الوعي بالجسد ودوره في تكوين الهوية الحديثة
 كما يتجلى فـي قصة «الحزام» لأحمد أبودهمان

 

معجب الزهراني


 - مقدمات:

١ - ١ : تتأسس قصة «الحزام» التي صدرت بالفرنسية للكاتب السعودي أحمد أبودهمان منذ عام ونيف، على بنية احتفالية طقوسية تكشف عن أبعاد علاقات التوتر العنيف والخلاق بين هوية الذات الفردية المختلفة والهوية الجماعية التي تنزع الى محو أو قمع كل اختلاف كما لو كان خطراً يهدد وحدتها ومعاني وجودها.

فالقصة رواية سيرية لكاتب (كان) ينتمي لجماعة قبلية تعيش في قرية منعزلة وتمارس عملها الفلاحي وطقوس حياتها الاجتماعية بوسائل وضمن اطر ومعايير لم يطرأ عليها تغيير يذكر منذ آلاف السنين. وما ان دخلت القرية وأهلها في سيرورة اندماج مفاجئ في البنى الجديدة للمجتمع والدولة والعالم الحديث حتى انهار كل شيء تقريبا خلال عقود. وهكذا ينتهي النص بإعلان موت مزدوج للقرية ولحكيمها «حزام» الذي كرس حياته لإنقاذ ذاكرتها وهويتها دون جدوى.

ورغم ان الدلالة المأساوية تهيمن على القصة في مجملها إلا أن الكتابة تحاول تقصي الأبعاد الايجابية في هذه السيرورة التي بلغت احدى ذراها في وضعية الراوي الكاتب الذي يعيش في باريس منذ عقدين ومن «هناك» كتب حكايته وحكاية قريته بلغة أجنبية لا شك أنها ستنقذ بعض الحكايات القديمة من الموت والنسيان. فما ان صدرت القصة عن دار «جاليمار» حتى استقبلت بشكل احتفالي تجاوز كل التوقعات، فهي الآن في طبيعتها الثامنة ووقعت عقود لترجمتها الى اكثر من لغة، ومنها العربية.

ولعل المرجع الاهم لكل دلالة ايجابية في النص تكمن في قدرة الكتابة الابداعية على تحويل الذاكرة والهوية القبلية التقليدية وتحويلها الى عناصر فعالة لإعادة بناء هوية الذات وفق شروط معرفية وجمالية تدفع بها نحو أفق انساني أوسع وأبعد من كل الحدود والانتماءات الضيقة. هنا تحديداً يمكننا صوغ الفرضية الاساسية لهذه المقاربة. فقراءة النص من منظور محدد تكشف عن الدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه الوعي بالجسد الفردي الخاص في اعادة تشكيل خطاب الهوية باتجاه ما يثري الخطاب وموضوعه ويعزز بالتالي من قدرات الكائن الانساني على التواصل الحر والخلاق مع الآخر أياً وأنى كان. ولكي نبلور المستندات النظرية والمنهاجية لهذه الفرضية وللقراءة التي تحاورها وتختبرها سنناقش في الفقرة التالية، وباقتضاب، مقولتي «الجسد» و«الهوية» وما بينهما من تعالقات نادرا ما يلتفت إليها باحثونا.

٢ - ١ : يكاد «الجسد» يكون قارة مجهولة في الثقافة العربية كما تدل عليه ندرة الدراسات والبحوث التي تقاربه من منظورات نفسية وانثروبولوجية وفلسفية واجتماعية، وهي كثيرة ومتزايدة باستمرار في الثقافات الغربية الحديثة كما بيناه في بحث سابق. أما الدراسات النقدية التي تتقصى وتحلل تمثيلات الجسد في النصوص الأدبية القديمة والحديثة فهي نادرة دونما شك، علماً بأن المتون التي تبرر بل وتستدعي مثل هذه المقاربات اكثر من ان تحصى وتحصر في أدبنا، القديم منه والحديث.

ولعل ما كتبه علي زيعور عن لغة الجسد من منظور التحليل النفسي، ومنى فياض من منظور انثروبولوجي أعم وأشمل، وبعض الدراسات الخاصة بالجسد الانثوي، في تونس والمغرب، وما كتبناه عن تمثيلات الجسد في بعض النصوص الروائية العربية الحديثة.. كل هذا يمكن ان يشكل بداية وحافزا الى المزيد من المغامرات باتجاه اكتشاف هذه القارة المجهولة التي تعد بالكثير فيما تزعم. من هنا نكتفي بالتأكيد مجددا على أن مختلف أشكال الوعي القوي بالجسد الخاص أو العام، وفي مجال الكتابة كما في مجال علاقات التفاعل والتبادل اليومي، هو الأثر الأهم لمدى قدرة الثقافة الحديثة على اختراق وخلخلة البنى المادية والرمزية لتلك الثقافة التقليدية التي لا تعرف شيئا جديا عن الجسد ومن الطبيعي ألا تعترف بالفرد المستقل او الجسد الخاص مثلها مثل أي ثقافة تقليدية. ونؤكد على هذه القضية لأن الثقافة العربية هي اليوم في سيرورة تفكك واعادة تشكل لابد أن يلعب فيها الوعي بالذات الفردية وحقوقها دورا متزايداً وربما كان هو الدور الحاسم على المدى البعيد.

٣ - ١: أما «الهوية» فكثيرا ما طرحت وتطرح للبحث والجدل في مختلف المقامات والسياقات حتى انها اصبحت تيمة مركزية في خطابنا الثقافي بمختلف مكوناته واشكاله وتوجهاته النظرية والعملية. ومع أهمية الطرح المعرفي لقضية كهذه إلا انه غالباً ما يخضع لدواع وغايات ايديولوجية قد تنتج من الاشكاليات اكثر مما تنتجه من المعلومات والأفكار والاطروحات التي تعمق الوعي وتوسع مجالات التفكير والحوار وهي الوظائف الاساسية المفترضة لأي خطاب معرفي جاد في هذا المقام وغيره.

ولعل أحد الأسباب العامة والعميقة وراء هذا التوجه السلبي السائد ان تلك القضية كانت عادة ما تطرح في سياق علاقات التقابل الضدي مع «الآخر الغربي» وها هي اليوم تطرح من منظور الاختلاف الجدي مع العالم الذي ما ان يعاين كوحدة كلية مطلقة حتى تحدد المواقف المسبقة منه كل تصورات الباحث عن هويته الذاتية والجماعية وهذا ما نبه اليه وحذر منه العروي منذ عقود. ومع وجود بعض الاستثناءات التي تحد من وجاهة التعميم هنا أيضا إلا أن هذا الوضع يبرر لنا ويقتضي من غيرنا مقاربة موضوع الهوية من منظورات مختلفة ومتجددة باستمرار. فهوية الكائن الانساني الفرد ستظل معلقة في فراغ التوهمات مثقلة ومهددة بمختلف اشكال الانحباسات ما لم تتصل اتصالاً قوياً وحميماً بجسده الذي هو الدليل الأوكد، وربما الوحيد، على وجوده في الزمن والمكان. والهوية الجماعية التي تبنى على تجاهل الجسد الفردي او محاصرته بأنواع الكبت والقمع والحرمان والتبخيس لا يمكن أن تكون هوية صحيحة وصحية ومنتجة وخلاقة لا في مستوى حياة الفرد ولا في مستوى حياة المجتمع او الأمة.

