ومضات الزمن في «نِثَار المَحْو»
عند الغيطاني

 

سعيد توفيق


   عايشت تجربة الغيطاني الإبداعية منذ بداية تجلياتها في تلك السلسلة من الأعمال البديعة الفريدة التي ظهرت تحت اسم «دفاتر التدوين»، فتأملت كل عمل من هذه الأعمال في مقال مخصوص. وقد بدت لي تجربة الغيطاني في تلك الدفاتر تجربة موصولة، يربطها خيط واحد: فهذه الأعمال التي يمكن أن تندرج تحت ما يمكن أن يُسمى «برواية السيرة الذاتية» تسودها روح واحدة تتمثل في السعي الدائم نحو التعرف على روح العالم واكتشاف أسراره، كما يتجلى في أعماق الذات وتتردد أصداؤه فيها. ولقد سبق أن أكدت مرارًا أن هذا الأسلوب الإبداعي في الكتابة عند الغيطاني يجسد فنيًا الرؤية الفينومينولوجية أو الظاهراتية، وهى تلك الرؤية الفلسفية التي تدرك أن معاني الأشياء أو الظواهر (بما في ذلك الظواهر الطبيعية) ليست مستقلة عن الذات الإنسانية: فالأشياء كما تتبدى لوعينا، إنما هي الأشياء التي نعايشها ونلقاها في الحياة والتجربة الإنسانية الخصبة.(١)

 

 

خصوصية التشكيل الفني في هذا التدوين:

ورغم هذه الروح الواحدة التي تسود «دفاتر التدوين» عند الغيطاني، فإننا مع ذلك نجده يعبر عنها بأساليب متنوعة. وهذا التنوع كان غالبًا ما يحدث في طبيعة الموضوع الذي يتداعى على الذات، أما  العمل الراهن الذي يحمل عنوان «نِثَارُ المَحْو»، فإن التنوع فيه يكمن في الأسلوب أو الشكل الفني نفسه. فذاك الدفتر الخامس من دفاتر تدوين الغيطاني هو نقطة تحول في مسار تيار متدفق من الحكي، وكأنه يشبه نقطة تحول في مسار نهر بلغ موضعًا كان ينبغي أن يتشتت عنده ويتبعثر من خلال مسارات وفروع عديدة: فالنهر المتدفق لا بد أن يبلغ نقطة يفرِّغ عندها اندفاعه في فروع متشعبة تُسمى الدلتا؛ فالمسار الواحد- أو الذي بدأ واحدًا- يبدأ الآن في التشظي بحيث يتناثر هنا وهناك.

   ولذلك، فإن هذا التدوين يبدو أشبه بمحاولة جمع مجمل تجربة الغيطاني في عمل واحد. غير أن استجماع أو استحضار كل ما مضى لا يمكن أن يفي به عمل واحد، إلا إذا أتى منثورًا، أي مكثفًا  في لقطات سريعة، وبحيث يكون متروكًا للقارئ الفطن إعادة ترتيبها وربطها من خلال فن يشبه «المونتاج»؛ كي يتمكن من إدراك المعنى والدلالة الكلية التي تشيع في ثنايا العمل وتفاصيله.

ومضات الزمان المنقضي وأصداؤه

   ذاك هو أسلوب التشكيل الفني في «نثار المحو». لا يوجد هنا موضوع واحد محدد ينصب عليه تأمل الذات، بل إن الذات تتأمل هنا كل أحداث الماضي التي انمحت من الوجود، ولكنها لا تزال تسطع في خبرة الذات من خلال ومضات سريعة عابرة مختزلة، ولكنها مقيمة بحيث تبقى معنا، وكل هذا يحدث دون ترتيب مقصود للأحداث، ودون تجانس في طبيعة موضوعها. فالشيء الوحيد المتجانس هنا هو أن الومضات المتنوعة المتناثرة بكثافة، هي محاولة لاستحضار الزمن المنقضي بكل عمقه، عبر وميضه الذي يشع منه بعد أن ولى. يحدث هذا عندما توشك أن تقترب تجربتنا من نهايتها أو غايتها، فتبدو وكأنها تريد أن تستجمع كل ما مضى أو مر منها، ولكن هيهات أن يكون ذلك إلا من خلال تلك الومضات المكثفة التي هي «نثار المحو»: نثار الذي مضى ولا يمكن جمعه وتفصيله، وإنما يمكن فحسب تكثيف ما بقي منه في ومضات تبدو وكأنها تدلنا على ذلك الذي انقضى، ولكنه لا يزال يرسل إشعاعه على حاضرنا. وكأننا نريد عندئذ أن نستبقي الذي رحل في نثاره وبقاياه، وفي ذلك يقول الغيطاني في لغة شعرية:

