منصــور الرحبـاني:
من المحيط إلى الخليج كلهم تأثروا بالرحابنة

 

اسماعيـــل فقيــــه


كــل

أعمالنا

كــــانــت

مشغولة

 بأصابع

عـــاصـي

ومنصـور

منصور الرحباني اسم كبير في حياتنا وأيامنا، وهو جزء من ذاكرة لا يمكن محوها، وما قدمه الأخوان (عاصي ومنصور) لا يمكن إلا أن يكون مادة يومية لأغلب الأذواق وحتى الأجيال.

لا ينكر أي متتبع وأي مهتم بالموسيقى والغناء وحتى المتذوق لهذا الفن، تميز الأخوين رحباني منذ انطلاقتهما، حيث قدما أعمالاً مختلفة عن السائد، وكانت هذه الأعمال تتشكل في ذاتها لتؤكد على وحدة فنية متقنة بين النص واللحن، وهذه الوحدة كانت الأساس الذي أرسى قواعد الانطلاقة جيداً.

لا ننسى ظاهرة «الاخوين رحباني» وما تحمله من دلالات، ولا ننسى تأثير هذه الظاهرة في الموسيقى العربية، ويمكن القول أن عصراً جديداً في الغناء العربي بزغ على أيدي الأخوين رحباني، ومن المدهش حقاً ان الأخوين رحباني قفزا دائماً من الأفضل الى الأحسن، وهذا بحد ذاته يؤكد قوة الزخم في الموهبة الرحبانية والقدرة على المتابعة والاستمرار.

بعدما حقق الأخوان رحباني ثورة في عالم الغناء والموسيقى، وبعدما صار الفن الرحباني سمة الحياة اليومية، فجأة، غادر عاصي الى الصمت الأبدي، تاركاً إرثا موسيقياً هائلاً، وبقي منصور الرحباني وحيداً، متابعا المسيرة.

غاب عاصي وبقي منصور واستمرت الذاكرة بمواصلة منصور حضوره الجميل في مساحة الفن فأغنى الموسيقى والمسرح، زاد من ثراء الرهافة والشفافية والغناء الذي يفتح شهية الأذن والقلب والروح على الإصغاء.

منصور الرحباني النصف الثاني الباقي من «الاخوين رحباني»، بعد رحيل عاصي، ما زال على قيد الابداع والابتكار، ويزداد تألقاً كلما أوغل في العمر، وأعماله تشهد على هذا التألق.

ذهبت الى صديقي الكبير منصور الرحباني، في منزله في انطلياس وفتحنا باب الذاكرة، فحدثني منصور كثيراً، واسعدني كثيراً حين استمعت الى كلامه الشيق.

س) ماذا يقول منصور اليوم بعد التجربة الطويلة؟:

نبدأ بسؤال تعريفي، من هو منصور الرحباني؟

ج) اسمي منصور حنا الرحباني مولود عام 1925 في انطلياس (لبنان)، عشت في مناخ فني وتابعت دروسي بين مدرسة عبرين في انطلياس ومدرسة فريد ابوفاضل ومدرسة كمال مكرزل ومدرسة اليسوعية في بكغيا. وبعد وفاة والدي اضطررت باكراً الى خوض معترك الحياة الصعبة فدخلت سلك «بوليس بيروت العدلي» في عمر السابعة عشرة.

س) هل يمكن أن تخبرني عن التكوّن الأول لوعيك الموسيقي؟

ج) يمكنني القول أن الإعداد الموسيقي الأول تلقيته على يد الأب «بولس الاشقر» في انطلياس. فتلقيت الموسيقى الشرقية والنوطة واصول الانغام واطلعت على المراجع النادرة في الموسيقى الشرقية مثل كتاب «كامل الخلعي» ومؤلفات الكندي والفارابي و«الرسالة الشهابية» في قواعد ألحان الموسيقى العربية. ومن ثم درست على يد الأستاذ «برتران روبييار» واستمرت تسع سنوات كانت بطاقة المرور الى موهبة غيرت واقع الموسيقى والأغنية في الشرق بحسب تعبير الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب.