من هنا تأتي ضرورة تنمية المعارف العلمية بهذا الجسد وتعميق الوعي النظري والعلمي بحاجاته وحقوقه وتعويد الانسان منذ طفولته على احترامه وتطوير قدراته على الإنصات له والحوار معه في حالات كلامه وصمته، وقوته وضعفه، ولذته وألمه وجماله وقبحه، حتى لا يتحول إلى عبء ثقيل لا يطاق ولا يمكن الخلاص منه إلا بالموت!

وفي كل الأحوال فان النص الذي اخترناه مجالاً للبحث هو متن سردي يلعب الجسد فيه دور البطل والضحية منذ أن كان صاحبه مجرد خلية منسية في جسد القبيلة الوهمي إلى أن أصبح ذاتاً انسانية مستقلة بوعيها وجسدها الحقيقي تعيش وتكتب كما ترى وتريد وتستطيع.

أكثر من ذلك نزعم أن الكاتب ما حرر هذا المتن. الجسد النصي إلا للاحتفال بما كانت ثقافته وهويته القبلية تحاول ان تلغيه او تهمشه من المعاني والقيم والحكايات، وبالاخص إذ يتعلق الأمر بجسد الطفل او بجسد المرأة كما سنلاحظه ونحلله باختصار وتركيز في الفقرات التالية.

٢ - ذاكرة الشخص - ذاكرة الجسد:

         الخطاطة الاولى لعلاقات التوتر

٢ - ١ : عندما نقرأ المقطع الافتتاحي من نص «الحزام» باعتباره بوابة الدخول الى المتن السردي الاساسي نجد فيه عناصر الخطاطة الاساسية لعلاقات التوتر بين هوية الفرد الجديدة وهويته القبلية القديمة كما تحاول لعبة الكتابة تدشينها في الراهن بطريقة فيها من الجاذبية بقدر ما فيها من المكر. فالمقطع يبدا بجملة تعلن انتساب الكاتب الى سلسلة طويلة من الأسلاف «الرجال» تبدأ به وتنتهي عند الجد الأعلى للقبيلة، لنقرأ: «أنا أحمد بن سعد بن محمد بن معيض بن ظافر بن سلطان بن عود بن محمد بن مساعد بن مطر بن شاين بن خلف بن يعلي بن حميد بن شغب بن بشر بن حرب بن جنب بن سعد بن قحطان بن عامر».(ص١٠).

وفي الجملة التالية مباشرة نكتشف ان حبل النسب الطويل و«الثقيل» هذا لم يتم استخصاره في هذا الموضع الاستراتيجي إلا لتباشر الكتابة عليه أو على ألاعبيها الكاشفة عن.. والمتناسبة مع وعي الكاتب ورؤيته لذاته وعالمه وماضيه وحاضره ومستقبله. فالكاتب يشير بطريقة ماكرة الى انه يفضل الانتماء الى أمه والى آدم لا إلى «قحطان» مما يدل على أنه لم يعد راغباً في الانتماء الى هوية ضيقة بحكم قبليتها وبحكم غياب المرأة منها وهي الوحيدة التي يمكن الوثوق في الانتساب إليها كما لا يخفى على الكاتب وقارئه اليقظ. فحضور «آدم» بهذه الصيغة التي تجمع بين الجدية والسخرية هو استحضار لذاكرة وهوية أعمق وأوسع بما ان ذلك اسم الجد المشترك للقبيلة الانسانية التي ينتمي إليها كل البشر بحسب الأدبيات الثيولوجية التي بدات من هذه المنطقة لتنتشر مع الديانات التوحيدية في مختلف القارات والبلدان. بناء عليه نلاحظ أن الشق الجدي من الدلالة ينفي معنى «الفخر» في الانتماء القبلي ما دام الناس يتساوون جميعهم في الانتماء «الحقيقي» أما الشق الساخر فينفي كل المعارف المعرفية والاخلاقية عن أي انتماء قبلي عتيق ووهمي كهذا الانتماء. فالكتابة موجهة بحكم لغتها الى قارئ فرنسي لا يقيم وزناً يذكر للنسب القبلي إلا حين يرد كموضوع غريب وجذاب في نص أدبي يوحي بأكثر وأجمل، وأبعد مما يقوله ويصرح به.

 البعد الدلالي الأهم للعبارة الجينيالوجية ذانها يتحدد عبر علاقتها المباشرة بالجسدين الفردي والجماعي القبلي. فالجملة نشيد احتفالي طقوسي يصاحب حفلات الختان التي كانت تتم في القرية والمنطقة التي عاش فيها الكاتب طفولته ومراهقته بطريقة فيها من مظاهر القسوة والعنف بقدر ما فيها من معاني البطولة والبهجة. ففي ساحة القرية العامة كان يؤتى بالفتيان المراهقين يحيط بهم الأهل والاقرباء ليتقدم الخاتن فيسلخ جلد الفتى من السرة الى رأس القضيب فيما هو يلوح بخنجره في الهواء ويعلن انتسابه الى أسلافه وسط صيحات الحماس الجماعي الذي تتداخل فيه ولا يخلو من الهستيريا.. اننا أمام تقليد عمره أكثر من ألفين وخمسمائة عام، بحسب ما يشير إليه الكاتب. وظيفته الاحتفال من المنظور الاجتماعي هي ادماج الجسد الفردي الغض في الجسد الجماعي العتيد ومن ثم يتحقق الاعتراف بهوية صاحبه ضمن جماعة «الرجال». الطريقة التي تتم بها عملية الدمج هنا تبدو لنا اليوم بدائية ووحشية في الوقت ذاته ولا يمكن لآثارها أن تمحى من ذاكرة جسد لا ينسى، وبالمعنى الفرويدي وغيره من المعاني.

وفي المستوى الانثروبولوجي فان الاحتفال هنا هو طقس عبور من «الطفولة» الى «الرجولة» بطلة وضحيته الأهم هذا الجسد الذي يراد تحويله من ملكية ذاتية حميمة الى ملكية جماعية مستلبة بمعنى ما، وهذا معنى قول الكاتب ان قبيلته لا تزال تعتبره «خلية صغيرة في جسدها الكبير» (ص١١).

سنعود لاحقا الى هذا الطقس المعمد بالدم، أما الآن فلنتابع النص الاستهلالي الاحتفالي الذي يمهد لما بعده.

