفكار تتصارع على صفحات هذا العمل الشعري الضخم لتعرض لنا تأويل الشاعر، بل إعادة تركيبه لتاريخ العرب في واحدة من ذراه الكبرى.

لكن هل يتنكب شعر أدونيس التاريخ اليومي، هل يحاول أن ينأى بشعره عن وحل الحاضر وأرض التجربة المعاصرة؟ ليست عودة أدونيس إلى التاريخ وشخصياته سوى رغبة في فهم الحاضر من خلال تفسير أوالياته التاريخية، والتعرف على أسباب مشكلات الحاضر. لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل من بذور تعيق تقدمنا في الحاضر مزروعة في الماضي وعلينا تتبعها في التاريخ؟ تلك هي الأسئلة التي يسألها النص الأدونيسي ويحاول الإجابة عليها. لكن الحاضر يسكن لحظة الكتابة الشعرية، ويتخلل فعل الاستعادة التاريخية التي يقوم بها الشاعر. يحصل ذلك عندما يجعل الشاعر من نفسه، اسما وكيانا وانشغالات معاصرة، شخصية من شخصياته الشعرية، ما يجعل استعادة التاريخ رحلة شخصية للشاعر لفهم الزمان الحاضر. إن التاريخ في شعر أدونيس قناع، وغالبا ما يكثر صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» من استخدام الأقنعة في شعره، حتى لقبه (أدونيس) الذي أنسانا اسمه (علي أحمد سعيد) هو أيضا من بين أقنعته التي يستخدمها ويتراءى خلفها كشخص وشخصية.

صلاح عبد الصبور، يقترب بدوره، ومنذ مجموعاته الشعرية الأولى: «الناس في بلادي» و«أقول لكم» و«أحلام الفارس القديم»، مما يسميه النقد العربي في اللحظة الراهنة بـ «القصيدة اليومية»، أي تلك القصيدة التي تعنى باليومي والبسيط والعادي فتجعله مدار بحثها الشعري لتقوم بتصعيده والعثور فيه على ما هو شعري ولافت ومثير للدهشة.

في قصيدته «شنق زهران» يستخدم صلاح عبد الصبور الكلام السائر بين الناس في القرية (العبارات العامية المتداولة في صورتها الفصيحة، وموجودات القرية وعناصرها) والصور الدالة على البيئة الريفية، وما يبدو تفصيليا جزئيا في حياة شاب قروي ذاكرا الوشم على صدغ زهران وزنده.

كان زهران غلاما

أمه سمراء والأب مولد

وبعينيه وسامة

وعلى الصدغ حمامة

وعلى الزند أبو زيد سلامة

وفي موضع آخر من القصيدة يصف الشاعر ظهور زهران في السوق بعبارات تلوح فيها البساطة واستعادة المتداول واليومي.

مر زهران بظهر السوق يوما

واشترى شالا منمنم

ومشى يختال عجبا، مثل تركي معمم

ويجيل الطرف... ما أحلى الشباب

يساعد قصيدة «شنق زهران» في تنمية لغة التفاصيل كونها تستند إلى سرد حكايتها المركزية مستخدمة تقنية الفلاش باك، وأسلوب التقطيع السينمائي، وجعل مشهد الشنق يفتتح القصيدة ويختتمها. لكن اللافت في القصيدة لا يتمثل في استخدام السرد وسياقاته بل في تطعيم بنيتها باليومي السائر في حياة أهل القرية، وفي تفصيح العامي، وما يبدو مبتذلا مهملا لا تلحظه العين.  إن عبد الصبور ينزل بالشعر العربي، في مرحلة مبكرة من ثورة الشعر العربي الحديث، من عليائه ويدخل إلى القاموس الشعري ألفاظا وتعبيرات كان الذوق السائد ينكر شعريتها وينسبها إلى عالم النثر والحياة اليومية للعامة. لكن الشاعر يقتنص هذه العبارات «غير الشعرية» ليصنع منها قصيدة تحكي عن البطولي والوطني بلغة أقرب ما تكون إلى لغة البسطاء غير المثقفين الذين ينتمي إليهم زهران. وبهذا المعنى تبدأ لغة الشعر، التي أرهقها الكلام المكرور والصور المستعادة من القاموس الشعري الموروث، في التحرر من النمطي والميت والمهجور وغير المعيش لتعيد الاتصال بالتفصيلي والحي وتعمل على «خلع الشاعرية» على «فتات الحياة النثرية».

ويمكن أن نعثر كذلك على توليف لغة الحياة اليومية، وجدلها في سياق التعبير الشعري، في قصيدة «الناس في بلادي» حيث اللغة أقرب إلى الركاكة، في صيغها النحوية والتركيبية، لأن الشاعر يريد أن يكون ناقلا محايدا لحكاية الموت والحياة. إن اللغة في القصيدة هي أقرب ما تكون إلى مستوى اللغة الإخبارية، التي تصف وتلخص وتستعيد المشهد وتنقل ما يدور بين الناس العاديين من كلام.

وعند باب قريتي يجلس عمي «مصطفى»

وهو يحب المصطفى

وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء

وحوله الرجال واجمون

يحكي لهم حكاية... تجربةَ الحياة

حكايةً تثير في النفوس لوعة العدم

تجعل الرجال ينشجون

ويطرقون

يحدقون في السكون

يرغب صلاح عبد الصبور، كما هو واضح في قصيدتي «شنق زهران» و«الناس في بلادي»، أن يقترب من تفاصيل الحياة اليومية للناس، وإضفاء الشعرية على هذه الحياة التي لا يلتفت إليها الشعر ويعدها موضوعا غير شعري ويلحقه بعالم النثر. وفي سبيل تحقيق هذه الاستراتيجية يحقن الشاعر قصيدته بما يتفوه به الناس وما يجري على ألسنتهم من أمثال وتعبيرات شعبية وكلام مكرور مستعاد وصفات نمطية، ويلجأ إلى التعبير المباشر بحيث تخلو القصيدة من الصور والاستعارات ويكتفي الشاعر بالتشبيه البسيط إذا اضطر إلى لغة التصوير والتعبير الشعري المألوف. إن عبد الصبور يفعل ذلك واعيا بغاياته لتقليل منسوب الشعرية، بمعناها المتداول والشائع في سياق تطور الشعر العربي في خمسينات القرن الماضي، والوصول بالقصيدة إلى لغة اليومي والدارج والعادي والتفصيلي والنثري والركيك الذي يتنكب البلاغة ويعزف عن الفصاحة ويستعين بالتعبير التقريري المباشر عن تراجيديا الحياة اليومية للناس في بلاده.