س) عاصي ومنصور «الاخوين رحباني» كيف انطلقت خطواتكما الأولى كيف تصفها أو تستذكرها؟

ج) من خلال سنوات الدراسة الأولى اجتمعنا عاصي وأنا تحت اسم «الاخوين رحباني» متخطين حواجز الفردية والانانية ودخلنا معاً الاذاعة اللبنانية سنة 1945 مزودين بلون فني جديد.

س) ثمة صعوبات واجهتكما في تلك المرحلة؟

ج) صعوبات كثيرة ولكننا استطعنا مواجهتها.

- ما هو عنوان هذه الصعوبات؟

الثالوث الرحباني

س) لم تكن ولادة الأغنية اللبنانية الرحبانية سهلة في تلك المرحلة، كما لم تكن عسيرة اذ وقفت في وجه الموجة القديمة الطاغية والارث الذي سيطر على الشرق كله، منذ بدايات القرن الماضي مع سلامة حجازي وعبده الحمولي وغيرهما.

س) كيف تبلورت أعمالكما فيما بعد؟

ج) بعد انتسابنا الى اذاعة الشرق، قدمنا الكثير من الاعمال الفنية منها الاسكتشات التي عرفت تحت اسم «سبع وفحول» ثم اقترن عاصي بنهاد حداد التي عرفت لاحقاً باسم فيروز وكان ذلك سنة ٥٥٩١، وصرنا الثلاثة: عاصي وفيروز وانا نشكل الثالوث الرحباني الجديد.

س) ماذا تخبرنا عن المصادر والأسس التي أثرت على أعمالكما؟

ج) استوحينا موسيقانا من التراث العربي الاسلامي الماروني البيزنطي والفلكلور اللبناني وكلها تيارات شرقية. كذلك تعمقنا في الدراسة الموسيقية الكلاسيكية الغربية.

س) ما هي التأثيرات المباشرة على أعمالكما؟

ج) نحن ابناء هذه الارض، تأثرنا بترابها وعبق أريجها تأثرنا بجدتنا التي كانت تعرف كل عادات لبنان، وهي امرأة أمية، كانت تخبرنا عن كل شيء، وتزرع فينا دفء الحكاية وإيقاعات الحياة، تأثرنا بكل شيء، بالمحيط الذي عشناه، تأثرنا بتاريخنا.

بالنسبة للموسيقى والغناء، كنا في بداياتنا نستمع الى كثيرين امثال: سيد درويش، أم كلثوم، محمد عبدالوهاب.. وغيرهم، تفاعلنا مع هؤلاء، ولا تنس ان الأب بولس الاشقر علمنا الموسيقى الشرقية، والاهم من ذلك، اننا نعيش في منطقة غنية بالأعمال الموسيقية مثل: الموسيقى الاسلامية والتركية والبيزنطية وعلوم الموسيقى الغربية وعلم التأليف، كل هذا شكل خزاناً كبيراً غرفنا منه وتفاعلنا معه، لكننا لم نقع في التقليد، لم نذهب شرقاً ولا غرباً، اعطينا (الاخوين رحباني)، كنا نحن، لا أحد يشبهنا أو نشبهه.

غيرنا وطورنا وجددنا

س) انطلاقا مما تقوله ، دعني أسألك: كيف تفسر دور الرحابنة في الغناء العربي هل جددوا، أم أضافوا، أم طوروا، أم خلقوا...؟

ج) هم فعلوا كل هذا، وفي الموسيقى أيضا، لم يكن أحد غيرنا، نحن الذين فعلنا كل شيء، غيرنا وطورنا وجددنا في الغناء وفي الموسيقى. كانت اللغة الشعرية «سريعة العطب». وكأن العاطفة هي بكاء وعويل، جئنا نحن وغيرنا ذلك، قلبنا الصورة وزرعنا الموسيقى التي تبهج النفس، فقبلتنا الناس بلهفة.

