من الفرضاني..
 يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبرِّ الأفريقي

 

محمد المحروقي


                        حبيبتي ميسون،

                        على صفحات كتاب وفوق جناح طائر، كم اقتنصناها لحظات شاردة.

مفتتح غير مهم

كنت أعود بين الفينة والفينة إلى دفتر مذكرات بنفسجي سجلت فيه بعض وقائع رحلتي إلى دولتي تنزانيا وكينيا في شرق أفريقيا، فأجد فيه مادة أريد أن أشارك فيها القرّاء. وعندما أعددت هذه المذكرات للنشر لم أغيِّر فيها كثيراً حفاظاً على رؤيتي للعالم والحياة، بها من الأريحية والبساطة الايجابية والسلبية شيئاً يعكس - بلا شكٍّ- شعور شاب تمتلئ ذاكرته بأمجاد أندلس مفقود.

لقد تغيّرت وتغيّرت أفكاري كثيراً، ولكن اهتمامي بالوجود العربي في شرقي أفريقيا يتزايد يوماً بعد يوم.

منذ ما يزيد على عقد من الزمن كانت رحلتي الأولى إلى أرض القرنفل والأندلس المفقود والمكان الذي يتفرد بمقامه في إطار الذاكرة الجمعية العمانية؛ أرض زنجبار. كنت لحيني قد تخرجت في الجامعة وبدأت حياتي العملية مباشرة. وفي أول إجازة رسمية لي كانت زنجبار هي وجهتي التي حلمت بها كثيراً وخططت لها طويلاً.

 لقد تضافرت أسباب موضوعية وذاتية في إذكاء شوقي ولهفتي إلى رؤية تلك البقعة الأثيرة إلى النفس، مدفوعاً بتتبع ما عساي أن أجد من تراث شعري لشاعر عمان الأول أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني على وجه الخصوص ولغيره من شعراء المهجر الأفريقي على وجه العموم. كنت آنذاك بصدد تحديد موضوع الماجستير الذي تبلور لاحقاً في رسالة علمية عنوانها «أبو مسلم البهلاني شاعرا». لذلك السبب الموضوعي رحت أنقب في أرشيف زنجبار عن ديوان شعري عماني وعن قصيدة ضائعة بين أضابير الأرشيف الذي وجدته آنذاك - على الأهمية العالية لمحتواه - فقير الفهرسة والحفظ مما ضاعف حزني الشديد. ووجدت بعضاً مما أبحث عنه لاسيما في الصحف العربية التي ظهرت هناك في ذلك المهجر الأفريقي في فترة مبكرة من القرن الماضي.

إلى جانب ذلك السبب الموضوعي يوجد سبب ذاتي آخر ربما يفوقه أهمية يتمثل في رغبة دفينة لمشاهدة المكان الذي سمعت عنه كثيراً في طفولتي، خاصة حكايات السفر إلى شرق أفريقيا لقسوة الحياة في عمان آنذاك. قسوة تبرر، ربما، ركوب الخطر - البحر في سفن شراعية تضطرب بركابها في مواجهة الرياح الموسمية العاتية. لقد ابتلع المحيط الهندي أرواح عمانيين وعمانيات أشقاهم شظف العيش وحملتهم آمال عريضة لحياة جديدة بعيداً عن مصدر تعاستهم. وعبر القوي الشديد منهم ذلك المحيط وأنساه فرح الوصول مرارة التجربة ومرارة الماضي ليبدأ - غالباً - في التجارة حياة جديدة. كنت أسمع في طفولتي إلى تلك الحكايات وانتقل بخيالي متصوراً ذلك المهجر الجميل الذي أغنى الناس من عوز وأسمنهم من جوع.

وهناك أغاني الطفولة التي ترقد في مكان مكين من ذاكرة ذلك الطفل الذي عاش في مكان لم يوجد فيه، وتتقد نفسه شوقاً لبلوغه. وهناك القراءات الأولى التي تصور حياة الطبقة الراقية في زنجبار مصورة نماذج شائقة لرغد عيش وحرية حياة مما يطمح إليه خيال طفل حالم، وهنا أقصد كتاب الشيخ سعيد بن علي المغيري «جهينة الأخبار» وكتاب السيدة سالمة بنت سعيد «مذكرات أميرة عربية».          

لقد ظلت فكرة السفر إلى زنجبار لا تفارق مخيلتي أبداً حتى ابتسم لي القدر فكانت تلك الرحلة في تلك الأيام الخوالي المشار إليها آنفاً. بدأت الرحلة من زنجبار وامتدت إلى البر الأفريقي حيث تقع مدينة (موانزة) بالقرب من (بحيرة فيكتوريا)، ثم أوغلت في الغابات الأفريقية لأصل - في رحلة عجيبة غريبة سأتحدث عنها لاحقاً - إلى القرب من منابع النيل في الحدود التنزانية - الأوغندية حيث وجدت عمي يحيى بن راشد في (كراجوا) مسبباً له دهشة كبيرة برؤيتي في (كراجوا) حيث لم يخطر له ببال أن يراني هناك. ثم عودة ثانية إلى زنجبار فدار السلام ومنها إلى دولة كينيا لأصل إلى ممباسا، أقدم العواصم الرسمية للوجود العماني، مروراً بمرتفعات (كليمانجارو) وبمدن لا تزال تغص بالعمانيين مثل (موش) و(أروشا).

لقد كان سميري في هذه الرحلة دفتر ابتعته من زنجبار وكنت أدوِّن فيه مشاهداتي خلال مراحل مختلفة من هذه الرحلة، أقلِّبه الآن فأجده فيه المفيد والممتع وأحياناً الطريف، فأحببت أن أشرك القارئ الكريم بما في هذا الكشكول من مادة.

وكلمة «الفرضاني» التي أضعها عنواناً لهذه السلسلة من المقالات هي كلمة سواحلية، مأخوذة من الكلمة العربية «الـُفـرْضَة» وهي: «محط السفن من البحر» كما ورد في القاموس المحيط وكما يشيع في الكتابات التاريخية وفي الاستخدام اللهجي. وعندهم هي مكان للترفيه على شاطئ البحر كانت قديماً ميناء للسفن. أما الآن فهي مقصد المستجمين من الأهالي والزوّار يقصدونه بعد العصر إلى بُعَيْد المغرب، فرادى وجماعات، رجالاً ونساءً للتنزه والاستمتاع بالوجبات الزنجبارية المعروفة وفي الصدارة منها المشاكيك. وكان لنا فيها ذكريات جميلة ونقاشات طويلة مع الأصدقاء الزنجباريين. وقد أسميت هذه السلسلة بهذه التسمية إشارة إلى تمازج الأثرين، العربي والأفريقي الذي أنجب ثقافة أخرى تتصل بالاثنين بدرجة وشيجة، وكان البحر -عبر الفرضة- القناة التي جعلت ذلك التمازج ممكناً. وما أريده هنا ما يشبه نزهة الذهاب إلى الفرضة، أي مجموعة من المقالات الخفيفة غير الأكاديمية مما يتصل بالرحلة المشار إليها عموماً دون أن تتأطر بذلك تلك المقالات وإنما تظل مفتوحة على ما يتصل بالشأن الثقافي للوجود العماني في شرق أفريقيا.

لم تكد تهدأ الأنفاس ونحن أخيراً، وبالفعل، على مقاعد الطائرة. إنه السفر الأول عبر الأجواء والمرة الأولى التي أصبحنا فيها قاب قوسين أو أدنى من لقاء الحبيبة؛ زنجبار. نبذل جهداً كبيراً للعثور على أنفسنا من ربكة استعدادات اللحظة الأخيرة، مع قلة التجربة وحداثة السن والشوق الجامح، مما يشير إلى رحلة لن تنقصها الإثارة ولا المغامرة ولا الطيش في كثير من الأحيان. نحاول أن نجد أنفسنا داخل هذه الملابس التي لم نعتد عليها كثيراً، لتستيقظ في مخيلتنا ذكريات من منازل مرحلة الطفولة متذكرين أولئك الذين كنا نناديهم - لإغاضتهم - بـ«أولاد الشاهي» - كما كنا ننطقه- أي الشاي،  مفتخرين بأننا «أولاد السح»، أي التمر. والطرف الأول هم العمانيون من مواليد زنجبار، والثاني هم عمانيو المولد. كثيراً ما كانت هذه المساجلات تأخذ مجالها دائماً بعد كل مباراة حامية في كرة القدم بين أطفال الحارة المنقسمين إلى فريقين غير متكافئين. والهزيمة كانت في الغالب لفريق السح الذي يغطي مرارة تلك الهزيمة بعبارات شعارية جوفاء. وكأن إخواننا - لأب واحد في بعض الأحيان - قادمون من المريخ. أذكر أنه لم يكن أفراد فريق السح يرتاحون إلى صلتي العميقة براشد وأحمد من الفريق الخصم، وعدم حدتي في الخصومة مع فريقهم.  

فجأة أجدني في ملابس فريق الشاهي مرة واحدة. وقد يكون ذلك مع صعوبته وارداً غير أن صديقي العزيز ورفيق هذه الرحلة يعقوب ليس من السهولة تصوَّره في هذه الملابس الجنز والقمصان قصيرة الأكمام مما استعاره من قريب له كان يدرس في الأردن.       

من مطار السيب الدولي أقلعت طائرتنا، وانفصلنا عن أمِّنا الأرض، بعد قلق وخوف شديد وإمساك بمساند الكرسي في محاولة يائسة لإحضار عزم هارب. الفكرة غير مريحة إطلاقاً، أن تتصور نفسك معلقاً في الأجواء على ارتفاع آلاف الأقدام، لا يطمئنك غير ثقتك في الطيّار الأوربي التي لم تتلاش فقط الآن، بل لقد نسيتها إجمالاً. من قال أنني أثق بأحد في هذه اللحظة! بعد دقيقتين أو نحو ذلك، كنت تحسبها سنين طويلة مقرفة، تمكنت من النظر إلى وجه صاحبك المكفهر أيضاً، وبلعت ريقك لتتمتم بكلمات غير مفهومة وفي غير محلها، قائلاً: الحمد لله ع السلامة. ولعله أجاب: كل عام وأنت بخير.

الساعات الثمان مرت بطيئة ومليئة بالمخاوف لأتبين في نهاية المطاف أن ما تصورته ضوء طائرة -وكانت رحلتنا بطولها في الليل -  تسير في الخط الآخر القريب منا، وكنت أديم النظر إليها بين الحين والحين، متخيلاً أن وجهتها زنجبار أيضاً وأن بعض ركابها ينتظر بفارغ الشوق الوصول الى هناك، لأكتشف في الأخير وبعد أن أرسل النهار أولى خيوطه أن ذلك الضوء ما هو إلا ضوء في نهاية جناح طائرتنا نفسها. فالطائرات المدنية لا يمكن أن تسير على النحو من التقارب والحميمة.

كان علينا أن ننزل في دار السلام أولاً لأن مطار زنجبار في تلك السنين العتيقة لا يستقبل الطائرات الضخمة والمتوسطة، من ثم نأخذ طائرة صغيرة أو نستقل سفينة إلى زنجبار. وعندما انفلق الصباح كانت الطائرة بدأت النزول التدريجي و(انشقصت) عيوننا بالنوافذ للظفر بالاستمتاع بمنظر بهي رائع من الخضرة والبحر لنا نحن القادمين من عطش مقيم. غمرتنا مشاعر مختلفة وصعبة التمييز، إحساس ببلوغ وطن لم نره وملاقاة أهل اشتقنا إليهم. وصحا التاريخ وسفن العمانيين تطارد البرتغاليين في هذه الأصقاع، ثم رأينا حكاماً عظاماً ومغامرين أشاوس وإرادة لا تعرف الحدود.

بدت المدينة من الأعالي عروسة من عرائس الأحلام تحيط بها المروج ويغمرها الضباب، ونسينا الخوف والقلق على وقع صوت أنثوي جميل قائلاً لنا: مرهابا (مرحباً بكم في دار السلام)، قلنا: ألف مرحب.      

لم نبق طويلاً في دار السلام، فبعد يومين كنا قد أعددنا العدة وتوجهنا إلى زنجبار حيث تتحقق الرؤية واللقاء المنتظر بالحبيبة؛ زنجبار للمرة الأولى. غير أن دفتر المذكرات البنفسجي العتيق الذي ابتعته من زنجبار لا يشير إلى هاتين المحطتين. ولأهمية اللقاء الأول سأعود للكتابة عنه لاحقاً من الذاكرة. أما الآن فسأبدأ بما هو مسرود في دفتر المذكرات.  

دار السلام، الأربعاء ١-٧-1992م.

الساعة تقترب من العاشرة ولم نخرج بعد. الوقت هنا لا يهم كثيراً. صحيح أن السفر قطعة من العذاب، فالرحلة البحرية من زنجبار إلى دار السلام أرهقتنا كثيراً هذه المرة فلزمنا الفراش حال وصولنا بيت مضيفنا أو بالأحرى مضيفتنا، وهي من أقارب صديقنا ورفيق الرحلة الثاني حمود. إنها عائلة صغيرة مكونة، إضافة إلى الأم والأب، من أربعة أطفال وخادمة تقوم بأمور المنزل وأخ الزوجة واسمه «مساعيدي». كان حمود قد زارهم منذ فترة ليست بالطويلة جداً ولكنه لم يستطع أن يصل بسهولة إلى هذا البيت الصغير في ضاحية مساساني. كان علينا أن نسأل جملة من البشر ممن تبرز في سحناتهم الملامح العربية.