في جمل لاحقة يؤكد الكاتب أنه بدأ يعي نفسه كشخصية فردية مستقلة عن الآخر والغير، أياً كان، في باريس التي قرر العيش فيها والكتابة منها في شكل من أشكال «المنفى الاختياري». هذا الوعي الحديث بالذات الانسانية الفردية، وهو المعنى الأهم للحداثة كما يقول الكاتب (ص١١)، لا بد انه تشكل تدريجيا في سياق خبرات الحياة والدراسة التي لا تخلو من المعاناة خصوصا وان مكاسب الغربة لا تلغي خسائرها المأساوية ولذا يقول ادوارد سعيد «المنفى والسعادة لا يلتقيان». ما يهمنا أكثر من غيره هنا هو ان لعبة الكتابة لا تلبث أن تستحضر دور الجسد في بناء هذا الوعي والتعبير عنه بتلك اللغة الجميلة والماكرة ذاتها.

ففي احدى زياراته للطبيب الذي يتابع علاجه من «مرض السكري» كان هذا الأخير يضع مجهره على باطن قدمي مريضه فإذا بهذه التقنية الحديثة تكشف للطرفين عن بقايا الأشواك التي كانت تصيب طفلا لم يعرف الحذاء إلا في مرحلة متقدمة من العمر إذ لا تزال موجودة بين خلايا الجسد الحي كما لو كانت أحفورات لكائنات تحجرت منذ ملايين السنين(ص١٠).

وبصياغة تجمع بين الواقعي الحقيقي والمتخيل الفنتازي يقول الكاتب ان هذا الكشف الطبي وذلك الختان يدلان على أن جسدا كهذا يتيح لصاحبه أن ينتمي في اللحظة ذاتها، الى كائنات أو آثار ما قبل التاريخ» والى «هذا المجتمع الباريسي- الكوني الذي يتهيأ للاحتفال بالألفية الثالثة!»(ص١١).

نعم ربما يقال أن الأمر يتعلق بجمل وعبارات يراد لها أن تؤسس لعقد القراءة بهذه اللغة المراوغة والجذابة، وهو ما تحرص عليه أي كتابة ابداعية خلاقة كما نعلم. لكن المؤكد ان هذه التعبيرات تنطوي على كل المعاني الجدية إذ تتعلق بحكايات الجسد التي لا يتذكرها او يكتشفها صاحبه إلا لتذكرهما بمعاناة تمتد من الطفولة الى راهن الكتابة والتعبير عنها بهذه النبرة الحميمة الصادقة لا بد أن يعزز صدقية الكاتب وجاذبية الكتابة لدى القارئ المفترض لنص يحكي له قصصاً غريبة كل الغرابة لكنها واقعة وصادقة تماماً! فالطبيب يمكن أن يؤهله عمله وتقنياته لرسم خطاطة دقيقة لهذا الجسد الذي يتحول أمامه الى «موضوع» للفحص والاختبار والتشخيص، ولكن الذات هي وحدها التي ستشعر بأحاسيس وانفعالات جسدها لتعبر عنها تالياً بهذه الصيغة او تلك. فإذا كانت ذاكرة الجسد القبلي حريصة على تذكر حكايات اسلافها بما يكرس هويتها العامة، العريقة والعتيقة، فان ذاكرة الجسد الفردي تحرص كل الحرص على تذكر حكاياتها الخاصة وفق ما يعزز فرادتها واستقلاليتها وحرية حضورها الخاص في الزمن والمكان والعلاقات.

بين هاتين الذاكرتين لابد ان هناك مسافة توتر وعلاقات اتصال وانفصال هي التي يعاد فيها صوغ كل علاقة. فالكاتب يصرح في نهاية المقطع بأن هدف كتابته «مشاركة واعادة إبداع العالم» (ص١١). أما القارئ العارف فيمكنه ان يكتشف ان اللعبة تنطوي على محاولة خلاقة لتحويل ألم الجسد وقلق المرض والموت الى أثر جمالي لا يمرض ولا يموت هو تحديداً هذا المتن- الجسد النصي الذي نحاوره وقد اصبح جسداً مشاعاً او «مشتركا» لابد أن في كشف رموزه واقنعته متعة خاصة قد تصل حد النشوة في الجسد القارئ كما هو مختبر قبل أن يحلله ويعلله رولان بارت. ولكي يجري البحث وفق منطق معرفي متماسك تقتضيه أي قراءة حوارية جادة سنتتبع علاقات التوتر تلك حسب انتظامها على المحور الزمني التعاقبي الذي يتجه من الماضي الى الراهن، وهنا كما في أي كتابة سيرية، ذاتية او غيرية. أما استراتجية التحليل فتتحدد في المقام الاول بالتمييز بين لغة نثرية شفافة تسمي وتعين وتكشف، وأخرى شعرية تعمي وتراوغ وتحجب اذ ان الدلالات الأهم لهذا النص السيري- الروائي تنبثق من علاقات التوتر بين هاتين اللغتين المختلفتين والمتكاملتين كما سيلاحظ.

٣ - انكسارات الطفولة / بداية الوعي بالذات:

خلال قراءة العبارات الاولى من الجزء الأول في المتن، وهو بعنوان «مرة مرته» -  La Femme de Femme - نلاحظ بسهولة أننا أمام لعبة كتابة تعمل على اثراء عناصر الحدث السردي بحيث تمتزج مخزونات الذاكرة الواقعية بالمتخيلات الشعرية ذات البعد الترميزي الواضح. فالراوي ينقل على لسان الصوت الجماعي السائد في القرية دعاء يكرره الناس بعفوية في أي قرية عربية مسلمة «يا رب سترك» (ص٣١). لكنه ينقل بعده مباشرة اول خبر غريب عن شخصية أغرب هي «حزام» حكيم القرية الذي لم يكن يتلفظ بدعاء كهذا قط لأنه منشغل بما يخصه، ثم ان فمه كان يمتلئ بالزبيب واللباب، يقضمه باستمرار واثقاً أن الجميع يرونه على حق في كل ما يقول ويفعل، حتى وان بدا يمثل هذا الشذوذ!. هذا الـ«الحزام» ذاته سمع الراوي- الطفل يكرر ذلك الدعاء ببراءة فما كان منه إلا أن حثا في وجهه التراب مبرراً تصرفه العنيف هذا بأن هؤلاء الناس السذج لا يعقلون ما يقولون ولا يفكرون في مصير القرية بقدر ما ينشغلون بهمومهم اليومية المبتذلة ولذا ينبغي ألا يقلدهم وهو المنتظر لمهمة أجل وأخطر. فالقرية مهددة بمصير غامض ترهص به هذه الشخصية التي لا يوازي حكمتها سوى نزقها وحمقها، وها هي تعد الطفل للنهوض بالمسؤولية التي طالما تحملتها: حراسة ذاكرة القرية وهوية الأسلاف!