س) ذكرت قبل قليل انه لم يكن احد غيركم في الساحة، هل يعني انك لا تعترف بأعمال الآخرين؟

ج) نحن الذين جددنا الخط العالمي في الغناء والموسيقى، وأعمالنا ترضي كل الاذواق، لكننا لا ننكر من قدم الجديد والممتع امثال: عمر الزعني، يحيى اللبابيدي، فيلمون وهبي، السي يوسف (يوسف شهوان)، توفيق الباشا، زكي ناصيف، عبالغني شعبان... وغيرهم.

س) قلت لي في احدى المرات ان كل العرب تأثروا بأعمالكما، أما زلت على هذه القناعة؟

ج) من المحيط الى الخليج كلهم تأثروا بالرحابنة، ان كان في الغناء او الموسيقى او الشعر.

موسيقانا لا يستطيع أن يتجاوزها أحد، من اليوم وحتى بعد سبعين سنة، لا يمكن لأحد أن يتجاوز الرحابنة، وأعمالنا أهم من الاوبرا، أعمالنا خاطبت الروح الانسانية.

س) تأثير أعمال الرحابنة على الأغنية العربية، كيف ترسمه وتصوره؟

ج) نحن مزروعون في لبنان وسوريا والاردن وفلسطين، هناك رابط بين هذه الدول يكاد يكون عضوياً، لذلك أعمالنا «محبوبة»، في هذه البلاد، وقبل هذا كله، أعمالنا دخلت الى كل النفوس والقلوب لأنها خاطبت الروح الانسانية.

أعمال الرحابنة كانت اللغة الاكثر تعبيراً عن فرح الناس وعاداتهم، لذلك تعلقوا بأعمالنا، والاهم في انتشار أعمالنا بهذه الكثافة عائد الى المعنى الواضح والصدى الحقيقي للأحاسيس الانسانية التي نرتكز اليها، ولا تنس ان اعمالنا نابعة من روح عطاء وصدق واضحة مع الأرض والانسان والعاطفة، فكيف لا يتعلق بنا الناس.

اذا كان تأثيرنا فعالاً الى هذا الحد في مختلف شرائح المجتمع اللبناني والمجتمعات العربية، فمن الطبيعي أن تتأثر، بأعمالنا، الأغنية العربية. فهناك الكثير من الاعمال الغنائية العربية تأثرت بالمدرسة الرحبانية، وهناك الكثير من الأعمال التي اتكأت على «شغلنا» وانطلقت.

أضف الى ذلك، كتبنا ولحنّا للوطن والأرض والتاريخ والمستقبل والفقراء والبسطاء، واعطينا للفلكلور اللبناني كل اهتمامنا. وناصرنا القضايا العربية الكبرى. فهناك أغنيات لفلسطين وللقضية الجزائرية، وانجبنا جيلاً من المطربين والمطربات وهم اليوم من مشاهير النجوم في العالم العربي.

المسرح الغنائي الرحباني

س) المسرح الغنائي الرحباني شكل حضوراً مميزاً ولافتاً على مدى أكثر من نصف قرن، ماذا تقول عن هذا المسرح الذي أعطيته كل طاقتك الابداعية؟

ج) لا شك ان المسرح الغنائي اللبناني الرحباني هو نوع مغاير للاوبرا العالمية او للاوبريت السهلة، هو نوع خاص عرف بالمسرح الرحباني على نبالته وصدقه ورهافته وعمق موضوعاته الانسانية والفلسفية والطليعية. فالمسرح الرحباني انطلق من المسلمات الثلاثة التالية: الله، الانسان، الارض.