أخيراً وصلنا البيت ولم نجد سوى الخادمة والأطفال. لم نكن قد أفطرنا بعد وفي انتظار طعام الإفطار غططنا في نوم عميق تعباً وإرهاقاً من الرحلة البحرية. وما هي إلا ساعة من الزمن حتى نادى منادي الغداء. وعلى المائدة المتواضعة جلسنا متثاقلين من التعب ومن الطعام بين مدبر عنه إطلاقاً وبين متثاقل، وأفضلنا على أحسن الأحوال غير مستعجل. كان على المائدة طبق «الوجالي» المهيب؛ وهو عبارة عن طحين مخفوق بالماء على نار هادئة لمدة بسيطة ثم يقدم ناصع البياض، وعلى المائدة ما يلازم الوجالي من الإدام وهو «القاشع»؛ السمك المجفف والمقلي مع البصل والطماطم. وعلى المائدة أيضا حضرت «المتشيشا»، وهي شجيرة خضراء الورق تطبخ قليلاً ثم تقلى بالسمن. وأخيراً وليس آخراً «المهوجو» المطبوخ بحضوره الباهر. والمهوجو عبارة عن جذور شجرة تعرف بـ«الكسانفو».

الخميس ٢-٧

قررنا السفر إلى ممباسا. ذهبنا إلى محطة الحافلات «كارياكو»، فقيل لنا إن حافلة ممباسا موعدها الغد، وهناك حافلة أخرى تتوجه إلى «أروشا» وهي على طريق ممباسا، والمسافة بينهما لا تزيد على الساعة كما قيل. قلنا ثلاثتنا «صنعا أخت عدن»، وما علينا إذا تعجلنا الذهاب طلباً للفرجة والمغامرة. وفي انتظار موعد تحرك الحافلة حللنا مقهى صغيراً نظيفاً بعض الشيء. لم نرشف من الشاي سوى رشفتين حتى حركنا الحنين ورتابة الجلوس إلى سرد ما نحفظ من فن الميدان. وقد أفاض حمود من مخزون صحاري لا ينضب.

من داخل المقهى كنا نراقب حركة العالم. في الشارع العام جماعة من الأفارقة ينتشلون سيارة من حفرة كبيرة وسط الشارع العام. ياللعجب، إذا كان الشارع العام لا يؤمن السير فيه فأين المفر!! ذكرنا ذلك بسيارة التاكسي التي أقلتنا بالأمس من السوق عائدين إلى مساساني. هذه السيارة عجيبة غريبة، لا تفتح أبوابها من الداخل ولا تنزل نوافذها حتى يمكن للراكب إخراج يده وفتح الباب، وإنما يطلبون بالصراخ أو الإشارات من المارة أن يفتحوا لهم. وأعجب من ذلك كله سيارة مساعدي التي أقلتنا اليوم من المنزل إلى المحطة في لفتة كريمة من مضيفتنا. وباختصار فإن هذه السيارة تلقت على جسدها النحيل عدة صدمات، وأبرزها صدمة على باب خاف جعله معلقاً ومن المستحيل فتحه أو إغلاقه. وهي - نتيجةً - متكدرة الألوان. أما الداخل فقد تقاعدت زنابرها (جمع زنبرك) وعندما تسير يصدق عليها أكثر من حصانه الذي وصف امرئ القيس «كجلمود صخر حطه السيل من عل». أما مساعدي فحبه لهذه السيارة التي عفا عليها الزمن لا يمكن أن يتغير أو يتبدل حتى كأنها حبه الأول.

هنا «تاليزا» وهي المحطة الأولى التي توقفنا عندها بعد انطلاقنا من محطة كارياكو. دفعنا للتذاكر ألف وخمسمائة شلنج أي أقل من ريال واحد. الشارع مسفلت ولكنه كالعادة سفلتة رديئة ثم نجد شارعاً ترابياً يمتد ٥١ كيلومتراً ثم الشارع المسفلت وهكذا. وفي الطريق شاهدنا الأرز مزروعاً وهو كالشعير إلا أنه أكبر منه. في المحطة اشترينا فاكهة الأناناس والموز ولم نشتر «المدافو»؛ جوز الهند، لأنه مدر للبول ولا مكان هنا لذلك.

هنا تاليزا والحافلة لا تزال متوقفةً منذ عشر دقائق. هنا يباع كل شيء في سوق مفتوح من الأرز المطبوخ إلى المهراج؛ نوع من البقول، إلى صالونة اللحم والكرانجة، الفول السوداني المطحون، وسيارات اللعب الصغيرة المصنوعة من العلب المعدنية المستهلكة. إلى جانبي أفريقية يظهر أنها شابة. أجد صعوبة في تقدير أعمار ذوي السحنة السوداء!. سألت لماذا لم أشتر الكيك والصودا؛ أي البيبسي. فأخبرتها بأنني أفضل الفواكه الطازجة على الكيك والصودا. ثم سألت بعد قليل: من أين أنت؟ من زنجبار، أجبتها، فعلقت مستغربة: من زنجبار ولا تتقن السواحلية، ذلك مستحيل. فابتسمت لها ابتسامة خفيفة توقف عنده الحوار.

  تانجا، الخميس ٢-٧-1992م.

(تانجا) هنا المحطة الثانية قبل الوصول إلى أروشا بعد المحطة السابقة تاليزا. انفض الجمع ثانية عن بكرة أبيه. من النافذة أراقب الحركة وينتهي إلى مسامعي لغط الباعة في إيقاع رتيب. الميكانيكي الخاص بالحافلة يتفقد المحرك وزيت المكابح. العادة هنا أن تجد سيارات النقل مصحوبة دائماً بميكانيكي، ومفهوم الصيانة الدورية يعني أنه على الميكانيكي أن يتفقد السيارة في كل استراحة وبطبيعة الحال كلما اقتضى الأمر وتعطلت عن الحركة. وهي مرات ليست بالقليلة.

لم يحدث شيء ذو بال منذ غادرنا تاليزا سوى ما كان من أمر صديقنا الذي نصحناه بأن لا يكثر من المدافو (عصير النارجيل، أو المشلي باللهجة العمانية) لأنه سالك طريقاً لا مكان فيه لقضاء الحاجة، والحافلة لا تحمل غير المسافرين. ولكن هذا الصديق - نسأل الله ان يطيل في أجله - أبى واستكبر وركب مهراً جموحاً فأثقل في شربه إياه. وشرب واحدة فقط. غير أن مدافو تاليزا شكل ثان، حدث ولا حرج، سريع المفعول يملأ المثانة حتى تضج. وما كان متوقعاً لم تتأخر البشائر بوقوعه. فبعد ساعة فقط أخذ صديقنا يستنجد طالباً بيت الراحة، وليس للراحة بيت هنا. واستخبرنا فقيل لنا إن الحافلة تتوقف لصاحب الحاجة... يا الله حافلة كبيرة تحمل ثمانين راكباً تتوقف لأن أحداً من عبيدالله يريد قضاء حاجته!!! أحسسنا أن الأمر فيه حرج مع إباحته. ولكن صديقنا فعلها ولم يستح أو يخشى اللوم، فهو يرى أن الذين معه أحقر خلق الله ولا داعي لمجاملتهم. لم الحيا !! لقد فعلها واستجار بالسائق مغمغماً بعبارات يبدو أنها سواحلية مكسرة ومشيراً إلى موطن الداء وهو يرفع رجلاً وينزل أخرى. كانت استجابة السائق سريعة وبلا أي تردد حيث أوقف الحافلة في - لا ليس الرصيف عزيزي، وإنما -العراء، فليس ثمة رصيف في تلك الطرقات في مجاهل الغابة السمراء. يخرج صاحبنا من الحافلة والناس يراقبونه لينتهي إلى مسامعهم صوت نافورة انفتحت فجأة. ورغم أن الجو العام يدل أن الذي حدث طبيعي وغير مستنكر إلا أن الحوارات والابتسامات ثم القهقهات الجانبية أخذت في الارتفاع. أما النسوة كبيرات التجربة والحكمة والعمر قلن: ماذا يفعل إذ جاءته الآن في هذا الوقت! أتّــى. (محرّف حرف «حتى» العربية التي مات أحد اللغويين القدماء وفي نفسه شيء منها، تستخدم للإنكار في السواحلية).

وصلنا تانجة في الساعة الثامنة ظهراً، أي الساعة الثالثة بالتوقيت الزوالي المستخدم الآن في عمان. وهو النظام الغروبي المستخدم في عمان قديماً ولا يزال القلة القليلة من كبار السن تستخدمه لارتباطه بنظام الأفلاج المعقد. وربما يكون العمانيون هم الذين حملوا هذا النظام المعتمد على غروب الشمس لا الزوال، في هجرتهم إلى هذه القارة البكر.

أخبرنا هنا أن (ممباسا) - مطلبنا الأسمى- طريقها الأقصر لا يلزمنا الذهاب إلى أروشا، وتانجة مفترق طريق إلى ممباسا وأروشا. كنا قد أخذنا تذاكر إلى أروشا سلفاً لعدم معرفتنا بالأحوال. والمفرق نفسه يبعد ٠٣ كم من هنا، ولا سبيل إلى وصوله فقد غادرت آخر سيارة قبلنا بدقائق. قال حمود: الرأي أن نزور أروشا فأنا أسمع عنها حديثاً طيباً يشوق النفس إليها، ثم إننا لا نستطيع بلوغ المفرق. قلت: من الأفضل أن لا نذهب إلى أروشا فمقصدنا ممباسا، وعندما حجزنا لأروشا لم نكن نعلم بالواقع وبهذه المعطيات الجديدة، وبدلاً من إهدار المال والوقت أرى أن نبيت هنا بتانجة وفي الصباح نمضي إلى ممباسا. أما يعقوب فقد بدا الأمر له سيان.

 ومرة ثانية نسير باتجاه حدسنا وشبه دليل متمثل في شخص حمود الذي يتقن السواحلية أكثر منا شيئاً قليلاً ، ونتوجه صوب أروشا، وبالله التوفيق وعليه التكلان.

أروشا، الجمعة ٣-٧- 1992م.

أروشا التي وصلناها البارحة قبيل منتصف الليل بعد يوم ونصف من السفر بين تانجة وأروشا. لقد قالوا لنا في تانجة أن الطريق تقطع في ساعة فقط، وها نحن نقضي يوما ونصف اليوم. الوقت عندهم لا يهم إطلاقاً. وفي اعتقادي أن المسافة التي عذبتنا لم تكن بتلك الشساعة ولكن هدوءهم الزائد وبرود أعصابهم هما السبب. فلو كنا قد قطعنا هذه المسافة قيادةً بأنفسنا وبسيارات لها مواصفات سيارات بقية عباد الله لقلصنا الوقت إلى أقل من نصف يوم.

على كل حال، ليس بالإمكان أبدع مما كان، وهنا نزلنا فندقاً قريباً من محطة الحافلات المسمَّاة  حافلات هود، ونقدنا سائق التاكسي ٣٠٠ شلنج ليوصلنا فندقاً يسمى ون هوتيل، والغرفة الواحدة قيمتها ألف وخمسمائة شلنج فقط، أي ريال ونصف بتسعيرة ذلك الزمان. والمشكلة أن كل غرفة بها سريران فقط. أما الحل فلم يحتج إلى تفكير معمق إذ لجأنا إلى ضم السريرين معاً، ونمنا ثلاثتنا بشكل عرضي. قبيل المبيت تناولنا عشاءنا في مطعمهم الأنيق الذي يسمونه (Snake Bar)، كان العشاء عبارة عن أكباد مقلية وبطاطا مقلية كذلك وبازلاء. ثم نمنا.

لم نستيقظ متخلصين من وعثاء السفر، فقد أثقل الطريق رؤوسنا بالتراب؛ بل كل أجسادنا، وإن كنا نشعر بالرؤوس أكثر ما نشعر لسبب قد يتضح تالياً. أما الماء الذي ينتظرنا فهو قارس جداً تتجمد فيه الأطراف، والله المستعان.

أروشا، السبت ٤- ٧- 1992

لم ينته مسلسل شقاء سفرتنا إلى ممباسا مما أشرنا إليه سابقاً. في الصباح بعد قسط مجز من الراحة انتبهنا إلى حالنا المزري ووجوهنا المعفرة بالغبار وأجسادنا اللزجة وعلينا الاستحمام دون أي تأخير. وهذا الأمر ليس بالسهل كما يبدو لخصوصية الحال هنا، فالجو بارد جداً والماء قارس وليس أمامنا إلا المجازفة. تقدم يعقوب ومعه صابونة الاستحمام الوحيدة (من نوع فستا) التي أتى بها من عمان في خطوة احتياطية موفقة. تناهى إلى مسامعنا أنا وحمود صرخات يعقوب المتوالية مستجيراً بكل المقربين الذين لم يسعفوه، خاصة عندما وصل أخيراً، وبعد تردد طويل إلى غسل رأسه.