 «... حدة وعيي بانقضاء الأوقات منطلقي لتدوين تلك الدفاتر... تلك الشذيرات المتبقية من اندثار اللحظات، مجرد نثار تبقى من محو أتم لأويقات مررت بها، أو عبرتني، بعضها أنهكني، أمضني، منها المبهج لي، مرفرفي إلى الرقائق العلا.  مع دنو التمام يختزل كل شيء، تتكثف الأزمنة في نثيرات تشهب بي، تفوتني ولا تمكث، لو قصصت أمرها على من تبقوا وصبروا على قُرباي لتعجبوا وأخذتهم دهشة، ذلك نثاري، ما تبقى مني عندي».(٢)

   هذا النثار يتمثل في استرجاع كل شيء حميمي تداعى يومًا ما على خبرة الذات، وبقي قابعًا هناك في الأعماق:

«نثاري أصداء رغبة. خوف، توق، حزن، اشتياق، ظلال غير مدركة لندى تكون على خبايا الروح، أفقي العميق مزدحم بأنات لم تُسمع وآهات لم تصدر وهسيس كواكب ولمعة نجوم قصدتها بالبصر الحسير يومًا ما».(٣ )

   وهذا التدوين مقاطع من تأملات واستبصارات تتخللها على الدوام تساؤلات لا تتوقف، وفي كل ذلك يظل الزمن هو الأصل والمرجع لكل تأمل وتساؤل. يلح سؤال الزمان منذ البداية في صورة بسيطة، ولكنها مدهشة عميقة «امبارح راح فين؟»(٤) ، وهو نفس السؤال الذي طرحه الغيطاني على نفسه في تدوينه «دنا فتدلى»(٥)، ولكن السؤال في هذا الدفتر الأخير يرد في شذرة بمفرده، وكأنه نذير بمركزيته: مركزية سؤال الزمان في هذا الدفتر. إن عمق السؤال: «امبارح راح فين؟» يكمن في دهشة التساؤل عن كل هذا الحضور الذي عشناه ونعايشه يوميًا: أين ذهب؟ أيكون قد ولى وذهب إلى العدم؟ ولكننا نعلم أنه ما زال باقيًا في وعينا: نثاره باق تتردد أصداؤه فينا، وستتردد في غيرنا. ولكنه كي يبقى بعدنا ليتردد صداه في غيرنا، لا بد من استحضاره؛ ولهذا يدونه الغيطاني ليبقى دالاً على مرجعه وأصله. وذلك من طبائع كل فن سامٍ وأدب عظيم: تثبيت اللحظة التي تريد أن تؤول على الدوام إلى العدم. ويكفي لأن نتعرف على ذلك في أمثلة من الفنون الأخرى، أن نتأمل- على سبيل المثال- مغزى لوحة الموناليزا أو الجيوكندا (زوجة زانوبي جيوكوندو) التي صورها دافنشي فيما بين عامي 1515 و 1517 والتي خلد فيها تعبير أو إيماءة السعادة التي تكمن في الروح: خلد هذا التعبير مرة واحدة وإلى الأبد، ليشع من خلال اللوحة، ولنقرؤه أحيانًا في وجوه بشرية أخرى، بعد أن رحلت الموناليزيا وصارت إلى العدم. أردت من خلال هذه الملاحظة الاستطرادية العابرة أن أقرب إلى الأذهان مغزى سؤال الزمان، ومحاولة تثبيت اللحظة، في ذلك الدفتر.

مركزية سؤال الزمان تلح على الغيطاني على أنحاء لا حصر لها، فهي تلح عليه من خلال التساؤل عن الحياة والموت، ومن خلال تأمل نبضات القلب، بل من خلال تأمل أحوال النفس التي تجسد تحولات الزمان، وكيف يكون الوصل والوحدة والهوية في المتحول والمتبدل:

«ذلك الذي كنته ولم أعد أكونه، عدة مرات كنته وتباعدنا، انفصلنا عن بعضنا، ماذا يربط كل منهم بذلك الذي أكونه الآن، الآن ما الذي يربطني بذلك الذي سأكونه؟ أي وشائج خفية؟»(٦)

