|
|||||
|
انتهت الحرب اللبنانية في الخامس عشر من أكتوبر 1990، بعد مرور خمسة عشر عاماً وبضعة أشهر على اندلاعها في الرابع عشر من أبريل 1975. هذه هي الرواية الرسمية. الحرب العسكرية انتهت. فُتِحت المعابر التي مزّقت جسد بيروت وفضاءها الروحي. أزيلت الحواجز التي ارتفعت في داخل المدن والأحياء، وبين النفوس والبشر. بات يُمكن التجوّل في أنحاء البلد، وإن ظلّ الخوف حاضراً في يوميات اللبنانيين. مرّت ستة عشر عاماً على هذه النهاية «المزعومة»، لكن الأسئلة والملفات التي خلّفتها الحرب لا تزال معلّقة وغير مكتملة، أي إنها لا تزال تفتقد الأجوبة المطلوبة والحاسمة: المفقودون والمخطوفون (سبعة عشر ألف مواطن لبناني لم يُعثر عليهم لغاية الآن، «ضاعوا» في متاهة الموت والفوضى والجرائم التي عمّت المدينة في ثمانينيات القرن المنصرم، أي في ذروة التناحر الدموي بين اللبنانيين). المعوّقون (عشرات الآلاف فقدوا جزءاً أو أكثر من أجسادهم بسبب هذه الحروب المتنقّلة في أرجاء لبنان). ـ١ـ لمهاجرون و«المنفيون» طوعاً أو قسراً (مئات آلاف اللبنانيين تركوا وطنهم في خلال الحرب، وعشرات الآلاف الآخرين هاجروا في الأعوام التي تلت هذه النهاية «المزعومة» للحرب اللبنانية). المشاكل النفسية المتنوّعة (يُعتبر لبنان من الدول الأكثر استيراداً للأدوية الخاصّة بالصحّة النفسية في العالم، من دون أن يعني هذا أن الأدوية المستوردة قادرة على «حل» المشاكل النفسية الكثيرة). الأزمات الاجتماعية والحياتية. أضف إليها أسئلة العلاقة بالمجتمع والوطن والحرب والهوية والمستقبل (هناك غياب فظيع، ثقافياً وفكرياً وحياتياً، في هذا المجال)، والعلاقات الداخلية بين اللبنانيين أنفسهم (هناك تشرذم خطر ناتج من غياب المساءلة النقدية الجدّية حول أسباب اندلاع الحرب وانتهائها بهذا الشكل الملتبس والغامض، وحول الأسئلة الأخرى كلّها). الطائفية والانتماء الديني. المآزق اليومية، في السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد. إلخ. باختصار: انتهت الحرب اللبنانية قبل ستة عشر عاماً، وظلّت مشاكلها ونتائجها وفوضاها تعمّ لبنان، وتصيب اللبنانيين بمزيد من العزلة والانقسام والانقطاع فيما بينهم، في حين أن مسائل عدّة (كالهوية والمواطنية) ومفاهيم عدّة (كـ«مجتمع مدني» و«ديمقراطية» و«علمانية» مثلاً)، بالإضافة إلى طبيعة السلم الأهلي الحقيقي، وغيرها من العناوين، لا تزال من دون أجوبة. لم تبقَ السينما اللبنانية، أقلّه منذ مطلع تسعينيات القرن الفائت، بمنأى عن هذه الأسئلة. لم يبتعد سينمائيون لبنانيون عن هذه الوقائع المؤلمة التي عاشها لبنان في خلال الحرب الدموية (1975/1990) أولاً، وفي أعوام السلم الأهلي المنقوص والهشّ (١٩٩١/2006) ثانياً. رأى هؤلاء أن النتاج الثقافي الإبداعي يجب أن يلعب دوراً فاعلاً في قراءة الماضي والآنيّ، للمشاركة الحقيقية في صنع وطن جديد، ومستقبل مختلف، ومجتمع إنساني متحرّر من ثقافة العنف والعنصرية والطائفية والعصبيات القبائلية والعزلات الدينية، أي في مجتمع تعددي (ثقافياً وحضارياً وفكرياً واجتماعياً ودينياً) ومنفتح، يرتكز على ديمقراطية النقاش السوي، وكل «جماعة» فيه تقبل الآخر وتحاوره بشكل سليم وسلميّ. لكنهم، في هذا كلّه، أدركوا أن السينما (والفنون والإبداع) لا تضع حلولاً، ولا تغيّر أحوال المجتمع وناسه، بل تحرّض المتلقّي على إعادة طرح الأسئلة، وتحثّه على البحث عن أجوبة، وتدفعه إلى اختبار المحاولات المختلفة للعثور على أجوبة كهذه. تعاملوا مع السينما كأداة فاعلة في تسليط الضوء على هذا الموضوع أو ذاك، وفي قراءة هذه اللحظة أو تلك، مكتفين بهذه «المهمّة» الثقافية والفنية التي يُفترض بالسينما (وبالفنون الأخرى أيضاً) أن تؤدّيها بالشكل السليم والسوي. اعتبروا أن إعادة إعمار المدينة لا يُمكن أن يُنجز من دون الثقافة والفنون: يجب على الفنانين والمثقفين أن يساهموا بجدّية في هذا المشروع الضخم، أي في إزالة آثار الحرب، بمناقشة هذه الحرب وتحليلها والاشتغال الإبداعي والنقدي والفكري والجمالي فيها وعنها، وفي طرح عناوين الحاضر وآفاق المستقبل وتصوّراته، مصرّين، في الوقت نفسه، على أن الفنون كلّها تلعب دور المحرّض على المساءلة والسجال النقدي، من دون أن يتغاضوا عن أهمية الجوانب الفنية والتقنية والجمالية في نتاجاتهم الإبداعية. هذا ما صنعوه في أفلامهم المختلفة (الوثائقية والروائية والتجريبية وأفلام التحريك والـ«فيديو آرت» وغيرها من الأشكال البصرية المتنوّعة)، حين جعلوا الكاميرا مرآة الذات والمجتمع والأزمات