قادنا الجوع إلى المطعم للإفطار، فألفيناه صغيراً أنيقاً به طاولتان في ساحة صغيرة مكشوفة. طلبنا بيضاً بالطماطم وشاياً أتانا دون حليب. شكوا من عدم توفره، فلم نسأل لماذا!. هناك حدثنا القائم بأمر المطعم عن حدائق للحيوانات يمكن زيارتها وأهمها حديقة (جورنجورو). قال أيضاً ان هناك سائق عربي لديه سيارة دفع رباعي (بالدقة قال إنها جيب) ويمكن استئجارها. طلبنا المشار إليه فجاء ومعه رجل آخر وبدأ يتحدث عن بعد المكان، وأن السير إليه يحتاج إلى أربع ساعات وأن الطريق منحدرة بشكل قوي ولا تسلكها إلا سيارات الدفع الرباعي. حدثنا أيضاً قال: هذه السيارة المفضلة عندي اشتريتها من جيش عمان. دخلا المطعم معنا وعزمناهما على الشاي فقبلا، بينما عزم الشخص المرافق نفسه على الافطار، ودفعنا نحن الفاتورة دون استياء يذكر.

وحتى نكمل الاتفاق ذهبنا إلى مكتبهم لنجد كبيرهم الذي قدم إلينا باسم علي بابا الذي ضحك وقال مستدركاً: أنا لست «علي بابا والأربعين حرامي»، مشيراً إلى القصة المعروفة. سيتبين لنا لاحقاً أنه بالفعل زعيم الأربعين حرامياً. بدأت المفاوضات على الأجرة مع الأتعاب الأخرى. طلبوا سبعين ألف شلنج، التي يمكن أن يخفضونها إلى خمسة وستين ألفاً. كان المكر ينضح من العيون. وإمعاناً منهم في الخديعة قال العربي: ما رأيكم أن تدفعوا مصاريف الوقود فقط. قبل حمود العرض ولكننا أنا ويعقوب رفضنا ذلك فالمكيدة واضحة والحرص واجب ونحن لا نضمن أن يمكن أن يسلبونا أموالنا في أدغال موحشة. لم يرق لنا عرضهم البتة ولم نبق كثير وقت قبل أن نقرر النفاد بجلودنا من هؤلاء الاستغلاليين.

قادتنا أقدامنا للتجوال في سوق الفواكه والخضروات. نسير بين الأمم الأفريقية محاطين بحواجز النظرات المستفهمة. تذكرنا أن إحساسنا هنا هو نفسه الذي شعرنا به أول مرة ننزل الشارع في دار السلام. لقد أحسسنا بنوع من الخوف أو التهيب حتى أننا عندما نسير نسير في خط واحد، وأحيانا يتأخر أحدنا للمراقبة أو قل لاستقراء الوضع. وكما حدث في دار السلام فإن هذا الخوف والتوجس انقشعا بعد وقت ليس بالطويل ونغرق في الزحمة متناسين قلقنا وسياج العيون. أما التيقظ التام فقد بقي ملازماً لنا ونحن نخترق صفوف سيارات التاكسي وأصحابها الذين يصر كل واحد منهم على أن سيارته هي الأفضل وأن سعره هو الأوفر. هذا الجلبة من قبل السائقين لم نرها في دار السلام ولا في زنجبار، فالحال هنا أنه لا أحد يدعوك لشراء شيء وإنما تقصد أنت ما تريد دون أي ضغط أو مساومة. ومن باب الاستعلام سألنا أحد السائقين عن سعر الأجر إلى تلك الحديقة فطلب أربعة آلاف، وهنا تأكدنا من دجل علي بابا.

السوق عبارة عن بناء كبير مفتوح الجوانب، في داخله يصطفون واضعين على طاولات مرتفعة أشياءهم، ويكون كل بائع متسنماً ظهر طاولته. لاحظنا أن الفواكه والخضروات هنا أجود من دار السلام وحتى من زنجبار. فالطماطم كبير الحجم والخيار، الواحد منه كأنه بطيخة. ورأينا السمك المجفف الذي يكثر عندهم لأنه ليس لديهم بحر. وهو من كل الأصناف من التونة الكبيرة ومن الشعري وغير ذلك. وفي نهاية الجولة بالسوق ابتعنا قمصانا عليها معالم من زنجبار.

بعد جولة السوق قادتنا أقدامنا - وهي عبارة دقيقة عن وضعنا فلم نكن نسير بشكل مخطط له وإنما حيث تدفعنا هي إذ الدليل المعتمد- إلى حي الفقراء، ورأينا بيوتهم وشيئاً من حياتهم. وهم يسكنون في أكواخ من سعف نخيل جوز الهند، وقليل منها مبني بالطوب الأحمر وأشكالها جميلة. وماعزهم يشبه ما يسمى هنا بـ(الكحالي) وهي قصيرة القوائم وبيضاء. رأينا طيورهم الداجنة ولاحظنا أن البط أصغر من المعتاد وهو يشرب من الماء المتسخ الذي يخرج من البيوت. ويبدو أن ذلك الماء له سواق صغيرة تنتهي إلى سواق أكبر ثم تصب في مجرى آخر يوصلها إلى منطقة فسيحة عليها سياج من تراب تحيط بها مشكلة بحيرة اصطناعية كبيرة. تناهى إلى مسامعنا صوت ماء يتدفق وكأنه شلال، فسألنا امرأة مرت بنا مع ولدها الصغير فقالت: إنه نهر هناك في البعيد ولا أتذكر اسمه. صدّق كلامها رجل آخر، بينما واقع الأمر أن ذلك الصوت ما هو سوى نزول ذلك الماء المتسخ في تلك البحيرة الاصطناعية.

والناس هنا متعاونون ولكن لا يعطونك المعلومة الشافية، وليس هذا بخلاً منهم ولكنه مستوى تفكيرهم المحدود. وسط ذلك الحي الفقير سرنا، والعيون تتبعنا، والأطفال يمارسون شقاوتهم معلنين عن الغرباء قائلين بأصوات عالية (وازنجو واميفا كوفيا) أي البيض يعتمرون القبعات. ونحن نواصل سيرنا حتى صعدنا تلة وشاهدنا معالم وأشجار هذه البلاد الرائعة، رأينا اتساع الرقعة الخضراء بأشجار جوز الهند والموز والذرة والمانجو وغير ذلك. أخذنا قسطاً من الراحة فوق التلة ثم نزلنا عائدين إلى الفندق بعد يوم مليء بالحركة والمشاهد الخلابة.     

«الصور الأحلى تبقى في الذاكرة»، غالباً ما كنت أقول لأصدقائي ولأفراد عائلتي للتملص من إلحاحهم على التصوير في أوقات لا تروق لي. اشد ما كان يغيظهم هذا التعبير. أما الآن فإنه يغيظني أيضاً حين أجد دفتري البنفسجي لا يسجل لحظات من تلك الرحلة الجميلة، وأجد أن الذاكرة - التي طالما تغنيت بها - لا تسعفني بتكوين مشهد متكامل. وتبدو المقولة المتواترة أننا نعيش لحظات السعادة ولا نفكر بها مقبولة عندي في هذا السياق. وأزيد هنا أننا قد لا نسجلها أيضاً من فرط يقيننا بأنها ستظل عالقة بالذاكرة أبد الآبدين ودهر الداهرين، أو هو نوع من الضن والأثـَرَة بتلك اللحظات المميزة والشديدة الخصوصية.  لهذا السبب أو غيره بقيت الصفحات الخاصة بزيارة (ممباسا) بيضاء كالثلج، ولا يحضر في الذاكرة سوى لقطات متفرقة لأماكن ووجوه خبرناها في هذه الرحلة.

يبدأ المشهد الأول في تلك الحافلة السلحفاة، والسفر المتواصل والمرهق، وهذه المرة تواصل السفر حتى الليل. كنا نغط في نوم ثقيل ولا أقول عميقاً. الطريق يخترق الغابات بأشجارها وخضرتها المهيبة المتواصلة، مما يزيد الليل ليلاً. والحيوانات المفترسة تصلنا أصواتها بين الحين والآخر. الليل هنا ثقيل ومخيف. فجأة يُنار المشهد بقدوم النهار المتثائب وببروز قمة (كليما نجارو) المدهشة. دبت الحركة في الحافلة وتعالت الأصوات وتوقف السائق عن المسير ليترجل الركاب جميعهم، ويتسنى لهم القبض على هذه اللحظة الجميلة. إنه أعلى جبل في قارة أفريقيا. يوجد في منطقة حارة نوعاً ما، ولكنه لارتفاعه البالغ ٥٩٨٥ متراً فإن قمته معممة بالبرد. غير بعيدٍ عنّـا، كانت أسراب حمار الوحش تحتفل ببداية النهار. ونظرت إلى الأشجار العالية فراعني جمال اخضرارها.

يورد الدفتر البنفسجي إشارتين سريعتين إلى إقامتنا بممباسا، تقضي الأولى بأننا صرفنا في الاثنين الموافق ٥/٧/1992 م مبلغ مائة دولار لدى محمد العمودي، الذي يشار إليه بأنه صديقنا الخاص. (لا أتذكر لماذا نعتبره صديقنا.ما أذكره أنه كان تاجراً من كبار التجار وأن أصوله من اليمن. كنا نعتبره الصهر القادم ليعقوب). وكان سعر الصرف ٨٣ شلنجاً لكل دولار. أما الإشارة الثانية فهي حول تكلفة غداء بفندق تاج في يوم السبت، من الأسبوع نفسه. وقد تضمن الغداء ٢ أناناس بقيمة ٥٣ شلنجاً ٩ -  حبات موز: ٠١ شلنجات ٣-  حبات مانجو: ٦٣ شلنجاً ٦- عصير استعفل: ٠١ شلنجات. والمجموع ١٩ شلنجاً، أي أقل من ريال عماني واحد. ثم لحق بعد ذلك ٣ حبات مشلي (عصير جوز الهند) بقيمة ٢١ شلنجاً.    

دار السلام ٨/٧/1992م

وصلنا يوم أمس دار السلام الساعة الثامنة على واحدة من حافلات توفيق بعد مسير يومين اثنين طويلين. وقد نمنا نوماً متقطعاً في الحافلة. توقفنا في الحدود الكينية بمنطقة (لوجو لوجو) للمغادرة ثم أيضاً توقفنا في الحدود التنزانية. إضافة إلى أن السائق العزيز كان يتوقف لكل حافلة أخرى قادمة من الاتجاه المعاكس له، فيسأل سائقها عن الأخبار، ويتبادلان النكت والأحاديث الودية. أما السرعة فكانت غالباً ٣٠ كم في الساعة، وحينما يحلو له بسرعة تبلغ ٦٠ أو٨٠ كم. والمسافة في اعتقادي لا تزيد عن ألف كيلومتر، مما يمكن أن يقطع في عشر ساعات فقط.

في الحدود التنزانية قيل لنا: لا يحق لكم الدخول لأنه ليس لديكم تاشيرات سارية المفعول. قلنا: كيف دخلناها أول مرة؟ وما هذه التأشيرات التي في جوازاتنا؟. أفادونا بأنها ملغاة لأنها لمرة واحدة، وقد تمت تلك المرة بدخولنا جواً إلى دار السلام وخرجنا براً إلى كينيا. لقد اسقط في أيدينا وسنبقى معلقين هنا في الحدود بين دولتين. ثم تذكرنا الحال وقول الحكيم:

وإذا لقيت صعوبة في مطلب   

        فاحمل صعوبتها على الدولار

(ذكر الحكيم الدينار فحوّرناه للضرورة، للدقة). أظهرنا أسفنا بعدم العلم وأظهرنا بعضاً من النقد من العملة الصعبة فتيسر كل شيء. قالت الموظفة: ما المدة التي ستقضونها في تنزانيا؟ قلنا: ربما إلى نهاية هذا الشهر. سجلت شيئاً على الجوازات وعلا صوت الختم كضربات مطرقة ومدت يدها بالجوازات مع ابتسامة عريضة ورضىً تام. لقد مددت لنا الإقامة حتى ٢٩/٧.

وصلنا بعد إجهاد وتوقفات كثيرة دار السلام، وليست عندي بدار سلام. فهي عتيقة وشوارعها رديئة مملوءة بالحفر، وقد رأيت ذات مرة بأم عيني سيارة تنتشل من حفرة عميقة في الشارع العام. ويستعيذ الواحد بالله قبل ركوبها، ثم يدعو لها بأن يحفظها الله من شر ثلاثة: الشارع والنشالين ونفسها. وإذا ما وصل سالماً فليحمد ربه العظيم على سلامة الوصول وتحقق المأمول، فما في كل مرة يفوز.