الناس في بلادي جارحون كالصقور

غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر

وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب

خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون

لكنهم بشر

وطيبون حين يملكون قبضتي نقود

ومؤمنون بالقدر

يبلغ عبد الصبور ذروة مشروعه في حقن قصيدته بلغة الحياة اليومية في قصيدته «الحزن»، التي أثارت الكثير من اللغط في النقد العربي المعاصر واستخدمت دليل اتهام ضد القصيدة العربية الحديثة، وسُخر منها بوصفها تمثل انحدار الشعرية العربية. لكن هذه القصيدة تمثل، من وجهة نظري، واحدة من أفضل قصائد عبد الصبور التي تجدل ببراعة التعبير عن السعي اليومي للبشر، بكل ما يصادفهم من مصاعب وما يحركهم من رغائب، والرسالة التي تعمل القصيدة على صياغتها في النهاية. إن السطور الأولى من القصيدة تبدو صادمة للذائقة الشعرية السائدة، لا في خمسينات القرن الماضي فقط بل في اللحظة الراهنة كذلك. لكن غاية الشاعر الجسور، الراغب في تغيير الذائقة وفتح سبل جديدة للكتابة الشعرية، هي توجيه ضربات متواصلة للوعي الشعري المتبلد الذي أصبح التكرار ديدنه والنقل طريقته في الكتابة. وبغض النظر عن تهمة الركاكة، وتنكب صيغ البلاغة والشعرية السائدتين، فإن كتابة عبد الصبور في تلك الفترة تمهد لوعي شعري مختلف بتأثير الاصطدام بالحياة اليومية وقراءات عبد الصبور وجيله في آداب الأمم الغربية واطلاعهم على انهدام الفاصل بين ما هو شعري ونثري في أشعار تلك الأمم. وكما يلحظ عبد الصبور استخدام إليوت مفردات الحياة اليومية وتعبيرات الرجل والمرأة العاديين في شعره فإنه يتجرأ في قصيدة «الحزن»، وغيرها من قصائد ديوانه «الناس في بلادي»، على النزول بلغة الشعر العربي إلى الشارع، إلى ما يتصل بالعيش اليومي والحاجات الإنسانية الأرضية الأساسية. وهو بهذا المعنى يخلع على الشعر طابعا أرضيا، ويدنس الشعر بما كان يُظَن أنه ليس من «أصله»؛ فالشعر سماوي النشأة، معني بما يتسامى من حاجات الإنسان الروحية، تعذب قائلَه طبيعتُه الأرضية التي يحاول التخلص منها عبر الكتابة الشعرية.

لا تقتصر الرؤية السابقة على الشعراء الرومانسيين، من الجيل الذي سبق عبد الصبور، بل إنها تبدو أكثر وضوحا وحدة في الوعي النظري، وفي الممارسة الشعرية كذلك، لشعراء مجايلين له مثل أدونيس. لكن تصورات عبد الصبور النظرية عن دور الشعر ووظيفته تتحقق في أرض قصيدته بدرجة أو أخرى خصوصا في مجموعاته الشعرية الأولى التي تحتفل باليومي والعادي وتنزع إلى تقليل منسوب الشعرية، بمعناها السائد، وخفوت البلاغة وتغليب الركيك على الفصيح في الكتابة الشعرية. وتمثل قصيدة «الحزن» هذا التوجه في الكتابة الشعرية تمثيلا صارخا وصادما بالفعل بحديثها عن «شرب الشاي في الطريق» و«رتق النعل».

يا صاحبي، إني حزين

طلع الصباح، فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح

وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح

وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف

ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش

فشربت شايا في الطريق

ورتقت نعلي

ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق

قل ساعة أو ساعتين

أو عشرة أو عشرتين

أما أمل دنقل فيتخذ من الشخصيات والوقائع التاريخية، التي يستدعيها في شعره، أقنعة يتراءى خلفها الإنسان المعاصر المطحون بالأحداث اليومية. وهو في اعتماده الدائم على تلك الشحنة التاريخية المتقدة، التي ينهل منها شخوصه وثيماته ورؤيته للحاضر المدان، يحول شعره، في مجمله، إلى حكايات رمزية تحكي عن الحاضر من خلال الاستحضار الكثيف للماضي. وهو على مدار تجربته الشعرية استطاع أن يجعل من المادة التراثية (بالمعنى العام لكلمة تراث حيث يضم التراث كل ما ورثته الأمة من معارف وأساطير وموروث ديني مسيحي أو إسلامي أو فرعوني..إلخ) المُولّد الفعلي للمعنى في قصائده. ومن ثمّ فإن المادة التراثية التي يستحضرها الشاعر في قصائده تمنحنا مفاتيح عالمه الشعري وتقيم بينه وبين قارئه صلات نسب في المعرفة والمشاركة الوجدانية. ولعل هذه القاعدة من المعرفة المشتركة من بين الأسباب التي منحت شعر أمل دنقل جماهيريته وانتشاره وقربه من قلوب قرائه.

يدرك أمل دنقل، بحسه الشعبي العميق، أن المادة التي يستلها من التاريخ، بما فيها من شخصيات ووقائع وإشارات وأساطير وحكايات شعبية، ينبغي أن يعاد تشكيلها في ضوء الحاضر حتى تمتلك قدرة التأثير على قارئ متلهف للتعرف على الصدع القائم بين الماضي والحاضر، على الفارق بين الماضي الذهبي للعرب وحاضرهم الرمادي المهزوم. لكن بناء المفارقة يتطلب أن يختار الشاعر واقعة تاريخية تتضمن ضعفا شبيها بضعف الحاضر ليصبح بإمكان القارئ أن يعيد مع الشاعر بناء الواقعة التراثية في سياق الحاضر. وهذا ما يفعله دنقل في قصائده جميعها باستثناء القصائد التي عنونها «أقوال جديدة عن حرب البسوس» التي لم تكتمل قصائدها، واشتهر منها قصيدته «لا تصالح» التي ارتبطت ارتباطا مباشرا بمعاهدة كامب ديفيد الأولى بين مصر وإسرائيل، حيث أصبحت القصيدة على مدار عقود تعويذة الرافضين للصلح مع إسرائيل والتعبير الرمزي عن روح الأمة المتقدة الرافضة للاستسلام لشروط المحتلين. في قصائد «أقوال جديدة عن حرب البسوس» تعبير مباشر عن الحاضر، وتواز تاريخي شديد الوضوح بين حكاية مقتل كليب على يد ابن عمه جساس بن مرة وحكاية العرب المعاصرين وهزيمتهم المدوية عام 1976، وتناديهم للصلح في سنوات السبعينات. وقد انعكس التوازي التاريخي على القصيدة وصورها واستعاراتها ولغتها الشديدة المباشرة واتكائها على لغة التحريض، ما يجعلها تختلف عن كثير من القصائد التي كتبها أمل دنقل في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي. إن التاريخ في هذه القصائد يستدعى ليسند البنية التحريضية للقصيدة، لا ليشتغل عليه وتعاد صياغته.  

