سرد محفوظ
فـي ثقافــة العــرب

 

فتحي عبدالله


رغم مركزية الشعر في الثقافة العربية لاعتبارات كثيرة منها طبيعة المجتمع العربي وطريقة الانتاج فيه فان السرد كان أعلى تمثيلاتها الفارقة والدالة على ما حدث في المجتمع من تطورات، فأول السرديات الكبرى التي أحدثت تغيراً شاملاً وكلياً في المجتمع هو «القرآن» فقد اعتمد النثر نمطاً أدائياً واتخذ من الحكاية اطاراً عاماً يسرد من خلالها التفاصيل الصغيرة، ودفع المجتمع الصحراوي المتشظي والقائم على الصراع القبلي الى خلق دولة جديدة، لها دستور مكتوب وسلطة واحدة، ثم تجاوز حدود الجغرافيا ليخلق أممية من نوع خاص تجمع كل الجماعات البشرية دون النظر الى الجنس او العرق. والمثير للدهشة ان هذا النص النثري من أكثر النصوص حفظاً ورواية منذ نزوله حتى الآن.

 

أما ثاني السرودات الفاعلة في المجتمع العربي فهي كتب «الاخباريات والوقائع» وهي خالية من القداسة تتناول أخبار «الجماعة الحاكمة» وأهم ما حدث من وقائع ولذا فان اللغة المستخدمة فيها لغة بسيطة والحكايات تخص جماعات وفئات من البشر كالقضاة والمقاتلين والفقهاء وما يحدث بين الحكام من اختلافات، بل ورصدت صراعات الدولة الجديدة مع الامبراطوريات السابقة، وأشارت الى ما يحدث للأمة من حروب او كوارث ومجاعات.

وقد كانت هذه «الاخباريات» أحد الاوعية الحضارية الجديدة التي ترمز او تشير الى ظهور الامبراطورية الاسلامية وهي في معظمها وقائع حقيقية وبعضها مختلق لأسباب سياسية ولذلك فهي متناقضة ومختلفة من رواية الى اخرى إلا أنها أدخلت نوعاً جديداً على الكتابة العربية.

أما ثالث السرودات وجوداً وأهمية في تطور الاداء النثري فقد كانت «المقامة» وهي جنس يجمع بين الاداء النثري والأداء الشعري، فالجملة المستخدمة قصيرة ومتوترة وتعتمد الايقاع اللفظي كالجناس بكل أنواعه واللغة مجازية مصطنعة بل ومفتعلة في كثير من الاحيان لا فطرية فيها أما الحكاية فقد كانت جديدة فاستوجبت سرداً جديداً. وقد اثر هذا النمط الهجين على تطور الكتابة في الثقافة العربية، وهو أول اشارة واضحة على التداخل بين الثقافات وان كانت جميعها شرقية ومن المحيط الجغرافي للحضارة العربية.

ورابع أنماط السرد من الثقافة العربية وأكثرها بهاء وتأثيراً في جميع الثقافات خاصة الاوروبية منها كتاب «ألف ليلة وليلة» فالكتابة التي به ليست نقية، فهو نص قائم في رؤيته على الهجنة والاختلاط، فمؤلفه متعدد الذوات والهويات ومتعدد الثقافات، واللغة فيه متعددة المستويات اذ يجمع بين الفصاحة الموروثة والركاكة والضعف.. والحكاية به قصيرة ومتنوعة والسرد من اسهل وابسط مستوياته واهم ما يميزه هو الخيال سواء كان واقعيا أي يعتمد الوقائع التي تحدث بين البشر او اسطوريا يتجاوز ما هو مدرك وقائم لذا فهو نص شرقي بامتياز وهذه الانماط الأربعة تعد تمثيلا لتطور الكتابة في الثقافة العربية وتشير كذلك الى تطور المجتمع العربي وما حدث فيه من تغيرات وجميعها تقوم على الهجنة واختلاط الثقافات. ومن هنا فقد كان النثر أكثر انسانية ورحابة في التعامل مع الآخر.

