قراءة الدلالة في السينما والأدب

 

قيس الزبيدي


 عندنا نصوص تستشهد بنصوص أخرى، وان معرفة النصوص

   المستشهد بها هو أساس لذة النصوص التي يتم الاستشهاد بها.

أمبرتو أكو

 

تطرح  «سيزا قاسم» في الفصل السابع والأخير «القراءة في التصوير والأدب» من كتابها «القارئ والنص- العلامة والدلالة» أسئلة عديدة ومهمة حول عملية قراءة النص اللغوي وتماثلها في قراءة اللوحة التشكيلية «الصورة» وتحاول أن تقارن بين التشابهات والفروق التي تميز النشاط الإنساني، عندما يتوجه نحو أشياء ذات طبيعة مختلفة؟ هي تتساءل إن كان هناك أية فائدة من إقامة مثل هذه المقارنة أو انها جهد عقيم ومضيعة للوقت؟

تقترن القراءة في الوهلة الأولى بالكتابة لأنها العملية المقابلة للقراءة التي هي إنتاج علامات مرئية لأصل مسموع، ولأنها ليست فك شفرة شيء مكتوب إنما هي في الأصل فك شفرة شيء مسموع، لأن القراءة تقتصر على حاسة البصر.

ان ما يعنينا هنا، بشكل خاص، هو ترتيب أسئلة الكاتبة ذات الدلالة المهمة لأي بحث يتناول العلاقة بين الصورة و الكلمة،  في مجال أبعد من المجال الذي تتناوله الكاتبة، ألا وهو مجال طبيعة الدلالة في صورة السينما، وهو ذلك المجال، الذي يتم العمل فيه على العلاقة المتينة بين الكلمة والصورة.

لكن وقبل كل شيء علينا أن نبدأ في التعرف، أولا، على الأسئلة نفسها:

هل قراءة النص اللغوي تماثل قراءة اللوحة «الصورة»؟

هل الكلمة والصورة علامتان سيميائيتان؟

هل الصورة هي دائما ممثل للشيء بينما الكلمة هي دائما بديل للشيء؟

هل الدلالة في الكلمة هي نفسها في الصورة؟

هل الكلمة والصورة تدركان بنفس الطريقة؟

هل التسلسل في القراءة هو نفسه في الكلمة والصورة؟

هل يمكن التعبير عن نفس الرسالة بالكلمة والصورة معا والتوصل إلى نفس الدلالة؟

ومهم هنا الوقوف عند معرفة الفرق بين الإدراك من خلال العين والإدراك من خلال السمع. فكما تؤكد الكاتبة على «كون الصورة تعبر عن الأشياء بينما تعبر الكلمة عن الأفكار. لأن الصورة تأتينا من خلال البصر أما الكلام فيأتينا من خلال السمع».

تختلف العلامات السمعية من حيث خصائصها، عن العلامات البصرية بأنها تستعمل الزمان، كعنصر أساسي من عوامل البنية، بينما العلامة البصرية تستعمل المكان. وفي حين تميل العلامات السمعية «الزمنية» إلى أن تكون رمزية الخصائص، تميل العلامات البصرية «المكانية» إلى أن تكون أيقونية الخصائص. وبذلك يكون الإدراك السمعي إدراكا زمنياً، بينما يكون الإدراك البصري إدراكا مكانياً، مع أن الإدراك المكاني نفسه يمر أيضا بمراحل زمنية.

هنا يأتينا سؤال إشكالي آخر ربما تكون مسألة طرحه توازي مسألة إيجاد جواب عليه؟

كيف تتحول متتاليات في الواقع إلى متجاورات في الوعي؟

يبقى أن هناك مشكلة ستواجهنا باستمرار حينما نتحدث عن دلالة العنصر الذي يدخل في تشكيل الصورة، فهل أن إدراك دلالته بصرية أو لغوية؟ بمعنى آخر هل عندما يعايش الإنسان لوحة معينة يترجم محتوى الصورة إلى جمل أو أفكار أم أن هناك فهما بصريا يستغني عن الكلمات. هل قراءة اللوحة هي ترجمتها إلى خطاب لغوي؟ خصوصا ونحن نذكر هنا أن الكاتبة نفسها تميل إلى نظرية «بينفِنيست» التي تشير إلى اللغة كنظام علامات أوحد، تتم فقط بواسطته تمثيل العلامات على هذا تتفوق اللغة على الصور، كما يمكن للصور أن يتم تمثيلها عبر اللغة، لكن ليس كل ما هو لغوي، يمكن صورنته بواسطة الصور.

إذا ما كانت الكتابة إنتاج علامات مرئية لأصل مسموع. والعلامات المرئية «الكلمات» إنتاج لأصل مرئي، فكيف يكون الحال عند ممارسة الكتابة للسينما الذي تكون غايته إنتاج علامات مرئية وعلامات مسموعة، فهل يتم في، هذه الحالة، إنتاج علامات مرئية ومسموعة من أصل مسموع، أم يتم إنتاجها من علامات تكون من أصل مرئي؟

 وكيف تكون العلاقة التعبيرية، في هذه الحالة،  بين ما هو أصلا مرئي وبين ما هو أصلا مسموع؟

فإذا ما كانت الصورة تأتينا من خلال البصر، بينما الكلام يأتينا من خلال السمع، فان كتابة الصورة وكتابة الكلام يأتينا، في أصل الكتابة للسينما، عن طريق البصر.

بمعنى آخر، يأتينا مصدر الصورة وما يصاحبه من كلام، عضويا، من التصوّر.

نحن إذن حينما نتصور نرى ونسمع في ذات الوقت ونحاول:

أولا: أن ندون ما نريد تحويله من كل ما نتصور إلى علامات مرئية- كلمات-.

ثانيا: أن نحول العلامات المرئية-الكلمات- إلى صور وأصوات في نسيج تعبيري آخر، في وسيط آخر.

فهل تتحول الصور  والأصوات في عملية تصور ما هو مرئي وما هو مسموع إلى نسيج من طبيعة حسية دالة واحدة؟ أي أن ينقل معنى اللغة المنطوقة إلى لغة التعبير التشكيلية، إلى لغة الصورة.

وهل تتغير الدوال البصرية السمعية بالعلاقة مع طبيعة الصور الحسية المجسدة، أم مع طبيعة الكلمات الفكرية المجردة أم يتوحد الدال البصري والدال السمعي في دال واحد يمكنه أن يجد عند المشاهد مدلوله الخاص.

لا شك أن هذه الإشكالية معروفة في تاريخ السينما، لكن بشكل غير مفصل منهجياً، وان لم يتم الإشارة إلى خصائصها عبر الأسئلة التي تدفعنا إليها «سيزا قاسم».


تصميم الحاسب الشامل