   أي نص بديع هذا الذي يصور فيه الغيطاني ذلك الذي ينمحي بأن يصير إلى الماضي، ولكنه مع ذلك يظل حاضرًا في ذلك الذي أكونه الآن. ذلك عمل الذاكرة التي تصل لحظات الزمان: لحظات الماضي البعيد المتفرقات، ولكن الذاكرة ما زالت تبقيها حية في الحاضر. ويزداد الموقف عمقًا عندما نسأل عن صلة هذا الماضي (الممتد في الحاضر) بالمستقبل الذي سيكون عليه المرء. إنه سؤال الزمان الذي يفعل أفاعيله بنا، ولا نعرف أين تكمن الصلة بين لحظاته الثلاث: الماضي الذي فات وانعدم، والحاضر الذي سيمضي ويصير إلى العدم، والمستقبل الذي ما زال معدومًا لا وجود له بعد. تُرى هل يكون العدم هو ما يربط كل لحظات الزمن؟! عبارة: «ذلك الذي كنته» تعني أنني لم أعد ذلك الذي كنته... لقد تجاوزته، ومع ذلك، فإن ما مضى يبقى حاضرًا في «الآن»، أعني في اللحظة الحاضرة.

   ليس للوجود معنى بدون الزمان (ولهذا كان عنوان عمل هيدجر الخالد هو «الوجود والزمان»). ولكن الزمان نفسه ليس له معنى بدون الذاكرة، وهذا ما نطالعه في كثير من دفاتر الغيطاني، ولكننا نجده هنا مكثفًا ومستقطرًا وإن جاء متناثرًا: الزمن يمضي بنا، وتبدو أحداثه وكأنها تؤول إلى العدم، ولكنها تظل حاضرة فينا بفضل الذاكرة العجيبة التي تبدو وكأنها تستبقي الزمن وتعيد ترتيب أحداثه على هواها:

«أي قانون خفي يحكم الذاكرة، يرتبها، ينظم مضمونها، يخفي ما يخفي، ويظهر ما يظهر، يدفع بهذه الملامح إلى بؤرة الوعي ويخفي اسم صاحبها، أو يسمح للاسم بالظهور ويطمس الملامح؟ الإفصاح عما احتوته اللحظة الشاردة، وإفناء حقب حميمة ظننت أنها لن تبيد أبدًا، أي ترتيب؟ أين؟ من يرتب؟»(٧)

روح العصر الذي راح وبقيت روائحه

على أن ما أودعه الغيطاني هنا متناثرًا أو منثورًا- لنعيد جمعه وترتيب معانيه- ليس متناثرًا اعتباطًا، بل تجمعه تلك الروح الواحدة كما أسلفنا. وفضلاً عن ذلك، وهذا هو الأهم هنا، فإن هذا الذي أودعه الغيطاني هنا متناثرًا ليس مجرد استدعاء لذكريات شخصية محضة، أعني مواقف وأحداث لا تخص سوى صاحبها (فمثل هذه الأمور لا علاقة لها بالإبداع الأدبي أو الفني عمومًا). فأعجوبة الإبداع دائمًا هي أنه رغم ذاتية الحدث وطابعه الشخصي الذي يصوره الأديب أو الفنان، إلا أننا نشعر في الوقت نفسه بأن الذات هنا تتجاوز صاحبها لتعبر عنا جميعًا. وهذا بالضبط هو ما يفعله الغيطاني هنا: فعلى الرغم من أن الأحداث والمشاهد والذكريات تأتي هنا متناثرة، بحيث يبقى علينا عبء إعادة ترتيبها في نوع من المونتاج، إلا أن دورنا هنا ليس مزاجيًا أو اعتباطيًا، وإنما يكون موجهًا بعلامات لكل ذي فطنة وقدرة على القراءة والتلقي. وإجمالاً نقول إن المتناثر الذي أودعه هنا الغيطاني باعتباره شخصيًا وحميمًا، قد تم انتقاؤه بعناية ليجسد معاني وجودية تصور روح الوطن وروح العصر: روح الوطن في عصر ما، في مرحلة تاريخية ما.

تقصر أو تطول اللحظات التي يستدعيها الغيطاني. قد تستغرق أحيانًا صفحاتٍ طوالاً، وقد لا تستغرق سوى سطرين أو حتى سطر واحد! ولكنها تظل دائمًا مفعمة بالدلالات الموحية: يصور الغيطاني روح العصر الذي كان، بدءًا من وصفه للتفاصيل الصغيرة التي ميزت مرحلة التعليم الأوَّلي التي عشناها في الصبا في مرحلة الخمسينيات والستينيات، بدءًا من الطعام الذي كان يُقدم لنا في المدارس، والأساتذة الذين كانوا يدرسون لنا. كان هؤلاء الأساتذة لا يكتفون بتعليم طلابهم، وإنما كانوا يبثون في نفوسهم الروح الوطنية: كالأستاذ رضوان الذي يَذكُر الغيطاني أنه كان مثالاً حيًا على الوطنية، وخاصةً حينما كان يشدو أمام طلابه بالأغنية التي تشدو بها أم كلثوم:

مصر التي في خاطري، وفي فمي

أحبها من كل روحي ودمي

كان هذا الأستاذ يؤكد لطلابه قولاً وفعلاً أن هذه الأغنية تعلمنا من التاريخ أكثر مما تعلمه كتب التاريخ التي قررتها الوزارة. كان هذا الأستاذ (وأقرانه فيما مضى) مثالاً حيًا على الوطنية والصدق والإخلاص، وهو ما كان يتبدى بوضوح حينما يتغنى بهذه الأبيات بكثير من الصدق والشجن.