ثم إننا اتجهنا إلى الميناء بسيارة عتيقة تزكم الأنوف رائحة وقودها الديزل. وسائقها معتوه عدو نفسه، فقد اتفقنا على أن ندفع له ألف شلنج، فحدثه عقله الكبير أن يسلك طريقاً بعيداً وبطبيعة الحال رديئاً، مع أن هذا التصرف لن يزيد في المبلغ آنة ولا أقل منها. ثم إننا وجدنا الشرطي متربعاً مفرق الطريق، ينظم السير للاتجاهات المختلفة، فيكرمها ويبخل على شارعنا فما يكاد يفتح المجال إلا لسيارتين حتى يغلقه دوننا. وعندما وصل دورنا أخيراً وتجاوزناه بعد طول انتظار وسباب (من قبل السائق فيما أظن)، وجدنا الطريق مغلقاً تجري صيانته! وهذه المرة لجأ السائق إلى عقل ليس في رأسه وغمز للشرطي في أن يسير في الطريق المغلق، فأشار الشرطي له بأن يتوقف قليلاً. وتوقف صاحبنا اللمّاح. وأُعطي إشارة فقفز بسيارته قفزة انطلقت معها صرخة «الله أكبر» من حناجرنا ومن صميم قلوبنا. ولا تسل عن السيارة، فقد بدا أنها تمزقت إرباً، ولم نعرف أنها جميعها معنا إلا بعد الوصول إلى الميناء.

لقد خبرنا أهوال البرّ، وفي هذه الرحلة إلى زنجبار سنرى من أهوال السفر البحري ما لم نره من قبل.   

«وللناس في الأسفار كل مذاهب»، فهناك من يهوى استكشاف الأماكن التي يزورها فهو ينتقل من مكان إلى آخر ليرى الجديد والمختلف، وهناك من يهوى الإقامة في مكان واحد والتشرب به، ويجد في هذا المكان الآخر سلوته التي ينشدها في التغيير، وهناك من يهوى الأماكن البحرية وهناك من يهوى الصحراء (نعم الصحراء نفسها بالضبط)، وهكذا. صديقنا الرابع في هذه الرحلة هو سعيد الذي ينتمي إلى الصنف الهادي الذي لا يحب الانتقال الدائم، ولا يجد في المفاجآت والمغامرات كبير متعة، وهو باختصار عكسنا جميعاً. في زنجبار وعندما أردنا الذهاب إلى ممباسا تثاقل عن صحبتنا وفضّل البقاء، ثم من دار السلام اتصلنا به وأخبرناه بعزمنا الذهاب إلى ممباسا، قال متردداً: سأفكر. ثم في اليوم الثاني قال: لن آتي ونحن لم نتفق على الخروج من تنزانيا. قلنا: انها ليست مسألة اتفاق أو خيانة على الإطلاق، وإنما هي فكرة بنت لحظتها ورغبة لا تعرف حدود المغامرة. قال: هذا تهور، وأنتم في بلد لا يعرف أهله الأمان فكيف بزوّاره. قلنا: نعم معك حق فيما قلت، ولكننا عزمنا على خوض هذه التجربة حتى الركب، وربما الأذقان، من يدري! وربما أنشدنا قول الشاعر: «وفاز باللذة الجسور».

في الميناء كنا ننتظر الصديق سعيد الذي وعد بأن يأتي إلينا لنبدأ برنامجاً جديداً باتجاه غير محدد تماماً. وفي الساعة المضروبة للقاء وهي الحادية عشرة صباحاً وصلنا هناك وبحثنا عنه ولم نجده. ما الحل؟. الانتظار... ننتظر إذن، ما المشكلة، الزمن هنا ايقاعه رتيب جداً. إنها الرابعة عصراً الآن ولم يصلنا صديقنا في السفينة الثانية القادمة من زنجبار. زاد قلقنا عليه فهو لا يعرف اللغة السواحلية إطلاقاً، ومن سوء حظنا لم نصادف هاتفاً هنا على الرغم من بحثنا. على كلٍ، فتشنا الميناء وسألنا، ولم نجد لصاحبنا خبرا.

قصدنا هاتفاً بعيداً واتصلنا به في زنجبار. وهنا يجب أن نتوقف قليلاً أمام هذا الهاتف العجيب الذي لا يعمل كما تعمل بقية الهواتف في دنيا الله، وإنما له قانونه الخاص. فإن كنت تعتقد أنك إذا وفرت المبلغ المطلوب - وهو زهيد - وأتيت الهاتف فوجدته خلواً من كل مزعج، فإنك قادر إجراء اتصال بسهولة فهذا غير صحيح بالمرة وحاول ثانية. ومن عجائب هذا الهاتف أنك تضع النقود في الجهاز من أعلى وليس من الجهة المقابلة للمتحدث - كما هي العادة -، ويتم إدخال العملة المعدنية بعد الربط وإجابة الطرف الآخر. كنا نأتيه من دار السلام لنتصل بزنجبار، والهواتف قليلة فيها ولم نر سوى ثلاثة منها هناك على الرغم من كبر حجم المدينة، فنضغط الأرقام المطلوبة ثم ندخل العملة، ولكنها تأبى الدخول ونحاول إدخالها بالقوة وهي تأبى، ونظل هكذا فترة غير قصيرة من الوقت، وعندما يردون أخيراً من زنجبار ينقطع الخط. وفي نهاية الأمر يحدث أحياناً أن يستمر الاتصال ونتحدث قرابة نصف ساعة دون أن ندفع حتى شلنجاً واحداً.

ومن بين المهارات التي اكتسبناها للتعامل مع هذا الجهاز العجيب هي تكثيف المحادثة في كلمة واحدة. فعندما تتعقد الأمور ويزعجنا الجهاز، يصرخ صاحبنا في الطرف الآخر بالكلمة الشفرة، فمثلاً عندما كنا ننوي الذهاب إلى ممباسا وننتظر رد الصديق السعيد، ففي اتصالنا وبعد معاناة سمعناه يصرخ: «ما أسير»، أي لا أذهب إلى ممباسا معكم. ففهمنا الرسالة ومضينا متشوقين لرحلة غير مأمونة العواقب، مدفوعين بروح الأجداد وبسيادة متوهمة للمكان تملأ جوانحنا.

ومن اللفتات الذكية التي دارت بأذهاننا مع مثل هذه الهواتف هو أن نصرخ لمحدثنا برقمين من أرقام الهاتف في كل مرة، ثم ننتظر أن يرد علينا الطرف الآخر. وحتى الآن لم ننفذ هذه الطريقة وإنما هي مجرد فكرة ذهنية تنتظر التنفيذ. ولا أستبعد تنفيذها ما دمنا في هذا البلد العجيب بهواتفه وسياراته وزمنه.

أخذنا الحديث عن الهاتف بينما كنا نتحدث عن بحثنا عن صديقنا وسط هذه الأمة الضائعة. وعندما تحدثنا إليه  أخبرنا بأنه عدل عن المجيء، لأنه لا يضمن أبعاد خططنا ولا عواقبها. قال أيضاً إنه ينتظرنا في زنجبار. قلنا نذهب إلى زنجبار في الغد فقد فاتتنا آخر سفينة في هذا اليوم. عدنا إلى مساساني في ضيافة السيدة الفاضلة قريبة الأخ حمود. وفي الباكر من صباح اليوم التالي اتجهنا مع «مساعيدي» -أخ مضيفتنا - إلى الميناء للسفر إلى زنجبار. قالوا: أن السفينة ستتحرك في الساعة التاسعة. وكانت الساعة لا تزال الثامنة والنصف. في حجز التذاكر طلبوا منا أن ندفع بالدولار، فأبى الأخ حمود لأن الفارق كبير قد يصل إلى تسعة أضعاف المبلغ فيما لو دفعنا بالشلنج، فقيمة الحجز في الدرجة الثانية هي (٣:٥٠٠) شلنج، أما بالدولار فحتى الدرجة الثالثة تعتبر غالية جداً إذ يطلبون لها (١٥) دولاراً، والدولار الواحد يساوي يومها (٤:٢٠٠) شلنج، فتكون المسألة كالتالي: ٤:٢٠٠ ٥١ ٦:٠٠٣ شلنج. قالت موظفة الحجز: لا أستطيع مساعدتكم فهناك شرطة الهجرة في التفتيش، ولكن اذهبوا إلى الشرطي وقولوا له أنكم من زنجبار وقد نسيتم جوازاتكم وسوف يعطيكم إثباتاً بذلك نحجز لكم به بالشلنج. طبعاً هذا إذا أعطيتمونا حق الشاي، (أي إكرامية أو رشوة بالفصيح).

كان رأيي أن ندفع بالدولار فالقيمة لا تزيد عن ٥١ دولاراً، ولكن الأخ حمود قال: لن ندفع. ذهبنا إليه وكان الحوار التالي. الشرطي لحمود: أي خدمة؟. حمود: نعم، نحن نطلب ورقة على أننا من زنجبار حيث نسينا جوازاتنا هناك. الشرطي: أين تدرسون؟. حمود: ندرس في إحدى المدارس. الشرطي: وصاحبك؟. كنت قد لزمت الصمت بينما بقي الصديق يعقوب ينتظر مع العفش بعيداً، لم أتكلم حتى لا أكشف هويتي ولكن الشرطي أدرك الحقيقة وقال: أنتم تكذبون حتى لا تدفعون بالدولار، سوف أعرقلكم ولن تسافروا وأتهمكم بالدخول غير المشروع إلى دار السلام، فكيف إذن دخلتموها من غير جوازات!!.

كنا قد هربنا من مشكلة الدفع بالدولار فوقعنا في مشكلة أكبر. وخرجنا من عنده بأقل من خفي حنين، ولم نجد بداً من الدفع بالدولار. لم تنته القضية، وما زالت في البداية. فهذا الشرطي يلاحقنا إلى مكان الحجز، ويقول: يجب أن تحضروا الى مكتبي. أحكم الشرطي اتهامه واستغل هذه الفرصة وهو الآن يضيق علينا الخناق.   

وكان تلطفاً وخوفاً منا أن ذهبنا إلى مكتبه الشريف، بينما تركنا التذاكر والجوازات عند الأخ يعقوب خشية أن يعبث بها. وأول ما سأل عنه الشرطي هو الجوازات، فقلنا له: لقد حجزنا بالدولار كما تريد وانتهى الأمر.

الشرطي: أنا الذي يقرر متى ينتهي الأمر!، هاتوا جوازاتكم.

حمود: لن نأتي بها.

الشرطي: لن تسافروا إذن.

حمود: سنسافر جواً.

الشرطي: افعلوا ذلك إن استطعتم.

قال الشرطي ذلك متحدياً ولأنه يعرف أننا حجزنا بالباخرة ومن الصعب أن نخسر ما دفعناه. خرجنا من مكتبه، وكنا قد اكتشفنا أثناء الحجز أن وقت مغادرة الباخرة ليس التاسعة صباحاً بتوقيتنا الذي اعتدنا عليه وإنما الوقت عصراً بتوقيتهم مما يقابل الساعة الثالثة. إنها المرة الثانية التي نخطىء في فهم هذا الفارق المهم. وكانت المرة الأولى في ممباسا حول موعد وصولنا دار السلام إذ قيل لنا الساعة الحادية عشرة، فظننا الأمر صباحاً بينما وصلنا الساعة الرابعة والنصف مما يقابل عندهم الساعة العاشرة والنصف، أي قبل موعدنا بساعة.

أمامنا الآن ست ساعات قبل موعد الرحلة، وليس من المعقول أن نعود إلى مساساني لتكلفة التاكسي ولعدم وجود الداعي القوي إلى ذلك. رأينا أن نبقى في الفرضاني، وهي الفرضة أو الشاطىء القريب من الميناء. بدأ الناس يتوافدون على الفرضاني شيباً وشباباً، فرادى وجماعات، يأتون يحدقون في البحر وينظرون إلى البعيد حيث ستأتيهم فرصة العمل والحياة المطمئنة متخلصين من ثقل الحياة التي يقاسون بلحظات آمال وردية. توحي أعدادهم بالبطالة. وحتى الذي يعمل منهم لا يجد إلا العمل الخفيف الذي يكون عائده قليلاً أيضاً. وقد سمعت أن الخادم الذي يعمل هنا يتقاضى ثلاثة آلاف شلنج أي ثلاثة ريالات عمانية بعد شقاء ثلاثين يوما. فلو قدرنا أن الموظف يتقاضى ثلاثة أضعاف ذلك فإنه سيصل إلى تسعة آلاف شلنج، فهل هذه النقود تكفي لحياة شبه كريمة!! حتى هنا ومع رخص الحياة وتوفر المواد الغذائية المحلية فإن هذا الراتب لا يكفي، ولذلك تجد الموظف يرضى بالرشوة بل يحتال ويطرب لخرق القانون، وما أسهل ذلك عليهم هنا.

أثناء وجودنا في الفرضاني ذهبنا أنا ويعقوب نبحث عن مطعم بينما ظل حمود مع الحقائب رقيباً عليها لا يكل طرفه عنها. ومن حسن حظنا أن وجدنا أننا كنا نبحث عن مطعم بعينه هو مطعم فندق أفريقيا الجديدة لأننا نزلناه مرة ووجدناه أفضل المطاعم هنا في دارالسلام. لم نكن نعرف أنه قريب هكذا من الفرضاني. غير أن الغداء عندهم يبدأ الساعة السادسة أي الثانية عشرة، فاشترينا من هناك بطاقات بريدية وكتبت رسالة إلى الأهل أخبرهم بالأحوال وبإتقاني اللغة السواحلية اتقاناً أصرف معه أموري مع الاستعانة بحصيلتي من اللغة الإنجليزية.