أما في المجموعات الشعرية الأخرى لدنقل فثمة شغل حقيقي على التاريخ، وإعادة نظر في وقائعه، وقلب لهذه الوقائع لتخدم الفكرة الأساسية التي تقوم في قاع التعبير الشعري لهذه المجموعات.

في «حديث خاص مع أبي موسى الأشعري» حضور أثيري لشخصية الصحابيّ، الذي يمثل ذكره دلالات تاريخية ورمزية واضحة، وسط أحداث يومية معاصرة: حادث دهس لمواطن فقير وفرار السائق الذي ارتكب الجريمة، حيث يتوارى الشاهد ويمزق الورقة التي سجل عليها رقم السيارة؛ ومن ثمّ ذهاب الشاهد إلى المقهى لتلتقي عيناه بعيني المخبر الحاضر على الدوام يتربص بالزبائن؛ ومشهد البشر المجتمعين لمشاهدة عروس النيل مشتبكا بحديث الشاهد مع عيون الأسماك الميتة والتماسيح التي تفترش عظام طفلة ميتة في قاع النيل؛ وحكاية المهرة الكسلى التي تتحول في منام الشاهد إلى طفلة حبلى مهيضة الجناح تمنح الشاهد الحب بلا مقابل؛ ورؤيا احتراق السنابل وانتشار الجوع في أرجاء مصر. كل هذه المشاهد اليومية والأحلام والرؤى تتكوكب حول أبي موسى الأشعري الذي يلتحم بالأنا الشعرية في القصيدة. إن الواقعة التاريخية، الممثلة في خلع أبي موسى لصاحبه الإمام علي، يجري تحويرها قليلا حيث يخلع أبو موسى الأشعري الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان في الوقت نفسه. كما أن القصيدة تدمج أبعادها المختلفة، وطبقات حكاياتها والمشاهد التي يجري وصفها، ببعد الخلع والقطيعة وإدارة الظهر لكل ما يحصل. بهذا المعنى فإن أبا موسى الأشعري يصير قناعا للراوي، ويتبادل الاثنان الأدوار ليرويا عن الماضي والحاضر، ويكشفا أدواء الحاضر وانهياراته، ويحكيا عن الزمان العربي القتيل. ما تعبر عنه القصيدة ضمنيا أيضا هو أن جرثومة الخلاف والفتنة وُجدت في ذلك الماضي البعيد وهاهي تتوالد في الحاضر وتنمو وتتعملق حتى تصبح الفتنة القانون الذي يحكم العلاقة التي تربط العرب بعضهم ببعض.

لكن المهم في هذه القصيدة هو أنها تؤسس لطريقة أمل دنقل في استثمار الرمز التاريخي، والأساطير والأقنعة والشخصيات والوقائع التاريخية، بحيث يكون الرمز التاريخي امتدادا للحاضر، ويمارس الحاضر طاقته في قلب معنى الماضي ومطابقته مع ما يجري في الراهن من أحداث ووقائع. انطلاقا من هذه الرؤية التي تحكم علاقة شعر الشاعر بالمادة التاريخية التي يستحضرها تبدأ قصيدة «حديث خاص مع أبي موسى الأشعري» من حادث دهس يومي معتاد، لكن القصيدة تطور هذه الواقعة إلى محاكمة للشهود والأمة والتاريخ.

إطار سيارته ملوث بالدم!

سار.. ولم يهتم!!

كنت أنا المشاهد الوحيد

لكنني.. فرشت فوق الجسد الملقى جريدتي اليومية

وحين أقبل الرجال من بعيد..

مزقت هذا الرقم المكتوب في وريقة مطوية

وسرت عنهم.. ما فتحت الفم!!

هنا تتأسس المحاكمة. يدير الشاهد ظهره لما حصل فتتوالى الكوارث. ولذلك تعود القصيدة إلى واقعة صفين بين علي ومعاوية وتستحضر شخصية أبي موسى الأشعري الذي رأى الفتنة تغور عميقا في واقع الأمة. إن أبا موسى الأشعري شاهد مثله مثل الشاهد الذي رأى الجريمة وتغاضى عنها. ومع أنه يخلع في القصيدة الشخصين المتحاربين فإنه يبدو مدانا لتطابقه مع الأنا الشعرية، وكونه قناعا مستدعى من الماضي يضعه الراوي الذي يمالئ المخبر ويرى عروس النيل تغوص في قاع النهر فلا يأتي بأية حركة، مثله مثل الناس الذين «يقايضون الحزن بالشواء»، لتنتهي سلسلة الوقائع المروية بالجوع ينوء بكلكله على البلاد.

وستهبطين على الجموع

وترفرفين.. فلا تراك عيونهم.. خلف الدموع

تتوقفين على السيوف الواقفة

تتسمعين الهمهمات الواجفة

وسترحلين بلا رجوع!

......................

ويكون جوع!

ويكون جوع!  

في «بكائية لصقر قريش» يقوم الشاعر بالمزج بين شخصية عبد الرحمن الداخل، الأموي الهارب من أرض إلى أرض، بحورس الصقر المجنح، برمز المسيح المصلوب. وعلى الرغم من أن السطور الأولى من القصيدة تشي بصورة إيجابية ترسمها للصقر..

عم صباحا.. أيها الصقر المجنح

عم صباحا..

هل ترقبت كثيرا أن ترى الشمس

التي تغسل في ماء البحيرات الجراحا

ثم تلهو بكرات الثلج،

تستلقي على التربة،

تستلقي.. وتلفح!

إلا أن ما يلي من سطور شعرية يكرس صورة تراجيدية حزينة ونهاية كاريكاتورية مؤلمة للصقر،  بدلالاته التاريخية المختلفة وصوره الفرعونية والمسيحية والعربية المستدعاة. إننا نشهد تقويضا من الداخل لما تنطوي عليه الشخصية التاريخية لتتطابق دلالتها مع الراهن المهزوم.

عم صباحا أيها الصقر المجنح

عم صباحا..

سنة تمضي وأخرى سوف تأتي.

فمتى يقبل موتي..