 يصور الغيطاني روح الوطن- كما تجلى في عصر مضى-  من خلال تفاصيل أخرى عديدة تتجلى في المدرسة التي تعلم فيها، والحارة التي سكن فيها، والأشخاص الذين عرفهم في صباه. بل يصور الغيطاني روح العصر متجليًا في أم كلثوم، وفي الاحتفالات الدينية، وفي مسارات العربات الخضراء التي يجرها بغلان، والتي كانت تُسمى «سوارس» (نسبة إلى اسم صاحبها اليوناني)، فضلاً عن مسار الترامويات التي ترتاد أحياءً بعينها، والتي يشاهدها شباب اليوم في أفلام السينما.

حتى في صنوف الطعام يتجلى شيء من روح العصر: فحتى «طبق الفول» الذي يصفه لنا الغيطاني بكل تفاصيله وملحقاته، والذي كان أبوه يجلبه معه بعد صلاة الفجر من عند «أبو حجر»، هذا الطبق كما يصفه لنا الغيطاني تحت عنوان «أبو حجر» يجسد لنا شيئًا من روح مصر فيما مضى. وهذا هو «المسكوت عنه» في النص.. هو الموحى به من بعيد. وكثيرًا ما تثير مثل هذه النصوص في كتابات الغيطاني أشجاني؛ لأني أقرأ ما تخفيه وتضمره وتوحي به من بعيد، حتى وإن جاء على غير قصد وتدبير من الغيطاني نفسه، وإنما من نبع دفقة الإبداع المفطورة فيه. ولذلك، فإنني أبدو أحيانًا -في كتاباتي الأخيرة عن الغيطاني- وكأني أريد أن أكتب نصًا على نص؛ ولكني أرى هذا النوع من التناص ضروريًا أحيانًا لحسن تلقي النص الأصلي الذي هو نص الغيطاني: أرى أن طبق الفول الذي يصفه لنا الغيطاني بكل تنويعاته وملحقاته يجسد شيئًا من روح مصر في عصر راح إلى حين؛ فهذا الطبق الذي يصفه لنا الغيطاني لا مثيل له إلا في مصر، وفي زمن معين من حياة مصر، حينما كان الفول ينضج على مهل في «المستوقد» طوال الليل، ليجول به البائعون على عربة بحمار حينما يصحو الصبح، متفننين في إضفاء اللمسات الأخيرة عليه بعد أن نضج تمامًا وصار «كالزبد» كما كانوا يسمونه. أعرف ذلك الذي يحكيه الغيطاني جيدًا؛ لأنني أمضيت طفولتي في منزل جدتي بجوار الحارة التي تسمى «بالحارة المبلطة» المواجهة لمسجد السيدة زينب؛ إذ كان «المستوقد» بقربها، كنت أشاهد أوعية «الفول والبليلة» الضخمة التي سيجول بها البائعون في الصباح مدسوسة وسط الفحم لتنضج على مهل طوال الليل. ما الذي يوحي به هذا الشيء الجزئي العابر؟ إن ما يوحي به خطير عظيم الشأن: فهو يعني ببساطة أن فن الصنعة والإتقان والاحتفاء بالحياة لم يعد يشيع في تفاصيل الحياة المصرية ويميز روحها! هذا حال شديد الخصوصية، يجسد بشكل خفي لمحة من لمحات مصر فيما مضى، حال وصفه الغيطاني ببساطة تحت عنوان «أبو حجر».  