والوقائع، تاركين المشاهدين يواجهون، في علاقة مباشرة، الصُوَر المنقولة أمامهم، وهي صُوَرهم أصلاً، ومحرّضينهم على التفاعل مع أنفسهم ومع مسائلهم اليومية. صحيح أن غالبية الأفلام اللبنانية التي اقتبست مواضيعها الدرامية من الواقع الإنساني (في سنوات الحرب العبثية، وفي أعوام السلم المجتزأ)، لم تستطع أن تجذب أعداداً كبيرة من المشاهدين اللبنانيين، ولم تفرض حضوراً ما لها في المشهد السينمائي المحلي. لكنها، على الأقلّ، «نجحت» (إلى حدّ كبير بالنسبة إلى بعض الأفلام) في طرح أسئلتها هذه، مغلّفة إياها بأنساق بصرية ودرامية وجمالية استوفت شروطاً تقنية عدّة (في التصوير والإضاءة والتوليف، في إدارة الممثلين، في المعالجة البصرية والدرامية، إلخ...)، وقدّمت مواضيعها بلغة إنسانية لم تخلُ، في بعض الأحيان، من قسوة هي، في الواقع، قسوة الحياة اللبنانية والنتائج المزرية التي أفضت إليها الحرب المنقوصة والسلام الهشّ. مع هذا، فإن الأفلام اللبنانية لم تكن كلّها على سوية إبداعية واحدة. هناك أفلام اختارت مواضيع حسّاسة، من دون أن تنجح في تحقيق المعادلة الفنية المطلوبة بين الشكل والمضمون. وهناك أفلام أخرى غاصت في تشعّبات الصراع الداخلي بين الفرد وذاته، أو بين الفرد والآخر، فقدّمت مساءلتها ومقاربتها الفنية بأشكال بصرية مرتبكة، وظلّت مواضيعها نفسها دون المستوى اللائق بصناعة فيلم. إن بعض العناوين المختارة لهذه الدراسة، لم يتوصّل صانعوها إلى مستوى سينمائي جدير بالاهتمام النقدي (ناهيك بالاهتمام التجاري)، بسبب إسرافٍ في التبسيط، أو غياب المخيّلة الإبداعية، أو العجز عن فهم أدوات اللعبة التقنية والفنية والجمالية. ـ٢ـ السينما جزء من النتاج الثقافي والفني. سينمائيون لبنانيون عديدون وجدوا في الحرب وما بعدها مادة درامية غنية بالأسئلة والتفاصيل القابلة لتحويلها أفلاماً متنوّعة. آخرون تناولوا مواضيع اجتماعية وعاطفية، بعضها مرتبط بما آلت إليه أحوال البلد منذ النهاية المزعومة للحرب (أصرّ على استخدام تعبير «النهاية المزعومة للحرب»، لأن الواقع المعيش منذ مطلع التسعينيات الفائتة يؤكّد، يوماً بعد يوم، أن الحرب مستمرّة في لبنان، مجتمعاً وعلاقات وتفاصيل حياتية يومية، بأشكال مختلفة). في مقابل هذا، تجدر الإشارة إلى أن هناك كَمّاً هائلاً من الصُوَر التُقِطت لبيروت منذ أن فُتحت المعابر، وظهرت المدينة بوجهها المدمَّر والمسحوق والحزين. صُوَرٌ فوتوغرافية وأخرى متحرّكة (فيديو تحديداً). صُوَرٌ للبشر الطالعين من بؤس الخراب وألم النزيف الخطر، وللحجارة التي تشظّت في قلب المدينة وناسها، وحوّلت العمران إلى ساحة للدمار. صُوَرٌ تحوّل بعضها إلى أرشيف للذاكرة المثقوبة بالموت والسؤال عن خمسة عشر عاماً من اللهيب الذي بدا، لوهلة، أن لا نهاية له، وشكّل بعضها الآخر جزءاً أساسياً من حركة الإنتاج البصري اللبناني. أول السينمـــــائــيين اللبنانيين الذين أنجزوا أفلاماً روائية طويلة في مرحلة ما بعد النهاية المزعومــــــة للحـــرب اللبنانية، هو سمير حبشي: متخرّج من أحد معاهـــــد التــــــدريس السينمائي في كييف، عاد حبشي إلى بيروت ليلتقط حالات إنسانية ناتجة من الشقاء اليومي لأعوام الحرب ودمارها المادي والمعنوي والنفسي والروحي. أنجز، في العام ٢٩٩١، فيلمه الروائي الطويل الأول، بعنوان «الإعصار». إنه عبارة عن مزيج فني بين عبثية الموت والحياة وسوريالية الواقع وغرائبية الخراب اللبناني. عرف الفيلم نجاحاً تجارياً لافتاً للنظر (نحو خمسين ألف بطاقة مباعة، وهو رقم كبير قياساً إلى الحالة الاجتماعية والثقافية اللبنانية، وإلى العلاقة المرتبكة دائماً بين اللبنانيين وسينماهم «الوطنية»). قال نقّادٌ إن اللبنانيين توافدوا إلى الصالات لمشاهدته، رغبة منهم في معاينة تفاصيل خاصّة بهم عبر الشاشة الكبيرة. رأى آخرون أن اللبنانيين أرادوا مشاهدة فيلم «يشبههم»: ممثلون لبنانيون ينطقون اللهجة اللبنانية، ويؤدون أدواراً لشخصيات مصنوعة من لحم ودم، وتشبههم هم أيضاً، ويعيشون في «ديكورات» يعرفونها ويتجوّلون فيها. لكن الأهمّ يبقى في أن «الإعصار» قدّم نموذجاً سينمائياً عن إمكانية التعبير البصري عن واقع حيّ، لا تزال آثاره مطروحة بقوة في جسد اللبناني وروحه، كما في المساحة الجغرافية والاجتماعية الخاصّة بلبنان. أغرى النجاح التجاري لـ«الإعصار»، (يُذكر أن النجاح النقدي للفيلم ظلّ متفاوتاً بتفاوت مستويات التلقّي عند النقّاد والصحفيين المهتمّين بالشأن السينمائي)، سينمائيين لبنانيين آخرين على خوض المغامرة المنتظرة. لا يعني هذا أن المسار