قبل أن أصبح ــ مثل الصقر ــ

صقرا مستباحا؟

لكن هذا النوع من تفريغ الرمز التاريخي من معناه المتداول يبلغ أوجه في قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» حيث يكتفي الشاعر باستخدام الإشارة التاريخية إلى حكاية زرقاء اليمامة التي تشكو إليها الأنا الشعرية هزيمة العرب عام 1976. في هذه القصيدة، التي ولد من رحمها أمل دنقل الشاعر الكبير، مزج مدهش بين لغة المجاز واللغة المباشرة، بين التعبير المجرد ولغة الملموس، بين استحضار الماضي والتعبير عن الراهن، بين الحفاظ على صورة الرمز التاريخي وتجريده من رمزيته وجعله تعبيرا عن الحاضر الأعمى. لكن الرمز التاريخي، الممثل في زرقاء اليمامة، يلحم الانتقالات المتكررة بين تلك المستويات المتقابلة من التعبير، ويقوم بإدراج الماضي في الحاضر من خلال الإشارة الضمنية إلى هزيمة قبيلة زرقاء اليمامة لعدم تصديقهم لها وأخذهم بحكمتها. في هذا السياق من التعبير الشعري تجري مقارنة ضمنية بين نفاذ بصيرة الشخصية التاريخية ورؤيوية الشاعر في الوقت الراهن. ففي كلتا الحالتين حصلت الهزيمة لأن الجماعة لم تلتفت إلى الأخطار المحدقة بها، ولم تستمع إلى قول الحكماء فيها، ما يجعلنا نتساءل من قناعُ الآخر زرقاءُ اليمامة أم الشاعر!

أيتها العرافة المقدسة..

جئت إليك.. مثخنا بالطعنات والدماء

أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدسة

منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء.

أسأل يا زرقاء..

عن فمك الياقوت، عن نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة

عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاة على الصحراء

عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء..

فيثقب الرصاص رأسه.. في لحظة الملامسة!

عن الفم المحشو بالرمال والدماء!!

أسأل يا زرقاء..

عن وقفتي العزلاء بين السيف.. والجدار!

عن صرخة المرأة بين السبي.. والفرار؟

كيف حملت العار..

ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟

ودون أن يسقط لحمي.. من غبار التربة المدنسة؟

إن الشاعر يبني حول رمز زرقاء اليمامة أغلفة من الرموز والوقائع التاريخية التي تنتمي إلى مراحل وحقب مختلفة، وهو في سياق الخطاب الموجه إلى زرقاء اليمامة يشير بصورة مواربة إلى عنترة العبسي وعدم اعتراف قبيلته به فارسا إلا عندما يتعرض بنو عبس للخطر. لكن مشاركة عنترة في القتال لا تجلب النصر لأن نفي مواطنته، وإقامة حاجز سميك بينه وبين علية القوم، ستجعله بلا حول أو طول. إن عنترة يقابل في القصيدة الشعبَ الذي اغتصبت السلطة صوته وهمشته وجوعته ومنعته من المشاركة في صنع قرار الحرب، لكنها عندما قررت الدخول إلى الحرب طلبت منه القتال فانهزم.

        أيتها النبية المقدسة..

        لا تسكتي.. فقد سكت سنة فسنة..

                      لكي أنال فضلة الأمان

        قيل لي «اخرس..»

        فخرست.. وعميت.. وائتممت بالخصيان!

ظللت في عبيد (عبس) أحرس القطعان

أجتز صوفها..

أرد نوقها..

أنام في حظائر النسيان

طعامي: الكسرة.. والماء.. وبعض التمرات اليابسة.

وها أنا في ساعة الطعان

ساعة أن تخاذل الكماة.. والرماة.. والفرسان

دعيت للميدان!

أنا الذي ما ذقت لحم الضان..

أنا الذي لا حول لي أو شان..

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان،

أدعى إلى الموت. ولم أدع إلى المجالسة!!

ثمة في هذا السياق من التعبير الشعري تذويب للرمز التاريخي، ونفي لرمزيته عبر عكس الواقعة التاريخية أو الحكاية الأسطورية وتفريغها من دلالتها المتداولة، لكي تتطابق مع المعنى الذي يقصد الشاعر توليده. ولعل قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» أن تكون من بين أفضل قصائد أمل دنقل التي اعتصرت الرمز التاريخي من خلال عكس وجهته ومطابقة دلالته بدلالة الواقعة الراهنة المتشحة بثوب الهزيمة. كما أن خاتمة القصيدة تصور زرقاء اليمامة وحيدة عمياء في قلب للدلالة الرمزية لشخصية زرقاء اليمامة التي أثر عنها قدرتها على الرؤية عن بعد.

ها أنت يا زرقاء

وحيدة ...عمياء!

وما تزال أغنيات الحب.. والأضواء

والعربات الفارهات.. والأزياء!

فأين أخفي وجهي المشوها

كي لا أعكر الصفاء .. الأبله.. المموها

في أعين الرجال والنساء؟

وأنت يا زرقاء..

 وحيدة .. عمياء!

 وحيدة .. عمياء!

نستنتج من القراءة المختزلة السابقة للرمز التاريخي في شعر أمل دنقل أن لا حضور للماضي على هيئته التاريخية في شعر الشاعر بل إن ذلك الحضور يتحقق في ثياب الحاضر وعلى هيئته. إن الحاضر يغزو الماضي بروحه، وتفاصيله ودمه السائل وبؤسه وهزيمته المعلنة فوق كل الرؤوس. ولعل في ذلك تجريدا للأقنعة، التي يرتديها الشاعر، من وظائفها، وإدراجا للماضي في لحم الحاضر. لا يحاول أمل دنقل، من ثمّ، قراءة الحاضر بعيون الماضي، أو تأويل الواقع الراهن، أو بالأحرى التفتيش عن ميكانيزمات الهزيمة الراهنة المدوية، من خلال إضاءة هذا الحاضر بأسطورة الماضي الغاربة؛ بل يغمس الماضي وشخصياته وأسطورته وواقعته التاريخية في الدم السائل للحظة الحاضرة.