وقد عدنا إلى حمود ثم حاولنا معاً إجراء اتصال بزنجبار، ولكن الهاتف العجيب لم ييسر لنا المطلوب. عدنا إلى المطعم مع وقت الغداء وتناولنا وجبة واحدة مشتركة حتى لا تثقل المعدة بالطعام مما قد يسبب لنا التقيؤ في السفينة. كما اشترينا فاكهة قريبة من البرتقال وليست به. وكانت الوجبة عبارة عن أرز مع السمك المجفف، مما أثار دهشتنا من هذا الفندق الذي يطل على البحر ثم يقدم السمك المجفف ولا يوجد به سواه.

بعد جلسة تأمل ممتعة في الفرضاني كانت الساعة تشير إلى الثانية، فقلنا إنه من الصواب أن نتجه الآن إلى السفينة تحسباً لأية تعقيدات من قبل عدونا اللدود، شرطي الهجرة. بدأ الاضطراب يدب في أوصالنا. واتفقنا على أن يلزم الأخ حمود الصمت وأتكلم أنا إلى الشرطي للمفاهمة، ذلك أن حمود ينفعل بسرعة وسأضبط أنا نفسي وأكتم غيظي حتى تلين أعطافه بحسن الحديث وحلاوة الرشوة.

وعلى كل حال فعلى باب الدخول وجدنا الشرطة محدقين بالمكان، فقلنا: وقعنا في شر أعمالنا. قالوا: أين الجوازات؟

قلت: إنها هنا في الحقيبة. وأنزلت طاولة جلدية صغيرة كنت أحملها أرضاً ووضعت فوقها الحقيبة وأخرجت الجوازات ،أريتهم إياها فأشاروا لنا بالدخول. أغلقت الحقيبة ثانية، وفي اللحظة المتوترة ذاتها أبصرت يعقوب يحمل طاولة مثيلة فظننت أنها التي معي وقد حملها عني. ذهبنا لا نصدق أننا نجونا بهذه السهولة ونتوقع أن يلحقنا أحد. سرنا متلفتين يميناً وشمالاً ومحاولين إخفاء قلقنا واضطرابنا. جاوزنا بابا ثانياً ووجدنا شرطة آخرين أمامنا. قضي علينا إذن. لم نلتفت إليه متصنعين الثقة، بل واصلنا مسيرنا واندفاعنا. وكنا إذا رأينا شرطياً ظنناه قد أتى ليأخذنا. وهم على طول الطريق، من المدخل وحتى باب السفينة. بقي الآن شرطي أخير. وإذا كنا قد سلمنا من السابقين فمن يعلم قد يكون هذا هو الشخص الذي تحديناه، وأراد مباغتتنا بهذه الطريقة، فهم في الشر إخوان. وكان الناس قد ازدحموا على البوابة فاندسسنا بينهم ووقفنا ننتظر في الطابور، ولأول مرة نظرنا إلى وجوه بعضنا مهنئين دون كلمات ببلوغنا هذه المرحلة من السلامة والتخلص من ذلك الشرطي. التقت الأعين فعرفنا أننا خلال إبراز الجوازات في المرة الأولى تركت أنا الطاولة الصغيرة ولم ينتبه إلى ذلك أصدقائي. في هذا البلد لا يأمن الواحد على الساعة في معصمه ولا على المعطف فوق جسده.

تذكرت ذلك المشهد بسرعة وركضت عائداً للبحث عنها وإن كنت آيساً من ملاقاتها. وكم كانت فرحتي شديدة عندما وجدتها لم يمسسها سوء، في مكانها قرب الشرطة. وفرحت بها فرح يعقوب بيوسف. عدت فوجدت أصحابي قد تجازوا العقبة، أي الشرطي الأخير. وركبنا الباخرة في الدرجة الثالثة وهي أقل الدرجات ولكن:

إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً     

        فما حيلة المضطر إلا ركوبها

ثم اكتشفنا أن الدرجة الثالثة أفضل من الثانية. ولذلك حديث لاحق.                

على الرغم من أننا تحصـنـّا أخيراً بالسفينة وفصلنا البحر عن ذلكم الشرطي المرتزق إلا أن ثمة خوف ظل يساورنا ويشد أجسادنا بقوة إلى مقاعد السفينة لا نبرحها. ذلك النوع من الخوف عند من لم يدمن الخطأ بعد. كأنما تلاحقنا أوزانا، بعبارة أخرى. الساعة الآن الثانية والربع ومازال الوقت وفيراً قبل أن تتحرك السفينة. تثقل علينا مخاوفنا ثانية ونتصوّر أن الشرطي إياه قادم إلينا لأخذنا إلى السجن مباشرة، متورطين بالجرم المشهود. نتساءل بقلق وسخرية عبثية: هل سيأخذوننا جميعاً إلى الحجز أم سيكتفون بواحد منا؟ ومن سيكون ذلكم الواحد؟ ربما حمود لأن لغته ستسهل عليه الكثير وتقصر المدة. لا لا لا، سنكون معاً وسنصر أن ندخل كلنا ولن نتخلى عن بعضنا البعض. أو ربما اندس أنا منسحباً من بينهم للاتصال بأخينا الكبير الذي يعمل في وظيفة مرموقة بزنجبار. لا شك أن لديه الحل الباتع لهذه المشكلة. راقت لي فكرة الانسحاب لخدمة الرفاق وفقاً لهذا السيناريو.

الساعة تقترب من الثالثة ببطء شديد، وتتصاعد أنفاسنا عندما رأينا قارباً للشرطة يتجه نحو سفينتنا. قلنا: لقد انتهى أمرنا وقد حوصرنا من البحر وهاهم الآن قد أطبقوا علينا. أتى القارب وذهب وانطلقت السفينة في رحلة السلامة قبل موعدها بثلاث دقائق. أخذنا نفساً عميقاً وانفرجت أسرة وجوهنا، مستبدلين بخوفنا أمنا، وموغلين في واحدة من أمتع رحلاتنا البحرية.

هذه الباخرة هي نفسها التي أقلتنا أول مرة في رحلتنا من زنجبار إلى دار السلام، وها نحن نلتقي بها ثانية كأننا على موعد. أظن أن مالكها هندي، فقد رأيت أثناء الدخول هندياً ثريا بادياً عليه أثر النعمة مع أبنائه يستقبلون الركاب ويأخذون منهم التذاكر. وهي مستويان: مستوى باطني ومستوى عال. فالأول مخصص للدرجة الثانية في جوف السفينة. به كراس مبطنة وكبيرة، يتسع الواحد منها لأربعة أشخاص. وكل كرسيين جعلا متقابلين وبينها طاولة، عليها أكياس سوداء لمن يصيبه دوار البحر فيحتج إلى تفريغ معدته.

وبهذه الدرجة أيضاً أجهزة فيديو الذي يبدأ عمله ما إن تتحرك السفينة بالقرآن الكريم، ثم يعرضون فيلماً أجنبياً ثم جولات في المصارعة الحرة، خاصة هوجن والحزام الأزرق. وبها قهوة تخدم الركاب بالمشروبات المثلجة من البيبسي والميرندا فقط، بسعر مائة شلنج، وتقدم الوجبات الخفيفة كالكعك ونحوه.

وهناك سلم يوصل إلى الدرجة الأولى التي تتميز بمقاعد وفيرة جعلت مستديرة في حلقة كحلقات المجالس. وتنفصل كل حلقة عن الحلقات الأخرى مما يخلق خصوصية مميزة. بها خدمتا القهوة والفيديو أيضاً. ولارتفاع مستوى هذه الدرجة وانكشافها للبحر توفر فرصة الاستمتاع بمنظر البحر. وقد سعدت كثيراً عندما قعدت هناك قرب نافذة زجاجية أرقب البحر فلا أرى أمام عيني إلا امتداد الماء وإلا خيالات تنثال على خاطري بأن حوت العنبر سوف يقفز في هذه اللحظة لننعم منه بغنيمة سنية. وبجوار هذه النافذة توجد دورة مياه هي أنظف وأفضل ما رأيته منها في دار السلام. بها مرآة ومياه باردة وساخنة ومحارم ورقية.

وإذا كانت الدرجة الأولى تقع فوق الثانية مباشرة فإن الدرجة الثالثة هي في وسط السفينة الذي يستوي مع الدرجة الثانية في جزء منه، والجزء الآخر في الأعلى حيث الدرجة الأولى. وهذه الدرجة ليس بها التسهيلات المذكورة، ولكن من أراد شيئاً أمكنه الذهاب إلى مستوى الدرجة الثانية. وهذه الدرجة مميزة بكثرة السرقات كما قيل لنا. قال موظفو الحجز: انتبهوا لجيوبكم. فصارت أيدينا لا تفارق جيوبنا، حتى إذا عرفنا الأمر تبين أن ذلك ما هو سوى حالات نادرة أو سرقات حدثت من سنين ولا تزال ظلالها مسيطرة على الأذهان بسبب ازدحام الناس في هذا المستوى لانخفاض تكاليفه.   

غير إنه بهذه الدرجة لا تشعر بالغثيان كما في الدرجة الثانية. وقد حدث لنا في الرحلة الأولى أن جملة من الركاب بيننا تقيأوا، بينهم حمود وجملة من الجميلات الزنجباريات. أما في الدرجة الثالثة فلا يحدث ذلك الغثيان، حتى أن الواحد لا يجد هنا الأكياس السوداء المعدة لذلك الغرض. وقد أرجعت سبب ذلك إلى بعد هذا المستوى عن هزات المحرك وعن الاحتكاك المباشر بالبحر.

لقد قضينا أروع اللحظات خلال الساعتين والربع هي مدة رحلتنا من دار السلام إلى زنجبار. مرت خاطفة كسحابة، تجولنا خلالها في السفينة وتحدثنا عن الأهل والأحباب، وكتب حمود رسائل إلى أهله وأصدقائه في عمان، وانشغلت أنا بكتابة بعض المذكرات، بينما ناجى يعقوب البحر متذكراً صهره الجديد في ممباسا. كما تعرفنا على موظفي السفينة ونشأت بيننا مودة. وقد تحدت إلي أحدهم بالسواحلية المطعمة، فعرفني أن اسمه خميس عيد محمد. وقد اندهشت من الاسم لما يحمله من طابع عماني. فأكد لي خميس أن أصوله أفريقية. وعندما كنا ننزل في ميناء زنجبار كان خميس يودعنا بابتسامة عريضة ويلوح بيديه ويقول: «كواهيري»، أي مع السلامة. رددنا عليه التحية بأفضل منها قائلين: «كواهيري سانا».        

زنجبار: ١٥/٧/1992م

نلملم اليوم أشياءنا المبعثرة للتوجه إلى (موانزة)، التي تقع في البر الأفريقي ليس بعيداً عن الحدود الأوغندية،  وزيارة الأعمام هناك. حنين غامض لرؤية المكان الذي ولد فيه أبواي، وعاشا فترة قصيرة قبل هجرتهما أو عودتهما إلى عمان مع ذويهما في مطلع الأربعينات بالنسبة لأبي، ومنتصف الستينات بالنسبة لوالدتي. أحاديث الأهل عنه يجعله حاضراً في مخيلتي طفلاً بشكل كبير، بنهره وخضرته وأجوائه الغامضة. عندما كنت طفلاً لم أكن أمل من سماع القصة ذاتها التي تحكي ظلم العمات وتسرد أغنية حزينة على لسان طفلة تشتكي بحرقة  إلى أبيها عمتها القاسية، دون أن تصل تلكم الشكوى إلى الأب، لأن العمة ألقت الطفلة في بئر مهجورة وادَّعَتْ أنَّها خرجت من البيت دون إذن -كعادتها- ولم تعد. واستمر الحال إلى أن اكتشف الأب ذات يوم حقيقة الأمر عندما سمع صوتاً واهناً ينبعث من تلك البئر المهجورة، ليجد ابنته الغالية نصف حية. وتعرفون بقية هذه القصة أو لعلكم تتوقعونها، والمتمثلة في أن الأب يقرر التخلُّص من هذه العمة القاسية القلب. أذكر أن الأغنية السواحلية هذه، التي ترددها الطفلة المظلومة، بالتحديد كانت الجزء المفضل لدي من هذه القصة، لذا كنت ألح على سماعها كل يوم تقريباً، وأنام قبل أن تنتهي أمي من غنائها في كثير من المرات.

مرةً أخرى الحجز بالدولار كان مشكلة نحاول التذاكي في حلِّها، ونتوقع أن نعامل معاملة المواطنين، لا السائح الغريب. وقيمة تذكرة الطائرة 196 دولاراً، أما بالشلنج فإنهم يأخذون ٤٨ ألف شلنج فقط، أي ما يقترب من نصف القيمة الأولى. حاولنا ومعنا الأخ علي - الموظف الرفيع المنصب في زنجبار، الذي أشرنا إليه سابقاً،  وقابلنا مدير فرع الطيران التنزاني بزنجبار، وحجزنا بالشلنج كالمواطنين الصالحين الآخرين. بالطبع حجزنا ونحن نقرأ المعوذتين وكلَّ الأدعية التي ورثناها خوفاً من أن يحدث لنا ما حدث للأخ سعيد عندما أنزل من ظهر السفينة لأنه حجز بالشلنج. يقول سعيد إنه نزل متحلياً بروح رياضية ولم يجد في الأمر ضيراً يذكر. أما الخبر فقد انتشر في زنجبار كلِّها، وسرى سريان النار في الهشيم. فقد سمعته أمس من مدير الفرع هنا. سألني المدير: أتجيد السواحلية؟ قلت: نعم. وضحك.

