البطل المنتصر
بين أسطورة الحق وأسطورة التقدّم

 

فيصل درّاج


لا شيء يجمع ، ظاهرياً، بين جبرا إبراهيم جبرا وحنّا مينة، باستثناء شيء واحد هو: الكتابة الروائية! فقد كان الأول ليبرالياً، مخلصاً في ليبراليته، لا يميل إلى الاشتراكية أو ما هو قريب منها، ولا يحجب عداء مستمراً للشيوعية. ولعلّ هذه الليبرالية، التي خالطتها أبعاد مسيحية، هي التي جعلته مدافعاً حاسماً عن مقولات معيّنة مثل : الفردية النوعية التي تضع ذاتها فوق المجموع، والنخبة الثقافية التي تدافع عن قيم لا يعرفها غيرها، والمستقبل الذي يصالح بين المثقف والمجتمع بعد زمن. كان، في الحالات جميعاً، يقول بمسافة، لا تقبل التجسير، بين مثقف له زمن خاص به، ومجتمع تقليدي يقصّر عن المثقف ولا يلحق به. على خلاف ذلك كان السوري حنا مينة نصيراً للاشتراكية، مقتنعاً بمقولاتها داخل الأدب وخارجه، بدءاً بـ «الجماهير»، التي لا يكون الأديب فاعلاً إلاّ إذا انتسب إليها، وصولاً إلى «الأدب الملتزم»، الذي يُكتب من وجهة نظر الثورة الاجتماعية، لا من وجهة نظر الأديب النخبوي.

 

لم تمنع الفروق السابقة الأديبين عن تقاسم ثلاث مقولات أيديولوجية، اندرجت، بنسب مختلفة، في أعمالهما الروائية: الصراع بين الشر الواضح والخير الأكثر وضوحاً، والبطل الذي ينصر الخير وينصره الخير الذي تجسّد فيه المستقبل كزمن للخلاص، أو كزمن خلاصي، يأخذ بيد الإنسان إلى موقع مشرق موعود. تعود أسباب اللقاء، رغم الفروق الأيديولوجية التي تفصل الطرفين، إلى القضية التي يدافع عنها كل منهما، التي يشكّل الزمن الخلاصي عنصراً حاسماً فيها. فقد انتسب جبرا، الفلسطيني المؤمن بعدالة قضيته الفلسطينية، إلى ما يمكن أن يدعى بـ «أدب المضطهدين، الذي يمنح المضطهدين أملاً ينتظرونه ، قائلاً بمستقبل عادل، يعوّضهم عن غبنٍ في الماضي وبؤس في الحاضر. أما حنا مينة، فانتسب، ذات مرّة، إلى «الواقعية الاشتراكية»، التي هي  شكل معيّن من أدب المضطهدين، تستبدل بـ «اللاجئين» الطبقة العاملة، أو هؤلاء الذين وقع عليهم العسف والاستغلال. ولعل الإيمان  بالانتصار هو الذي جعل «البطل الإيجابي»، المحايث للواقعية الاشتراكية، موجوداً، بملامح مختلفة، في نص روائي له خيار فكري مختلف، دافع عنه جبرا في حياته كلّها.

١. جمالية الثقافة وجمالية الذات المنتصرة

اتّخذ جبرا من فلسطين، بعد خروجه منها، موضوعاً لإبداعه الروائي المتناتج: صيادون في شارع ضيّق، السفينة، البحث عن وليد مسعود، ... ، وموضوعاً لسيرته الذاتية الجميلة «البئر الأولى». وعلى الرغم من تصوّر تبشيري شفاف، لا يتفق مع الحداثة الروائية، فقد استطاع ، بفضل ثقافته المتنوعة الرفيعة، أن يكتب نصّاً روائياً عالي القيمة  مثاله روايته « السفينة»، التي هي إحدى أفضل الروايات العربية في القرن العشرين. كان جبرا، الذي درس في بريطانيا، ناقداً وشاعراً ورسّاماً ومترجماً وناقداً للفنون التشكيلية، إضافة إلى شغف بالموسيقى والسينما.. وهذا كلّه مكّنه من مزج خلاق بين التصوّر الديني للعالم والتصوّر الحداثي له، مؤكّداً ذاته صوتاً متميّزاً في الرواية العربية.

تحضر فلسطين في الرواية الأولى التي كتبها جبرا بعد ضياع فلسطين، وهي: «صيادون في شارع ضيّق»، في مستويات ثلاثة. مستوى أول، يردّ إلى جمال القدس الذي لا نهاية له، ومستوى ثانٍ، يستدعي أطياف الحبيبة التي قتلتها النيران اليهودية، ومستوى ثالث، تفرضه العائلة الفقيرة التي بقيت فوق شطر من فلسطين، وتنتظر عون ابنها، الذي وصل إلى بغداد عام ٨٤٩١ . وإذا كان المستويان ، الأول والثاني، يتموضعان في ذاكرة جريحة، تحاور أطيافاً مضت، فإنّ المستوى الثالث يمزج الذاكرة بالمسؤولية الأخلاقية المنتصرة.(١)

يستدعي جبرا القدس جمالاًخالصاً، فيقول: «وإذا الآثاري يقول بنبرة تشبه الترتيل : «قــدس الفضـة، يا قدس الذهب».. فأضفت مجاناً من عندي : «قدس الزمرد والبنفسج».. يا قدساً سماؤها ياقوتة لا تنتهي، صدفة غسلتها مياه البحر ورفعتها ، لتولد فيها كل صباح أفروديت جديدة». ص ٣٠١ ــ، «راحت شوارع القدس تنسرح كلها معاً أمام عيني، صاعدة، نازلة، منعطفة، وبناياتها بحجرها الأبيض تذر ذر الأشعة، وتسكب وهج الفضّة والذهب الذي يتلألأ في خيال العشّاق جميعاً حين يطول بهم الفراق» ــ ص : 104 ــ 105 ــ . تتعيّن القدس، في الذاكرة الجريحة ، علاقة جمالية خالصة، تلتقط خلاياها من الذهب والفضة والزمرّد والبنفسج والياقوت وربّة الجمال التي غسلها البحر وباركته في آن. يستولد جبرا «قدسه» من علم الجمال، إن لم يدفعه شغفه بها إلى استقدام علم الجمال إليها، الذي إن لم تكن القدس مُفْرَدَة جليلة فيه بدا ناقصاً. غير أنّ جبرا ، وهو يخلق قدسه، لا يكرّمها إلاّ بقدر ما يحوّلها إلى أثير لا يمكن القبض عليه، ذلك أنّ الجمال الخالص لا يكترث بالأزمنة ويرمي بالتاريخ إلى لا مكان. يقول مثل إيطالي طريف: «من أراد لي عنقاً فليمسك به». وجبرا، في تصوّره الرومانسي الذي لا شفاء منه، يهجس بالعنق المثالي، ولا يكترث بتجسيده الحقيقي، إلاّ قليلاً.