تلك استراتيجية أساسية في شعر أمل دنقل تميزه عن شعراء جيله الذين حاول بعضهم رسم صورة إيجابية للماضي لإقامة تضاد حاد بين تلك المرحلة الغاربة من ماضي العرب الحضاري والواقع الراهن الذي يصورونه سالبا في عملهم الشعري. فعلى النقيض من ذلك يعمل شعر دنقل على غمس الماضي في شواغل الحاضر. لا رغبة لدى الشاعر في تغريب الحدث اليومي في شعره لأغراض جمالية، أو بدوافع رقابية، أو لدواعي توثين الماضي؛ بل إن الغاية الفعلية للشاعر هي توجيه إصبع الاتهام للماضي الذي يقيم في لحم الحاضر ويصوغ وعي سكانه. وشخصيات الماضي المستدعاة مثلها مثل الشخصيات المعاصرة، التي تسعى وإياها في الزمان الراهن، مهزومة ومدانة ومطحونة بوعي الهزيمة. ذلك يصدق على زرقاء اليمامة وأبي موسى الأشعري والمتنبي وأبي نواس وكليب وصلاح الدين وصقر قريش، لأن تلك الشخصيات التاريخية المستدعاة لا تحضر بوعي ماضيها وشروطه بل بوعي الحاضر المدان وشروطه. وفي هذا السياق يكف القناع عن العمل بطاقته الكاشفة عن ضعف الحاضر وبقعه السوداء، وتتحول الخطوط الأساسية في عمل دنقل الشعري إلى حزم من التوازيات المقامة بين الماضي والحاضر يضيء الواحد منها الآخر في لعبة كشف متبادلة: من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى الماضي.

هناك نموذج إشكالي آخر في العلاقة بين الشعر والتاريخ يمثله عمل محمود درويش، فعلى الرغم من أن هناك انشباكا واضحا بين شعر درويش والتاريخ اليومي طوال مسيرته الشعرية إلا أن هذه العلاقة المعقدة التي تقوم بين قصيدته والحدث السياسي، بصورة خاصة، قد فهمت خطأ في النقد العربي المعاصر من خلال تأويل كتابة درويش الشعرية بوصفها انعكاسا لقضيته الكبرى (فلسطين). لكن العلاقة بين شعر درويش والتاريخ اليومي لا تقل تركيبا وإيحاء عن تلك العلاقة التي تضفر شعر أدونيس بالتاريخ. ليست قضية فلسطين سوى الخلفية التي يتحرك إنجاز درويش الشعري استنادا إليها، وهي كتراجيديا كبرى في تاريخ البشر المعاصرين تكوّن العمود الفقري لقصيدته حيث تلقي بثقلها على خياله الشعري وصوره وإيقاعاته ورؤيته الشعرية للعالم. في هذا الإطار يطور درويش، الذي كتب العديد من قصائده تحت ضغط الوقائع التاريخية المعاصرة، علاقة شعره بالحدث اليومي العابر رافعا هذا الحدث إلى مقام الأسطوري الذي يتخطى العارض والمؤقت والزائل. وقد شهدت تجربة درويش الشعرية انحناءات وتحولات في هذه العلاقة: من كتابة قصيدة غنائية ذات شبهة رومانسية تستلهم الحدث اليومي والوقائع العارضة، إلى البناء على هذا الحدث لكتابة قصيدة ملحمية كبرى ذات إيقاعات بطولية صاخبة، وصولا إلى تخليق أساطير جديدة ولحم حكاية الفلسطيني بحكايات الآخرين من الشعوب الغاربة (الأندلسيون، والهنود الحمر، وحتى الكنعانيون..).

في مجموعته الشعرية «لماذا تركت الحصان وحيدا» يصرح محمود درويش أن (... من يكتب حكايته يرثْ/ أرض الكلام، ويملك المعنى تماما!). ويمكن أن نلخص تجربة درويش بأنها تطمح إلى كتابة الحكاية الشخصية المعجونة بالحكاية الجماعية الفلسطينية، وإضفاء معنى على هذه الحكاية من خلال تصعيد التجربة الفلسطينية وأسطرتها والكشف عن البعد الملحمي فيها، بالشخوص والحيوات وحشد الاستعارات والصور المركبة التي تزدحم في قصائده بدءا من «أوراق الزيتون» وصولا إلى «لا تعتذر عما فعلت».

لقد تبلورت خيارات درويش الشعرية في سياق هذا الطموح، ولكنه ظل مشدودا، في مراحل تطور تجربته ونضجها، إلى حالة المخاض التي مر بها الشعر العربي منذ نهاية الأربعينيات، وإلى الانتهاكات الشكلية التي أوصلت شعرنا المعاصر إلى ما تحقق على يدي درويش وأقرانه من الشعراء العرب الكبار خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولم تكن خيارات الشاعر الشكلية، والأفق التعبيري الذي تروده تجربته، لتنفصل عما فجره الشعراء الرواد في جسد القصيدة العربية، إذ كان الشاعر الفلسطيني الشاب، الذي عاش شبه معزول عن سياق تطور الشعر العربي في نهاية الخمسينيات، يلتقط ما يتناهى إليه من حركة التغير في الشكل وعلاقته بالمعنى في القصائد القليلة التي كانت تصل إلى يديه في تلك الفترة الزمنية الضاغطة المعقدة من حياة الفلسطينيين الذين ظلوا في فلسطين بعد التشريد الأول عام 1948. ونحن نعثر في قصائده الأولى على صدى تلك التأثيرات، سواء على صعيد الشكل أو على صعيد المنحى التعبيري والمجازات والاستعارات، والصور الشعرية بعامة، التي درج استعمالها في تلك المرحلة من مراحل تطور الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن اللافت في قصائد الشاعر الأولى هو تلك القدرة على تطويع هذه التأثيرات للتعبير عن التراجيديا الفلسطينية التي يطمح شعر درويش إلى إعادة تركيب عناصرها ليبلغ بها مصاف التراجيديات الكبرى في التاريخ. ولعل الرغبة في صنع أسطورة الفلسطينيين المعاصرين هي التي تجعله في مجموعاته الشعرية الأخيرة يلح كثيرا على ذكر شكسبير وشخوصه، وإسخيلوس ومسرحه التراجيدي بامتياز.        