كانت استراحتنا في زنجبار أربعة أيام بعد عناء رحلة ممباسا، والتعب والنصب ذرعاً لشوارعها الفسيحة. زرنا خلال هذه المدة إحدى قريبات يعقوب تسكن في المزارع أو (الشوانب)، كما يسمونها بالسواحلية. ويبدو أنها جمع تكسير للمفردة (شانبة). ومن المثير أن زوج المذكورة أوهمنا أنه لا يتقن العربية إطلاقاً، فأخذنا حريتنا المطلقة في الحديث حول اختلاف العادات، وعن مفارقة معاني بعض الكلمات في اللغتين العربية والسواحلية. وأثناء اقتناصنا لواحدة من هذه الشوارد المضحكة، ابتسم مضيفنا ضاحكاً لأنه فهم المعنى. قلت له: أنت تعرف العربية جيداً! فأنكر، وواصلنا حديثنا الساخر. وقبيل المغادرة وأثناء تناول القهوة العمانية مع فاكهة الأمبا (المانجو) - وبالمناسبة فتسميته السواحلية مأخوذة من العربية، فهو عندهم هيمبي- انطلق يحدثنا بالعربية وباللهجة العمانية السناوية(١) القديمة، وقد فهم كل ما قلناه من تهكم على العادات واللغة. دهشنا كلُّنا وسُقط بين أيدينا، ولم نحر جواباً.

وجبة الغداء كانت معتادة ومكونة من مكبوس الأرز مع اللحم والبطاطس المطبوخ مع دجاج مقلي بالبصل والطماطم. أما سلة الخضروات فتتكون من الفجل الذي يقدمونه مع جذوره  والطماطم والجزر والليمون. وسلة البرتقال اقتصرت على البرتقال (الماتشونجو). وبيتهم لا يبعد كثيراً عن البحر الذي قصدناه قبل الغداء فشاهد من شاهد، بينما عانقنا أنا وعلي الأمواج، وسبحنا لمسافات بعيدة نبلغها لأول مرة.

كنا نتردد على الفرضاني كثيراً وهو مكان لطيف يقصده الجميع من الشيوخ والنساء والفتيان والفتيات، وهنَّ أكثر. وتُقَدَّمُ فيه، إلى جانب الأكلات الزنجبارية الشهية، القهوة بالحليب التي كنا نستلطفها كثيراً. وفي طريقنا إلى الفرضاني كنا نرى البيوت العتيقة ذات الطابع العماني الطراز بنوافذها وأبوابها ومشربياتها المنقوشة نقشاً بديعاً. هذه البيوت آلت بعد التمرد في 1964 الذي أطاح بالحكم العماني هناك إلى الحكومة الجديدة بعد أن أمَّمت الحكومة المنازل والمزارع ووزَّعتها بـ«السويَّة» بين ملاّكها وبقية السكان. وهي الآن تباع شيئاً فشيئاً، حتى إن بيت الجمعية العربية الذي انطلقت منه صحف كالفلق والنهضة بيع قريباً بما يعادل ١٢ ألف ريال عماني فقط. ومن يسير في حواري زنجبار يشاهد أولئك الشيوخ العمانيين الذين أبوا مفارقة الدشداشة، كما أبوا مفارقة الوطن الذي جعل لمراهقتهم طعماً. تراهم ينقلون العصا تتبعها الخطوة في خريف العمر، وقد ذهب المجد وغربت شموسه. لا أدري لماذا عندما أنظر هذه الوجوه المتغضنة والمتعبة أفكِّر كثيراً في أنها كانت مليئة بالحياة والنشاط. لا شك أن تجاربهم الثرية والعنيفة في آن تصلح مادة روائية ملحمية.

سفينة فيكتوريا: ١٦/٧

سفينة فيكتوريا ذات مكان مكين في التاريخ الحديث فهي وحدها وصلت مع كولمبس عندما اكتشف العالم الجديد: أمريكا، وهذا الاسم تحمله إحدى ملكات بريطانيا العظمى، ثم ان هناك بحيرة تحمل هذا الاسم. هدير سفينة فيكتوريا هذه يجعلني أتذكر ما حدث أمس في زنجبار وبعدها في دار السلام. فلا بد للقلم أن يتوقف قليلاً عندها، لا لجمالها، و لكن لطرافة دلالتها. فما أسهل إجراءات مطار زنجبار التي لم تستغرق دقيقتين، فتحت خلالها الحقيبة ولم ينظروا إليها بل قالوا: «وناتوشا»، أي يكفي. «سفاري يا سلاما»، أي رحلة آمنة. قلت: شكراً. وفي بهو الانتظار وجدنا الأستاذ مسعود الغيثي مدير المعهد الإسلامي سابقاً الذي حدثنا بعد أن سألناه عن زنجبار وعن زهو العمانيين. قلنا: إن المتجول في زقاق زنجبار تأخذه الحسرة كيف عمّر العمانيون هذه القصور المشيّدة ثم تركوها لعبث أياد حتى بالاقتراب منها؟! لقد رأينا العمارة العمانية هنا، ولا شك أنه من يريد أن يدرس الفن المعماري العماني فلن يفوته هنا أي شيء. تجد تلك القصور وقد حولت إلى فنادق سياحية أو مطاعم أو دكاكين للتحف الأثرية المسروقة من بيوت العمانيين. قال الأستاذ: يا أبنائي هذه سنة الحياة، «ولو دامت لغيرك ما آلت إليك». قلت: ما السبب المباشر لانحسار الحكم العماني في هذا المهجر؟ قال: إنها خطة الإنجليز الذين أوهموا الشعب وزوروا له الحقائق ووعدوه بالمساعدة، ولما دارت الدائرة تخلوا عنه وتركوه كما ترى، شعباً فقيراً رغم إمكانياته الهائلة إلا أن الفساد الإداري ينخر في عظامه. قلت: الحقيقة أننا لا نريد أن ندين أنفسنا، ولكن كيف حدث أننا استعبدنا هذا الشعب! وهو صاحب الأرض ونحن الغرباء، كل هذه الفترة الزمنية، ولم نعترف بحريته إلا تلبية للمطالب الأجنبية؟ ابتسم الأستاذ ابتسامة خفيفة ثم قال: استعبدناهم عندما استعبدهم العالم أجمع، وتركناهم عندما تركهم العالم. هم الآن يعرفون أننا نحن وليس الإنجليز من كان إلى صفهم.

لقد سمعت هذا الرأي حول قوة علاقة العمانيين بالأفارقة من الشيخ عليان إمام وخطيب جمعة بأحد مساجد زنجبار، أبوه من اليمن بينما ولد هو هنا في زنجبار. كما سمعتها أيضاً اليوم من أحد أفارقة موانزة الذي قال إن الهنود ينشغلون بتجارتهم ولا يمتزجون بغيرهم، بينما العرب يخالطون الأفارقة ويزاوجونهم.

وإلى جانب الأستاذ حرمه التي كانت تشاركنا الحوار بفاعلية. قالت لي: هل تعلم أن جدي كان أول مدرس في مدرسة نظامية بزنجبار؟ قلت: لا علم لنا... ما اسمه؟ قالت: عبدالله بن حمد الحاتمي. ثم تذكرت أنني أعرف عائلة بهذه القبيلة في قريتنا. كان إلى جانبنا بناء بسيط، أخبرتنا حرم الأستاذ أنه كان مبنى المطار القديم، وهو الآن صالة لكبار الشخصيات. بينما نتحدث مرت بيننا قطة بيضاء صغيرة، ثم أخرى من بنات جنسها. الأمر الذي أوحى ببساطة المكان وهدوئه، فتذكرنا ما سيأتي من هلع عند ركوب طائرتنا هذه المرة. إنها طائرة صغيرة وربما كانت تتسع لعشرين راكباً أو أقل، ولا تزيد مساحتها من الداخل عن مساحة حافلة صغيرة، ولا يفصل شيء بين قائد الطائرة والمسافرين. كنا نراه وهو يمسك بالفرامل ويتحكم في ارتفاع الطائرة.

«لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذي طائرة بعد! ».

قالها الأستاذ بلهجة عمانية مميزة. قالت الزوجة: بدأت وساوسه. ارتحنا إلى أننا لم نكن وحدنا القلقين هذه المرة، وشَكَّلَ لنا ذلك إحساساً بالقوة، نسينا معها هلعنا المعتاد من الطائرة. في الطائرة وجدنا سيدتين من عائلة الشيخ عامر علي عمير المرهوبي كبيرتين في السنَ. عرفنا أن إحداهما خالة الأخرى. لم نميز ذلك بدقة. أذكر أنني ساعدتهما في ربط حزام الأمان، وبحركة متهورة دست بحذائي الثقيل على رجل السيدة العجوز.

عاودتنا مخاوفنا المعتادة فجأة. ما أصعب أن تجد نفسك معلقاً بين السماء والأرض! لا هذه قررت فيها ولا تلك تفتح لك الأبواب! ومما يزيد تعكير صفو الأمور إمكانيات الطيران التنزاني الضعيفة. كانت الطائرة تئز أزيزاً، ويزداد التوتر عندما نعبر السحاب فيشتد العذاب، وترتعد فرائص الطائرة، إن كان لها فرائص! أما نحن ففرائصنا ترتعد بلا شكَّ، حدَّ الجنون. عند هجمات السحب تهوي الطائرة إلى الأسفل، فنعتقد أنها الكارثة، وترتفع فجأةً، فنعتقد أن القائد فقد الزمام. وبقينا هكذا بين خوف ورجاء، حتى وصلنا دار السلام.

لم نغادر المطار منذ وصولنا الساعة العاشرة صباحاً وحتى إقلاعنا الساعة الثانية عشرة والنصف. كان الناس يتدافعون إلى البوابة قبل إعلان فتح أبواب المغادرة، كل منهم يريد السبق، ونحن لا نفهم سرَّ هذا التدافع! وغير بعيدٍ، عنـَّا قرْب بابٍ آخر، انتظرت حسناء هندية مع أبيها وفتح لها الباب أولا، وبعد سبع دقائق فتح الباب لنا. ولم نصل الطائرة إلا بصعوبة من شدة الزحام. الأمور هنا عجيبة جداً، فالناس يتدافعون للحصول على كرسيٍّ، إذ هناك حجوزات فوق المحدد، والسعيد من يصل أولاً!! ولله في خلقه شؤون.

أمَّا الطائرة هذه المرة فهي أحسن حالاً من سابقتها، وقد تفاءلت خيراً، وإن كنت لا أرتاح إلى أي طائرة كانت إلا أن نظافتها وكبر حجمها خلقا نوعاً من الاطمئنان. سبقتنا إلى الكرسي حسناء (زنزبارية). في عينيها شيء من كثافة الليل، وفي عودها سموق نخلة نارجيل، مما لا تستطيع معه سوى الصمت. وهكذا حسناً فعلنا. جلسنا جنباً إلى جنب ولم ننبس ببنت شفة، ونحن أدرى بمنطق الأدب إذ يتوجب علينا تحيتها ولكن «غطى هواك وما ألقى على بصري». هي إلى النافذة ثم العبد لله ثم صاحبي. ربطنا الأحزمة ورفعت عيني شيئاً فشيئاً... السلام ..... مرحبا. قلت وقالت. أيها اللون الحنطيُّ، يا غذاء المسيح...

إلى أين؟ موانزا؟

نعم، وأنتم؟

نفس الاتجاه. هل هي بعيدة؟

لا أعرف على التأكيد فهذه أول زيارة لي.

نسمع بيان المضيفة تحيي الركاب في رحلة ستستغرق ساعة ونصف الساعة.

زيارة عمل؟

لا، ليست عمل وإنما نزهة، وأنتِ؟

أنا أعدُّ مشروعاً دراسياً يرتبط بدراستي الجامعية. في أي سنة دراسية تدرسون؟

لقد أنهينا بحمد الله دراستنا.

تحدثنا معها بسواحلية مكسَّرة، وكانت تضحك، ثم تقيم ما كسَّره النحويُّ من لغتها المستقيمة. لقد سعدنا بهذا اللقاء إذ حاولنا تطبيق رصيدنا من ألفاظ اللغة السواحلية.

من صور العظيمة؛ التي تصافح البحر صباح مساء انطلق أجدادها ليستقروا في دار السلام. تسمع عن الوطن ولم تره. تعرفه من بطاقات البريد، وتختزن في مذكرتها عناوين كثيرة لمعارف وأقارب من أرض الوطن، قالت إنها تنوي الكتابة إليهم.