إننا أمام شخصية مركبة مختلقة تقدمها لعبة الكتابة كقرين - نقيض لشخصية الراوي- الكاتب، وهذا ما يفسر أن سيرته الحميمة الخاصة تحل اسم هذه الشخصية عنواناً لها. وفي كل الاحوال فان العلاقات الغنية والمتوترة بين هاتين الشخصيتين تخترق النص من البداية الى النهاية وهما تحضران معاً في كل اللحظات الحاسمة من الحكاية وتحولاتها.

في المشهد الثاني طلب حزام من ابنه الروحي وخليفته المنتظر ان يريه خنجره ليكشف له ان كان رجلاً أو أنثى «لان خنجر الرجل الحق لا بد أن يكون قاطعاً لأي شيء في أية لحظة» كما يقول (ص٤١)، لم يفهم الطفل جيداً، وبعد تردد وقلق من هذا الامتحان الذي لم يكن ينتظره أو يحتاجه سلم خنجره لصاحبه ليحدث ما لم يكن في الحسبان. لقد حاول حزام أن يختبر فعالية الخنجر على ساقه وحينما لم يقطع شعرة منه حذف به على صخرة قريبة لينكسر أمام عيني الطفل. هنا طغت عليه مشاعر الحزن والغضب لأن ما انكسر هو معنى كرامته ورجولته وليس خنجره فحسب، ومن المؤكد أن محاولة حزام جبر خاطره بكلمة ولمسة حنان لم تخفف من حدة الانكسار المزدوج هذا. بل انها ربما عمقت تلك المشاعر لما تنطوي عليه من معاني الشفقة التي يبديها القوي تجاه الضعيف في موقف كهذا.

أما حينما يقول الطفل لصاحبه «سأكون الخنجر الذي تحلم به يا حزام» (ص١٥) فان الجملة قد تكون وعدا وقد تكون «وعيدا»، لكنها تظل ملتبسة ومؤسسة للمزيد من علاقات التوتر بين هاتين الشخصيتين.

لنتوقف عند الدلالتين الاهم للمشهد الذي يراد له أن يكون استباقا وتمهيدا للمشاهد التالية.

إن هذه الحادثة تبين الاهمية القصوى لمعيار تراتبي يتمثل في التمييز الصارم بين «المذكر» و«المؤنث» في هذه الثقافة القبلية التي يمثلها حزام بقدر يحرص على تكريسها. فالهوية الايجابية الوحيدة التي يعترف بها هنا لابد أن تكون ذكورية- رجولية إذ لا قيمة للعنصر المؤنث إلا بقدر ما يساهم في تثبيت هذه الهوية سواء بانجاب المزيد من «الذكور» أو بتمثيل عنصر السلب الذي يبرز عنصر الايجاب في هوية كهذه.

في مستوى آخر تلح الكتابة على معاني «العنف» في الثقافة والهوية التي تنتجها وذلك من خلال عاملين مختلفين ومتكاملين، أولهما هذا التنميط المبكر لشخصية طفل تسلب طفولته لصالح رجولة نمطية مسبقة ، وثانيهما يتمثل في الربط بين علاقة الذكورة والخنجر الذي هو «سلاح» يرمز الى تلك الهوية و«يحميها» عند الاقتضاء. هذا العنف تحديداً هو ما تحاول الكتابة كشفه معتمدة على اسلحتها الخاصة، أعني هذه الرموز الجمالية التي لا تخفي دلالاتها المعرفية على الكاتب والقارئ، فضلاً عن الباحث في علوم النفس او الاجتماع، بما انها اصبحت في حكم الشائع اليوم.

أما اذا ما اخذنا مسافة كافية من المشهد فإننا سنصل الى الدلالة الجامعة لحادثة أعيد بناؤها بعد عقود من زمن حدوثها المفترض لتدل على أن الكاتب لم يكن مرتاحاً قط لتلك الهوية التي تقمع الطفولة وتهمش المرأة، الأقرب الى الطفل عاطفة وجسداً، وتختزل الرجولة في أدوات العنف ورموز العدائية.

ورغم ان هذا الموقف تبلور ولابد بفضل المعارف وتجارب الحياة في سن النضج إلا أن جذور الوعي بهذه الذات غير المرتاحة لهوية او ثقافة كهذه تكمن ولابد في خبرات الطفولة التي تظل آثارها حية في الذاكرة والجسد. من هنا فان ما يستحضره الكاتب بوعي وقصد لابد ان يتعزز بما تستحضره الكتابة ذاتها باعتبارها لعبة رمزية تتصل بالجسد الكاتب اتصالا حميما لا يمكن أن تتحكم الذات الواعية في كل عناصره وأشكاله، فضلا عن دلالاته التي تخص القارئ وقراءته التي هي شكل من أشكال التواصل الحميمي مع هذا المتن النصي المستقل عن كاتبه.

لقد اشرنا سلفاً الى أن هذا المشهد يمهد لما بعده بقدر ما يرهص به وهذا ما سنحاول الكشف عنه اعتماداً على تلك الدلالات تحديداً.

٤ - تعدد الهويات / تزايد امكانيات الاختيار:

تلح المقاطع التي تسرد سيرة الراوي - الكاتب قبيل مرحلة المراهقة والختان على قضايا وأحداث دالة بذاتها على ان الاختلافات بين الافراد لم يكن يتم الغاؤها إلا بالمزيد من العنف، الرمزي او المادي، وبالتالي فان الحياة وشروط وعلاقات العمل الجديدة لابد أن تخفف من آثاره وقد تنفيها تدريجياً.لنركز على ثلاث قضايا تبين الى أي مدى ساهمت بعض العوامل في دفع الراوي الكاتب الى تحقيق الاستقلال بذاته وهويته الخاصة عن جماعته القبلية المغلقة وهويتها الضيقة.

القضية الاولى تبرز من خلال علاقة الطفل بالأم والأب، وهي علاقة تبدو في مجملها حميمة وذات آثار ايجابية خلاقة رغم البعد المأساوي الذي سيهيمن عليها في مرحلة تالية.

فالأم امرأة قوية الشخصية معتزة بذاتها الفردية وحريصة على كرامتها الانسانية والدليل على ذلك انها اصرت على الطلاق من زوجها الأول عندما بدر منه ما اعتبرته اهانة لها، ثم انها نجحت في فرض هيبتها واحترامها في بيت زوجها الثاني- أبو الراوي- على الدوام. هذا ما جعل صورتها في ذهن ابنها- وفي كتابته- تبدو وعلى النقيض من صورة تلك المرأة الضعيفة المستلبة التي تقدمها الثقافة السائدة عن المرأة بشكل عام. ومما عزز هذه الصورة أن الأم كانت شاعرة متميزة أورثت ابنها هذه السمة او «الطاقة» ليصبح انتماؤه كشاعر لاحقا، إنما يتحدد بانتسابه الى هذه «الأم» التي تغيبها الذات القبلية من سلسلة انسابها!