وفي عصور الانحطاط والتخلف كانت جميع الانماط تشير الى المحاكاة والتقليد دون فاعلية ذاتية او شخصية وفي عصر النهضة والتحديث تم التشكيك في قدرة الانماط السردية الموروثة على التقاطع مع هذه اللحظة الانسانية الجديدة واصبحت أنماط الأداء اللغوي جميعها في مأزق كبير إذ تتلاءم مع الوسائط الجديدة (وسائط الحداثة) من مسرح وسينما وصحافة. وتعددت طرائق التجديد والمواجهة إلا ان الغلبة كانت لطبقة الاقطاعيين فقامت باعادة انتاج القيم الاوروبية الحديثة بكل أنساقها المعرفية والاجتماعية وكانت «الرواية» أحد ابتكارات الاقطاع الاوروبي وأحد تمثيلاته الحيوية إذ تشير الى التوسع والانتشار أي هي الدلالة الرمزية القاطعة على المركزية الأوروبية ورغبتها في السيطرة على العالم أجمع. أما مولد الرواية في الثقافة العربية فقد أخذ دلالة أخرى فعلى مستوى الأداء الكتابي كانت اعلانا نهائيا عن وجود نمط نثري له وجود حقيقي كفن رفيع يماثل الشعر او يضاهيه وعلى المستوى الايديولوجي فقد كانت الرواية علامة على ارتباط التحديث العربي بالآخر الاوروبي. وهذا السرد لم تكن له علاقة بالموروث الادائي في الثقافة العربية وانما حاول محاكاة وتقليد النموذج الغربي وكان ذروة هذا السرد تجربة «نجيب محفوظ» اذ اعتمد منذ بدايته على آليات السرد الاوروبي لأنه صاحب الحضور القوي ورمز الحداثة المطلوبة أما السرد العربي فقد كان غائبا في أشكال غير أدبية ودلالة على التخلف.

وقد استخدم «محفوظ» أنماطا متعددة من السرد كانت دلالة على تطوره وتعكس ما يحدث في المجتمع من تطورات منها:

١ - السرد التاريخي

في تجربة الفرعونيات (كفاح طيبة- رادوييس - عبث الاقدار» حاول محفوظ أن يدرك الذات المصرية في كليتها ومن اطارها الرمزي العام بما يوحي بمركزية الدولة الواحدة والمنسجمة والتي لا أبطال بها الا الحاكم ورجال الدين. وهذه التجربة بها قدر كبير من التجريد والاطلاق على مستوى الرؤية أما الاداء فقد كان استمراراً لما هو قائم وموجود ولا دور للروائي سوى ترتيب الأحداث المرتبة سلفاً والبناء الفني لا خيال فيه لانتفاء الرؤية الذاتية للحدث. فقد أخذ الروائي المجتمع المصري كله دفعة واحدة دون النظر الى تناقضاته او تمايزاته الاجتماعية وعلى المستوى الدلالي فان هذا الشكل يكرس للاستيراد السياسي، وينفي اللفظة المعاشة ولهذا لم تدخل تلك النصوص في اطار المحكيات الفنية وظلت رهينة الكتابة التاريخية التي لا فن فيها ولا دور كبير للروائي.

٢ - سرد المدينة

وهو أول سرد فني لمحفوظ قائم على التخييل واختراع الاحداث واختيار الشخوص المناسبة. ومن هذا السرد يمزج بين الرؤية الاوروبية والوقائع المصرية فخلق حداثة خاصة هي خليط من التخلف والتقدم وتفارق الاثنين معاً. وهذه الحداثة حررت السرد العربي من تقنياته القديمة ومن لغته التراثية ومن صراعاته الزائفة التي تطغى على تفاصيل الحياة اليومية وهذه الحداثة أيضا دفعت بالبشر العاديين الى مسرح الصراع بكل طبقاتهم الاجتماعية ولهذا فقد أدخل محفوظ للسرد أبطالاً جديدة وأماكن جديدة. وكانت المدينة هي المكان الطبيعي والحقيقي للسرد عند محفوظ وبالاخص «القاهرة» وأهم مكان فيها يحمل مجموعة من القيم والسمات الخاصة هي «الحارة». اذ اصبحت الحارة معادلا رمزيا للمجتمع، بحيث تعكس كل أنواع الصراعات خاصة الصراع الطبقي ولأن الحارة محدودة استطاع محفوظ ان يكشف عن كل القوى الفاعلة حتى الجماعات الهامشية. واستطاع كذلك ان يكشف كل تناقضات الطبقة المتوسطة سواء في السلوك اليومي أو في سوق العمل وتمثل ذلك في الثلاثية «بين القصرين- قصر الشوق- السكرية» وكان أحد مرتكزات السرد في هذه التجربة صراع التحديث وكان محفوظ يميل الى المشروع الليبرالي إلا أن هذه الرؤية لم تمنعه من الاشارة الى القوى الاجتماعية الفاعلة في المجتمع خاصة «الاخوان المسلمين- والشيوعيون» إلا أن القوتين في رؤيته لم تقدما ما يبرر وجودهما الفعلي فالمحصلة الاجتماعية لا شيء فأبطاله من القوتين دائما ما ينتهون بالموت او السجن أي عدم الفاعلية وعدم القدرة على الاستمرار والتوافق مع شرائح وفئات المجتمع.