لقد شكل مسرحنا حداثة من خلال العودة الى الينابيع، من مسرح البيكادللي في بيروت انطلق هذا المسرح الرحباني الى سائر الاقطار العربية بطابع فريد مميز في نوعه وشخصيته المنبثقة من ذاتها، ومن التراب اللبناني غير متأثر بالتيارات المحيطة.

وامتدت التجربة الرحبانية الى السينما فأعطت ثلاثة افلام هي: «بياع الخواتم»، «سفر برلك»، «بنت الحارس».

تجربة الرحابنة اثرت جلياً في المناخ الثقافي والفني والاجتماعي، وقدمت عن أعمالنا اطروحات عديدة ودراسات متنوعة، مسرحاً وشعراً ولحناً وتجدداً في اكبر جامعات العالم مثل: السوربون وهارفرد واكسفورد والجامعات العربية واللبنانية.

التجربة المنفردة

س) بعد رحيل عاصي أكملت المسيرة وقدمت عدة مسرحيات، ماذا عن التجربة المنفردة في المسرح الغنائي، أي تجربة منصور بدون شريكه عاصي؟

ج) لا شك أن رحيل عاصي أحدث ألماً وفراغاً، لكنني لم أتوقف عن العمل. فأنتجت وألفت عدة مسرحيات وهي: «صيف 840» ، «الوصية»، «آخر ايام سقراط»، «قام في اليوم الثالث»، «القداس الماروني»، «ابوالطيب المتنبي»، «ملوك الطوائف»، «آخر يوم»، «حكم الرعيان»، كل هذه الاعمال كانت في سياق المسيرة الرحبانية المستمرة. وقد اشتغلت في كل مسرحية على خصوصية غنائية ولحنية، تتناسب مع اساس الموضوع المطروح، ورأيت ان مخاطبة الزمن والتاريخ مسألة حيوية تفتح باب الاسئلة الابداعية ولا تغلقه.

س) أعمالك المنفردة ركزت على التاريخ كثيراً، لماذا؟

ج) باختصار، ولا أريد التفلسف في هذا الاطار الذي اريد قوله هو أن من ليس له تاريخ ليس له حضور، ليس له حاضر ولا مستقبل.

س) من أعمالك المسرحية المنفردة، برزت مسرحية «المتنبي» وكان لها الوقع الفاعل في الحياة الثقافية، سؤالي: لماذا اخترت شخصية المتنبي وضمن سياق مسرحي غنائي؟

ج) أبوالطيب المتنبي شخصية محورية في التاريخ الثقافي العربي، وما زال الى يومنا هذا يثير اشكاليات كثيرة، ولا تنس ان أبا الطيب «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.

مسرحية «المتنبي» تتناول حياة ابي الطيب وشعره وثانياً عظمته التي ملأت الدنيا فالمتنبي من عظماء الأمة، وشعره شكل مادة جاذبة لكل البشر وفي أشعاره شموخ الانسانية، وهذا ما جعلني على تماس مباشر مع هذه الشخصية التاريخية.

س) لماذا لم تختر ابا النواس مثلاً، فهو يشكل ظاهرة تثير اشكالية في تاريخ الثقافة العربية؟

ج) أبوالنواس مهم جداً، وعدم كتابة مسرحية عن ابي الطيب المتنبي لا ينفي أهمية ابي النواس.

عاصي.. عبقرية متفردة

س) غياب عاصي الرحباني ترك فراغاً، مالذي يفعله منصور كي يملأ هذا الفراغ، واين هي النقاط التي لا يمكن ايجاد بديل لها بغياب عاصي؟

ج) لا أحد يستطيع ان يملأ الفراغ الذي تركه عاصي، عاصي عبقرية متفردة، كل شيء فعله عاصي لا يمكن تعويضه.

لا شك ان غياب عاصي أفقد عملنا الكثير، لكني اعتبر نفسي الامتداد الطبيعي لعاصي في غيابه، فقد كنت عاصي وعاصي كان منصور، ولكل واحد منا امتداد في الآخر، كنا واحداً، كل أعمالنا كانت مشغولة بأصابع عاصي ومنصور، لا يمكن الفصل بيننا، كل عمل لنا صاغه عاصي ومنصور.