أما الأب فيقدم له النص في مجمله صورة انسان مرهف كان في شبابه مولعا بالرقص والغناء والترحل وراء الحفلات البهيجة وبفضل مهارته في الضرب على الدف والطبل لقب «رعدان» ليصبح اللقب اسم الهوية المتفردة لهذا الشخص الذي يحب الفن ويحسن ممارسته والاغواء به. وحينما تزوج وتفرغ لأعباء مسؤوليات ثقيلة، بعضها ورثها عن أخيه، اصبح نشيطا في عمله صبورا على مشقات الحياة، متسامحا وعطوفا في علاقاته مع أهله، أي أن لا شيء فيه يقربه من نموذج الأب- الرجل الذي يحرص على مظاهر القوة العدائية حتى لا يلقب «مرة المره» وهو لقب تحقيري شائع في مثل هذه البيئة كما رأينا من قبل.

القضية الثانية تحدد بعلاقات الجماعة القبلية بجماعة «الطرف» الذين تضعهم الثقافة السائدة في مرتبة دونية. في هامش او طرف الحياة- لكن الكتابة تقدم لهم صورة ايجابية قد تكون الأكثر واقعية وصدقاً، فهؤلاء القوم غير المنتمين الى أي قبيلة يتدخلون في الحروب والصراعات القبلية وهم متعلقون بالفنون الشعبية، هواية ومجال عمل،ويتمتع افرادهم بحريات يحسدهم عليها الكثيرون. ولذا كان الأب متعلقاً بهم في شبابه أما «الابن» فيؤكد انهم اكثر نظافة وكرماً وانسانية من كثير من أهل القرية «ثم انهم مسلمون مثلنا» كما كان يقول لصاحبه حزام الذي لم يكن يطيق سماع شيء من هذا او الاعتراف به!.

ورغم أن هذا الموقف الاحتفالي بـ«الطرف يتصل بوعي حديث اكتسبه الكاتب في الغربة، حيث تحول هو أيضا الى «طرف» بمعنى ما، إلا أن المؤكد أن جذور الوعي والموقف قد غرست فيه منذ الطفولة بفضل الأم والأب اللذين كان لكل منهما شخصية فردية متميزة وحس فني عميق وذهنية متفتحة متسامحة في حدود تلك الثقافة القروية البسيطة.

القضية الثالثة تتعلق بتجربة أول انفصال للراوي- الطفل عن القرية والأهل، إذ كان عليه متابعة دراسته في مدينة «أبها» والتعرض لتجربة حياة أعقد وأغنى من حياته السابقة في القرية ولابد.

ولعل أهم مظهر في هذه التجربة الجديدة يتصل بهذا الجسد الفردي الذي سيكون صاحبه المسؤول الاول عنه وكأنه يكتشف حضوره لأول مرة. فهذا الجسد سيعاني الجوع لمحدودية امكانيات طفل قروي من أسرة فقيرة زادت حدة معاناتها اثر مرض الأب الذي لم يشف من بعده. ثم يأتي الجوع الآخر، أعني الجوع الجنسي الذي صاحب فترة المراهقة في بيئة تراقب بصرامة علاقة الرجل بالمرأة، ولابد أن تزيد حدته بالنسبة لفتى ينطوي على حساسية عالية تمنعه من المغامرة باتجاه ما قد يعرضه للأذى أو يخدش حياءه او ينال من سمعة أسرته المحترمة المحافظة. عن هذا الجوع المزدوج ستعبر لعبة الكتابة في جزء بعنوان «الكاتب والخروف» بأسلوب يكشف وطأة المعاناة ويرسم أفق الخلاص منها في الوقت نفسه. فأحد أترابه وزملائه وظف بنجاح، قلمه لإشباع جوعي الطعام والجنس خلال علاقة مع امرأة كانت تستدعيه بانتظام ليكتب لها «الرسائل». وإذا كان هذا الموقف يثير الحسد والغيرة في زملائه المحرومين فان الكتابة تحاولرسم مسافة فاصلة بين هذا النموذج السلبي من الكتاب الذين يكتبون لاشباع غرائزهم البدائية بهذه الطريقة الفجة ونموذج آخر يعلي من شأن القيم والمعاني الانسانية في حياته وكتابته، وهذا ما تلح عليه هذه الكتابة إذ تحول تجربة المعاناة الى أفق للاحتفال بتلك القيم والمعاني. هذه القضايا تكشف في جملتها عن التنوع الثري في هويات الأفراد والجماعات في تلك البيئة، وهو تنوع كان يتم قمعه والسيطرة عليه جزئياً أو في بعض المستويات، لكن ما أن انفتحت القرية القبلية على المدينة والدولة حتى تغيرت شروط الحياة وزادت فرص الاختلافات. هذا الوضع هو ما سيتجلى في أقوى صورة في مناسبة ختان الراوي وجيله به اذا ان الحفل لن يتم إلا وقد انتهكت بعض اركانه الاساسية كما سنلاحظ.

٥ - حفل الختان: ألم الجسد

إذ يجرح بعنف ودونما مخدر:

لابد أن سيرورات تواصل واندماج القرية والقبيلة في مجتمع المدينة والدولة الجديد سريعاً ما كشف للطرفين ان حفلات الختان التقليدية لم تعد مقبولة ولابد من زوالها. فهي، من جهة أولى، تنطوي على مخالفات صريحة للمراجع الدينية، كما انها تتنافى، من جهة ثانية، مع مقتضيات التحول نحو التحضر والتحديث وقد بدت مؤسسة «المدرسة» ترهص به وتباشره عملياً. أما الاجيال التالية فلابد أن ختانها كان يتم، في الأغلب الاعم، داخل المؤسسة الطبية وعلى يد شخص مختص وعقب ولادة الطفل ومن المؤكد أنه سيكون عملية موضعية بسيطة جداً حتى لا يكاد الجسد يتذكر ألامها.

الكتابة لا تتوقف طويلاً عند عملية ختان تمت بدون احتفال يذكر، ولا ندري أن كان الوالدان أو أحدهما قد حضرها، ولا إذا ما كان الفتى قد ردد نشيد الانتساب الذي يستهل به نصه، وهل تمت بآلة حديثة أم بذلك الخنجر التقليدي نفسه. اننا هنا أمام حديث يشبه الصمت قد يكون مبرره الاهم هو هذا الارتباك الذي طرأ على مشهد الحفل بعد انهيار بعض أركانه الأساسية أي ما يتعلق منها بالفضاء العام وذلك الجمهور الكبير. لكن لعبة الكتابة تغرينا، هنا وفي كل المواضع المفصلية الأخرى، بقراءة ذلك الصمت كما لو كان قناعا أو حجابا يغري وجوده بالكشف عما وراءه، أي عما هو أهم وأعمق، وسيكون الجسد دليلنا إذ لا معنى جدي لقناع أو لحجاب بدون جسد.