التاريخي للسينما اللبنانية انقطع سياقه في خلال الحرب، التي شهدت إنتاج أفلام لبنانية متنوّعة، ظلّ مستمرّاً، وإن بوتيرة مرتبكة، جرّاء المعارك الطاحنة أو انسداد أفق التواصل مع اللبنانيين جميعهم، أو بسبب «شح» التمويل. طغى الإنتاج الوثائقي والتسجيلي والتلفزيوني على الروائي، ملتقطاً أحوال المدينة والناس والمجتمع. ربما لو تسنّى لأحدهم أن يعيد توليف هذه الأفلام كلّها في شريط واحد، لحصل على فيلم يعكس المسار التاريخي للحرب والناس والمجتمع، ويضيء لحظات التحوّل الخطر للبنان في أعوام حروبه الوحشية، ولاكتشف جانباً مهماً من المسارين التاريخي والإبداعي للسينما اللبنانية نفسها. مع هذا، عرفت هذه السينما اللبنانية فترات خصبة بالإنتاج السينمائي الروائي في بعض مراحل الحرب، إذ عاند سينمائيون عديدون قدر الموت الذي حاصرهم في بيوتهم وشوارع مدينتهم، فأنجزوا أفلاماً عرف بعضها نجاحاً تجارياً وجماهيرياً ما، إما بسبب اختيار مخرجيها مواضيع رومانسية مطعّمة ببعض التشويق والحركة (مصارعون، مطاردات، عصابات)، وإما لأن بعض المخرجين استغلّ وجود نجوم عالميين لإحياء حفلات غنائية في بيروت، فصوّرهم في أفلامهم العادية للغاية، وإما لأن مخرجين آخرين قدّموا صورة جميلة وشفّافة عن الدور الوطني للشرطة اللبنانية في مقارعة الفساد والجريمة في وطن استباحته الميليشيات بفوضاها و«زعرانها» وقتلتها، فإذا برجال «الفرقة 16» (إحدى أبرز الفرق البوليسية التابعة للشرطة اللبنانية) يأتون في النهاية حاملين أملاً بأن السلطة الرسمية «ستنقض» على المجرمين والفاسدين (وهذا ما لم يحصل، حين «عاد» السلم الأهلي إلى بلد ممزّق، فإذا بالسلطة الرسمية أكثر تمزّقاً منه). غلب على هذه الأفلام النوع الاستهلاكي، أي القصص البسيطة القادرة على جذب الجمهور، والمعالجة العادية (لا تتّخذ هذه القراءة النتاج السينمائي اللبناني في خلال الحرب، بل تسلّط ضوءاً نقدياً على النتاج الذي قدّمه سينمائيون لبنانيون في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، علماً أن بعضهم غادر لبنان وعاد إليه محمّلاً بدراسة أكاديمية أو بتجربة ميدانية في العمل السينمائي). لم ينقطع المسار التاريخي للسينما اللبنانية منذ ولادتها الرسمية في العام 1929، مع «مغامرات الياس مبروك» للإيطالي المقيم حينها في بيروت جوردانو بيدوتي. لم تستطع الحرب أن تقضي على أي نتاج ثقافي وفني وأدبي، بل زادت من وتيرة العمل على مواجهة مآزقها وأزماتها في أعمال يعود الفضل إليها في إضاءة محطّات وأحداث وأفكار متنوّعة. في السينما، استمرّ سينمائيون قدّموا أفلاماً عدّة قبل العام 1975 في رفد المشهد الإبداعي اللبناني بأعمال صادمة حيناً، ومحرّضة حيناً آخر. قبل اختيارهم المنفى الأوروبي (فرنسا غالباً) بدءاً من منتصف الثمانينيات المنصرمة، أنجز مارون بغدادي (توفي في أواخر العام 1992، إثر سقوطه في منور البناية التي تسكن فيها والدته في قلب بيروت) وبرهان علوية وجوسلين صعب ورندة الشهّال صبّاغ وبعض آخر أفلام روت جزءاً من المعاناة الذاتية إزاء التشرذم الخطر الذي اخترق المدينة والمجتمع والناس، كـ«حروب صغيرة» لبغدادي و«بيروت اللقاء» لعلوية، وغيرهما من الأفلام الوثائقية. جان شمعون ومي المصري انصرفا إلى صناعة الفيلم الوثائقي بهدف «أرشفة» الوقائع اللبنانية والفلسطينية. وهؤلاء جميعهم لم يتوقّفوا عن إنجاز أفلام «لبنانية» (أي التي تتناول مواضيع لبنانية وإن بتمويل أوروبي) وهم يقيمون في المنافي التي أمضوا فيها أعواماً طويلة قبل أن يعودوا إلى بيروت. ـ٣ـ يُمكن القول إن «الإعصار» لسمير حبشي أسّس، في مطلع التسعينيات الفائتة، مرحلة جديدة في المسار التاريخي للسينما اللبنانية: إنه بداية عهد السلم الأهلي المنقوص والهشّ، الحامل في طياته أسئلة كثيرة لم يعثر أحدٌ، أقلّه لغاية الآن، على أجوبة «مقنعة» عليها. على الرغم من التفاوت الملحوظ في القراءات النقدية التي طالته بين مؤيدٍ لشكله الغامض في سرد حكايات مستلّة من بؤس الحرب وشقاء اللبنانيين في يومياتهم السوداء، وبين منفضّ عنه بسبب وقوعه في فخّ التنظير البصري، يبقى «الإعصار» واحداً من الأفلام اللبنانية التي سعت إلى تشكيل وعي شعبي متعدّد المستويات: وعي بأهمية السينما في مقاربة الحالات الإنسانية، وعي بوجود «سينما» لبنانية قادرة على إعادة صوغ الحكايات والتفاصيل، وعي بأن السينما مرآة حيّة للذات والمجتمع والثقافة، وحيّز لطرح الأسئلة، وأداة تحريض للبحث عن أجوبة. مع هذا، فإن تأسيس حالة شعبية خاصّة بالسينما اللبنانية تتطلّب مقوّمات