انا اليوم الاستمرار الطبيعي للأخوين رحباني، وعندما أقوم بأي عمل يكون عاصي حاضراً في داخلي، ولا تنس ان شخصيتي تتطور مع الزمن، وطالما الحياة مستمرة، على الانسان ان يتفاعل مع التطور ويواكبه.

س) من كان الشاعر، أنت أم عاصي؟

ج) كلانا.

س) أصدرت أكثر من كتاب شعر، الا ترى أن ذلك يدل على انك الشاعر؟

ج) صحيح انني اصدرت بعض أشعاري، لكن عاصي أيضا كان يكتب الشعر، وكان بليغاً باللغة العربية، وكاتباً من طراز رفيع.

الرحابنة الجدد

س) كيف تقسم الجيل الرحباني الجديد، وهل تعتبره يكمل المسيرة الرحبانية وتالياً، أما زالت المسيرة مستمرة بتطور وتصاعد؟

ج) أولا، يوجد عاصي ومنصور، والياس الرحباني ثالثهما وهو أوجد الكثير من الفنانين.

انا على ثقة ان جيل الرحابنة الجدد يخطو بثقة الى الامام، وقدموا أعمالاً ناجحة، وأنا فخور بهم وأود القول هنا، لا توجد وراثة في الفن. الذي ساعد في انطلاق الجيل الجديد- كما تسميه- هو التوجه والتوجيه الذي رسمناه لهم، وهذا أرسى قواعد هامة لانطلاقتهم، بشارة الخوري (ابن اختي) أكبر مؤلف موسيقي في اوروبا.

القاسم المشترك، بالإضافة الى الاسم، انهم تربوا في المحيط الرحباني وفيما بعد رسم كل منهم طريقاً لنفسه وأسس شخصية مميزة، ولو أرادوا أن يقلدوا والدهم وعمهم لفقدوا مبرر وجودهم فنياً، المفروض بالانسان ان يتشبع من محيطه ويتزود بالعلم، واذا كان يملك الموهبة فانه يؤسس لنفسه شخصية جديدة مستقلة وهذه الامور لم تكن خافية على الشباب، وهكذا اتجهوا نحو الاستقلالية الفنية.

س) كيف تنظر الى تجربة زياد الرحباني؟

ج) زياد طلع من المحيط الرحباني، وهو متميز بأعماله، ولو لم يكن كذلك لكنا سمعنا من يقول انه لحق والده وعمه.

س) بعدما تحدث منصور عن زياد، استذكر شقيقه عاصي من جديد وأصرّ أن يتحدث عن لحظات لا ينساها، فتركته يروي ما يريد، فقال:

ج) ان عاصي، ، منذ صغره كان صاحب خيال غريب، فكانت أخباره دائماً غريبة، حيث يخترع حكايات طويلة عريضة. وكل هذه الحكايات كانت تتحدث عن شعب طيب ووطن ليس فيه خراب وتسوده الانسانية والعدالة. وهذا ما عرفته وعرفناه لاحقاً أي انني اكتشفت كثرة الوجوه في مسرحنا، وايقنت كم كان عاصي، منذ تلك الطفولة يخزن في ذاته أفكاراً مسرحية. وبالفعل تبلورت هذه الأفكار ورحنا ننفذها في أغلب أعمالنا المسرحية.

ج) يصمت قليلاً ثم يتابع قائلا: «كنا نتابع معاً تفاصيل الحياة.. ان جدتي غيتا حرضتنا منذ طفولتنا، عاصي وأنا، على قول الزجل وحفظه، في حين أن والدي ابوعاصي أثر فينا لأنه كان دائماً يعزف على «البزق» وخصوصا في أوقات الليل عندما تشتد العتمة ويبقى القنديل كزهرة شامخة وسط هذه العتمة. فقد أثرت فينا تلك اللحظات كثيراً وهي حاضرة في أعمالنا. كنا دائما نصغي الى والدي وهو يغني».