فعدم حدوث الختان في ساحة القرية يعني أن الأمر أصبح شأنا عائليا لا يخص تلك الجماعة القبلية التي فقدت بعض سلطاتها على أفرادها لصالح سلطان أقوى منها دونما شك. وعدم حضور الجمهور الكبير لحفل كهذا يزيح جزءاً أساسيا  من معاني البطولة ومن دواعي الفضيحة فيما لو حصلت ولا بد أنها متوقعة باستمرار. فعندما كان طقس العبور او حفل الادماج يتم بنجاح يجري كل شيء حسب تلك القوانين الألفية التي جعلها التكرار تبدو وكأنها جزء من سنن الطبيعة. أما عندما يرتبك الفتى تحت وطأة الألم ويعبر عن ذلك بشكل واضح فان الفضيحة تلاحقه مدى الحياة، إذ لن يتمكن من الزواج من بنت القبيلة، حتى لو كانت تلك الفتاة التي ظلت تعشقه وتتمناه الى هذه اللحظة، وسيظل جسده معلقا بين الطفولة والرجولة وبين الذكورة والانوثة، أي جسدا لا هوية له ولا قيمة، جسد لا يطاق ولا خلاص منه إلا بالموت وربما بالهرب من كل ما يمكن أن يذكر بتلك الفضيحة!

كل هذه الضواغط والتوترات زالت او تلاشت لكن، وهنا المفارقة، آلام الجسد وفرص التعبير عنها بالصوت أو بالبكاء أو بالانقباضات والتشنجات الحادة، لا تنقص، بل الاحتمال الاقوى ان تزيد.

فالشاب سيكون هنا قريبا جدا من جسده، حد التماهي فيه ومعه، وسيدرك قبل غيره أن من تمام حقه وسويته الانسانية ان يعبر عن ألمه الخاص واثقا كل الثقة أن الأمر لن ينطوي على أية فضيحة ثقيلة لأن الاهل لن يكشفوا سره الذي هو سرهم الخاص أيضا.

 أما غياب تلك المعاني البطولية عن المشهد فانه يحول عملية ختان كهذه الى عملية عادية مبتذلة «مدنسة» والأسوأ من ذلك انها تظل محتفظة بكل عنفها الوحشي بما انها عملية جراحية تباشر على اللحم الحي دون أي مخدر طبي غير تلك الطقوس!. لهذا كله يكون العزاء الوحيد في موقف تراجيدي لا نبل ولا بهجة فيه هو حرص كل الاطراف على الخلاص منه بأقصى سرعة ممكنة، (وما غياب حزام عن المشهد إلا دلالة على ان التقليد العتيد قد انكسر ومعه جزء من هوية الجماعة وذاكرة الأسلاف). لا غرابة إذن ان تستعيد الكتابة تلك الحادثة المؤلمة باقتضاب وتمضي عليها بخفة وتصمت عن تفاصيل المشهد الحميمة وكأن ذاكرة الشخص تريدها ان تظل مطوية او مبثوثة داخل الجسد وبين خلاياه، تماماً كبقايا تلك الاشواك التي طالما جرحت أطراف الجسد الفض وهو يلعب في طرقات الطفولة.

أما حينما تأخذ القراءة مسافة من الحدث- المشهد فمن المؤكد أن دلالة أخرى، أعمق ستبرز لتصل المشهد بما قبله وما بعده. فهناك مجموعة من العوامل و«الابدالات» هيأت لانكسار هذا التقليد الاحتفالي وغيره وعززت بدايات ظهور الفرد- الشخص المستقل بوعيه وجسده عن القبيلة، وبالتالي فلن يعود من المستغرب ان تكشف بعض النماذج عن معاناتها ما دامت طرقات التعبير عنها والخلاص منها مفتوحة أمامها. هذا ما سيتأكد في المشهد التالي حيث سيختار الراوي الكاتب طريق الترحل بعيداً عن الأهل والقرية و«الوطن» وستكون الرحلة مترعة بالدلالات ومفتوحة على كل الاحتمالات كما سيتضح في الفقرة التالية.

٦ - ذروة الأزمة/ بداية التحول:

تكشف الكتابة ان الثقافة السائدة في بيئة الكاتب تسمح بشكل خاص من علاقات المحبة بين الفتى والفتاة، لا يشترط ان تكون مندرجة بالضرورة في اطار مشروع زواج محتمل، ولا ينبغي أن تتحول الى علاقة جنسية كاملة وذلك تحديداً لأنها يمكن أن تنتهي بهدوء في اية لحظة. لكن الراوي الذي تعود على العلاقات الحميمة قد تورط في محبة فتاة يسميها «قوس قزح» انتهت بشكل كارثي فيه من الدلالات الرمزية مثلما في المشاهد السابقة. ففي حفلة زواج اخته حضرت الفتاة لترقص كما لم تفعله من قبل، وفي نهاية الحفل رآها تناول أمه علبة صغيرة توقع انها هدية منها لأخته «العروس» مما زاد من تشوقه لليوم الذي سيقام فيه حفل زواجهما في هذا المكان نفسه. وفي اليوم الثاني اعطته أمه تلك العلبة فزاد فرحه وتمنى أن يحتفظ بها طوال حياته، لكن الأم أصرت على أن يفتحها في الحال مما أثار دهشته وأربك مشاعر بهجته. فتحها ليرى «خصلة شعر» لم يفهم مغزاها إلا حين تدخلت الأم لتقول بلهجة حازمة ان هذه الخصلة هي كل ما تبقى له وما يخصه من فتاة أحلامه التي خطبت وستتزوج عما قريب ولن يعود من حقه الطمع في أي شيء منها!. وقع الخبر عليه كالصاعقة إذ لم يستطع ان يتكلم او يبكي ولم يتدخل الوالدان لمواساته لإدراكهم أن لا جدوى من أي كلام في مقام فاجع كهذا. في هذه اللحظة المأساوية يحضر حزام فجأة، وحينما يراه الفتى مبتسما كمن عرف ورتب للأمر سلفا وجه إليه صفعة قوية رد عليها صاحبه باحتضان حنون جعل الفتى ينفجر بالبكاء ألماً وحزناً ويأسا من كل شيء. بعدها أخذه الحكيم الى صخرة قريبة من القرية كان عليه أن يدفن العلبة عندها ومن ثم يسقي شجرة أعلاها موضحاً لصاحبه أن هذا تحديدا ما فعلته الفتاة بالأمس وها هو دوره الآن لينتهي كل اثر لتلك العلاقة المنبتة. في نهاية المشهد يعلن الراوي أن لا شيء يغريه بالبقاء في القرية بعد ضياع «قوس قزح» أي انه قرر الرحيل احتجاجا ويأسا وبحثا عن أفق آخر للحياة والعلاقات.