تسكن الحبيبة الفلسطينية، أو الحب الذي كان، الذاكرة : تؤرّق وتوجع وتحتل مساحة من النهار، حتى تصبح جزءاً يومياً من حياة الغريب، أو تكاد: «ثم شعرت بشيء ناعم يرتطم بيدي. كانت يداً مقطوعة من الرسغ. كانت يد ليلى، وخاتم الخطبة يحيط بإصبع الخنصر. فجلست ، وبكيت» ــ ص ١٩ ــ «تلك الليلة حلمت أنني رأيت ليلى مرتدية عباءة سوداء كبنات بغداد. كنت أتعارك معها يائساً طوال الليل. حاولت أن أنزع عباءتها ، ولكنها رفضت أن تُنزع» ــ ص : ٢٤ ــ ، «إلاّ أنّ يد ليلى التي نسيتها من زمان بدت وكأنّها تسقط فجأة، فوق عيني، كبيرة، ملويّة، ميّتة» ــ ص : ٢٦٢ ــ . تنتهي الرواية ويد ليلى ثابتة في الذاكرة،  وبداهة ، فإنّ اليد المقطوعة هي فلسطين، وجمال صاحبتها هو جمال فلسطين، التي فيها ملامح من السيد المسيح. ولهذا يكون في ذكرى فلسطين . اختبار لـ «الجوهر الفلسطيني»، وامتحان لـ «الفرد المتفوّق» الذي يطوِّع ما  يتمرّد عليه. بمعنى آخر : إذا كانت القدس علاقة جمالية في كتاب جمالي، فإنّ الحبيبة القتيلة اختبار وجودي للفلسطيني الذي فقد الحب والوطن. وهاتان العلاقتان،  أي جمال فلسطين واختبار الجوهر الفلسطيني الجميل ، تلبّيان، من دون نقصان ، تصوّر جبرا للعالم، إذ التاريخ الوحيد هو تاريخ القيم الأخلاقية والمعايير الجمالية، الذي لا يحتاج إلى أي تاريخ آخر.

تشكّل العائلة المستوى الثالث، الذي تعود إليه الرواية غير مرّة : «قلت لنفسي إنه لا وقت عندي لغير عملي وجهدي من أجل إعادة بناء وجودي، وإعادة التكامل لحياتي. فهناك في بيت لحم، بين آلاف اللاجئين الجائعين، كانت عائلتي التي يتوجّب عليّ أن أعيلها» ــ ص : ٦ ٨ ــ ، «هناك في وطني مليون من الناس يملأون مخيمات اللاجئين ويساورهم القلق على رغيف الخبز يأكلونه وقطرة الماء يشربونها» ــ ص ١٩٩ ــ . بعد أن ينتصر الفلسطيني على مصاعب المنفى ، يعود إلى بلده المحتل كي ينتصر على مصاعب الاحتلال.

إنّ المستويات السابقة لا تجعل من «صيادون في شارع ضيّق» رواية عن فلسطين ولا رواية عن الفلسطيني، سواء التصق بالوطن أو تاه في المنفى، ذلك أنّ إشكالية الرواية، وبالمعنى العميق ، تدور حول جماليات الإرادة المنتصرة وجمالية الانتصار. وهذا الأمر ، يفرض التمييز بين العناصر التي تطفو فوق سطح الرواية، وبين الإشكالية الفعلية الصادرة عن تمازج هذه العناصر. وإذا كان في الرواية من العناصر ما يحيل على زمان ومكان محدّدين، كأن يتجسّد الزمان في عام 1948 والمكان في القدس وبيت لحم، فإنّ إشكالية الرواية العامة، وهي قيمية ــ جمالية، تلغي التاريخ ولا تحتاج إلى المكان، لأنّها تشتق تاريخاً متخيّلاً من الفرد المتفوّق ، أو تجعل من الفرد الذي لا نظير له مرجعاً للتاريخ ومهداً له. وبهذا المعنى، فمن العبث قراءة رواية جبرا، بالاتكاء على العناصر الفلسطينية التي تندرج فيها، لأنّ هذه العناصر تستمد دلالتها من بنية خاصة، تتجاوز العناصر المكوّنة لها جميعاً.

تتعيّن إشكالية الرواية بإرادة الانتصار، التي تحتقب جمالية الثقافة. ويحيل هذان العنصران على الإنسان الكامل الذي يسبق، منطقياً وزمنياً، وجود الانتصار والثقافة المنتصرة. وهكذا فإنّ بطل جبرا الفلسطيني يُعطي في الرواية دفعة واحدة، فثابت هو ، يُغيِّر ما حوله ولا يتغيّر. وهذا الثبات يأمر النصر بأن يأتي إليه ويجعل الثقافة وجهاً خارجياً، تُنْطقها الروح ولا تنطق لوحدها أبداً. بمعنى آخر: إن كان الانتصار هو الفضاء الذي تُعبّر فيه روح الإنسان الكامل عن أحوالها، فإنّ الثقافة هي الحيّز الذي يلتقي فيه الإنسان الكامل بالعالم الخارجي ويتحاور معه.