عدّة، لعلّ أبرزها كامن في ضرورة وضع آلية متكاملة لصناعة سينمائية تستمرّ في إنتاج الأفلام وتسويقها في الداخل اللبناني أولاً، وقبل أي شيء آخر. وعلى الرغم من مرور ستة عشر عاماً على بداية السلم الأهلي المنقوص والهشّ، فإن عدد الأفلام الروائية الطويلة لم يتجاوز ثلاثين عنواناً، وهو رقم تُنجزه السينما المصرية مثلاً في عام واحد (من دون تناسي التفاوت الدرامي والنقدي والجمالي بين الأفلام). ثم إن هذه الأفلام الثلاثين لم تختر كلّها مواضيع من الحرب أو عنها، أو من السلم وعنه. هناك أفلام نحت باتجاه الكوميديا البحتة المأخوذة من مسلسلات تلفزيونية لبنانية ذات طابع فكاهي أو انتقادي يومي عاديّ. هناك أفلام عالجت مواضيع اجتماعية لا علاقة مباشرة لها بالحرب. هذان نوعان لا مكان لهما في هذه القراءة النقدية، إذ إنهما ابتعدا كلّياً عن الحرب وتفاصيلها، وعن السلم ومتاهاته. لكنها أفلام أنجزها مخرجون «طارئون» على السينما (شادي حنا، شربل خليل) بدليل أنهم لم يُنجزوا أفلاماً أخرى بعد الفيلم الأول لهم، أو أصحاب تجارب تلفزيونية جدّية إلى حدّ كبير، كمروان نجار، الذي استعان بالسينما لتقديم النوع الرومانسي الكوميدي المبسّط والهادىء والجميل، قبل أن يطرح مشاكل اجتماعية حسّاسة لم يستطع معالجتها على الشاشة الصغيرة في برامجه الانتقادية الحادّة، التي طالت مواضيع لبنانية بحتة. منذ «الإعصار» لغاية اليوم، مرّت السينما اللبنانية بمرحلتين اثنتين فقط كانتا «غزيرتي» الإنتاج، في مقابل تراجع هذا الإنتاج في أعوام أخرى: المرحلة الأولى امتدت بين نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة (1997،2001)، والمرحلة الثانية امتدّت بين العامين 2003 و2006. هاتان مرحلتان قدّمتا للسينما اللبنانية عدداً لا بأس به من الأفلام الروائية الطويلة، إلى جانب عدد من الأفلام الروائية القصيرة التي لا تقلّ أهمية عن الطويلة، والتي صنعها مخرجون شباب ينتمون إلى جيل التسعينيات بامتياز، ويمتلكون حساسية إبداعية راقية جداً ومواهب فنية مؤثّرة وقدرة على تكثيف الحكاية في قراءة المشهد الإنساني: فؤاد عليوان، إيلي خليفة، ميشال كمّون، هاني طمبا، ديما الحرّ، محمود حجيج، ربيع مروة، سابين الشمعة، طلال خوري، وغيرهم. أقول إن هناك عدداً من الأفلام الطويلة «لا بأس به»، وذلك قياساً إلى أزمات معروفة في الإنتاج السينمائي اللبناني: غياب شركات إنتاج محلية، غياب صناديق دعم محلية، صعوبة العثور على تمويل غربي دائم، غياب البنى التحتية الخاصّة بـ«صناعة سينمائية متكاملة»: أي غياب الاستديوهات، ومعامل التحميض والمختبرات والخدمات الفنية وشركات التوزيع والتسويق والصالات المحلية التي تمنح النتاج السينمائي اللبناني فرصاً متساوية للعرض التجاري، إلخ. لكن أحوال هذه البنى التحتية تبدّلت قليلاً، وبشكل جدّي وملحوظ، بدءاً من الربع الأخير للتسعينيات نفسها: تأسّست شركات انتاج متواضعة أمّنت «خدمات فنية» ذات مستوى راق، وباتت هناك صالة تُعنى بالنتاج السينمائي المختلف عن السائد الهوليوودي، وإن باهتمام أقلّ بالفيلم اللبناني. في حين أن بعض المهرجانات السينمائية المُقامة في بيروت تُفرد مساحة مهمّة للفيلم اللبناني، كـ«نما في بيروت» (مهرجان سنوي معنيّ بالنتاج السينمائي والبصري اللبناني) و«أيام بيروت السينمائية» (مهرجان مختصّ بالفيلم العربي، ويسعى دائماً إلى الفيلم اللبناني، ويُقام مرّة واحدة في كل عامين) و«مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» (يحاول العثور على أفضل الأفلام اللبنانية الوثائقية لإشراكها في دوراته السنوية). هناك أيضاً «مهرجان بيروت السينمائي الدولي» (عاد إلى إحياء دوراته السنوية بدءاً من العام 2006، بعد توقّف دام نحو أربعة أعوام)، علماً أن «مهرجان السينما الأوروبية» أفسح مجالاً دائماً للفيلم اللبناني لعرضه، سواء القديم (في محاولة لاستعادة جزء من نتاج الذاكرة السينمائية اللبنانية، بالتعاون مع «مؤسّسة سينما لبنان«) والجديد (في حال تمّ تحقيقه بإنتاج مشترك مع دولة أو مؤسّسة أوروبية، أو أكثر). أتاحت هذه المهرجانات الفرصة أمام الفيلم ومخرجه، كما أمام الجمهور والموزّع وأصحاب الصالات المحلية، لمشاهدة هذا النتاج، علماً أن بعض الأفلام وجد طريقه إلى العرض التجاري بفضل المهرجانات. مع هذا، أنجزت أفلام روائية طويلة عدّة، بلغ عددها ثلاثين فيلماً حتى نهاية العام 2006. هناك بعض المشاريع المعلّقة، إما بسبب غياب جزء من التمويل كـ«خلص» لبرهان علوية، أو بسبب بدء العمليات الفنية الأخيرة التي تحتاج إلى