وفي مستوى الدلالة المباشرة للحدث الواقعي الممكن لا شك أننا أمام حكاية تدل على قسوة العادات والتقاليد في هذه البيئة التي لا تقيم وزنا لعواطف الانسان الفرد وحاجاته وحقوقه التي يمكن التضحية بها بكل عادية «وعنف» كما يلاحظ. من هذا المنظور لن يكون لتلك الممارسات الطقوسية الغريبة أكثر من دلالات سطحية إذ أن وظيفتها هي تبرير معان وقيم مزيفة بأفعال لا أقل تهافتا هدفها الوحيد تكريس المزيد من أشكال التضحية بالأفراد لصالح الجماعة وثقافتها التقليدية السائدة.

أما حينما نركز على الأبعاد الرمزية في المشهد فسيتحول كل عناصر المشهد الى لعبة تخيلية- شعرية تبرر حكاية الانفصال عن القرية والقبيلة بحثا عن تلك الذات التي تريد تحقيق معاني وجودها وحياتها في أفق أبعد وأوسع. فالانفصال عن فضاءات الطفولة لا يقل ألما عن الانفصال عن الأم، وهنا تحديدا يلعب هذا الحدث الفاجع دوره الوظيفي الأهم اذ ان وطأته وعنفه هما ما يدفعان مثل هذا الشخص الى اتخاذ مثل هذا القرار المؤلم برغم كل ما ينطوي عليه من ضرورات ووعود.

من هذا المنظور تصبح «قوس قزح» رمز ذلك الجمال الذي يمكن رؤيته والتمتع به عن بعد دونما قدرة على تملكه واقعيا، وبالاخص اذ يتصل بالمرأة، لأن قوس الاضواء الملونة ملك إله الرعد والمطر والصواعق الذي يمكن أن ينتقم بعنف ممن يثير غضبه وينتهك حرماته!. وتلك الخصلة المدفونة في التراب هي مجاز الجسد الذي يمكن وأده أو التضحية به في مقام ما لأنه جسد فردي لا قيمة له إلا بقدر ما يؤمن وظائفه المحددة سلفا في جسد الجماعة. وتلك النبتة الغريبة فوق صخرة صلدة ما هي إلا صورة من صور حياة جميلة ومستحيلة بمعنى ما، لأن فروعها لن تمتد بعيدا في السماء ولأن ما تسقى به ليس الماء الطبيعي النقي بل ما تختلط بدموع العين ودماء القلب التي لابد أن تفضي بنبتة الحياة الى الاعتلال والموت.

اننا أمام حكاية جسد متألم وقلب منكسر تحاول الذات الواعية الفنانة تصعيدها الى ذروتها التعبيرية، معرفيا وجماليا، لتتمكن من استعادة تجارب الماضي بكل حميمة، حتى إذ يتعلق الأمر بأكثرها عنفا وإيلاما للجسد الكاتب.

لا غرابة بعد هذا ان تخف حدة النبرة المأساوية في المقطع الختامي حيث تعلن الكتابة نهايات حياة وبدايات حيوات أخرى تمثل مجملها خاتمة سعيدة لتلك الانكسارات التي فرض بعضها منطق الثقافة الخاصة وبعضها الآخر فرضه منطق الحياة ومنطق التاريخ على الجميع «هناك» و«هنا».

٧ - موت الجسد/ بقاء الأثر:

في هذا المقطع القصير المكثف يبرز خبران يمثلان محصلة التحولات وما أفضت اليه من مصائر متنوعة يحاول الكاتب اختزالها في مشهد أو حدث واحد يختتم حفل الكتابة ويفتح أمام القراءات طرقات احتفالها الخاص بنصها الخاص هذا. الخبر الاول يخص هذا النص الذي كتب بلغة اجنبية لكنها قادرة على التعبير عن ذاكرة القرية وأهلها بما أنها اصبحت لغة الراوي الكاتب الذي يحمل قريته فيه أينما كان. والثاني هو خبر مرض «حزام» الذي لم يعترف قط بغير مرض الموت وها هو يستسلم له مدركا ان قريته مريضة مثله وستموت معه او بعده بقليل. ثم يندمج الخبران اذ يعلن الكاتب انه زار شخصيته الرئيسية ليطمئن عليها ويطمئنها على انه كتب نصا يحمل اسمها دون فيه حكايتهما وحكايات القرية والاهل لينقذها من الضياع والموت. وحينما يعرب حزام عن قلقه من أن يكون صاحبه «الغائب» كما اصبح يسميه، قد باع القرية يؤكد الكاتب انها روحه التي لا يمكن بيعها اصلا مهما كان الثمن. بعدها يموت حزام في المستشفى وقد اقتنع أخيرا، بأن صاحبه في غربته واخوته في القرية سيحافظون على أجمل حكايات تلك القرية التي كانت أغنية في الأصل وكان أهلها يعانون لكنهم ما كانوا يباشرون عملا او احتفالا إلا وهم يغنون. قبيل موته كان قد أوصى بحزامه لصاحبه ولذا ما ان وصلت الوصية حتى علقها الكاتب على جدار منزله بجوار صورة أبيه. فبعد كل التحولات السعيدة والشقية لم يعد هذا «الحزام» رمز هوية عنيفة بل هدية او تحفة ثمينة يمكن وضعها قريبا من صورة الأب الفنان الحنون وكأنها هي أيضا أثر من تلك الآثار الكثيرة الدالة على الابعاد الانسانية الغنية و«الجميلة» في الحياة والثقافة والهوية القروية القديمة.

ورغم ان هذا المشهد الختامي المكثف مبنى ومعنى يتحمل هو أيضا قراءات مستفيضة إلا أن ما ينبغي التركيز عليه هو تلك الدلالة المتفائلة السعيدة التي تعلن نهاية نص تراجيدي تشكل جروح الجسد وانكسارات القلب وآلام المرض والموت ابرز ملامحه!

فالكتابة تلح منذ بداياتها على ان تحولات الجسد والهوية والثقافة قد تكون صادمة وفاجعة لكنها تظل الدليل الوحيد على حيوية الحياة وفاعلية الانسان في المكان والزمان. هناك امكانيات كثيرة للتواصل والتفاعل الخلاق فيما بين الأفراد والشعوب، والثقافات المختلفة في المظهر والمتماثلة حد التطابق في الجوهر، مثلها مثل البشر تماما. إننا أمام رؤية انسانية قد يكون الوعي بها تبلور وتعمق خلال رحلة البحث وتجارب الحياة في باريس وبفضل اللغة والثقافة الفرنسية الحديثة لكن المؤكد أن جذورها كامنة في ثقافة تلك القرية التي يمثل أهلها أسرة كبيرة واحدة وفي تلك العلاقات الحميمة التي نشأ عليها الكاتب في اسرته الصغيرة. هكذا إذا لا غرابة ان تحاول الكتابة الاحتفال بالانسان المطلق كما تتمرأى صوره ونماذجه في ذاكرة ومخيلة كاتب فنان لا يزال وفيا لذلك الطفل الذي كان ولا يزال، وهو يكتب في بداية الخمسينيات، يروي بلسانه ويرى بعينيه وكأن البعد عنه ما زاده إلا تعلقا بدهشته وبراءته.