يعطي الإنسان الكامل ، بداهةً، تعريفاً للثقافة والانتصار يوافق صورته. فتكون الثقافة فعلاً ينقله من يعرف إلى آخرين أقل منه مرتبة، بشكل يحفظ المراتب ويؤكّد وجودها. ويكون الانتصار، بدوره تعبيراً عن ذاتية متميّزة، تحقّق انتصارها وتحتفظ به ولا تشرك به أحداً، لأنّها تعتقد أنّ على كل فرد أن يصل إلى انتصاره الخاص به. وتصوّر جبرا للثقافة، في رومانسيته الجامحة، يتضمن النخبة والطليعة والرسالة التي لا تصل واغتراب المبدع الذي سبق زمنه. يقول جبرا في دراسة مبكّرة له، عنوانها : عود على أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال: « حقيقة لا مراء فيها، هي أنّ الفنان قائد الذوق بين الناس قد لا يستجيب الناس إلى الفنان بسرعة، بل قد لا يستجيبون له طيلة حياته، ولكنّه رغم ذلك يبقى قائد الذوق، ومغيره، ومجدّد الرؤى بين الناس في كل مجتمع... فالفنان إذاً مجابه بجمهور ليس من السهل إرضاؤه، كما أنّه مجابه بالضرورة الذاتية التي تطالبه بالإخلاص لنفسه وأصالته. وبين هذين الطرفين لن يستطيع البقاء من دون أن يتمزّق، إلاّ إذا ثبت دائماً أنّ خياله ليس في سبات، وأن تحفزه الأسلوبي ما زال قادراً على الإتيان بالسحر والدهشة والإقلاق... فالفنان يجب أن يبقى في قلب المعاناة. عند ملتقى الأطراف المتناقضة، ليبقى خلاّقاً. وهذا جزء من مأساته، ولكنّه أيضاً جزء من نشوته المتكرّرة التي لا أظنّ أنّ ثمّة في الحياة نشوة تضاهيها، مما يجعل حياته (حتى لو خلت من «الأحداث») أغنى وأحفل من حياة البقية من الناس» (٢) . الاختلاف والنشوة والمأساة وقيادة ذوق البشر عناصر لا تصوغ صورة الإنسان الكامل، كما هي، بل توحي بها، أو تشير إليها من بعد، لأنّ صفات الإنسان الكامل لا تُستنفد. ولعلّ الفرق بين الصورة الجوهرية للإنسان الكامل وصورته الظاهرية، كما يعيها الآخرون، هي التي تعيّن بطولته كبطولة نوعية، تغاير بطولة «الإنسان العادي». فالبطل، في المعايير المتداولة، هو من تعارف البشر على بطولته وأسبغوا عليه صفة البطولة. أما «قائد الذوق بين الناس»، الذي  تولد معه بطولته ، فلا يحتاج إلى اعتراف الآخرين ببطولته، لأنّه سابق لزمانه، ولأنّ وعي زمانه أضيق من أن يعي القول الذي يبشّر به.

وفي الواقع، فإنّ البطل، في حدود المألوف، يذهب إلى الناس ويأتون إليه، أما الإنسان الكامل، الذي تشكّل الثقافة النوعية حيّز لقائه مع العالم الخارجي، فينفر من البشر، وهو يتوجّه بقوله إليهم. في دراسة له من كتابه «الحريّة والطوفان» يكتب جبرا : «إنني في الكتابة والرسم أناني شديد الأثرة ، أشعر بأنني مركز الحياة ، وأن كل ما حولي ليس إلاّ ظلالاً، وليست له حقيقة الظلال . فعندما أكتب، إنما أستحضر هذه الظلال لتتلاعب وتتمازج ثم تتلاشى، كأنها لم تكن . ومع أن كيتس يقول إنّ الشاعر يصبّ نفسه دوماً في غيره ، ولذلك فهو لا شخصية معيّنة له ، فإنني أصبُّ كل شيء خارج عني في قالب نفسي» (٣) . يشتق جبرا البطل، الذي يريد، من الشاعر المكتفي بذاته، ويشتق البطل والشاعر معاً من «نبي خاص» أوكلت إليه ثقافته قيادة البشر.

لا يختلف ما يقوله جبرا ، في مدار الإبداع الفني، عن أحوال الرومانسي لورد بايرون، الذي كان يمقت البشر، داخل الإبداع وخارجه. وهو ما أشار إليه جبرا في دراسته : «بايرون والشيطانية»، حين قال : «ومن المتناقضات الكثيرة في معتقداته أنّه، بينما يحثّ بكل قواه على وجوب تحرّر البشرية،  فهو يحتقر الناس بقدر ما يعشق الحرية. فقد كان يكره الناس ويزدريهم، وهم على ما هم عليه من عادات وأخلاق، ولا يعد النساء إلاّ ملهاة، ولا يرى بأساً في معاملتهن بقسوة مريرة أحيانا»(٤).

تُعيّن الثقافة الحيّز الخارجي الذي يلتقي فيه الإنسان الكامل البشر ولا يلتقون به ، ذلك أنّهم لن يدركوا معنى رسالته إلاّ بعد زمن . وتصدر عن هذا اللقاء، المسكون بالمفارقة، نشوته ومأساته معاً؛ نشوة مرجعها قول يفوق قول الآخرين، ومأساة صادرة عن قصور متلقّي القول ومستقبله. وليس الانتصار، في هذا المجال، إلاّ قدرة الإنسان الكامل، أي المبدع، على توليد ثنائية  البطل المنتصر، ومجتمع البطل الذي ينتظر أن يأتي الانتصار إليه. تشير هذه الثنائية إلى الفرق الكيفي بين البطل، أي المثقف النوعي، وما خارجه من الناس، الذين ينتصرون حين يحصلون على جزء من ثقافته. والواضح في هذا التصوّر، أمران : الفرق الزمني بين انتصار البطل والمجتمع الذي ينتمي إليه، ودور البطل في تعليم غيره معنى البطولة. وهذا الفعلان، أي تحصيل الثقافة وتحقيق الانتصار، يعيّنان «المثقف النوعي» رائداً ونبياً وشاعراً في آن.

ومن دون الدخول في تفاصيل رواية : «صيّادون في شارع ضيّق» فإنّ الفلسطيني، كما جاء فيها، هو الذي ينتصر في النهاية على ما عداه، ويتّخذ من الثقافة مرجعاً للنجاح وضامناً له. تعلن الثقافة عن ذاتها في عمل الفلسطيني في التعليم الجامعي، حيث يعلّم شباباً يفتقرون إلى المعرفة، وتتجلّى المرتبة الثقافية في المحاضرات العامة، إذ المثقّف يغذّي عقول البشر جميعاً، ويخبر المثقّف عن مقامه في اختلاطه بالنخبة الاجتماعية الناطقة بأكثر من لغة، وتستبين هالة المثقّف في معرفته للأساطير اليونانية والقصائد الإنجليزية، ويتكشّف المفعول الثقافي في قدرة المثقّف على جذب الآخرين والسيطرة عليهم... ومع ذلك، فإنّ ماهيّة المثقف المتعالي، أي الإنسان الكامل، تعبّر عن ذاتها في اكتفاء المثقّف بذاته، فهو يعلّم الجميع ولا يعلمه أحد، ذلك أنّ مرجعه الثابت والوحيد يقوم في داخله، كما لو كان الخارج، في فقره، لا يعطي إلاّ السخط والاغتراب. ولذلك فإنّ صوت « جميل فران» يخترق الأصوات جميعاً، ويظل عالياً ومتوحّداً يصغي إلى ذاته ولا يؤرقّه أحد.