أشهر قليلة لتنفيذها كـ«هذا ليس فيلما» (عنوان مؤقّت) لشادي زين الدين، وإما لأنها لا تزال تبحث عن إنتاج لبناني أو أوروبي (كالمشروع الجديد لبهيج حجيج، الذي أنهى كتابة السيناريو). ببساطة، يُمكن القول إن إنتاج ما لا يقلّ عن ثلاثين فيلماً في بلد مثل لبنان، يعاني أزمات عدّة على مستوى «البنى التحتية» الخاصّة بالشأن السينمائي، يُشكّل حالة ثقافية مهمّة، بصرف النظر عن المستويات الفنية والتقنية والدرامية، وعن مدى النجاحين الجماهيري والنقدي الخاصّين بكل واحد منها. فالحالة المذكورة تعني أن هناك إمكانيات متنوّعة للنهوض بالسينما اللبنانية من مآزقها الإنتاجية (والفنية والتقنية والجمالية والدرامية) والتسويقية، إذا تضافرت جهود المعنيين، الرسميين وغير الرسميين، للبحث في سبل دعمها. إن إمكانيات السينما اللبنانية كامنة في المقوّمات الإبداعية والفكرية، والقدرات التخييلية على ابتكار أشكال مختلفة للمضامين الدرامية، ووفرة المواضيع الإنسانية المتنوّعة. لذا، فإن ما تحتاجه هذه السينما يتعلّق بضرورة وضع سياسة دعم إنتاجي تُطلقه وزارة الثقافة بمشاركة قطاعات سينمائية مستقلّة، وبإيجاد سياسة توزيع (داخلي وخارجي) لا تكتفي بإشراك الأفلام اللبنانية بالمهرجانات العربية والدولية، بل تخصّص بها حيّزاً جيّداً في البرمجة الأسبوعية اللبنانية. أضف إلى هذا كلّه، ان أفلاماً لبنانية عدّة عرفت نجاحاً نقدياً أو جماهيرياً في عروضها الغربية، مما ساهم في تعريف الغربيين على نمط سينمائي عربي مختلف عن النتاج المغاربيّ والمصري، هو النمط اللبناني الذي جمع في طياته الإبداعية حالات إنسانية بتقنيات مصنوعة بشكل جيّد. ـ٤ـ شهدت السينما اللبنانية، منذ «الإعصار» لسمير حبشي، حركة إنتاج جيّدة، علماً أن بعض الأفلام المنتجة في تلك الفترة عرف نجاحاً نقدياً و/أو جماهيرياً. لم تتناول الأفلام الثلاثين كلّها (كما سبقت الإشارة إلى ذلك) ثنائية الحرب الملتبسة والسلم الأهلي المنقوص والهشّ، بقدر ما توزّعت مواضيعها على الاجتماعي والرومانسي والكوميدي والغنائي والاستعراضي، علماً أن هذه الأفلام كلّها لم تكن على سوية إبداعية واحدة. أضع جانباً الأفلام الكوميدية والرومانسية والغنائية/ الاستعراضية. مع هذا، لا بُدّ من الإشارة إلى تجربة غنائية/استعراضية واحدة عرفتها السينما اللبنانية الجديدة، ممثّلة بـ«البوسطة» لفيليب عرقتنجي، وهو مخرج وثائقي حاول، في فيلمه الروائي الطويل الأول هذا، أن يرسم صورة عن الصراع التراثي (في الغناء والموسيقى) بين القديم والجديد، من خلال الرقص والغناء. عرف هذا الفيلم نجاحاً جماهيرياً لافتاً للنظر، إذ شاهده نحو مئة وأربعين ألف مُشاهد في أربعة أشهر، وهو رقم «ممتاز للغاية» إذا قورن بالنجاح الجماهيري الخاصّ بفيلمين أميركيين هما «تيتانيك» لجيمس كاميرون (نحو 410 آلاف مشاهد) و«آلام المسيح» لمل غيبسون (ما لا يقلّ عن 300 ألف مشاهد)، علماً أن الفيلم اللبناني الذي «حطّم» الأرقام القياسيــة عــــلى مستـــــوى عــــــدد مُشاهديه اللبنانيين (بعيداً عن أي قراءة نقديــــــة تطــــال مستوياته المختلفة، وهــــي مستويات عادية للغاية)، عنيتُ به «أس أل فيلم» لشادي حنا (مقتبس عن مسلسل تلفزيوني بعنوان «أس أل شي» عرف نجــــــاحاً جماهيرياً كبيراً جداً)، استقطب نحو ٠٢١ ألف مُشاهد لبناني فقط. هذه أرقام تكشف جانباً من العلاقة الناشئة بين اللبنانيين والسينما. ففي مرحلة لاحقة لمطلع التسعينيات المنصرمة، بدأ اللبنانيون يبحثون عن الممتع والمبسّط، وينفضّون عن الصُوَر القاسية التي تعكس واقعهم المرير وحقائقهم المثقلة بالهموم والانكسارات والخيبات والفوضى. والسينما اللبنانية جمعت الطرفين النقيضين: لم تتغاضَ عن مرارة الواقع وبؤس اليومي، ولم تتخلّ عن الترفيه والتسلية. صحيح أن اللبنانيين شاهدوا «الإعصار» لسمير حبشي، لأنه الفيلم الأول الذي خاطبهم مباشرة بلهجتهم وممثليهم المفضّلين. وصحيح أيضاً أنهم، بعد نحو سبعة أعوام، شاهدوا «بيروت الغربية» لزياد الدويري (نحو سبعين ألف مشاهد لبناني)، الذي أعاد قراءة الأعوام الأولى من الحرب اللبنانية من خلال عيون الصغار، لأنه لم يعتمد الصيغ الفكرية والنظرية في إنجاز الفيلم، بقدر ما مزج التبسيط السردي بالثقل الدرامي للمضمون. لكنهم (اللبنانيون) سرعان ما ابتعدوا عن النتاج المحلي، رافضين البقاء في حصار السياسة والحرب والأسئلة المعلّقة. لا شكّ في أن أفلاماً لبنانية عدّة لم تستوفِ شروطها الفنية والتقنية، ولم تكن على مستوى راقٍ من اللغة الدرامية والجماليات المتنوّعة. تخلّى