هل أعجبتكم زنجبار؟

جداً ... جداً ، زرنا فيها أماكن كثيرة وهواؤها جيد وأهلها طيبون وظرفاء.

هل زرتم الفرضاني؟

بالطبع فهو قلب زنجبار.

وتذوقتم أكلاته؟

ليس كلها؛ شراب المبونجو ... المشكاك ... الذرة المشوية.

ثم سالت عن وجبة رأيتها هناك وأثنى عليها أحدهم، وهي خليط من اللحم والبطاطا وأشياء أخرى لا أذكرها. فأجبتها بأني لم أتذوقها. وهنا اتسعت حدود عينيها وزادت المساحات الجميلة في العالم. قالت:

لماذا لم تتذوقها؟! إنها جميلة جداً.

هكذا ... لا أحب الخلط.

إنني أتخيلها الآن وأشبع خيالي بأكلها.

قلت في نفسي: تخيلي ما شئت. قالت:

إذن لا شك أنك لم تتذوق (الدوريان)؟

لا. وهو ثمر في حجم البطيخ الأحمر، مدبب والغذاء في داخله لذيذ غير إن رائحته كريهة وتثير الغثيان.

بعد قليل أتى المضيفون يدفعون عربة الطعام؛ الذي كان عبارة عن مشروبات غازية وفطائر. وكلفتة من لفتات اللياقة سألتها ماذا تريد، ثم طلبت اثنين ميراندا وفطيرتين.

الحديث يقطع المسافة، فلم نشعر إلا بإعلان وصولنا موانزا، فتذكرنا قضيتنا وأننا حجزنا بالشلنج. وفي مبنى المطار الشديد التواضع كانت رفيقة الدرب القصير تنتظر حقائبها، أما نحن فقد كانت حقائبنا خفيفة محمولة في اليد ولا ننتظر سوى التفتيش. استأذنا منها على أن نلتقي خارج المبنى. تقدمنا ولم نر أثراً لمفتشين ولا شرطة ولا أحد. ولمَّا لم يسألنا أحدٌ؛ اندفنا خارجاً مع الجموع الغفيرة.

في أرض الآباء

لم نصل إلى مقصدنا بعدُ بوصولنا أرض موانزا، فما زال الطريق بعيداً إلى كياكا التي تقع على تخوم الحدود التنزانية-الأوجندية، وبالقرب من منابع نهر النيل الخالد. علينا أن نسير ونُجِدَّ المسير حتى نبلغ الأرَب. ركبنا التاكسي من المطار، ذاهبين إلى مسجد العرب. وهنا يطلقون على العمانيين والعرب الآخرين بهذه الصيغة. كنا قد حاولنا ومنذ وصولنا الاتصال بالأخ عبد الله بن سعيد بن ناصر مضيفنا المفترض في هذه المدينة ولكنَّ جميع محاولاتنا باءت بالفشل الذريع. فالهاتف هنا أعجب وأغرب من هاتف دار السلام الذي تحدثنا عنه سابقاً.

وعند مسجد العرب انشرحت صدورنا بعد ضيق برؤية أحد العمانيين يلبس الدشداشة ويعتمر الكوفية، فقلنا لأنفسنا: تمَّ لنا السعد والهناء بلقاء الأخ العماني في أرض الغربة الموحشة.

أهلاً وسهلاً. قلنا له، فرد:

من أين أنتم؟

من عمان.

وكيف حال أهل عمان؟

بخير، ويقرئونكم السلام.

متى الوصول؟

الآن فقط.

لم نكد نكمل الكلمة الأخيرة حتى استدار الرجل طالباً الهرب. لكنَّني أمسكت بيده وقلت له: أريد أن أسألك فقط إن كنت تعرف عبد الله بن سعيد. قال: لا أعرفه، ولكن سأسأل عنه في المسجد. دخلنا المسجد معه وهناك وجدنا أحد العمانيين من المضيرب الذي عرفنا بمتجر المضيف ومكان بيته بالضبط. ذهبنا المتجر فلم نجده، ثم ذهبنا البيت فاستقبلنا أحد الشباب بوجه عابس وباستقبال لا بأس به، والأكثر حدثنا بالعربية مما أزاح عن نفوسنا ثقل الغربة. قال إنه من قبيلة المحاريق من مدينة أدم بعمان، وقد زار عمان. ثم استأذن لبعض أموره وتركنا قاعديْن في المجلس مخبراً إيانا أن عبد الله سيأتي بعد قليل.

جلسنا متقابلين ننتظر طلة مضيفنا، ولما ضجرنا قررنا أنه إذا استمرت الأمور على هذا النحو فعلينا المغادرة مباشرة إلى بكوبا أو العودة إلى دار السلام. لقد أحسسنا بالجفاء.

جاء جملة من الشباب. مدوا أيديهم واختفوا. قلت لصاحبي: علينا المغادرة فوراً، وما يدرينا أن يكون عبد الله بينهم. بعد فترة جاء شاب آخر، وجلس قريباً منا يوجِّهُ العمَّال الذين يشحنون البضاعة في واحدة من صف سيارات كانت تقف أمام المنزل. قلت له: نحن من سناو وقادمون الآن من زنجبار من طرف الأخ علي الذي أرسلنا إلى الأخ عبد الله. قال: أنا عبد الله. قلنا: أهلاً ومرحباً.

سكت، وسكتنا ناوين أمراً. قال صاحبي وقد فقدنا الأمل في المضيف الرئيسي: أنا أعرف والده معرفة جيدة فعسى أن يختلف الأمر حين يجيء. وكنا قد علمنا بوجوده في موانزا لغرض التجارة. جاء الوالد وسلَّم عليه يعقوب فلم يتغيَّر شيء للأحسن، وأكّدنا نيَّة الخروج. بعد قليل قال الوالد سعيد وهو ما يزال واقفاً لم يجلس بعد أو يرحب بنا كما هي العادة العربية في استقبال الضيف، وكنا حتى هذه اللحظة لم نحظ بجرعة ماء، قال: من أين أنتم؟ قال صديقي: نحن من سناو. قال: مِن مَن بالضبط؟ قلنا: من بني فلان وفلان. ثم انهمر سيل الأسئلة فلم تبق زاوية ولا نخلة ولا ساقية فلج إلا وسأل عنها. كان يسأل سؤال المشتاق. وبدأت أسارير وجهه تلين، ثم إن صاحبنا المحروقي عاد من عمله، وجاءنا بشاي وماء.

على الرغم من تغير أجواء اللقاء إلا أن أنفسنا لم تطمئن بعد تلك المقابلة الجافة في البداية، وعندما خرجنا للتنزه صرنا نبحث عن بيوت الضيافة حتى نقصدها إن احتجنا ذلك. أثناءها التقينا بفتاتين تعرفان أحداً من سناو، كبراهما متزوجة والصغرى في انتظار العنقاء في هذا البلد الذي عرفنا العجيب من أمور الزواج فيه. فقد حدثنا مؤذن المسجد الذي التقيناه ساعة الوصول أنه متزوج من ثلاث زوجات، دفع لاثنتين مهر ثمانية آلاف شلنج (أي ما يعادل ثمانية ريالات عمانية)، أما الثالثة فقد بخس فيها - كما يقول - حيث دفع سبعة آلاف شلنج. فإذا كان المهر بهذه القيمة اليسيرة فلا شك أن فرصة الزواج تبقى محدودة للفتاة.

آنستنا الأخت الأكبر بالحديث والسؤال عن سبب الزيارة. قلنا إنه السياحة. قالت: ليس الزواج؟! قلنا: إن تيسر الأمر فنعم المطلوب. قالت: وهل تتزوجون أختي؟ قلنا: نسعد بذلك إن رضيتْ هي. أما الصغرى فقد استحت من هذه المساومة العلنية، ثم رفعت رأسها في دلال وقالت: تزوجوها هي. ... وضحكنا.

في اليوم الثاني من أيام موانزا وفي صباحه، تناولنا الإفطار وخرجنا إلى السوق بصحبة الوالد سعيد. وسوقهم قريب من الأسواق الشعبية العمانية. كان الوالد سعيد مرشدنا الذي أخذ يشرح لنا المنتجات التي تشتهر بها موانزا ومن أهمها العسل، كما يخبرنا عن العادات والتقاليد هنا، وفي الطريق يلتقي بأصدقائه فيتبادل معهم عبارات الترحيب والفكاهة. كان جدوله يقتضي العودة إلى مدينة تعرف باسم (كبانجة) حيث تجارته وأسرته الأخرى هناك، ولكنه عَدَلَ عن ذلك مجاملة لنا وإكراماً لأهلنا الذين تجمعه بهم روابط عائلية وصداقة. صرنا محور الاهتمام من قبله ومن قبل أبنائه. جزاهم الله خير الجزاء.  

وفي وقت العصر عندما أردنا الذهاب للحجز كنا مترددين أن نسأل عن مكان الحجز، واستأذناهم للذهاب. وكم كانت مفاجأتنا كبيرة عندما أخبرونا أنه لاداعي لذهابنا المبكر للحجز فقد قاموا هم بذلك، بل حجزوا لنا في الدرجة الأولى في سفينة فيكتوريا. أردنا أن ندفع لهم فلم يرضوا بذلك. في لحظة رحيلنا هربت كلمات الشكر التي توفيهم حقهم في حسن الضيافة، وكانت تمتمات بالشكر الجزيل، وبأمل أن نراهم في عمان حتى نردَّ لهم بعض الجميل.

أكتب الآن هذه الكلمات في القمرة رقم ٧ بالسفينة متذكراً شريط أحداث متسلسل، ولا شك أن أبرز حدث فيه هو لقاؤنا بالوالد سعيد وأولاده، وكيف ظلمناهم بأحكامنا المتسرعة، وقد عرفنا أن القوم ليسوا اندفاعيين مثلنا بل عجنتهم التجربة الجديدة في سكناهم بأفريقيا. إنهم يحسبون تصرفاتهم ويضبطون مشاعرهم، وأنَّ ما بدر منهم في أول الأمر كان مع جهلهم بنا ولما عرفونا تغيَّر الحال. دَرْسٌ كنـَّا بحاجةٍ إليه.

موانزا: ٢٢/٧/1992م

كيف لي أن استجمع أحداثاً متخمة جرت خلال أيام ثلاثة؛ كل ساعة فيها رواية قائمة بعالمها وتفاصيلها الكثيفة. لذلك لي العذر كلُّه إن أجملت ما حقه الإسهاب. ويبدأ الحديث عند مغادرتنا موانزا المحروسة قاصدين كياكا، المحروسة أيضاً. وفي وقت يكاد لا يبين ولا يطمئن كانت طبول الأفريقيين هي الحرس، كذلك كان غموض أرضهم ودكانة بشرتهم، ونومهم من أول الليل، وسهرهم حتى آخر الليل.

من موانزا ركبنا السفينة «فيكتوريا» حتى بكوبا. خرجنا أول الليل ووصلنا أول النهار الساعة السابعة صباحاً على وجه التقريب لا الحسم. ولماذا الحسم! لا نحتاج إليه في هذا البلد. إنه عملة نادرة ولكنها لا تصرف هنا. أما التاكسي الذي أقلنا إلى مسجد العرب، حيث بالقرب منه تقع محطة الحافلات، فلم يكن سوى سيارة جيب عتيقة. ركبنا حافلةً إلى كياكا، وهناك سألنا أحد الأفارقة عن المنطقة المنشودة وبُعْدِها. الرد - وكالعادة - غير دقيق، فقد أخبرنا أنها قريبة حتى توهمنا بلوغها في أقل من ساعة. وفي الواقع لم نصلها إلا بعد الساعة الثانية عشرة بقليل، في طريق، أو قل درب، سيئ للغاية كثير المطبات بشكل لا يمكن تخيَّله. كانت الحافلة تنصبنا قياماً أثناء إحدى الجولات تلك، ثم تهوي بنا إلى الأرض دفعة واحدة. وفي الأعلى تصطدم رؤوسنا بسقف السيارة، وفي الأسفل نصطدم بالمقاعد الخشنة. ولا أريد أن أسهب في ذكر ذلك السقف ولا تلكم المقاعد، فتكفي الإشارة إلى أن مياه المطر تتسلل خلال هذا السقف.

كانت الأمطار قد بدأت في التساقط منذ وصولنا. وفي الطريق وعلى منحدر شديد حدث ما لم يكن في الحسبان، مما يؤكد أن سياراتهم لا يعتمد على كفاءتها ولكن على حسن الحظ فقط. ... في هذا المنحدر الشديد والمطر يتساقط والشارع لزج قرَّرَ السائق - أو بدا لنا أنه قرر - التوقـُّف على رأس المنحدر جهة الأرض؛ فجأة توقف! لا ندري لماذا! صار لغط كثير ولكن في هدوء. سألنا، فقيل لنا أن سيارة كبيرة تقف أمامنا في الشارع نفسه. قلنا: وماذا في ذلك؟ قالوا: الشارع، يا ابن العم، به جرف كبير، سقط إطار أمامي في حافته، وعلى الجرف نفسه تقف باعتداد ناقص إطارات السيارة الأخرى التي لا يمكن زعزعتها للأمام لأن الوقود قد نفد، ولا إلى الخلف لأن فالفرامل لا تعمل. قلنا وقد بلغ بنا الترقُّب مبلغه: ما الحل؟ قيل: لا ندري ... كل الطرق مسدودة.