ومثلما يتفرّد البطل بثقافته، يأتي انتصاره فريداً، لأنّه في انتصاره يحقّق المستحيل، ويبرهن أنّ المستحيل مقولة نسبيّة. فما يبدو بعيداً ومتنائياً لإنسان معيّن، يظهر طيّع الوصول لإنسان آخر، وهو ما يوزّع أماني البشر على مراتبهم المتفاوتة، ويؤكّد المرتبة حالة طبيعية . يقول الفلسطيني جميل فرّان: «عندما وصلت إلى بغداد كان لديّ ستّة عشر ديناراً فقط، وكان مقدّراً أن يكفيني هذا المبلغ فترة أسبوعين، وقد ثبت فيمابعد أنّ ذلك التقدير كان مبالغاً في التفاؤل » ــ ص ٩ ــ . لكن الفلسطيني استطاع أن يهزم الفقر الذي كان يهجس به، مثلما هزم سريعاً عزلة الغريب التي كانت تنتظره. وكان هذان الانتصاران مدخلاً لانتصار ثالث بالغ الإتساع، يتعيّن كحدث إشاري، لأنّ الفلسطيني هاجم المستحيل وصرعه. يقول جميل فرّان: «بيد أنّ انتصار الحياة على الموت كان مفروغاً منه . لكن أحقاً ؟ أنّ للأموات حلفاء حتّى بين الأحياء أنفسهم. فبيني وبين سلافة يقوم حاجز وراء حاجز. حواجز من المعتقد العادة والتقاليد. أب مثل عماد النفوري ، يبعد ابنته عن أنظار الناس، هل يسمح للغريب عن عائلته بأن يبدي اهتمامه بها، غريب لا يدين بدينها.. لقد قتل الكثيرون هنا لأسباب أقل خطورة» ــ ص : ٨٨ ــ ، «من بين ربع مليون امرأة في بغداد اختارك أنت كي أحب، أنت، المنصاعة، المتماهلة، البعيدة المنال، السجينة، فظيع!» ــ ص: ١٥٧ ــ ، «كنت أنت الشخص الخطأ بالنسبة لي. مسيحي، غريب، لاجئ ، مفلس، كل شيء... ومع ذلك زاد حبّي لك أكثر وأكثر» ــ ص :217 ــ .

إن كان اقتران إنسان عادي بامرأة عادية أمراً لا غرابة فيه، فإنّ في زواج المسيحي الغريب من مواطنة مسلمة تحقيقاً  لمعجزة، أو إعلاناً عن هزيمة الموت أمام انتصار الحياة. فالمرأة العراقية تنتمي إلى عائلة تقليدية تحتضن أكثر القيم تطرّفاً ومحافظة، إلى درجة دفعتها إلى «سجن» ابنتها ، كي لا تختلط بـ «العوام»، والغريب الفلسطيني ينتمي إلى ذاته وإلى حبّ الحياة وإلى ثقافة ، تحتفل بكلّ ما هو جديد وبكلّ ما يدعو إلى الحريّة وينشرها.  يساوي الانتصار الثقافة، وتساوي الثقافة المنتصرة الخير، لأنّها تتطلع إلى فلسطين وأرض المسيح وإلى البائسين الفلسطينيين، الذين عليهم أن يستعيدوا حقوقهم. وهذا الوضع، الذي يصارع فيه الخيرُ الشرّ، يعطي زواج الغريب بعداً رمزياً، فلا ينتصر العاشق على ما جابهه من عوائق، إلاّ بقدر ما ينتصر النور والحق على الظلم والظلام.  يواجه المثقف النوعي، بهذا المعنى، أكثر من اختبار، ويكون نجاحه في كل اختبار مدخلاً إلى نجاح آخر . فبعد هزيمة الفقر والمنفى وتحرير «السجينة العراقية»، تبدأ العودةإلى فلسطين. ولعلّ «بداهة الحق المنتصر»، هي التي تجعل العراقية السجينة، التي أحبّها الغريب الفلسطيني، تأخذ، في الحلم ، ملامح حبيبته الفلسطينية، التي خلّفها وراءه قتيلة. وعلى هذا فإنّ القهر الصادر عن البنية الاجتماعية العربية المتخلّفة لا يختلف عن القهر الصادر عن العنف الصهيوني، مثلما أنّ تحرير «الأنثى العراقية السجينة» هو «بعث» للفلسطينية القتيلة.

ينطوي انتصار الفلسطيني على نتائج متعددة. تقول النتيجة الأولى : لم ينتصر الفلسطيني ، من حيث هو فرد، على فرد نقيض أو على مجموعة أفراد ، بل انتصر، من حيث هو بنية ثقافية وجمالية خيّرة، على بنية تقليدية مغايرة، كما لو كان تحرير المعشوقة من سجنها تحريراً للعراق من سجنه الكبير. وتقول النتيجة الثانية: حقّق الفلسطيني انتصاره على البنية الاجتماعية ، في أكثر أشكالها  محافظة كفردٍ مكتفٍ بذاته، لأنّ مساره الاجتماعي كان مسار اغترابه الذاتي الذي لا فكاك منه، بسبب مرتبته الثقافية التي تضعه فوق المراتب جميعها. كما لو كان الفلسطيني برهن للآخرين، قبل أن يبرهن لذاته، أنّه قادر على هزيمة من يشاء. ولهذا تنهزم البنية الاجتماعية المتخلّفة المجتمع العراقي أمام  «الرائي»  الفلسطيني، ولا يبصر هذه الهزيمة أحد غيره. وهو ما يجعل الفلسطيني المنتصر يعود إلى أهله، في آخر الرواية، تاركاً «الحدآت والغربان تطير أسراباً ناعقة فوق غياض النخيل»، كما جاء في السطر الأخير من الرواية.

يصل الفلسطيني إلى المدينة الغريبة، وفي جيبه ستة عشر ديناراً، ولا يتركها إلاّ وقد قوّض ما يحجب النور ويصادر الحريّة. يختصر المسار أسطورة الإنسان الكامل، الذي احتجبت روحه، وتركت ما يدلّ عليه في ثقافة شاسعة الامتداد مخلوطة بالبصيرة.  ولهذا فإنّ دور الشخصيات العراقية المختلفة، في الرواية، هو تبيان حقيقة «المثقف الفلسطيني»، لأنّ الشخصيات جميعاً أقل منه ثقافة ومحاكمة ووسامة، تلتمس منه حلولاً لقضايا، بينما يحل هو قضاياه وحيداً.