عنها اللبنانيون، ولم تنل إعجاب نقاد وصحفيين وإعلاميين عاملين في الشأن السينمائي. لكن، هناك أفلام ذات مستوى جيّد، رفضها المشاهدون مفضّلين عليها أفلاماً أقلّ أهمية، وأكثر ارتباطاً بالتسلية والترفيه. لا توجد أفلام لبنانية سياسية، بالمعنى المباشر لكلمة «سياسة». هناك أفلام ناقشت تفاصيل من الحرب المشؤومة أو من السلم الأهلي المنقوص، ومن ثقافتيهما المختلفتين أو المتشابهتين. اختارت أفراداً لتروي سير جماعة، وصوّرت لحظات لترسم أفق مدينة وواقع مجتمع. ليست سياسية، بل إنسانية: طرحت أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل. أعادت تأجيج مشاعر الفرد والجماعة إزاء المُصاب الأليم الذي عرفته بيروت في الحرب والسلم معاً. هذه قلّة لم يستجب اللبنانيون لأفلامها. هذه صُوَر قاسية عن واقع مأزوم وأفق مسدود وعلاقة غامضة بالذات والآخر. ثم إن الأفلام التي استمدّت مواضيعها من أعوام الحرب أو السلم لم تناقش الحرب أو السلم بشكل مباشر، بل فتحت نافذة متواضعة للإطلالة عليهما من خلال المعاناة الإنسانية، ولم تقع في خانة السياسة أو البحث الاجتماعي أو التحليل النفسي. إنها أفلام متواضعة، دارت حول الإنسان الفرد والمدينة التي يعيش فيها. صوّرت ألمه من خلال الغرق فيها، وعكست أوجاعها عبر معاناته هو. بعضها صوّر أحداثه الدرامية في مدينة بيروت، جاعلاً المدينة ديكوراً إنسانياً قاسياً. وبعضها الآخر صوّر المدينة حدثاً درامياً، ليسرد بعضاً من قلقها وخرابها. يُمكن التوقّف عند أمثلة غير متساوية فنياً وتقنياً ودرامياً وجمالياً، وغير متشابهة في «نجاحها» الجماهيري (أُنجزت كلّها في مرحلة السلم الأهلي المنقوص والهشّ): «بيروت الغربية» لزياد دويري (فيلمه الثاني «ليلا قالت هذا» فرنسي الإنتاج والمضمون، إذ ناقش مسألة المهاجرين العرب في مرسيليا، وتناول مشاعر الإنسان وعلاقة الفرد بجسده وأوهامه وتهويماته الجنسية). «طيف المدينة» لجان شمعون. «زنّار النار» لبهيج حجيج. «متحضّرات» لرندة الشهّال صبّاغ (أنجزت الشهّال صبّاغ فيلماً آخر بعنوان «طيّارة من ورق»، تناول موضوع الصراع العربي الإسرائيلي). «البيت الزهر» و«يوم آخر» لجوانا حاجي توما وخليل جريج. «أشباح بيروت» و«أرض مجهولة» و«أطلال» لغسان سلهب. «معارك حب» لدانييل عربيد. «زوزو» لجوزف فارس (له «يلاّ يلا»، الذي روى فيه تفاصيل يومية لعائلة لبنانية مقيمة في السويد، اذ إن المخرج لبناني الأصل يعيش منذ سنين طويلة في هذا البلد الاسكندنافي). «فلافل» لميشال كمّون. «خلص» لبرهان علوية. تتشابه هذه الأفلام في كونها لبنانية المنحى الدرامي في قراءة الواقع اللبناني في الحرب والسلم. وتلتقي عند التجريب الفني في استخدام التقنيات المختلفة والمتطوّرة للـ«فيديو ديجيتال»، أو الاستمرار في الاستعانة بتقنية «35 ملم». ـ٥ـ قبل البحث في مضامين هذه الأفلام، تجدر الإشارة إلى مفارقة تتمثّل بقيام ثلاثة مخرجين وثائقيين بتحقيق «الفيلم الروائي الطويل الأول» لهم: جان شمعون وبهيج حجيج وفيليب عرقتنجي. ولئن ذهب عرقتنجي، في «البوسطة»، إلى المنحى الاستعراضي والغنائي في قراءته المبسّطة جداً للصراع القائم بين القديم والجديد، من دون تناسي بعض الآثار السلبية للحرب اللبنانية على نفسيات شخصياته، وأرواحهم المعذّبة والقلقة، وأجسادهم المشحونة بالرقص انتقاماً أو تحرّراً، فإن جان شمعون وبهيج حجيج التزما الفرد اللبناني في مقارعته اليومية آلام الحرب وتشوّهات السلم: أراد شمعون في «طيف المدينة» أن يسرد حكاية الحرب اللبنانية كلّها، من خلال عائلة جنوبية فقيرة هجّرتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على الجنوب اللبناني في سبعينيات القرن المنصرم، فلجأت إلى بيروت عشية اندلاع الحرب، وغرقت في أتون الموت والحريق والدم. أما بهيج حجيج، فعلى الرغم من أن أحداث «زنّار النار» (مقتبس عن رواية «المستبد» للكاتب اللبناني رشيد الضعيف) تدور في أحد أعوام الحرب، إلاّ أن هذه الأخيرة تظلّ في خلفية المشهد الرئيسي، وتمارس تأثيراتها على شخصية الأستاذ الجامعي الذي يعاني انقساماً نفسياً حاداً بين الواقع والمتخيّل، فيُسرف في أوهامه التي تأخذه إلى الجنون، كاستعارة لجنون الحرب التي أنزلته باللبنانيين الضائعين عند المفترق الأخطر بين الحقيقة والوهم. في هذين الفيلمين، اللذين لم ينجحا نقدياً وتجارياً على حد سواء، تظهر الحرب في واحدة من وجوهها القذرة: في «طيف المدينة»، يتحوّل أمراء الحرب والطوائف إلى زعماء «غسلوا» أيديهم الوسخة من جرائمهم، وباتوا «حلفاء» السلم المزوّر. وفي «زنّار النار«، تغتصب الحرب فردية المرء وعزلته وخصوصيته و«سكونه» الخاص وابتعاده المقصود عن مجريات الأحداث (كأن الفيلم يقول استحالة التجرّد من أتون الحرب هذه)، وتنقضّ على مضجعه، فتحيله ركاماً من الخوف والعبث والجنون. تناقضت أفلام الحرب اللبنانية في مقارباتها الجمالية والدرامية خصوصية الفرد وعالمه الصغير وتواصله مع ذاته والآخر. ذلك أن غالبيتها الساحقة استعادت الحرب، محطات أو حالات إنسانية، كي تعيد بناء هذه العمارة السوداء من المشاعر القلقة، والأنماط القاسية في عيش اليوميّ. في حين ان أفلاماً أخرى، كـ«البيت الزهر» و«يوم آخر» للثنائي حاجي توما وجريج وثلاثية غسان سلهب و«فلافل» كمّون، سلّطت أضواءً مختلفة على واقع الحال اللبناني في مرحلة ما بعد النهاية المزعومة للحرب اللبنانية: في قلب بيروت، هناك منزل آيل للهدم بسبب طغيان مشاريع إعادة الإعمار على حساب الذاكرة والهوية والناس. وفي «يوم آخر»، اختار الثنائي مرحلة السلم الأهلي، من دون أن يتغاضيا كلّياً عن مآزق الحرب وآثارها المدمّرة. في «البيت الزهر»، أفضى مناخ الحرب ونهايتها الملتبسة والمعلّقة إلى غرق اللبنانيين في متاهة البحث عن خلاص ما من بشاعة السلم وقذارة السياسة الراغبة في إعمار لا يطال الشعب ولا يهتم بمصالحهم المتنوّعة، بل يؤدّي إلى تغييب الهوية والذاكرة، وفتح مجال واسع أمام الاستثمارات والرساميل التي تزيد الأغنياء (قليلو العدد) ثراء، وترفع من حدّة الفقر والبؤس لدى الفقراء (أكثرية ساحقة). وفي «يوم آخر»، تطغى الحرب في استمرار سؤال المفقودين والمخطوفين معلّقاً من دون جواب. فالزوجة الأم متردّدة في إعلان وفاة زوجها المفقود منذ خمسة عشر عاماً، والابن ضائع بين غياب الأب وسقوطه في ورطة الالتباس الأقسى في المعاني الحياتية لليوميّ والآنيّ. من ناحية أخرى، أصرّ سلهب في حواراته الصحفية على أن أفلامه لا تصوّر أحداثاً درامية في بيروت، بل تصوّر بيروت. بهذا المعنى، فإن أفلامه الثلاثة اتّخذت من المدينة حيّزاً يجمع في طياته الجغرافيا والزمن والفضاء الإنساني، وينفتح على أسئلة الخراب الفظيع الذي ألمّ بالمدينة نفسها وبناسها أيضاً. ففي «أشباح بيروت»، الذي مزج الروائي/ المتخيّل بالوثائقي/ التسجيلي في قراءته فصولاً من سير أناس مشحونين بالغضب والألم والخيبة، يعود المقاتل السابق إلى المدينة ليستعيد هويته بعد أن أعلن موته ليهرب من ورطة الحرب وقذارة السلم، لكنه يصطدم بمدينة تعاني كوابيس الموت والفوضى والتشرذم والقلق والانهيار. لا يكترث الفيلم بالظاهر فقط، بل يغوص في مسألة العلاقة القائمة بين الحقيقة والوهم، بفضل «شبح» أطلّ من الغياب ليحثّ هؤلاء الناس على إعادة قراءة المنعطفات التي مرّوا بها، أو أجبروا على المرور بها، بسبب الحرب وتفاصيلها القاسية. وفي «أرض مجهولة»، يستكمل سلهب تورّطه الثقافي والفني في هذه المدينة المتحوّلة دائماً نحو مزيد من آلامها، من خلال أناس يسقطون في لجّة العدم، ويضيعون في متاهات الخوف والتمزّق. وفي «أطلال»، تزداد بيروت تحوّلاً، وتزداد عزلتها وانحدارها نحو البؤس والفوضى والضياع، من خلال شخصية طبيب يعاني هو أيضاً تحوّلات ملتبسة وغامضة، قبل أن يكتشف أنه بات مصّاص دماء يصطاد ضحاياه في ليل مدينة لا تريد الخروج إلى حريتها، ويمتصّ دمهم كي يتسنّى له الاستمرار في مأزق وجوده. إن إحدى المفارقات المهمّة في أسلوب المعالجة الدرامية والجمالية التي يعتمدها غسان سلهب في تحقيق أفلامه كلّها، كامنة في ابتعاده المطلق عن أي «خطابية» فجّة في التعاطي مع الشأن العام، لأنه مقتنع بأن البحث البصري والإنساني والجمالي في شؤون الفرد اللبناني وأحلامه وهواجسه ومشاعره وتفاصيل يومياته كلّها قادرٌ (البحث) على تقديم مشاهد حيّة وصادمة عن الواقع اللبناني المتنوّع. أما «فلافل»، وهو الروائي الطويل الأول لكمّون (له خمسة أفلام روائية قصيرة، منها «ظلال» و«الحمّام»)، فيغوص في تشعّبات الحياة الليلية لمدينة مفتوحة على خرابها الدائم وقلقها اليومي، ويلتقط نبض العيش المنغلق على العنف المبطّن والألم الذي يستبيح الجميع، والعبث الذي يحاصر شباباً عاجزاً عن اختبار حياة هادئة وسوية. ـ٦ـ لا شكّ في أن لكل فيلم خصوصيته الدرامية والفنية والجمالية. لكن المشترك بين غالبية الأفلام اللبنانية المعنية بالحرب وما تلاها من أعوام مشؤومة، يكمن في سعي مخرجيها إلى إعادة النظر في مناخها وأسبابها وثقافتها، من دون استعادة صُوَر العنف والدم والدمار التي اشتهرت بها. أراد هؤلاء أن يقرأوا جوانب منها وفصولاً من السلم المرتبك، فاستعانوا