ويروي منصور حادثة (أصرَّ على قولها) كشفت أكثر شخصية عاصي وميوله الى الموسيقى «بالصدفة وجد عاصي ورقة عشر ليرات، وكان ذلك على ما اذكر في صيف ٨٣٩١، المهم أن عاصي أخذ هذه الورقة الى والدي وقال له قصتها، فنظر اليه أبوعاصي نظرة غضب وقال له. يجب ان نعرف صاحب هذه الورقة لتعود إليه، وبالفعل تم تعليق الورقة على حبل كإعلان ليتعرف عليها صاحبها، ومضت أيام ولم يأت صاحب الورقة، فما كان من عاصي إلا أن قام بنسخ الورقة على ورقة أخرى وعلّقها مكان الورقة الأصلية، وأخذ الورقة الأصلية وذهب الى بيروت واشترى كماناً بسبع ليرات ونصف». (يتوقف منصور كثيراً عند هذه الحادثة ويعتبرها علامة هامة ومميزة في مسيرة عاصي الفنية).

س) أعود معك الى طرح الأسئلة: ما هي الأعمال المقبلة لك، هل تفكر بأعمال مسرحية تتناول شخصيات محورية في الثقافة العربية، كما فعلت مع شخصية المتنبي؟

ج) هناك شخصيات كثيرة أسست لمجد الامة، وعلاقتي بها جيدة من حيث تأثري بها وبأعمالها، ولا شك ان هذا الاعجاب والتأثير يدفعانني الى التفكير بإنجاز أعمال مسرحية تخاطب تاريخهم، واتمنى أن تساعدني الأيام على مواصلة الدرب لتحقيق رغبات ابداعية قوية كامنة في ذاتي.

الموسيقى قوة خفية

س) كيف تأتيك الموسقى، من أين تنبع وكيف تهتدي إليها؟

ج) كان المرحوم عاصي يقول لي ان هناك قوة خفية تحرك لحظة الابداع، وعندما ينتهي من كتابة عمله كان يقول ان القوة الخفية غادرتني.

س) وهل يشعر منصور نفس شعور عاصي؟

ج) الموسيقى بالنسبة لي تولد من حركة حياتي ونشاطها، كما تولد من حركة الصمت التي أعيشها. ثمة حالات في الحياة تفتح الوعي على آفاق وابداعات جديدة.

س) أي موسيقى أقرب الى روح منصور: الكلاسيكية أم الحديثة؟

ج) الموسيقى الجميلة تكون في كل أنواع الموسيقى، لذلك لا تنحصر الموسيقى الجميلة في إطار ما.

كما قلت، الموسيقى جمال، اينما وجد يلفت الانسان.

س) يبدو انك اقرب الى الموسيقى الكلاسيكية؟

ج) كما اسلفت، هناك موسيقى جميلة لا تنحصر في إطار.

س) أي من الأغنيات او المسرحيات للأخوين رحباني تفضلها؟

ج) كلها جميلة، في كل عمل انتجناه تجد صورة جمالية، لكل عمل خصوصية لذلك لا يمكنني تفضيل أي عمل على آخر كل أعمالنا كانت جيدة ونابعة من ثقة وابداع.

س) ما هو تفسير منصور الرحباني للفن؟

ج) لا احب أن أعطي تفسيراً للفن، لأنه لا يفسر، وهو ليس بلاغاً حزبياً، من الأفضل للفن أن يفسره كل انسان على ذوقه، واذا فسرت عملي وشرحته فانني أحبس المتلقي بوجهة نظري.