ان سرد الحارة كتقنية أتاح لمحفوظ أن يجرب الأشكال الشعبية في التعبير اذ اصبحت المقهى ذات الحرية المفرطة والمفتوحة لكل الطبقات والتي لا خصوصية لها والتي تتحرر من تقاليد المنزل والمسجد وأماكن العمل، فهي مكان لفائض الوقت والمال، وهي من أكثر الأماكن ليبرالية واقربها الى قلب محفوظ وقد أثرت على طريقة السرد عنده وفي اختيار الشخوص، ان بلاغة التجاور التي تطرحها المقهى قد قربت سرد محفوظ من المشهدية. وكل ذلك يحتاج الى لغة دقيقة وواضحة ومتعددة في الآن نفسه.

٣ - السرد الرمزي

ان استغراق محفوظ في الوقائعية ، التي تمثل روحية هذه الفئات والشرائح الفاعلة في المجتمع قد أوصله الى ذروة الاداء السردي القائم على طبيعة الأنماط الاجتماعية وما في ذلك من جبرية في السلوك اليومي، فكانت الشخصية لا تنفصل نهائيا عن مسارها الطبقي وكل ما هو شخصي أو ذاتي ليس له دور في الصراع الاجتماعي كما ان موروث الجماعة الروحي من المعتقدات الدينية والشعبية ينتهي فعله بمجرد أداء الطقوس والشعائر وأمام هذه الرؤية الصارمة كان على محفوظ ان يخلخل بعض عناصرها ولم يجد من الموروث الانساني كله إلا الكتب المقدسة خاصة «التوراة» وكتاب «ألف ليلة وليلة» ليجترح سرداً جديداً نستطيع ان نسميه «السرد الرمزي» وقد ظهر ذلك في روايتين هما «أولاد حارتنا» و«الحرافيش» فالرواية الأولى كانت بمثابة أمثولة فنية أعاد فيها فكرة الخلق وتكون الجماعات البشرية ليكشف عن اصل الصراع الانساني والعناصر المشاركة فيه وهذا أول سرد عربي ذي طبيعة كونية وعالمية وقد أشار في هذا السرد الى ما يحدث في المجتمعات العربية من اضطهاد للفئات الهامشية والى دور النخبة سواء بالسلب أو الايجاب في ادارة شؤون البلاد وأشار في أكثر من مرة وبأكثر من طريقة الى دور القوة والمعرفة في تأسيس الدولة.

وفي السرد الرمزي يكون الدور الرئيسي للشخصية لأن لها خطين أولهما ظاهري مرهون بالاحداث اليومية المباشرة وثانيهما باطني مرهون بالأحداث التي وقعت في الكتاب المقدس «التوراة» ولا يوجد أي تناقض بين الاثنين، وهذا السرد به جزء تاريخي سواء في الصراع او الشخصيات وكل دور الروائي فيه هو محاولة تخليق علاقات بين الماضي والحاضر يستطيع من خلالها أن يمارس النقد الاجتماعي والسياسي للسلطة. وأهم ما يهدد هذا النمط من السرد هو الابتعاد عن الحياة بكل ما بها من تناقضات تثري هذا الصراع وتجعله اكثر موضوعية. كما ان مفردات الحكاية جاهزة ومعروفة سلفا كما ان هذه الرؤية الحاكمة للنص رغم ادعائها الحداثة هي ميتافيزيقية بامتياز حتى لو مارست بعض التناقض معها، وهي نوع من التوالد اللاهوتي المقدس ومن هنا فقد عادت اللغة الى دورها الاول، الرمزي والاشاري دون النظر الى ما هو قائم ومتعين ان الاهمية الكبرى لهذا النص «أولاد حارتنا» لم تأت من التقنية ولا طريقة الكتابة ولا طريقة السرد ولا من اللغة الشعرية ولكن من الاقتراب من المقدس «سيرة الانبياء» واعادة كتابتها بطريقة جديدة وبأسماء مختلفة ولكن دالة على تاريخيتها وأحداثها المعروفة. إن هذا الأداء الكنائي في رواية بكاملها لهو جديد على السرد ويعكس قدرة الروائي في البناء والسيطرة على الحدث.