نزل كلُّ من في الحافلة خلا النساء والأطفال والعجائز والرجال الكسالى. المطر يتساقط بغزارة، ونحن نرتعد برداً ولكننا شعرنا بسعادة غامضة لم ندر كنهها في هذا الموقف العصيب. أسفل الطريق رأينا وادياً تنتصب فيه الأشجار الهائلة الطول والكثافة وكأنها المحيط الزاخر، فعرفنا أننا على مشارف مجاهل أفريقيا. على مدى ساعة كاملة ونحن نحاول أن ندير الرأي مع هؤلاء الأفارقة. ولكن دون جدوى! فالأمر لهم!. ولا أذكر هنا برود أعصابهم حد التجمّد. فكلُّ قرار أو محاولة للخروج من الوضع كانوا يصدمونها بعواقب لا تعد ولا تحصى. تخيّل ... حتى نزولهم من الحافلة كان هناك من يجادل فيه ويرى أفضلية البقاء. ثم عندما بدأوا بالخروج أخذ خروجهم وقتاً طويلاً جداً وثقيلاً بحركة بطيئة.

في هذا الموقف كان رأيي أن نردم هذا الجرف فنحن ما زلنا في البداية وبإمكاننا التعامل معه لتلتف الحافلة إلى الجانب الآخر. بدا هذا أمراً ممكناً جداً، ولكن على من تقرأ زبورك يا داؤد؟!

أخذوا برأي أحدهم بعد أن أوشكت الإطارات على الانتهاء لأن السائق المحنك يحاول إرجاع السيارة إلى رأس المنحدر، والسيارة العزيزة تأبى إلا ما تشاء. وبعد أخذ ورد قال قائل منهم: لتمض السيارة إلى الأمام بينما ندفعها نحن إلى الجانب الآخر حتى تجاوز الجرف. لم أقتنع بذلك قبل أن نردم الجرف فقد ترجع السيارة بقوة على من يدفعها. ابتعدت مراقباً تنفيذ تلك الفكرة النيرة. وكم كانت دهشتي شديدة عندما تحركت السيارة بيسر، ليس بفضل دفع أولئك النفر بل لأن الأمر كان ممكناً في المقام الأول! وما كان أغنانا عن هذه الوقفة الطويلة!

كنا نسأل، تعليلاً لأنفسنا المشتاقة والتي أضجرها طول الطريق، أهل الجوار: كم تبعد كياكا؟  هل هي بعيدة جداً؟ وهم يتناقشون قبل الإجابة عن هذا السؤال البسيط، ثم يقولون: لا إنها قريبة. عندما نمرُّ بقرية أو تجمع صغير نسأل: هل هذه كياكا؟ يقولون: لا، سنصلها بعد قليل. ولا تسأل عن لغتنا السواحلية، فكل من كان بجانبنا كنا نناديه: كاكا (أي أخي)، ونرشُّهُ بالسؤال المعتاد: كاكا، كياكا مبالي سانا؟! (أخي، أما زالت كياكا بعيدة؟). أما تكرار حرف الكاف في صيغة السؤال المذكور وعدم ذربة ألسنتنا تجعلنا نقدم أحياناً اسم المكان على صيغة الخطاب أخي. وعلى العموم فقد كانت لغتنا التواصلية فعّالة، وهذا ما يهم.

كان قرارنا أن نختار نزلاً في كياكا ننزل فيه ريثما نجد العمَّ العزيز الذي ذهبنا لزيارته، وريثما تنجلي الأمور، وتحسباً أن يتكرر الموقف الذي حدث لنا في موانزا. في محطة وقود، متواضعة ببراميل قليلة، على مشارف القرية وقفت الحافلة. لم أكد أسأل عن نزل قريب حتى رأيت عمي يحيى بن راشد جالساً قرب الموقف، وما إن رآنا حتى هبَّ واقفاً وعانقنا عناقاً حاراً وقدَّمنا إلى صاحب المحطة الوحيدة هنا.

زوّار الغفلــــة 

لم نبق كثيراً  في محطة كياكا فقد أخذنا العم مباشرة إلى منزله سيراً على الأقدام. في الطريق كان الجميع يتوقف للسلام وتبادل التعبيرات الطريفة مع عمي، وهو يقدِّمُنا إلى الجميع على أننا أبناء أخيه أتينا من بلاد العرب على غفلة. يبدو أن العم لا يزال مصعوقاً برؤيتنا ولا يصدق أننا تمكنا من الوصول إلى هذا المكان القصيِّ. لا نخطو قليلاً إلا ونلقى الأفارقة، فرادى وجماعات، وعبارة العمِّ نفسها لا تتغير: «أولادنا جاءوا من بلاد العرب على غفلة». وبلاد العرب هي عمان. كلمة الغفلة تثير لدي حساسية ضدَّها وعدم ارتياح. لا أدري لم ارتبطت في ذهني بموت الغفلة. بهذا المعنى يكثر استخدامها في اللهجة العمانية للإشارة إلى موت السكتة القلبية. تخيَّلتُ أننا تسببنا للعمِّ بأذى فظيع يشبه موت الغفلة.

وصلنا إلى منزل العم واستقبلتنا زوجه وأولاده الصغار بكل محبة وترحاب، شعرت أنني في بيت أبي حقاً. تخفَّفنا من وعثاء السفر وتناولنا القهوة العربية الطازجة. والطازجة هنا في محلها فهي من محصول شجر البن الذي يزرعونه كثيراً هنا.

قال عمي: خلا أمشِّيكم، (ومعناها في الفصحى، فلنذهب في نزهة). سرنا قليلاً. قال: هذا هو البحر. قلت له: عمي هذا ليس بحراً، إنه نهر، ألا تراه يجري. هذا نهر النيل يا عمي. قال: نحن نسميه بحراً من عهد آبائنا. سكت، وبقي السؤال في خاطري: لماذا سماه العمانيون بحراً؟! ربما كان السبب لأنهم أتوا من بيئة جافة ليس بها أنهار فلم يحفلوا به كثيراً وسموه بحراً لوفرة مائه، على الرغم من أن مجراه ليس عريضاً البتة. تقع هذه القرية على الحدود التنزانية-الأوغندية. كما سمعتهم يذكرون أن منابع النيل لا تبعد كثيراً من هنا، فهي في رواندا.

أشار عمي إلى الضفة الأخرى وقال: ذلكم هو الغدف، (الضفة الأخرى أو الجانب الآخر من قرية كياكا). ثم أردف متحاشياً أسئلة قادمة: هكذا وجدنا آباءنا يسمونه. سرنا بمحاذاة النهر. الأهالي يعتمدون عليه كلية للغسيل والاستحمام. ومن عادتهم الاستحمام فيه عراة لا يستترون عن بعضهم البعض، وقد يبتعدون قليلاً ما عن النساء اللاتي يغسلن الأواني المنزلية.

في هضبة قرب الجسر الواصل بين الضفتين رأينا أطلال كنيسة، قال العمُّ موضِّحاً: لقد قصفت في الحرب التي نشبت بين الدولتين الجارتين؛ تنزانيا وأوغندا ولا تزال بقايا الدبابات المحترقة بجانبها. واصل: كانت حرباً ضروساً أكلت الأخضر واليابس وسقط كثيرون من الجهتين، كنا نرى الجثث يومياً طافيةً في مجرى النهر، وانتشر الوباء ومات كثيرون. كان العم يتحدث وفاضت عيناه بالدموع متذكراً الأحبَّة الذين قضوا قبل الأوان.

أصبح الغدف ثانية تحت سيطرة دولة تنزانيا. عبرنا الجسر إلى الضفة الأخرى. لم تكن عامرة بالسكان. بها القليل من بيوت الأفارقة وبيت واحد لعماني؛ هو الوالد خليفة بن خلفان المحروقي. سرنا في منطقة غطّتها الأشجار و الحشائش المتسلِّقة ولم يتبيَّن منها شيء. فجأةً قال عمي: هنا دفِنًتْ جدَّتُكَ حميدة بنت أحمد، وهنا كان يُقيم جَدُّكَ راشد بن سليم، الذي عاد إلى عمان، في واحدة من رحلاته المتكررة، آخر عمره ليموت ويدفن بها. قلت: نعم أعرف ذلك. قال متابعاً: ، وهنا وُلد أبوك. ثم أشار إلى بقعة ليست ببعيدة وقال: تلك مقبرة آبائنا الذين ينامون نوماً قلقاً في مضاجعهم الآن. ولِمَ يا عمُّ؟ قلت له. قال: تنوي الحكومة جرف المنطقة وتشييد محطة كهربائية، لا حرمة للعرب أمواتاً ولا أحياءً. قالها وغالب دموعاً مليئة بالمرارة.

بعد التمرّد الذي حدث عام 1964 للميلاد واجه العمانيون الكثير من المتاعب في المدن وحتى القرى من قِبَل الحكومة. كانت أموالهم تُسلب وحيواتهم تهدد، وبقوا عرضة للاستهداف بغير سببٍ غالباً. كان عليهم تقديم الرشوة المنتظمة لمسؤولي العسكر حتى لا يتم التعرَّض لهم من أي كان. وما أكثر ما يزيدون في الرشوة المطلوبة بين الحين والآخر. مرةً شهدتُ طرفاً من هذا عندما أولم لنا عمّي الثاني والأكبر محسن، والذي كان يسكن قرية مجاورة تسمى كراجوا. كنَّا قد تحلّـقنا حول مأدبة الغداء وإذا بطارق يطرق، فقيل إنه مسؤول الشرطة يريد التحدث إلى عمي؛ الذي خرج إليه وحادثه ما يقرب من الساعة. وعندما عاد أخبرنا أنه جاء يريد منه أن يدفع مجدداً، وكان العمُّ قد دفع له قبل فترة قصيرة مبلغاً مجزياً من المال. أردف عمي محسن قائلاً: إن حاسة الشم عندهم قويَّة، وقد ظنوا أنكم أتيتم بمال. لم نطمئن يومها، وتساءلت: ما الذي يبقي أعمامي محسن ويحيى وسعود في هذه الأجواء الخانقة؟ سؤال على بساطته تكون إجابته من الصعوبة والتشابك بمكان. إنه المكان الذي شهد طفولتهم وشبابهم. يرتعون فيه، ترعاهم عين أبيهم التي لا تكل. ثم كان له أن يشهد عراكهم في الحياة نجاحاً وإخفاقاً، أنّى لهم أن يتركوه بهذه السهولة.

زرنا شامبة العم يحيى في كياكا، عفواً أقصد مزرعته. في المزرعة بيت مؤجر لمدير البنك. يليه مباشرة بيت آخر للعم، وقد اشتراه من الوالد حمد بن خلفان الذي غادر مع أبنائه إلى عمان. بالمنزل دكان يبيع فيه صهر العمِّ. وهذا البيت يفصله شارع ترابيٌّ عن البيت الثالث للعم الذي يسكنه مع عائلته الصغيرة. رأينا في مزرعته البن والفافاي وأشجاراً أخرى. قلت لعمِّي ممازحاً: كيف دوران الفلج عندكم؟

قال: لا نسقي بالفلج.

قلت: بالبئر؟

قال: لا ... تسقيها الأمطار، نزرع فقط ولا نهتم بأمر الماء.

تلك كانت آخر المذكرات المسجلة في الدفتر البنفسجي. وأنا الآن أشعر بالأسف لأنني لم أدوِّن رحلة القنص (السفاري) التي قمت بها، وقد كانت لي فيها أمتع الذكريات.   

مختتم يمكن الاستغناء عنه

في مطلع شهر يونيو ٦٠٠٢م، الفائت زرت زنجبار تحديداً للمرة الثانية، وبعد فترة ليست بالقصيرة من رحلتي الأولى التي سردت بعض أحداثها. لقد تغيَّرت أشياء كثيرة منذ تلك الفترة. أما زنجبار فقد شهدت تغييرات طفيفة للأحسن، وتغييرات شاسعة للأسوأ. أمست الحياة أكثر مشقة، وإنْ مع استقرار نسبي. للفساد والبيروقراطية والجهل والمرض والفقر كلُّها كانت بارزة، وتطفح في المعاملات وفي مناقشات المثقفين الزنجباريين الذين التقيت بهم. كما أن هويّة زنجبار كأهمِّ مدينة إسلامية متحضرة علي الساحل الأفريقي الشرقي تواجه ضربات عنيفة لمحوها. لقد فُتح باب الهجرة للعمالة التنزانية من قلب قارة الظلام، بقيمها المختلفة والمدمِّرة للقيم الزنجبارية. وبدأت الهوية الزنجبارية تخسر الأكثر من ملامحها.

أمّا الكاتب فقد تغيّر كثيراً أيضاً في استقباله للعالم وفرحه بالحياة بين أوائل العشرينات وخواتم الثلاثينات. ولكنَّ زنجبار تبقى في القلب والعقل والوجدان، وإن بان حبّها أو استتر.

الهامش

١- قرية في شرقية عُمان، شبه مدينة في وقتنا الحالي.


تصميم الحاسب الشامل