هكذا تطورت تجربة الشاعر من خلال احتكاكها بالتجارب الشعرية العربية في البدايات، واستطاع درويش أن يهضم التطويرات الشكلية والخيارات التعبيرية لهذه التجارب ويعيد صياغتها بما يخدم قصيدته وطموحه للتعبير عن مأساته الوطنية والمقاومة الفلسطينية الطالعة في تلك المرحلة التي صعد فيها نجمه كشاعر بارز من شعراء جيل المقاومة. لكن الطبيعة المباشرة، والصور الجاهزة والموتيفات المتكررة والنبرة العالية، لشعر المقاومة لم تسكت في شعر درويش ذلك الطموح إلى كتابة قصيدة منفلتة من أسر الجاهز والمباشر والنبرة العالية؛ فعلى حواشي «سجل أنا عربي» كانت التجربة الدرويشية تنسج عالمها وصورها وحلولها التعبيرية بعيدا عمّا أصبح كليشيهات شعر المقاومة الفلسطينية. ونحن نعثر في «أوراق الزيتون»، وفي «عاشق من فلسطين» على بذور تطور تجربة درويش الطامحة إلى الانفلات من أسر الشخصية القالبية لشعر المقاومة، وذلك  عبر الاحتفال بالحسي وتوليد الصور الشعرية المركبة والغريبة التي أصبحت من العناصر الأساسية في تجربة الشاعر عبر منعرجات تطورها.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى مجموعات درويش الأولى بوصفها تمارين في الكتابة الشعرية التي ستأتي لاحقا في «أحبك أو لا أحبك» و«محاولة رقم ٧» وهما المجموعتان الشعريتان اللتان توجتا محمود درويش واحدا من الشعراء العرب الكبار في القرن العشرين. لقد استطاع الشاعر في عدد من قصائد هاتين المجموعتين الشعريتين أن يحقق طموحه في جَدْل التعبير عن التراجيديا الفلسطينية مع التطوير الشكلي للقصيدة العربية المعاصرة، وذلك عبر ابتداع صور مركبة يندغم فيها الحسي بالتجريدي، وتنشأ ظلال المعنى فيها من التقاء التجربة الحارة النازفة بجسد الكلام، وبالإيقاع المتفجر المتصاعد في قصائد تشبه الأعمال الموسيقية السيمفونية بحوار الآلات المتعددة فيها. يصدق هذا الوصف على قصائد مثل: «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا» و«الخروج من ساحل المتوسط» في «محاولة رقم ٧».

في هذه المرحلة من شعر درويش يمكن القول ان الشاعر يوظف مخزونه الإيقاعي ــ الصوري المتدفق للتعبير عن الشروط المعقدة للتجربة الفلسطينية في تلك المرحلة التاريخية. إنه يكتب شعرا يزاوج فيه بين الغنائية والدراما التي تتصاعد في قصيدة مثل «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا». وهو، من ثمّ، يفتح عالمه الشعري على الملحمي والحواري ممسرحا قصيدته التي تغادر صوتها الغنائي لتحتفل بما يدور في أعماق الشخصيات التي تحكي أو يُحكى عنها في القصائد. ففي الوقت الذي كانت فيه قصيدة درويش تصدر، في أعماله الأولى، عن صوت فردي يعيد تسمية العالم والأشياء من حوله، فإنه يتجه في مرحلة « سرحان...»، و«محاولة رقم ٧»بعامة،  إلى كتابة قصيدة تحتشد فيها الذوات المتكلمة. ويمكن العثور على بذور هذا التحول في عدد من قصائد الشاعر السابقة: « جندي يحلم بالزنابق البيضاء» ، و«أزهار الدم» (آخر الليل)، و«العصافير تموت في الجليل»، و«ريتا أحبيني» و«كتابة على ضوء بندقية» (حبيبتي تنهض من نومها). لكن القصائد المذكورة تتضمن صوتين، على الأغلب، أحدهما صوت الشاعر الذي يعيد تأليف كلام الآخرين ويمرر هذا الكلام عبر مصفاة صوته، فيما يعمل درويش في مرحلة «سرحان...» على حشد الأصوات في قصيدته نازعا إلى إعطاء الأصوات بعض حريتها في التعبير عن رؤيتها للأشياء والعالم. وهكذا يتمازج السرد والحوار والوصف والغناء، وتتعدد الأصوات التي تروي الحكاية مما يخلص قصيدة درويش من غنائيتها المفترضة. وعلينا أن ننتبه في هذا السياق إلى أن النقد العربي قد اخطأ عندما صنف قصائد الشاعر بأنها غنائية خالصة، إذ أن درويش يمسرح شعره ويحاول في معظم هذا الشعر صياغة ملاحم عامرة بالشخوص والمتكلمين، وعالمه الشعري يستمد غناه وتعدد معناه من هذه الملحمية المأمولة التي تتحقق في «أحمد الزعتر» و«قصيدة الأرض» (أعراس)، و« مديح الظل العالي»، وعدد آخر من قصائد درويش التي كتبها خلال العقدين الأخيرين.

من الضروري الإشارة لدى الحديث عن هذه المرحلة، من تطور تجربة درويش الشعرية، إلى الصفاء التعبيري الذي بدأ يميز قصائده. ففي هذه المرحلة تصبح قصائد الشاعر أكثر صفاء، وتتخلص، إلى حد كبير، من تراكم الصور الشعرية وفائض اللغة الذي نقع عليه في القصيدة العربية المعاصرة. وهو ما يهيئ الشاعر لانعطافة حاسمة في شكل قصيدته وصوره الشعرية وطبيعة بناء قصيدته بعامة. وتتحقق هذه الانعطافة في مجموعتيه: «هي أغنية، هي أغنية»، و«ورد أقل» حيث تصبح القصيدة أكثر كثافة واختزالا، وأكثر التفاتا إلى ما هو كوني في التجربة. ثمة في قصائد هاتين المجموعتين اشتغال على ثيمات صغيرة كانت مهملة ومقصاة في شعر درويش السابق، ومحاولة لأنسنة الهزيمة والخسارات التي يحولها الشاعر إلى أغاني للعادي والبسيط والمشترك الإنساني في لحظات الهزائم الشخصية والجماعية.

إن درويش يجدل، في هاتين المجموعتين، التطوير الشكلي بمسرحة المأزق الفلسطيني بعد الخروج من بيروت عام ٢٨٩١ حيث يتجلّى انسداد الأفق في صور شعرية تعبر عن الإرهاق وفقدان الأمل والإحساس بالتراجيديا الفلسطينية وقد قاربت عناصرها على الاكتمال. وفي ذروة هذا الانسداد والتيقن من اليأس الشامل يفتح الشاعر قصيدته على أمل غامض يتمثل في نهايات القصائد المفتوحة.

تضيق بنا الأرض. تحشرنا في الممر الأخير، فنخلع أعضاءنا ونمر

وتعصرنا الأرض. يا ليتنا قمحها كي نموت ونحيا. ويا ليتها أمنا

لترحمنا أمنا. ليتنا صور للصخور التي سوف يحملها حلمنا

مرايا. رأينا وجوه الذين سيقتلهم في الدفاع الأخير عن الروح آخرنا

بكينا على عيد أطفالهم. ورأينا وجوه الذين سيرمون أطفالنا

من نوافذ هذا الفضاء الأخير. مرايا سيصقلها نجمنا.

إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟ أين تطير العصافير بعد السماء

الأخيرة أين تنام النباتات بعد الهواء الأخير؟ سنكتب أسماءنا بالبخار

الملون بالقرمزي سنقطع كف النشيد ليكمله لحمنا

هنا سنموت. هنا في الممر الأخير. هنا أو هنا سوف يغرس زيتونه... دمنا. (ورد أقل)

في القصيدة السابقة يعيد درويش إنتاج التجربة الفلسطينية، يلخص الشرط التراجيدي للوجود الفلسطيني بعد الخروج. ثمة ممر أخير وعصافير بلغت بطيرانها سقف السماء ونباتات تنفست هواءها الأخير، وحدود أخيرة، لكن الدم في نهاية القصيدة يعلن عن البداية الغامضة، عن أمل لا شفاء منه في قصيدة درويش التي تذهب في معراج صعودها الفني إلى إعادة تأمل الأشياء الصغيرة والحكايات الناقصة لقراءة مشهد الشتات الفلسطيني في أكثر صوره رمزية وتعبيرا عن تراجيديا التجربة الإنسانية. في هذه المرحلة، من مراحل تطور تجربته الشعرية، يجدل الشاعر ما هو وطني ــ قومي بما هو إنساني لتصبح التجربة الفلسطينية وجها آخر من وجوه عذاب البشر على هذه الأرض. وهو يسعى بدءا من مجموعته الشعرية «أرى ما أريد»، وصولا إلى مجموعته الأخيرة «سرير الغريبة»، إلى تطعيم عالمه بمشاغل شعرية ذات طموح كوني. بهذا المعنى لم تعد عناصر التجربة الفلسطينية تحتل بؤرة شعر درويش، بل إن عناصر هذه التجربة أصبحت تتخايل عبر الأساطير التي ينسجها الشاعر أو يعيد موضعة عناصرها التي يقوم باستعارتها من حكايات الآخرين، ومن ثمّ يجدلها بحكاية شعبه وحكايته الشخصية كذلك.

أصبح درويش في هذه المرحلة صانع أساطير، يولّد حكايات من حكايات ويبني عالما أسطوريا تتمازج فيه حكايات الشعوب وأحلامها في أرض القصيدة التي تسعى إلى وضع حكاية الفلسطينيين في أفقها الكوني وتخليصها من محليتها ومباشريتها. وقد انعكس ذلك غموضا على صوره وعالمه الشعري الذي ظل يحاول، لفترة زمنية طويلة، التخلص من حمولته السياسية المباشرة لصالح إنجاز قصائد كبيرة قادرة على أن تجدل الراهن بالعابر للتاريخ والمتجدد عبر الزمن. إنه يمزج في قصائد «أرى ما أريد» بين نوعين من التخليق الأسطوري: الأول يقيم من عناصر الطبيعة والوجود مشهدا فردوسيا متخيلا، أما الثاني فيسعى إلى بناء أساطير كبرى من فتات حكايات ومواد أولية مستعارة من بنى أسطورية متداولة في ثقافات الشعوب. ويمكن التمثيل على النوع الأول من عملية التخليق الأسطوري بـالـ «رباعيات» التي تعيد ترتيب عناصر الطبيعة استنادا إلى العين الداخلية لضمير المتكلم.

أرى ما أريد من الحقل.. إني أرى

جدائل قمح تمشطها الريح، أغمض عينيّ:

هذا السراب يؤدي إلى النهوند

وهذا السكون يؤدي إلى اللازورد

إننا نمثل في حضرة فردوس مستعاد، في حضرة الطبيعة البكر التي لم تلوثها الحروب والصراعات، ولم تتوال عليها الهزائم والانتصارات. وهذه رؤية أسطورية تتخذ من العودة إلى عالم الطفولة وأرضها مادة ينسج منها الشاعر حلمه بأرض يخفت فيها الصراع ويصخب فيها عرس الطبيعة.

أرى ما أريد من الروح: وجه الحجر

وقد حكّه البرق، خضراء يا أرض .. خضراء يا أرض روحي

أما كنت طفلا على حافة البئر يلعب؟

ما زلت ألعب.. هذا المدى  ساحتي، والحجارة ريحي

لكن الصراع ينبض في جذور هذا العالم الفردوسي المتخيل، والتجربة الفلسطينية، التي يقوم الشاعر بتذويبها في حكاية الضياع الأندلسية، تفجر هذا الفردوس الأرضي الذي يحاول الشاعر بناءه. ثمة بحر ونوارس وحمام وغزال وعشب وجدول ماء، لكن الوحش متوار في ثنايا الحكاية المشتهاة يهدد هذا العالم المرغوب.

أرى ما أريد من المسرح العبثي: الوحوش

قضاة المحاكم، قبعة الامبراطور، اقنعة العصر،

لون السماء القديمة، راقصة القصر، فوضى الجيوش

فأنسى الجميع، ولا أتذكر إلا الضحية خلف الستار..

المستوى الآخر في عملية التخليق الأسطوري يحققه درويش في قصائد «هدنة مع المغول أمام غابة السنديان»، و«مأساة النرجس ملهاة الفضة»، و« الهدهد»، وهي تمثل في مجموعها تأوّج تجربة درويش وبلوغها مرحلة من النضج الشعري وخصوبة الدلالة والقدرة على جدل الحكاية الفلسطينية بحكايات التاريخ المستعادة. في هذه القصائد تتداخل الحكايات، ويصبح من الصعب على القارئ أن يفصل عناصر حكايتنا عن عناصر حكايتهم؛ وهو ما يرقى بشعر درويش، في هذه المرحلة، ليصبح شعرا إنسانيا خالدا قادرا على التعبير عن حكاية البشر، لا حكاية بعض البشر. وهذا ما تقوم به، خير قيام،  الأسطورة التي تعمل على تمثيل الأنماط الكونية من خلال شخوصها الرمزيين ولغتها الرمزية الشاملة.