يستولد جبرا بطله من مرجعين متجانسين هما : الثقافة، التي تغني الحق والخير والجمال، وفلسطين، التي هي تجسيد لمقولات الثقافة. ولأنّ الخير ، كما الحق والجمال، منتصر تكون فلسطين، لزوماً، منتصرة. بل يمكن القول، انطلاقاً من التصوّر الروائي عند جبرا، بأن فلسطين منتصرة دائماً ، وأنّ المهزومين هم الفلسطينيون ، الذين ابتعدوا عن القيم التي تمثّلها فلسطين. ينطوي التصوّر على أبعاد دينية واضحة، وإنْ كان جبرا، وهو الديمقراطي الليبرالي الحداثي ، لا يتحدّث عن الدين بل عن «قوّة الثقافة». وواقع الأمر أنّ البعد الديني هذا، في صياغته الجمالية، يتجلّى في مقولتين، أحدهما : فكرة الضمان المكتفي بذاته الذي لا يحتاج إلى فعل خارجي، وهو ما تمثّله فكرة «الخير»، الذي ينتصر على «الشر» ، لا بسبب ضعف الشر، بل بسبب قوّة الخير ، الذي  يهزمه. والمقولة الثانية هي : «الأصل»، التي تعني أنّ فلسطين «أصلا» ، أي وجوداً قديماً باركته الآلهة، يكون في المستقبل كما كان في الماضي،  وكما سيكون في جميع الأزمنة. ولهذا فإنّ خروج الفلسطينيين من وطنهم خروج مؤقت، أو أنّه اختبار ، على الفلسطيني أن يجتازه منتصراً، لأنّ الانتساب إلى «الأرض ــ الأصل» يملي ضرورة الانتصار.

إنّ سؤال الثقافة، كما قرّره جبرا في «صيّادون في شارع ضيّق»، وروايات غيرها ، يقوده إلى عقد مقارنة مضمرة، داخل البنية الروائية، بين الفلسطينية التي أهلكها الإرهاب اليهودي، والعراقية التي أهدر دمها الجهل «الذي يدافع عن شرف العائلة. وفي هذه «الرؤيا» ،  التي لا تنقصها البصيرة أبداً، يساوي جبرا بين الجهل العربي والاحتلال الصهيوني ، حيث تخلّف العقل حليف للاحتلال وظهير له، وحيث ضيق المرجع الأخلاقي يدع الوطن مهدوراً، ولا أسوار له . وإذا كان دفاع جبرا عن الثقافة صائباً وصورة عن فكر بصير، فإنّ العلاقة التي يقيمها بين الثقافة و الإنسان الكامل، تحوّل الثقافة إلى لغز والانتصار إلى قضية ميتافيزيقيّة، إن لم تلغِ الثقافة وتحتفظ بإنسان فريد مخلّص، يهبط على الأرض، ملبيّاً نداء السماء. لا يختلف مصير بطل جبرا كثيراً عن مصير الطروسي في رواية : «الشراع والعاصفة»، رغم انتسابهما، ظاهرياً، إلى أيديولوجيتين مختلفتين.

٢. انتصار التقدّم في «الشراع والعاصفة»:

«الشراع  والعاصفة»،التي نُشرت في مطلع ستينات القرن الماضي، هي رواية حنا مينة الثانية بعد روايته الأولى «المصابيح الزرقاء» ، التي احتفى بها «نقّاد الواقعية» ، واحتفوا أكثر بروايته الثانية. فهذه الأخير فتحت له افاقاً جديدة، في أكثر من اتجاه: وطّدت موقعه، آنها ولاحقاً، كروائي أول في بلده، وعيّنته ممثّلاً مخلصاً لـ «الرواية الواقعية ــ الاشتراكية» ، ودفعته إلى إعادة إنتاج شخصية «البحّار الشجاع» في روايات كثيرة لاحقة: الياطر ، الدُقُل ، الميناء الأخير،... وتعود شهرة روايته الثانية إلى بطلها «الطروسي»، الذي أثار القارئ العادي، لأنّه يعكس، بشكل جديد، صفات «الفارس العربي القديم»، ولاءم «القارئ اليساري»، المسيطر في تلك الفترة، لكونه يدافع عن «التقدّم». وواقع الأمر أنّ «الطروسي» نموذج مثالي للبطولة، يتوزّع على  زمن مجتمع تقليدي القيم، من ناحية، وعلى جملة من الأزمنة المجرّدة، من ناحية أخرى. وهذا الزمن المجرّد ،  يدفع «البطل» إلى الاكتفاء بجسده وغريزته وحدسه، أي بـ «وجوده البيولوجي»، الأول، ملتمساً ، في ثيابه الريفية، أدوات بدائية أولها : «الخيزرانة»، التي يهزم بها الأعداء.

«الطروسي» بطل أضاع زمنه، أو ضيّعه الزمن، منذ أن طرد التاريخ  حكايات القيم المجرّدة واكتفى بالحديث عن البشر، ومنذ أن همّش الزمن الحديث أسطورة البطل المفرد وميتافيزيقا الفضائل المنتصرة وأكّد علم الإقتصاد وعلم الاجتماع وسطوة التقنية واستطاعة الآلة.  تصدم «الشراع والعاصفة» العين القارئة، عندما تفتّش الأخيرة عن الموضع الذي يلتقي فيه التاريخ  ببطل لا يعرف معنى التاريخ. نقرأ في الرواية : «ففي أيار من هذا العام انتهت الحرب العالمية الثانية، وكان انتهاؤها حدثاً سعيداً بالنسبة للعاللم.. نشطت الحركة في الميناء، كما لم تنشط من قبل، وبدأت حبوب الجزيرة تتدفق على اللاذقية، واشتد الطلب على وسائل النقل، واستعادت المراكب قيمتها بسبب مزاحمة البواخر، وأصبح صيد السمك عملاً ثانوياً بالنسبة للبحارة الحقيقيين. ص : ٣٠٣». ينتمي «الطروسي»، شكليّاً، إلى زمن تصاعد النضال الوطني، اقتراب الثورة الصينية من انتصارها، استعمال القنبلة الذريّة في هيروشيما، بدء السيطرة الصهيونية على فلسطين، صعود الإمبريالية الأمريكية... وهذا الانتماء الشكلي لا يغيّر من أحواله شيئاً،  نقرأ في الرواية:

ــ «مادامت خيزرانته في يده فلن تطاله أيّة مدية. ص ١٧ / البحارة حدّثوني عنه، قسماً بالله لا يخاف الإنس ولا الجن. ص : ٨٤٢ / لقد سكت المتجرئون على البحر ولم يبق إلاّ هو متكلّماً . ص 269 / لا تنال منه السنون إلاّ ما ينال الموج من صخرة الشاطئ، يخرش بعض جوانبها، لكنّه يعجز عن أن ينال من شموخها وصلابتها. ص : 179 / لقد صغر الرجال الذي عرفتهم في ماضيها جميعاً أمام هذا الرجل، إذ نظر كانت نظرته نداء لا يمكم للأنثى أن تتجاهله طويلاً. ص : 123». تتكوّن البطولة، إذن، من الجرأة، القوّة الجسدية، الفحولة... صفات يتعلّق بها وعي ريفي يروّعه زحام المدينة ولا يعرف عن تاريخ التكنيك شيئاً : «ولديه بوصلة، لكن بوصلته الحقيقية هي النجوم . ص : ٤٤/ إنّ المدينة لا تجذبه. ص : ١٦١ / ضرب الطروسي مؤخرة المركب بكفّه ضربة فارس على كفل حصانه وهو يبعث به وحيداً لأداء رسالة. ص : 190 / أخذ الزورق يتراقص ويجمح كفرس. ص : 236 / انتهى ميلان الزورق ... وقد بدأ ، وهو يحاول الاندفاع فلا يستطيع، كحصان أجفل فاشرأب وارتكز على قائمتيه الخلفيتين، وأخذ يدور عليهما مهدداً فارسه بالسقوط. ص 259 / كان في وقفته تلك يشبه فارساً يضع قدميه في الرحكاب. ص 260 / كان الــزورق يعـــلو ويهبــط، كــأنّه فـرس تسـير خببـاً. ص : ٢٧٢ ».

يأخذ المركب صفات الحصان والبحر صفات الفارس ويكون البحر صحراء مختلفة اللون والملمس. لا تقوم المشكلة في خلق البطل بل في خلق زمن يتوافق مع فروسيته. والزمن الجميل الذي يحتضن الفارس الجميل ولّى، وترك بعده أزمنة شاحبة إلى الفساد أقرب. يهرب خطاب الرواية من زمن يقترب من «البرجوازية» محتفظاً بقيم لا علاقة لها بالزمن البرجوازي.  تأخذ الرواية، بدون مسافة أو تحفّظ، بقيم بريئة بعيدة عن قيم الزمن الحديث، التي تمنع عن الفارس حصانه، وعن الحصان الصحراء التي يرمح فيها، بل إنّها تستنكر الزمن الذي ينادي بصفات : الجسارة، الجرأة، الإقدام ... ولذلك، فإنّها، وبسبب وعيها البريء، لا تتوقف طويلاً أمام شخصية «نديم مظهر» ، «الرأسمالي الوليد»، الذي تسيطر عائلته على حركة الشحن في المدينة ، بل تتوقف أمام شخصية «ابن برو» الذراع الشريرة التي يستغلها «الأغنياء» لتأديب  «الفقراء» في المدينة. لكأن قطع اليد الشريرة قادر على إلغاء «الأغنياء» وإرجاع الحق إلى الفقراء. سعى الروائي إلى كتابة عن الحاضر والمستقبل، فكتب عن زمن يزول ودافع عن الماضي، وعمل على خلق بطل يثير الإعجاب فأنجب بطلاً شعبياً «متخيّلا» ولّى زمانه.

تنبني الشراع والعاصفة على فكرة ــ أساس : البطل الكامل . بطل يصدر عن أيديولوجيا  تقدّس البطل  . أيديولوجيا تبالغ في إغناء البطل المفرد وفي إفقار من يقف إلى جانبه. يصبح البطل نواة الرواية ويكون ما خارج النواة قشوراً زائدة. يمتد البطل من الأفق إلى الأفق فيرى ولا يُرى، يظهر واضحاً في عمره ومشيته ونبرة صوته ومعاركه المتتالية، ويكاد لا يرى لأنّه امتداد للبحر ولصخورالشاطئ . وإذا كان إغناء البطل يستدعي إفقار من يحتاج إليه، فإنّ فقر الملامح والسمات ملازم للشخصيات الأخرى، فلا تحضر في أفعال لها حضور، إنّما تطفو كأسماء تستدعيها الحكاية. لا تعلن الرواية عن الشخصيات الأخرى إلاّ في أسمائها، ولا تسمح لها بالظهور إلاّ إذا التقى بها البطل، لكأنها حاضرة وغائبة، تحضر في أسمائها وتغيب إن حضر البطل. إنّ ارتهان أيديولوجيا الرواية إلى أسطورة : «الإنسان الحقيقي»، «الإنسان الأصيل»، «الإنسان الكامل» ... يقود بالضرورة إلى إلغاء الإنسان الواقعي، أو إلى إنتاجه بشكل يجعله يتعلّق بالبطل ويلوذ  به. تأخذ الرواية بأسطورة «البطل» ، «الكامل» ثم تضيف إليها بشراً، تمليهم إرادة البطل وصورته. تعيش الرواية وهمها المرجعي في علاقة الناقص بالكامل، فلا المكتمل ينقص ولا الناقص يقترب من المكتمل، أي يختفي زمن الواقع تاركاً المكان كلّه لطبائع بشرية مجرّدة، خاضعة  لطبيعة متعالية تخلق الناقص والكامل معاً.

البطل نواة الرواية ومبرّر وجودها. يمكن النظر إليه من وجهة نظر من خالفه في الطبيعة، ويمكن النظر إليه كصورة للخالق، وفي الحالين يكون ما هو أي بطلاً ملحمياً في زمن انتهت فيه الملاحم. إن صورة البطل تحذف منه التناقض ، الذي هو مصدر الحركة والتغيّر . فهو ينطلق من حيث يشاء ويصل إلى النقطة التي يريد: يصارع الطروسي الشرير في النهار وينتصر، ويصارع الموج في الليل وينتصر، ويقاتل «الطليان» في زمن الشباب ويكون منصوراً، وينقل السلاح في زمن الكهولة ولا يصيبه سوء، ويصادف غواية الأثرياء وينجو، وينتظر حلمه ويصل إليه... لا يمارس «الإنسان الحقيقي» الشجاعة إنّما يعبّر عن ماهية الشجاعة، التي تجسّدت فيه. كما أنّه لا يلهث وراء النصر، لأنّ النصر يلازمه بلا انقطاع. ولهذا تفقد الشجاعة، كما النصر، بعدها التاريخي، وتقف معلّقة لا زمن لها، لأنّ الخلق يسبق الزمن ولا يأتلف معه.