حتى الخشاف والكنافة والقطايف هي ألوان من الطعام التي عرفها الغيطاني بالقاهرة: ألوان من الحلوى لها مذاقها الخاص وأوقاتها المعلومة، خاصة في شهر رمضان، وبوجه أخص عندما يؤذَّن لصلاة المغرب: غالبًا ما يبدأ الصائمون إفطارهم عند المغرب بخشاف رمضان، ويختمون طعامهم بالكنافة والقطايف. عايشت تلك التجربة الغيطانية في سيرتي «نشيج على خليج» التي ستظهر قريبًا،  حيث وصفت الطعام الذي أحبه وأتوق إليه باعتباره طعامًا مصريًا لا مثيل له، له نكهته الخاصة، ومرتبط بزمانه الخاص... حتى الطعام له صلة حميمة بتراب الوطن! يصف الغيطاني حتى تفاصيل ملحقات الطعام ومشهياته، كالباذنجان الذي أتقن صنعه «البولاقي»، حتى عُرف باسم «باذنجان البولاقي». ولذلك كنت أرى دائمًا أن الحنين إلى الوطن مرتبط في بعض منه بالحنين إلى طعوم وروائح الوطن. ولهذا أومن بأن روائح الوطن تجسد روحه!  وطن بلا رائحة، وطن بلا روح! ولذلك أيضًا، فإن المدن الحقيقية هي تلك التي مازال يوجد بها أمثال أولئك الذين تخصصوا في طعام معين، له رائحته ونكهته الخاصة المرتبطة بنكهة الوطن. يبدو هؤلاء البسطاء وكأنهم يجسدون لحظة زمنية ما من «رحيق الوطن».

الخاص هو العام في تجارب الغيطاني وأسئلته

وللنساء نصيب في هذا التدوين. والخبرة الأولى بهن هي خبرة تعبر عن لحظة البلوغ، باعتبارها تعبيرًا عن لحظة التحول التي يبدأ فيها الوعي الجنسي بالأنثى. ومع ذلك يظل «للحمراء» حضور لا يضاهى؛ لأنه حضور ما قبل البلوغ... إنه الحضور الذي يُقَاس عليه، والذي منه ينبثق كل وعي بالأنثى. تفصيل ذلك هو موضوع الدفتر السابق الذي يحمل عنوان «رَشحَات الحمراء» (وهو الدفتر الذي سبق أن تناولته في دراسة مخصوصة ظهرت في العدد الأول من مجلة دبي الثقافية).

كثيرًا ما يتأمل الغيطاني تلك الخبرات بالأنثى التي مضت، ولكنها بقيت في الذاكرة: منها وجه عابر لأنثى في سيارة تقف بجوار سيارته في إشارة مرور في الطريق المؤدي إلى مطار جون كنيدي بنيويورك. هذا الموقف سبق أن ألح عليه أيضًا في «رشحات الحمراء». يتأمل الغيطاني أيضًا لحظات ومواقف متناثرة لا رابط بينها ظاهريًا، تبدو وكأنها مواقف غابرة، حتى وإن كانت «عينين خضراوين» صادفهما في مترو حلوان. يقول:

«عيناها تطلان على الوجود. عليَّ. يتغير بمرآهما الوجود كله، يتبدد تعبي. أعدل وضعي، أفيض بالتفاؤل. لم أر مثل هذا اللون عميق الخضرة من قبل. هما المركز والمصدر. وجه لم يصدر عن مكنونه إلا بعد إزاحة النظارة. تفيضان برواء خصب، في كل لحظة يبدو منهما بعث وميلاد جديدان»(٨).

ذلك التدوين طويل للغاية، إنه أطول دفاتر الغيطاني، وربما عادلها جميعًا. ليس بين عناوين أجزائه المتشرذمة رابط ولا اتصال ولا اتساق. ومع ذلك، فإننا نشعر بأن هناك رابطًا خفيًا بين هذه المتشرذمات التي يطول بعضها ويقصر أحيانًا حتى يبلغ أحيانًا سطرًا واحدًا. ولكنك تشعر أن بين هذه المتشرذمات رابطًا خفيًا: رابط الزمن الذي يصير إلى العدم، ولكنه يبقى معنا في الذاكرة، ويبقى قابلاً للتكرار في أحوال غيرنا؛ ولهذا تبقى تجربة الغيطاني الخاصة لها طابع العمومية والكلية!

تأمل معي ما يكتبه الغيطاني عندما يتحدث فجأة دون مقدمات تحت عنوان «أوراق»:

«أمقت كل ما يمت إلى الأوراق الرسمية. استمارة، مستخرج، إذن، شهادة، إيصال، أتعس لحظاتي عندما أضطر إلى التعامل مع جهة رسمية، شهر عقاري، مصلحة، الوقوف في الطوابير أمام تلك النوافذ الصغيرة التي يطل منها موظف منهك، متبرم بكل شيء، بعد زواجي كان لا بد من تبديل بطاقتي الشخصية- ما زلت أحفظ رقمها حتى الآن: 8166 الجمالية- بأخرى عائلية، تحرير الاستمارة. الأختام المقدسة. التوجه إلى السجل المدني، المكاتب المهملة، الجدران الرمادية، المعاملة الخشنة، الانتظار، كنت مضطرًا لأنني سأتعامل بتلك البطاقة مع جهات عدة. اضطررت إلى استخراجها عام ستة وسبعين. أحمد ربي أنني لم أفقدها. كنت سأضطر إلى عمل بدل فاقد».(٩)