فهذا الاحتفال لا يتم من منظور الطقوس القديمة التي تجرح الجسد وتستلب الطفولة وتهمش المرأة، ولا من منظور طقوس الحياة الحديثة التي تعزل الفرد عن الآخر أو تختزل الكائن في حاجاته الاولية وغرائزه الحيوانية ونزواته البوهيمية. انه يتم من منظور طقوس الكتابة الابداعية حين يعيد كل مبدع اكتشافها وتدشينها وفق هواه وقدراته ليأتي نصه امتداداً خاصاً لجسده. أعني بالجسد هنا هذه الكينونة الكلية الحميمية التي عانى الكاتب طويلا وكثيرا للبحث عنها والوعي بها وها هو يكتبها لتتجسد في اثر قد يعبر عن ألم الجرح ومعاناة المرض وقلق الموت لكنه يتجاوز كل ألم وكل معاناة وكل موت وهذا تحديداً ما يبرز ذلك التفاؤل ولو كان وهماً وتلك السعادة ولو كانت حالة عابرة.

٨ - حزام الكتابة رمز الهوية الجديدة:

حينما نحاول دمج تلك المقاطع والمشاهد في مشهد واحد تبرره وحدة المتن النصي لا شك ان العلامة المركزية التي تتمحور حولها وتتوزع منها كل الدلالات هي هذا «الحزام» الذي يسمى النص وشخصيته الرمزية الرئيسية وله بالتأكيد علاقة حميمة بالجسد، جسد الانسان وجسد اللغة وجسد الثقافة.

ففي سياق اللغة الأم وثقافتها الأبوية السائدة يرد الحزام اسماً مذكراً هو اسم علم للرجل ورمز لهويته التي تماهي بين الخنجر والرجل كما رأينا، في هذا السياق لابد أن المرأة أيضا تستعمل الحزام في مقامات العمل أو في مقامات الاحتفال والفرح لكن حزامها العملي او الجمالي لا يتصل بهويتها المقموعة أو المهمشة أصلاً في ثقافة كتلك.

أما منطق اللغة والثقافة الفرنسية فيحول الكلمة بنية ووظيفة الى مجال الدلالات الانثوية ولذا يستعير هذا الحزام من ذلك الجسد كل معاني جماله وفتنته ومرونته وخصوبته. هكذا تكون الكلمة علامة ايقونية محدودة وضيقة الدلالات في سياق وعلامة تمثيلية استعارية مفتوحة الدلالة في سياق آخر.

وبما أن مغامرات وصدف الترحل قد افضت بالكاتب الى التواجد بين هاتين اللغتين- الثقافتين المختلفتين فقد كان عليه ان يعاني التوترات ويحاول قراءة الاختلافات بما يتناسب مع وضعيته المعيشية من جهة ومع أحلامه وطموحاته وتصوراته ومواقفه الخاصة من جهة ثانية. من هنا تضافرت مجموعة من العوامل لتنحاز كتابته الى المسار الدلالي الثاني لأنه مما يفرضه منطق اللغة التي كتب بها النص ولأن الذات الكاتبة تريد الاحتفاء بالأنثى والانوثة التي اقترنت بها كل الصور الجميلة والعلاقات الحميمة في حياته منذ طفولته الى زمن كتابة هذا النص الذي «كان في الأصل» حكايات يرويها الكاتب لطفلته احتفاء بها وبالذات المغتربة في منفاها الاختياري.

لا غرابة بعدئذ ان يتحول «الحزام» من رمز هوية عتيقة لم تكن الذات الكاتبة مرتاحة فيها قط الى رمز هوية جديدة تختارها او تصنعها الذات بكل حرية، ولو في مستوى لعبة الكتابة الخاصة هذه. تلك الهوية التي تتسع للطفل والراشد، للمرأة والرجل، للقبيلي وللطرف وكانسان القرية التقليدية الصغيرة وكانسان المدينة المدينة الحديثة الكبيرة.

ولاحقاً، حينما تطورت المعارف والأفكار وتعمقت الخبرات والعلاقات، أدرك الكاتب ان فيه، وفي كل انسان، شيئاً من معاني هذه المقولات كلها وبالتالي فلا مبرر ولا ضرورة في ان تختزل الهوية في أي منها. فالاختزال هنا لابد أن يحول الهوية الى مقولة تعمل ضد جسد الفرد وضد الآخر المختلف ولابد أن يرتد عنفها ضد من يحملها لأن علاقاته بذاته وآخرين وعالمه لا تجري دائماً حسب توهماته ووفق هواه وهذا تحديداً ما تدل عليه حكاية «حزام» ومصيره الذي رأينا.

أما صاحبه (بمعنى رفيقه وصديقه وبمعنى كاتبه ومختلقه) فكان لابد له أن يتبنى تلك الهوية الحوارية المرنة المتفتحة لأنها من تنوع العناصر والوظائف بحيث يمكن ان تكون جسر عبور للتواصل مع الآخر والغير إذ يكون هو أيضا شخصاً انسانيا يعي ويحترم ويحب انتماءه الى ذات القبيلة الانسانية المتسعة، كما يمكن أن تصبح ملجأ حميمياً لهذه الذات اذ تنسحب الى عالمها الداخلي لتتأمل وتحلم وتكتب. فالكاتب لا يعلن ان كتابته هي محاولة لمشاركة وابداع العالم إلا لأنه يريد الانتماء الى العالم الذي يحب ان يكون مواطناً فيه بقدر ما يحلم بأن تكون كتابته وطنه الحميمي الخاص الذي يتسع لكل من يحب السكنى معه فيه. هكذا إذن اصبح حزام الكتابة رمز هذه الهوية الانسانية الغنية التي يقدمها نص «الحزام» ويغري بها وكأنها الصورة المعرفية- الجمالية للجسد الكاتب لا مجرد امتداده او اثره. ولعله من الدال هنا ان هذا الحضور الطاغي للغة الجسد وحكاياته لم يبرر للكاتب ان يعبر عن رغباته وحاجاته وشهواته بطريقة فجة بل بهذه اللغة الشعرية العالية التي تكشف عن مخيلة ابداعية خلاقة وعن نزعة أخلاقية محافظة مصدرها تلك الثقافة القروية التي كانت تغني وتحتفل بكل شيء وفي كل مقام وكأن الحياة معاناة لا تطاق إلا إذا تتحول من حين لحين الى طقس غناء بهيج واحتفال سعيد.


تصميم الحاسب الشامل