في البحث عن الانتصار يصبح «الطروسي» فكرة أيديولوجية، يعرف الشاطئ والبحر ولا يعرف المدينة. تأخذ الأمكنة المعروفة والمجهولة في علاقتها بالبطل ــ الفكرة صورة البطل ذاته، فتكون أفكاراً أيديولوجية أخرى، وظيفتها تحقيق الاتساق الأيديولوجي المفترض للعمل الروائي. تصبح المدينة، كما الشاطئ والبحر والمركب، إشارة أيديولوجية، قبل أن تكون مواضيع موضوعية. وربما كان استغراق الإشارة للموضوع هو الذي يدفع البطل إلى الشاطئ ويبعده عن المدينة. فالأخيرة تبدو مكاناً للأرواح الصغيرة، وموضعاً للإنسان الناقص الذي يتطلع إلى الكامل ولا يصل  إليه. تأخذ المدينة موضعاً صغيراً في الرواية يساوي زمنها البشري الصغير، ثم يأتي المرفأ موضع المنازلة بين الخير والشر،  فلا يكون  موقعاً لعمل عضلي بقدر ما نراه مسرحاً للنزال بين الطروسي «وابن برو». وبعد المرفأ يأتي الشاطئ، الذي تعطيه الرواية مكاناً يتجاوز مكان المرفأ والمدينة معاً، بل مكاناً يساوي شجاعة البطل الذي اتخذ منه مسكناً، فالشاطئ سرير للبطل قبل أن يكون صخراً فاصلاً بين الماء واليابسة.

يعطي حنا مينة، حال جبرا، بطله الكامل دفعه واحدة، فلا هو يتطوّر ولا هو، منطقياً ، قابل للتطوّر. ومع أنّ الرواية تتعامل ، نظرياً ، مع إنسان مغترب، يبحث عن توازن مستحيل ، فإنّ «الطروسي» هو الفرد الوحيد الذي لا يشعر بالاغتراب، ذلك أنّ مرجعه فيه ويكافح كي يُرجع للآخرين مرجعهم المفقود. ولعلّ اكتماله هذا هو ما يجعل منه صورة متأخرة عن «الفارس المنتصر»،  بطل الحكايات الشعبية القديم، الذي يعيد للفقراء حقوقهم ويعود، في المساء إلى بيته هادئاً. بل أنّ قيم هذا «البطل المخلص»، التي تتضمن الشهامة وعزة النفس والقوة البدنية وحماية المرأة المستضعفة تجعل منه بطل مجتمع عضوي بدائي ، محكوم بثنائية الخير والشر. ولهذا تكون حركته الروائية خطيّة، تعيّن صفاته، في البداية، وتبرهن عن تحققها الأكيد، في النهاية، كما لو كانت الرواية إفصاحاً نظرياً عن إمكنيات البحّار، في لحظة ، وتدليلاً عملياً على إمكانياته، في لحظة لاحقة.

والسؤال المنتظر هو : ما معنى «المنظور الاشتراكي» في رواية تريد أن تكون «واقعية اشتراكية»، بلغة ذاك الزمان؟ وما أثر هذا المنظور على البنية الروائية؟ والجواب عن السؤال، في قسمه الأول، هو التالي : ليست الاشتراكية حركة تاريخية بين طبقتين متمايزتين هما : البرجوازية والطبقة العاملة، إنّما هي انتصار الفقراء على غيرهم ، الذي يترجم عدالة قديمة، لا تحتاج إلى الصراع الطبقي. أو لنقلْ : إنّها انتصار البداهة، ومجلاها الحق، على أعداء أعداء البداهة، أو انتصار اليقين على الشك والمساءلة. أما الجواب الثاني فيتكشّف في شكل أدبي هجين، هو مزيج من الرواية والحكاية، إذ الأخيرة مكتفية بعنصرها الإيجابي الوحيد، وإذ الأولى إحالة على المعيش اليومي في ظلاله البشرية المتنوعة. وبداهة فإنّ رواية «البطل المنتصر»، فضاء واسع لرومانسية جامحة، تبدأ بفرد مغاير، وتعهد إليه بإصلاح مافسد من العالم. وواقع الأمر أنّ حنا مينة ، في ممارسته الروائية الممتدة نصف قرن من الزمن، هو الحكّاء الممتاز، الذي ، جسّر المسافة بين الحكاية التقليدية والرواية الحديثة، دون أن يكون حكّاءً تقليدياً أو روائياً حديثاً.

يحتل البحر الأمكنة كلها، بمائه ورذاذه وهديره. ومع أنّ البحر حاضر في العاصفة والنوء وتلاطم الأمواج، فإنّ حضوره إشاري بالدرجة الأولى. يأتي من الأيديولوجيا ويعود عليها، وفي الأيديولوجيا يساوي البحر مدينة فاضلة، فهو مملكة المياه التي تنبثق منها الحقيقة، أو إنّها مملكة الحقيقة في شكل ماء، حيث يستظهر الصبر والشجاعة والوفاء والحريّة والتضامن، وجملة القيم التي تعلن عن حقيقة «البطل الكامل». وفي اللغة الأيديولوجية يكون المركب جناحاً للبطل قبل أن يكون آلة خشبية. وفي تراتب الأمكنة يتوزع الزمن ويكون مرتبياً، يغمر المدينة زمن الفساد وتكاد لا تُرى، ويحتضن البحر زمن الخير واللطف، بينما يكون الشاطئ حدّاً فاصلاً بين زمنين متناقضين. لن يكون البحر، بهذا المعنى إلاّ المرآة الكبيرة التي تعلن عن حقيقة البطل، الذي هو جزء من البحر وابن له. ولهذا يغرق من يغرق وينجو «البطل الإيجابي» باستمرار، لسبب بسيط هو أنّه جزء من البحر وامتداد له. والسؤال كلّه : كيف يتم اللقاء بين بطل إيجابي محدّد التاريخ، ينتمي إلى «الطبقة العاملة» وبطل طبيعي لا زمن له. إنّه وهم التقدّم الذي يساوي بين البحر و البطولة التقدّمية، ويتوّج مآل البطل الإيجابي بالنصر.