وفي رواية «الحرافيش» تحرر محفوظ من الأبطال المقدسين «الأنبياء» وسيرتهم الذاتية، كما لم تكن مرجعيته لاهوتية دينية بالدرجة الاولى كما في رواية «أولاد حارتنا» وانما أبطاله من البشر غير المعصومين «أصحاب النبي» ولهذا فقد لعبت الاساطير الشرقية الدور الاكبر في توليد السرد وتطوير الحكاية مع ان اطارها العام كان معروفا إلا أن التفاصيل بكاملها كانت متخيلة ولا علاقة لها بالواقع وان دلت عليه عن طريق المجاز وبعض الاحداث. وكانت (ألف ليلة وليلة) وراء الخيال المفرط سواء في اللغة أو العوالم المتنوعة فكان السرد اسطوريا سواء من حيث المرتكزات او الطريقة. وجاء النص كله أشبه بالقصيدة الطويلة، فالبناء بها شرقي بامتياز لا صرامة فيه ولا هندسة أوروبية وانما خيال خلاق يرتب العناصر حسب حضورها الروحي الفاعل والرؤية شرقية أيضا اذ تبدأ كل فصول الرواية بالاناشيد الفارسية وتتطور الأشياء في هدوء وبطء وعلى ايقاع باطني لا يمكن ادراكه في ظاهر الاشياء او في الحركات الخارجية.

اللغة المستخدمة في النص رغم طوله شعرية بامتياز لا من حيث التركيب فقط وانما من حيث الدلالة المفتوحة والقدرة الاشارية العالية بل ومن العلاقات التي تخلقها مع الواقع.

وهذا النص رغم شرقيته من أكثر النصوص العربية الحديثة تقاطعاً مع ما هو كوني وعالمي وهو اكثر نصوص محفوظ اكتمالا واهم النصوص العربية في السياق الحضاري بعد كتاب «ألف ليلة» ويعكس هذا السرد غنى وثراء وتمايز المجتمعات الشرقية فهي مجتمعات تعتمد على الخيال في ممارستها للحياة ولا يفسد حيويتها الا الادارات السياسية الحاكمة.

٤ - سرد القصيدة

وبعد أن جرّب محفوظ كل أنواع السرد ونفدت كل عوالمه الواقعية والمتخيلة لم يجد أمامه في السنوات الاخيرة الا تقنية القصيدة فقدم سرد القصيدة في كتاب «السيرة الذاتية» وهي نصوص مكثفة وقصيرة، تعتمد على التأمل العقلي والتذكر لما جرى، ليس لوقائعيته التي حدثت وانما بترتيب جديد وفي جملة قصيرة أيضا. ان هذا البناء يمزج بين تقنيات الشعر وتقنيات الحكاية بكل أشكالها وقد جاءت هذه النصوص بدرجة او بأخرى قريبة من نمط قصيدة النثر.

٥ - سرد الحلم

وآخر التقنيات التي استخدمها محفوظ وبذكاء شديد وبوعي مقصود تقنية «الحلم»، لأنه بشكل شخصي بدأ يتخلص من تعقيدات الواقع وعلاقاته الشائكة وبدأ يدور حول ذاته في حركة دائرية، لا ترى الآخر إلا معكوساً على مرآته هو لا كما هو موجود ومتحقق وهنا لم تكن الاشخاص إلا مجرد أطياف وأشباح مما يبرر أفعالها غير المنطقية والتي لا تحتكم لقوانين الواقع وقوانينه الصارمة وهذا ما نسميه بسرد «المنام» أو الحلم. وهو سرد موجود في الحكايات العربية إلا أن محفوظ قدم نصوصاً تعتمد تقنيات الحلم من حيث الرؤية والبناء، وجاء الكتاب «أحلام فترة النقاهة» على شكل أحلام متتابعة وفي الحلم ينتفي الايقاع العقلي ويحدث العبث في الوجود مما يحقق مفاجآت انسانية كبرى. أما اللغة في هذه الحالة السريالية لابد أن تكون شفافة وبسيطة.

ان تجربة محفوظ الروائية بكل تعددها وتنوعها الأدائي تعد أولى الكتابات الحديثة في المحكيات العربية. وقد استطاع محفوظ ان يحقق مكانة في السرد العالمي رغم حداثة الرواية في الثقافة العربية، لأنه مثقف من نوع خاص ومتقاطع مع كل الفنون، خاصة السينما ومع كل الثقافات ولا يؤمن بنقاء العرق او الحضارة وانما سعى للمشاركة مع كافة الجماعات البشرية الفاعلية سواء على مستوى السلوك اليوميي او على مستوى الابداع فكان كونيا بامتياز وليبرالياً بدرجة كبيرة واسلاميا حضاريا من عمقه الأعمق روائيا رائداً ومطوراً حتى آخر لحظة في حياته.


تصميم الحاسب الشامل