أعرف تلك الحال التي يصورها الغيطاني حق المعرفة؛ إذ كنت أصاب بحالة من الاكتئاب بمجرد أن أدرك أنني مضطر في الصباح للتعامل مع مكتب من مكاتب الموظفين لاستخراج ورقة رسمية أو اعتماد ورقة أخرى. كأن الغيطاني هنا يصور ما يعتمل بنفسي، بل يصور ما يعتمل بنفس كل المصريين ممن عانوا ولا يزالون يعانون من التعامل مع السلطة في أي من صورها، وخاصة في صورة ذلك الموظف الحكومي الذي يبدو وديعًا مسالمًا في الليل حينما تصاحبه في مقهى أو تنادمه في منتدى ما، ولكنه يكشر عن أنيابه بالنهار مجسدًا الشخصية البيروقراطية في أبشع صورها.

سؤال الزمان ... سؤال الوجود

وإذا كانت المسألة المركزية في هذا الدفتر هي فكرة الزمن، فإن هذه المسألة يتم التعبير عنها هنا بصيغة السؤال الذي يقصر أو يطول، ولكنه يلح بعد جملة من مقاطع مليئة بالتأملات والاستبصارات، وكأنه القرار الذي يرتد إليه اللحن مرارًا. والتساؤل مقترن دائمًا بالدهشة، إنه تعبير عن الدهشة التي تتخلل تأملاتنا في صورة مكثفة. بل إن الدهشة تتسلل إلينا عبر ذكريات الغيطاني عن التساؤلات التي كانت تلح على أذهان أولاده حينما كانوا أطفالاً.( ١٠) وتلك الحال من التساؤل المنطوي على الدهشة يذكرنا بقوة بتوصيف شوبنهاور للصلة بين الطفولة والإبداع، تلك الطفولة التي وصفها شوبنهاور بأنها جنة عدن التي نظل نرنو إليها متحسرين عليها بعد أن فارقناها: ذلك أن المعرفة في فترة الطفولة تكون معرفة خالصة نزيهة مجردة من كل رغبة أو مصلحة: إنها معرفة حقيقية؛ لأنها تنطوي على السؤال البريء، ومن ثم على الدهشة. وتلك حال لا نعرفها ونحن كبار، إلا حينما نمارس الإبداع كما مارسه الغيطاني؛ ولهذا لا أرى فارقًا بين تساؤلاته القصيرة هنا وتساؤلات صغاره، كل ما في الأمر أن العقل المبدع هنا يعيد صياغة أسئلة الطفولة وترتيبها من جديد! ولهذا السبب نفسه كان شوبنهاور يرى أن هناك صلة وثيقة بين العبقرية والطفولة، بين القدرة على إثارة السؤال الإبداعي وبين براءة الطفولة التي تعبر عن نفسها من خلال الدهشة، شريطة أن نعي أن الدهشة هنا ليست هي الدهشة من اللامألوف (فذلك هو الاندهاش بمعنى الاستغراب)، وإنما هي الدهشة من المألوف (أي الدهشة من ذلك الذي يتكرر يوميًا ولا يلحظه أحد سوى الأطفال والعباقرة المبدعين)، فذاك هو الأصل في كل إبداع، بما في ذلك الإبداع العلمي: فما كانت دهشة نيوتن إزاء سقوط التفاحة، ودهشة أرشميدس لكون أعضاء جسمه الغائرة في الماء أخف وزنًا، سوى دهشة إزاء المألوف الذي يتكرر في حياتنا اليومية على الدوام، فلا يتوقف عنده سوى العباقرة والأطفال؛ ولذلك كان في العبقرية شيء من الطفولة! أما البشر العاديون، فإن الأشياء بحكم تكرارها تصبح مألوفة عندهم بحيث لا تثير تساؤلاتهم؛ فهم لم يعدوا قادرين على استرجاع حالة الطفولة التي تتساءل عن المألوف!