ينتقل درويش في مجموعته «أحد عشر كوكبا»، التي لا يزايلها هاجس الأسطرة والتخليق الأسطوري، إلى رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين مبددا بذلك شبهة المباشرة، والعاطفية المفرطة، وموفرا كذلك محورا كونيا للتجربة الفلسطينية ببعديها الرمزي والواقعي. في  هذا السياق تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر، كما تحضر ريتا وسوفوكليس والكنعانيون، ليشكل الشاعر من هذه المادة التاريخية ــ الشخصية صيغة للتعبير غير المباشر عن حكاية الفلسطينيين الخارجين «من الأندلس». إن شعر درويش يعبر عن الروح الفلسطينية اللائبة المعذبة الباحثة عن خلاص فردي ــ جماعي من ضغط التاريخ وانسحاب الجغرافيا، لكنه في «أحد عشر كوكبا» يقدم أمثولات تاريخية صالحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية، من بين تجارب أخرى. إن صورة العرب الخارجين من الأندلس في قصيدة «أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي»، وصورة الهنود الحمر في « خطبة »الهندي الأحمر« ــ ما قبل الأخيرة ــ أمام الرجل الأبيض »، تمثل كل منهما استعارة بدْئية Archetype تتطابق مع صورة الفلسطيني المشرد المقتلع المرتحل بعيدا عن أرضه؛ ومحمود درويش يكشف عن سر استعارته حين يضع عبارة «الهندي الأحمر» بين مزدوجين مومئا إلى هندي أحمر معاصر، هندي أحمر فلسطيني يعرض في «خطبته» مفارقة انتصار الآخر وهزيمته هو.

هكذا يعيد درويش قراءة تاريخ الأندلسيين الخارجين من الأندلس حيث يلعب الماضي دوره بوصفه مرآة للحاضر، وتضيء صورة «العرب الخارجين من الأندلس» هزيمة الحاضر المدوية، وتختلط الفاجعة بالأمل، بذكرى الفردوس الأندلسي ــ الفلسطيني المفقود.

الكمنجات تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس

الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس

الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود

الكمنجات تبكي على وطن ضائع قد يعود

أما في « خطبة» الهندي الأحمر« ــ ما قبل الأخيرة ــ أمام الرجل الأبيض» فإن التطابق بين صورة الهندي الأحمر، في فضائها التاريخي، وصورة الفلسطيني المعاصر، يبدو حادا تماما على خلفية وصول المشروع الوطني الفلسطيني إلى انعطافة تاريخية مؤرقة. ومن ثمّ تبدو خطبة الهندي الأحمر بمثابة تسليم أن الفضاء التاريخي ــ الجغرافي أصبح محتلا بالآخر، بحديده وطائراته وأيديولوجيا الجنون التي يحملها معه. إن المتكلم في القصيدة ( الهندي الأحمر) والعناصر الزمانية والمكانية، والصور الشعرية والرموز المركبة فيها، يمكن تحويرها لتدل على الفلسطيني في شرطه التاريخي المعقد واصطدامه بجدار مشروعه التاريخي.

... أسماؤنا شجر من كلام الإله، وطير تحلق أعلى

من البندقية. لا تقطعوا شجر الإسم يا أيها القادمون

من البحر حربا، ولا تنفثوا خيلكم لهبا في السهول

لكم ربكم ولنا ربنا، ولكم دينكم ولنا ديننا

فلا تدفنوا ألله في كتب وعدتكم بأرض على أرضنا

إن الأفق يبدو قاتما في هذه القصيدة، كما أن حضور عناصر الطبيعة، التي تختزن أشباح المهزومين وتذوبهم ليصبحوا جزءا منها، يعيد شعر درويش إلى محوره الأسطوري حين تنفتح القصيدة على فضاء الغرابة والدهشة والمرارة والإحساس الغائر بالفاجعة.

هنالك موتى يضيئون ليل الفراشات، موتى

يجيئون فجرا لكي يشربوا شايهم معكم، هادئين

كما تركتهم بنادقكم، فاتركوا يا ضيوف المكان

مقاعد خالية للمضيفين.. كي يقرؤوا

عليكم شروط السلام مع الميتين!

يتحول درويش في مجموعتيه «لماذا تركت الحصان وحيدا» و«سرير الغريبة» إلى كتابة شبه سيرة ذاتية، إلى توليف عناصر من عيشه الشخصي مع عناصر من التاريخ الفلسطيني الجماعي، والحكايات والأساطير والاقتباسات القرآنية والتوراتية، للتعبير عن الإحساس العميق بالمنفى الجماعي والشخصي. لكن الانشغال هنا بحكاية السيرة، بتفتح الوعي على هذا العالم والانغماس في الحب، لا يخفف من الشعور الملازم بالغربة والمنفى.

في «لماذا تركت الحصان وحيدا» يعيد الشاعر ترتيب كسر الماضي الشخصي ويسقط أحداث الحاضر على الماضي في كتاب شعري يوهم قارئه بأنه معني بتجلية صورة الولادة، عبر توسل عناصر المشهد الرعوي، وهيمنة عناصر الخصب، وتجلي فصل الربيع في شهر آذار.

... كان المكان معدّا لمولده: تلّة

من رياحين أجداده تتلفت شرقا وغربا. وزيتونة

قرب زيتونة في المصاحف تعلي سطوح اللغة...

ودخانا من اللازورد يؤثث هذا النهار لمسألة

لا تخصّ سوى الله. آذار طفل

الشهور المدلل. آذار يندف قطنا على شجر

اللوز. آذار يولم خبيزة لفناء الكنيسة.

آذار أرض لليل السنونو، ولامرأة

تستعد لصرختها في البراري... وتمتد في

شجر السنديان.

لكن انتصار الحاضر على مشهد الولادة، بتأزم أفق الصراع وثقل الواقع الضاغط، يدفع القصيدة إلى التلون برؤيا الغريب المنفي، ويصبح اليأس والإحباط، من التجربة الجماعية التاريخية، مهيمنين في فصول هذه المجموعة الشعرية التي تنفتح على المجموعة الشعرية التالية «سرير الغريبة» من خلال حضور مادة السيرة الشخصية والإلحاح على حضور المنفى في تلافيف حكاية العشق التي يكتب الشاعر سوناتاته انطلاقا منها. وبذلك يدشن درويش فضاء جديدا لتجربته الشعرية عبر تخليصه هذه التجربة من ثقل الواقعة التاريخية وإعادته النظر في عناصر سيرته، متأملا الماضي في ضوء الحاضر، جادلا الشخصي بالجماعي، واضعا تراجيديا الوجود الفلسطيني في بؤرة الحياة الداخلية للشاعر.كذلك يفعل درويش في «حالة حصار» حين يقيم محورا جديدا في تاريخ علاقته باليومي. إنه يصدر من اليومي الضاغط، ومن الراهن بكل عناصره وقربه من الجلد والأصابع، برائحته وألوانه وأصواته وملمسه الخشن، ليكتب قصيدة إنسانية تنهض من أرض الحدث لتصوغ أساطير صغيرة عن صمود الفلسطيني في وجه تهديد المحو والطرد خارج تاريخ البشر المعاصري


تصميم الحاسب الشامل