س) هل تفتخر بشيء معين في حياتك، ما هو الفعل أو العمل أو ... الذي تفتخر به اليوم؟

ج) أنا فخور جداً لأنني أنتمي الى هذا الشرق، افتخر بأنني ابن هذا الشعب، ابن هذا الشرق.

س) هل يمكن أن تخبرنا عن الحب في حياتك؟

ج) لا.

س) لماذا؟

ج) الحب هو السر الجميل الذي يجب ان يبقى في قلب صاحبه. الحب هو زهرة لا يمكن الاطلالة عليها دائماً، انه سر لا يجب كشفه.

س) لا تريد كشف أسرار الحب في حياتك ولكن ألا تحدثنا عن علاقتك بالمرأة خصوصاً ان المرأة هي ملهمة المبدع؟

ج) علاقتي بالمرأة جيدة جداً، وعرفت كثيرات في حياتي ولعبن دوراً مهماً في تحريك الابداع في أعماقي.

س) هل تعتبر ان «وراء كل رجل عظيم امرأة» أم انك لا تؤمن بهذا القول؟

ج) العظيم عظيم وهو يولد من طموحه ومن إبداعه، من مركبات التفوق التي تشتعل وتتفاعل في داخله وفي محيطه. المرأة تساهم في تأجيج الإبداع عند المبدع لكنها لا تخلقه.

س) نختم بسؤال الذات، ماذا يقول منصور الرحباني اليوم عن نفسه بعدما قطعت مسافة ضخمة في الحياة والإبداع...؟

ج) الحياة جميلة يا صاحبي، وكلما عشناها اكتشفنا أكثر سر جمالها. ومهما امتد العمر وطال، فهناك مسافات أخرى من الحياة لن نعرفها. كُتب علينا ان نعيش مسافة زمنية محددة، لا نعرف مدتها بالضبط، لذلك من الافضل أن نعيش بكل ما نملك من حياة وحب وأمل وابداع.

 

 

 

 

 

أعمال منصور الرحباني

منفردا! بعد غياب عاصي

المسرح:

- 1988: «صيف 1940» (كازينو لبنان- البيكاديلي- طرابلس- بيت الدين- زحلة- دمشق- مهرجان جرش عمّان- تونس قرطاج- حمامات).

- 1994 : «الوصية» (مسرح جورج الخامس- البيكاديلي- اميون- دمشق- مهرجان جرش- الامارات العربية المتحدة دبي).

- 1998 : «آخر أيام سقراط» (كازينو لبنان- دار الاوبرا القاهرة- ابوظبي).

- 1998: «انطولوجيا رحبانية» (بعلبك) اعادة لثلاث مسرحيات للاخوين رحباني مع فيروز- (جسر القمر- جبال الصوان- ناطورة المفاتيح).

- ٢٠٠٠ : «وقام في اليوم الثالث» (كازينو لبنان).

- ٢٠٠١ : «ابوالطيب المتنبي» (دبي- بعلبك- دمشق- فوروم دو بيروت- عمّان).

- 2003 : «ملوك الطوائف» (كازينو لبنان).

- 2004 : «آخر يوم» (كازينو لبنان) عن روميو وجوليت.

- 2004 : «حكم الرعيان» (مهرجانات بيت الدين).

 

الموسيقى:

٢٠٠٠ : «القداس الالهي»: (كنيسة مارالياس- انطلياس).

عدد كبير من الاغاني والالحان والمؤلفات الموسيقية.

 

التلفزيون:

- 1988: «منصور الرحباني يقرأ» 31 حلقة من ابرز الشعراء العرب بإلقاء منصور الرحباني.

- 1997: «محطات» 31 حلقة منوعات غنائية.

 

الشعر:

- «انا الغريب الآخر» (ديوان شعر).

- «أسافر وحدي ملكا» (ديوان شعر).

- وعدد كبير من المحاضرات عن الفن والشعر والموسيقى في دول عربية ومقالات فنية عن تجربة الرحابنة.


تصميم الحاسب الشامل