 ومن هذه التساؤلات القصيرة البديعة التي تشبه أسئلة الطفولة، وإن صقلتها الخبرة والمعرفة:

«ماذا يمكن أن يكون، لو أن ما لم يكن كان؟»(١١)

والزمان حاضر حتى في تلك التساؤلات التي تبدو كأنها لا تتعلق به مباشرة، في حين أنها تدخل في صميمه من حيث هي تساؤلات عن مآلنا، مآل وجودنا:

«تدفن الحبة في التراب، فتنمو منها الحياة وتبزغ الخضرة. يدفن الإنسان في التراب فيتحلل إلى عناصره الأولى، يندمج به، هل سيمثل بعضي يومًا في زهرة؟ في نبتة؟ في مولد من حيوان أو إنسان لا حضور له ولا سعي الآن.»( ١٢)

لكن السؤال يكون أحيانًا عن أصل وجودنا ومصدره الذي منحنا اسمنا:

«ينقطع تسلسل أسمائي عند الجد السابع.

تُرى، لو أتيح لي أن أعرف اسمي الكامل حتى أول منشأ، كيف سيبدو؟ فرعونيًا أو سوريًا أو بابليًا أو آشوريًا أو حميريًا أو فينيقيًا أو ما لا نعرفه أبدًا؟ كم اسم سيثير الدعة وكم سيثير القلق؟  كم سيثير الزهو، وكم سيثير الرغبة في التواري؟...(١٣)

والزمان يظل حاضرًا بقوة حتى في الأماكن العديدة التي زارها وعايشها في أوروبا بكل ما تعج به من بيوت ومقاه وبشر عرفهم أو التقى بهم مصادفة؛ فهو الذي يضفي على المكان حضوره الخاص، ويلونه بلونه، ويبقيه في الذاكرة، بما يجريه الزمان على المكان من أحداث؛ فالأحداث هي الأفعال التي تنتمي إلى الزمان، وهي من صنع البشر الذين يضفون المعنى والشعور على المكان.

 وكثير من التساؤلات عن الزمان هنا يقترن فيها العلمي (وخاصة ما تعلق منه بالفلك) بالفلسفي وبالجمالي، على نحو نشعر معه أن تأمل الزمان يتخذ طابعًا كونيًا في صياغة أدبية جمالية؛ فالتأمل الفلسفي في الكون والوجود والزمان يسكن جماليات اللغة هنا، وكأن الفلسفي لا مهرب له من الجمالي كما لاحظ دريدا من قبل. تتداعى مثل هذه التساؤلات الكونية المتعلقة بالزمان على عقل الغيطاني وروحه كما في تساؤلاته المستفيضة عن خبرته بكوكب المريخ كما تراءى له، والتي نجتزئ منها النص التالي:

«... عندما دعاني صاحبي عالم الفلك أول الليل، حوالي العاشرة للتطلع من المنظار، رأيت لأول مرة اللون الأحمر مختلف الدرجات، وطاقية الجليد البيضاء تتوج الدائرة، نقاط بيضاء متفرقة، رأيته في حجم رغيف بلدي مكتمل الاستدارة، ها هو أمامي، لو لديّ منظار لدققت وفحصت، لكني أكتفي بالتطلع مشدودًا إليه، اليوم صباحًا دنا إلى أقرب نقطة في مداره من الأرض، نقطة لا يبلغها إلا كل ستين ألف سنة مرةً، أي أن كل ما أعرفه من معالم الآن لن يكون موجودًا المرة القادمة، لا أدري أين ستستقر ذراتي وقتئذ؟ هل سيكون كوكبنا في المدار؟ لا أقدر إلا على التساؤل، غير أنني أمعن النظر، محاولاً استيعاب كافة ما تحمله إليّ اللحظات.»( ١٤)

 ويبلغ عمل الغيطاني غايته أو ذروته بسلسلة من تساؤلات متدافعة مكثفة موحية، كأنها «الكريشندو» الذي ينتهي به مسار لحن موسيقي خصب يريد أن يكثف سائر انعطافاته وتحولاته، ومن هذه التساؤلات(١٥):

«لماذا يجزع الناس من الموت؟

مع أن الموت ضروري لوجود الحياة، لو لم يمت السابقون لما جئنا وسعينا وتلانا اللاحقون؟ لماذا الخشية من التمام إذن؟»

«أتأمل من خلال نافذة القطار: الأشجار، النخيل، الطرق، القرى، المدن، الفيافي، كل شيء يمرق إلى الوراء، ترى من يعبر الآخر؟ هل أعبر هذا كله أم أن الموجودات تعبرني؟ من يُوجِد الآخر، أنا برؤيتي للأشياء، أم الأشياء التي تراني؟ من يرى الآخر؟ المدن والقرى تراني، أم أنا الذي أرى المدن والقرى والناس والبشر؟»

«لماذا يبكي المولود فور ظهوره؟»

«هل للزمن بداية؟»