بتجارب شخصية، أو بمحطّات من الذاكرة الفردية أو الجماعية، أو بمعايشة أناس عانوا القهر والخراب والتمزّق الروحي والنفسي والجسدي، أو بآثارها المنعكسة على الذات والجسد معاً لآخرين «نجوا» من الموت واصطدموا بجدار الفوضى والانهيار والإحباط والخيبة. لم يشأ أحدٌ منهم أن يعيد بناء ديكورات خاصّة بالمتاريس والحواجز والتدمير والمعارك، وإن ظلّت روائح الموت والاقتتال تفوح في جنبات عدّة من اللقطات والمشاهد، وأصداء الصراخ الآدميّ تنبعث من جوف الأنين والخوف والعزلات، وأصوات الرصاص والقنابل تصدح في خلفية مشهد أو في ذكريات إحدى الشخصيات ومخيلتها وأحلامها. على الرغم من هذا، فإن أفلاماً قليلة صوّرت مشاهد حربية متنوّعة: مقاتلون ميليشياويون بأسلحتهم الفردية، آليات عسكرية، أبنية مهدّمة، متاريس مرتفعة في جسد المدينة وروحها، إلخ. هناك، مثلاً، «طيف المدينة» و«بيروت الغربية» و«زنّار النار» و«متحضّرات» (سرد درامي مشبع بحالات العنف المبطّن للمدينة والفرد والمجتمع على حدّ سواء، من خلال حكايات شخصية عن الذات ومشاعرها وعلاقاتها والمناخات المحيطة بها). هناك أيضاً «معارك حب»، الذي بدا أصرح من غيره في تحديد الواقع الاجتماعي والديني لعائلة تشبه، بتمزّقاتها وعنفها الداخلي، مدينة بيروت الغارقة في بحر الدم والموت والقتل. في «زوزو» (شيء من السيرة الذاتية الخاصّة بمخرجه، على خلفية سير لبنانية عدّة عانى أصحابها أهوال الحرب والهجرة إلى المنافي الأوروبية)، هناك مشاهد قليلة للغاية، تتعلّق بهذه المناخات الوحشية للعنف اليومي في بيروت. برزت دانيال عربيد (لها أفلام وثائقية وروائية قصيرة تناولت في معظمها شؤون الحياة اللبنانية من خلال تسليط الضوء على شؤون الفرد أيضاً)، في فيلمها الروائي الطويل الأول «معارك حب»، كواحدة من السينمائيات اللبنانيات الشابات الواعدات بتحقيق نتاج بصري لا شكّ في أنه سيمارس دوراً أساسياً في تفعيل السينما اللبنانية ودفعها إلى مزيد من التألّق الجمالي والفني والثقافي. هناك ميزات عدّة اتّسم بها فيلمها هذا، لعلّ أولها اهتمامها بالفرد كمدخل لولوج عالم من التفاصيل الإنسانية والمجتمعية والسياسية الجماعية. هذه ميزة سينمائيين لبنانيين عديدين، خرجوا بأفلامهم من لغة إيديولوجية في مقاربة الشان العام، واهتمّوا بخصوصية الفرد وعلاقاته بذاته وبالآخر وبالجماعة. لكن «معارك حب» يتمتّع بميزات أخرى: إنه الفيلم اللبناني الأول في مرحلة ما بعد النهاية المزعومة للحرب اللبنانية، الذي حدّد خصوصية جماعة لبنانية (الجانب المسيحي)، وشرّح عوالمها الممتدة من التفاصيل العائلية الضيقة إلى الحالة القائمة في مدينة غارقة في حروبها ودماء أبنائها وعنفها. اعتادت عربيد أن تستعين بمناخ عائلتها الخاصّة، كي تلتقط مكامن الخلل الاجتماعي والحياتي والإنساني في بيئتها الثقافية والمجتمعية، وكي تروي فصولاً من المعاناة اللبنانية في خلال الحرب. في «معارك حب»، لم تخرج من واقعها العائلي، بقدر ما استفادت من ذاكرتها الفردية والجماعية الضيّقة، معيدة تصوير النبض الحيّ لمناخ تداخلت فيه السياسة والميليشيا بالتمزّق العائلي والفراغ الروحي. ـ٧ـ لا تدّعي هذه القراءة تحليلاً متكاملاً للعلاقة القائمة بين النتاج السينمائي اللبناني الجديد، أي الذي أنجز منذ مطلع التسعينيات المنصرمة، وثنائية الحرب والسلم. إنها مجرّد محاولة نقدية لرسم صورة حسّية تعكس واقع الحال السياسي والثقافي والاجتماعي والحياتي، وترصد محطّات سينمائية متداخلة معه، وتقدّم نماذج بصرية كشفت كم أن السينما في لبنان قادرة على نقل تفاصيل إنسانية، وإعادة خلق المناخ الضاغط الذي أفرزته الحرب وصنعه السلم، وذلك كلّه على الرغم من الأزمات الإنتاجية المختلفة التي تعانيها صناعة الفيلم اللبناني. تجدر الإشارة أخيراً إلى أن السينما اللبنانية لم تكن وحيدة في معركة الدفاع عن حرية الفرد اللبناني في مناقشة ثقافة العنف والحرب، الممتدة، للأسف، في أعوام السلم الأهلي المنقوص. ذلك أن روائيين ومسرحيين ومثقفين لبنانيين عديدين قدّموا نتاجاً ثقافياً نقدياً وسجالياً مهمّاً، رفد الحياة الثقافية اللبنانية بقراءات جادّة أعادت طرح الأسئلة، وحرّضت على مقارعة الظلم اللاحق بالمجتمع والناس والوطن جرّاء السياسات الخاطئة التي جعلت الحرب تتّخذ وجوهاً أخرى منذ ستة عشر عاماً. بهذا كلّه، يُمكن القول إن السينما والرواية والسجال النقدي والمقالات الصدامية تفاعلت معاً في قراءة ما جرى، وفي إلقاء الضوء على ما يجري، وفي فتح نافذة ما لاستشراف المقبل من الأيام. |
|||||
|
|||||