٣. ملاحظة ضرورية:

سواء كان الفرد المنتصر فرداً مكتفياً بفرديته ، حال بطل جبرا، أم كان فرداً مجازاً احتشدت فيه طبقة أو جماهير، حال بطل مينة، فإنّه ينطوي، في الحالين ، على أبعاد ثلاثة: فردية رومانسية متسقة، لا تعرف التناقض، ضمان انتصارها قائم في كمالها، كما لو كانت لا تذهب إلى النصر، بل يأتي النصر إليها. والبعد الثاني قائم في الأول وامتداد له عنوانه : اليقين المغلق، الذي يملي على الشخصية أن تتقدّم بشكل خطّي، كاملة متكاملة، لا تتطوّر، ولا تتبدّل ولا تتغيّر، لأنها أعطيت، منذ البداية، دفعة واحدة. وهذا الثبات، الذي لا تتسم به الشخصيات الأخرى، هو ما يخلق «بطلاً خلاصيا»، يحمل في جوهره رسالته منذ ميلاده، أو قبل ميلاده، ربما. أما البعد الثالث، وهو جماع البعدين السابقين، فيتمثّل بـ «تصوّر ديني للعالم، لا يقبل بالاحتمال أو بتعدّدية التأويل . ولعلّ البعد الأخير، الذي يمليه سياق تاريخي محدّد، هو ما يجعل من النص الروائي التبشيري «نصّاً انتقاليا»، يحيل على الرواية، نظرياً، في شخصياته الدنيوية المتعدّدة، التي تجمع بين الواقعي والمتخيّل، ويحيل ، أيضاً، على ما يكبح المتخيّل الروائي ويصادر حركته، لأنّ في اليقين الديني ما يلغي مقولة «الإنسان المغترب»، الذي التقى باليقين وأضاعه، أو لم يعثر عليه أبداً. والمقولة الأخيرة مرجع المنظور الروائي للعالم، الذي يتأمّل إنساناً خادعه الزمن، وأضلّه عن الطريق، الذي يفتّش عنه.

ينتمي «البطل المنتصر»، بشكل مختلف، إلى« «فكرة التقدّم»، التي شاعت في الفكر العربي في مطلع القرن العشرين. فقد جاءت هذه الفكرة، كما هو معروف، بمقولتين تنتميان إلى التصوّر الغائي للتاريخ: أولهما التاريخ الذي يتطوّر، بشكل خطّي، إلى مصبّه الذهبي القادم، كمصبّ أخير. وهذا ما يحوّل التاريخ إلى حكاية سعيدة، تبدأ بالظلام والجور وتنتهي إلى النور والعدالة والإنسان الكامل. وثاني المقولتين هو المستقبل، الذي يتراءى كبطل نوعي هزم، بشكل أخير، ما سبقه من الأزمنة. مع ذلك، فإنّ بين فكرة التقدّم، بالمعنى التنويري، وفكرة التقدّم ، كما شاءها التصوّر الديني للعالم والأيديولوجيا الاشتراكية، ثلاثة فروق جوهرية على الأقل: فقد قالت «الأيديولوجيتان التبشيريتان» بالكفاح والإرادة والبطولة، بينما قالت فكرة التقدّم بالعمل والتحويل الاجتماعي وبإعادة تربية للبشر. وهو ما قال به طه حسين، وليس بلا تفاؤل مفرط على أيّة حال، في روايته «دعاء الكروان»، التي أعطت التعليم قوّة طوباوية. ويتجلّى الفرق الثاني في مقولة المجتمع. من حيث هو كلٌ من العلاقات، متفاعل في وحدته وموحّد في تفاعله، مثلما حاوله توفيق الحكيم في روايته «عودة الروح» ، وحاوله قبله محمد حسين هيكل في «زينب». على خلاف ذلك نقضت رواية حنا مينه المجتمع بفكرة «البطل المخلّص»، كما نقضه جبرا بفكرة «المثقف النبي» . وبداهة فإنّ التراتبية الصارمة، التي تقسم الناس إلى أعلى وأسفل، تصيّر ما «خارج البطل» إلى ظلال إنسانية رافضة، دون قصد، المساواة بين البشر والتعددية الإنسانية. يظهر الفرق الثالث، وهو الأكثر دلالة، في التصوّر الزمني المغلق، الذي تأخذ به الرواية التبشيرية، والزمن المفتوح الذي تنطوي عليه، ضماناً، الرواية الأخرى، التي ترى التقدّم سيرورة اجتماعية مفتوحة، تتكامل ولا تنغلق، لأنّ في التطور الديمقراطي ما يجدّده باستمرار. فلا إبداع، بالمعنى التاريخي للكلمة، إلاّ بموضوع يحمل في علاقاته الداخلية إمكنيات تجاوزه.

ولعلّ الفرق بين الرواية التبشيرية ورواية التقدّم، هو ما جعل الرواية، لاحقاً، ترى إلى «البطل الثوري» من  وجهة نظر أخرى، ذلك أنّ هذا البطل، الذي قهرته «دولة الاستقلال» قهراً مستمراً، هو في أساس «رواية  السجن»، التي تأملت اغتراب «البطل التقدّمي» واغتيال المشروع الذي  ينتمي إليه.

وإذا كان محفوظ قد رثى «المجتمع المفتوح» رثاء يائساً في أولاد حارتنا ــ ٩٥٩١ ــ فقد تعامل غيره مع «البطل الثوري المقهور» بأشكال مختلفة: صنع الله إبراهيم في «تلك الرائحة» و «نجمة أغسطس»، وجمال الغيطاني في عمليه الكبيرين «الزيني بركات» و «التجليات»، وعبد الرحمن منيف في «حين تركنا الجسر» و «شرق المتوسط»، وصولاً إلى إلياس خوري، في «الوجوه البيضاء»  وعمله الإبداعي الأخير «يالو»، الذي تضمن تجديداً تقنياً نوعياً.

وأخيراً ما  هو «البطل الثوري في الرواية العربية» المتكئة على أيديولوجيا تبشيرية : إنّه البطل الرَغَبي ، الذي هو بطل مجرّد ، يحيل على مجردات أخرى، مثل : الطبقة و الصراع الطبقي وانتصار الحق، أي على جملة تصورات تخترع التاريخ ولا تسائل معناه الحقيقي. ومهما تكن القيمة الفنية التي تمثلها هذه الأعمال، فإنّها تشير أولاً إلى سياق تاريخي، صادر التطوّر الاجتماعي الطبقي بمقولات أيديولوجية متوهّمة، أنتجت «انقلابات سياسية» حقيقية، عطّلت المجتمع ممهدة، لاحقاً، إلى تعطيل الإبداع الروائي.

إشــــارات

(١) الاستشهادات الواردة في الدراسة تعتمد على الطبعة الأولى لـ «صيادون في شارع ضيّق» دار الآداب، بيروت ، 1974، وكذلك الطبعة الأولى لـ «البحث عن وليد مسعود»، الصادرة عن نفس الدار في عام 1978م.

(٢) مجلة حوار ، العدد 23 ، السنة الرابعة، تموز ــ آب 1966 م.

(٣) الحرية والطوفان ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979 م ، ص : 126 .

(٤) المصدر ذاته ، ص : 103 .


تصميم الحاسب الشامل