بل إن تساؤلات الغيطاني عن الزمان تتطرق في النهاية إلى ما بعد الحياة، ما بعد الموت نفسه؛ فإذا كان الكون قد بدأ بعد انفجار عظيم تلاه تمدد مازال مستمرًا إلى يومنا هذا، وقد ينحسر يومًا ما، وإذا كانت المادة كما تعلمنا لا تفنى ولا تُستحدث:

«... فهل يحق لي التساؤل عن ذراتي المكونة وموضعها من البداية المكثفة، كيف كانت؟ وماذا عن أشكال تحولاتها وتبدلاتها أثناء تمدد الكون. إلى أن حل وقت تشكلت فيه وسعيت ودونت. ثم أعود كما بدأت؟ ماذا سيصير إليه حالي؟ مع انكماش الكون إلى أين ستمضي مكوناتي؟ هل ستنضغط؟ هل ستتقارب أم أنها ستكون في تناثر بعد تحلل وعائي الحاوي وتبدده إلى ما لا أدريه؟ هل من سبيل؟»(٦١)

عود على بدء

 أود الآن أن أعود إلى حيث بدأت، إلى فن الحكي عند الغيطاني عامةً وفي هذا الدفتر خاصةً:

لطالما قلت إن الإبداع الفني في شتى صوره يكمن دائمًا في التفاصيل الصغيرة شديدة الخصوصية، بشرط أن تكون هذه التفاصيل دالة ومعبرة بشكل إيحائي عن معنى كلي من معاني وجودنا. إن هذا ما يفعله الغيطاني دائمًا في سائر دفاتره، ولكن ما يميز هذا الدفتر عن غيره أن تفاصيله جاءت بالغة التشرذم، متناثرة هنا وهناك في لقطات أو ومضات خاطفة. وحيث إن المعاني والدلالات والصور الواردة هنا بالغة الكثرة؛ فقد أصبح العبء الملقى على القارئ كبيرًا؛ إذ أصبح عليه أن يستجمع هذه التفاصيل واللقطات في صورة فنية متجانسة. ولكي نسهِّل على القارئ تلك المهمة، بحيث يُحسِن تلقي هذا العمل البديع الفريد، فقد حاولنا أن نذكِّره دائمًا بأن الفكرة المركزية التي تسيطر على هذا العمل، وتتناثر في ثناياه بشكل خفي، هي فكرة الزمان: فالزمان هو الوجود، والوجود هو الزمان! ولهذا كان كتاب هيدجر عن «الوجود والزمان» واحدًا من أعظم الأعمال في فلسفة القرن العشرين.

وفي عمل الغيطاني كثير من التفلسف الذي يحاول أن «يستحضر» بقايا الوجود من ثنايا الزمان المنصرم دائمًا، الصائر أبدًا إلى المحو والعدم. ولكن الغيطاني يتفلسف دون فلسفة: أعني أنه يقدم لنا رؤية فلسفية عميقة دون أن يستخدم لغة الفلسفة التي تعتمد غالبًا على التصورات المجردة، وإنما يقدمها لنا مطمورة ومنثورة في لغة الأدب التي لا تحيا إلا في التفاصيل الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، والمشخصة الحاضرة في كل حالة بذاتها وإن بدت عابرة. تلك روح الغيطاني الإبداعية كما أفهمها، وأراها محلقة أيضًا في هذا العمل.

الهوامش:  

١- وتلك الرؤية الفينومينولوجية هي أيضًا المصدر الذي تنبع منه روايتي لسيرتي الذاتية التي تحاول أن تصور عالم الخليج كما تداعى على وعيي وعايشته، والتي ستظهر قريبًا تحت عنوان «نشيج على خليج: حكايات وافد على الخليج».

٢- جمال الغيطاني، نثار المحو ( القاهرة: دار الشروق، 2005 )، ص. ١٠ ، ١١ .

٣- نفس المصدر، ص. ١١.

٤- نفس المصدر، ص. ١٢ .

٥- انظر: دنا فتدلى (القاهرة: مركز الحضارة العربية، الطبعة الأولى، سنة 1998 )، ص. ٩.

٦- نثار المحو، ص. ١٧ .

٧- نفس المصدر، ص. ٥١ .

٨- نفس المصدر، ص. ١٧١ .

٩- نفس المصدر، ص. ١٩٢ .

٠١- انظر صفحات 209 -٢١٢ .

١١- نفس المصدر، ص. ٣٤٣ .

٢١- نفس المصدر، ص. 247 .

٣١- نفس المصدر، ص. 288 .

٤١- نفس المصدر، ص. 347 .

٥١- انظر: 395-396 .

٦١- نفس المصدر،397 .


تصميم الحاسب الشامل