|
|||||
|
ليس صعبا على قارئ «زلة أخرى للحكمة» أن يتفطن إلى أن الماء هو مادة القصيدة عند الشاعر جريس سماوي. فقصيدته مائية، بل ملتبسة بالماء ولم يؤثر ذلك على المزيج المركب من المضامين المتعددة والمختلفة والمضادة، إذ بالمجموعة وليمة يتجاور فيها الرومانسي مع الصوفي والحسي والميتافيزيقي. والعنوان «زلّة أخرى للحكمة» باعتباره عتبة القصائد، هو بنية ودلالة غير منفصلة عن القصائد وعنصر علاماتي يختزن مفاتيح الأجواء الشعرية الخاصة بالمجموعة. لذلك فالجمع بين الزلة من جهة والحكمة من جهة أخرى، بمثابة اختزال شديد سمحت به قدرة الشاعر على جمع مفردات ذات حقول دلالية تبدو في الظاهر في حالة تضاد. ولعل الطابع المركب للمضامين الشعرية في مجموعة «زلّة أخرى للحكمة» يجعل زوايا النظر والتذوق والاستقراء متعددة بتعدد المضامين، إلا أننا في هذه القراءة المتواضعة سنحاول مساءلة شعرية الماء أو مائية الشعر في الخطاب الشعري لجريس سماوي. فكيف نقرأ عالم الماء الرمزي لديه وأي دلالات للماء في قصائد «زلّة أخرى للحكمة» يجدر فيها الحفر ؟ وقد اخترنا التوقف عند نقاط أربع : ١- الماء عنصر تكويني جوهري في القصيدة ٢- تلبس الذات الشاعرة بالماء ٣- الماء كدلالة على الانجذاب نحو البدايات ٤- الماء رمز الأنوثة من المعروف أن الماء قد شكل باستمرار رمزا شعريا وظفه الشعراء قديما وحديثا ولعل بدر شاكر السياب في ديوانه «أنشودة المطر»، قد نحت قارة حديثة من شعرية الماء. ويشكل عنصر «الماء» في مجموعة «زلّة أخرى للحكمة» ظاهرة ملفتة للانتباه ونواة متناسلة. فالقصائد تتموج كالماء داخل مدارات معنوية مختلفة، الشيء الذي يجعل من الماء قيمة طاغية في المتن الشعري. وإذا ما اعتمدنا أن مبدأ الاستعمال لمفردة معينة ظاهرة فردية متعذرة، كما تشير اللسانيات الحديثة، فإن قياس التعداد التواتري للماء في هذه المجموعة يصبح إجراء كميا مهما يساعدنا في عملية استقراء غواية الماء في هذه المجموعة. يترادف حضور الماء عبر تكوينات ومسميات عديدة تنطوي داخل الصورة الشعرية. وقد تكررت كلمة «الماء» على المستوى التلفظي ٣٦ مرة وتكررت على مستوى الفضاءات المائية بشكل متواتر، من ذلك أن كثافة تواتر «البحر» تقدر بقرابة ١٧ مرة. إضافة إلى حضور بارز لفضاءات مائية أخرى مثل النهر والنبع وتكرر استعمال الماء أيضا في الأفعال (أذوب، يسكب، تسيل، تختلج، نشرب) وعبر تكوينات أخرى (التطهر، الغيم، غمامة، جرار، دمعي، الذوبان، قارب، المطر، أمواج، المبحرين، رذاذ، صدف، السحاب) كما ورد الماء في تركيب إضافي فيكون الماء أحيانا مضافا وأحيانا مضافا إليه (موقف الماء، ماء الأماني، وتر الماء، رصيف الماء، قميص الماء، بلل الماء، ماء الله، ماء الحياة، حرس الماء) إن هذه القيمة الطاغية وأكثر مفردات المعجم الشعري لدى جريس سماوي استعمالا وتكرارا توحي بعدة دلالات، حبلى بدورها بأبعاد رمزية وإيحاءات أسطورية. فالماء هو المعادل الموضوعي للحياة وللحلم وفي تميزه بالحركية رمز تدفق الحياة وانسيابيتها. لذلك فإن قصيدة جريس سماوي في تلبسها بالماء تلبس مضاعف بالحياة لأن الماء هو مادة الحياة وإكسيرها السحري. فالماء هو لسان الشاعر الذي ينطق من خلاله بالصفاء والتيه وعشقه للحرية وللتعرية وللإتحاد مع أنوثة العالم والتطهر والاستحمام في أكثر ما يمكن من الزلات التي تؤدي إلى الحكمة. إن قصيدة جريس سماوي تطابق تركيبة الكون والإنسان أي أن الماء الذي يشكل ٧٠٪ من مساحة اليابسة و ٦٥٪ من وزن الإنسان قد شكل بالتلفظ المباشر والمعاني المجاورة كل المعجم الشعري، خصوصا أن حتى المدارات الأخرى، لم تكن في قطيعة مع دلالات الماء وعالمه الرمزي الشاسع. ومن باب الإشارة نذكر أن الماء قد ذكر في القرآن معرفا ١٦ مرة وغير معرف ٣٣ مرة وفي الكتاب المقدس وقع ذكر نهر الأردن والنيل وفضاءات مائية مثل النهر والنبع والبحر. ولعل هذه القصيدة الملتبسة بالماء والغارقة في حبابه، هي نتاج تلبس الذات الشاعرة في بعدها النرسيسي عاشقة لقصيدتها المتموجة في الماء ولوجهها على سطح الماء. لذلك يحضر الضمير الأنوي المتكلم بقوة كدليل على مركزية الذات الشاعرة في عالمها المائي وتقمصها دور الفاعل المحرك للفعل والحامل لسمة من سمات الخلق «يقول الشاعر :( أنا الماء/ حين أمس الهواء / يذوب،/ وحين أمسّ الصخور/ تذوب/أنا الماء/ فاضت حواسي على الأرض/ فانشق نبع/ وفاضت سهوب/ أنا الماء بين يديّ تعرّى الصبا/ والعذارى اغتسلن بعطري / فأنّت شفاه ودقّت قلوب ) (ص ٥٨، ٥٩، ٦٠ قصيدة سورة الماء) إن هذا المنحى الذي عمد فيه الشاعر إلى أنسنة الماء وتأليهه في ذات الوقت، يعكس مدى تداخل الذات الشاعرة بذات الماء وانصهارهما حتى التوحد. ويتكرر الضمير الأنوي في القصائد بشكل لافت مؤكدا نرسيسة تجمع بين انطواء الذات على نفسها وعلى الآخر توأمها في المرآة فهو أجمل الفتية الساجدين وهو سارق الخيل ليلا وهو الماء والنهر وطقوس القمح والعنب البعيد وهو غيض القمر. ويظهر كذلك أن انطواء الذات الشاعرة ليس حالة مطلوبة لذاتها، بقدر ماهي مقدمة للدخول إلى عالم الذات وتحويلها إلى العالم كله، أي استحضار العالم بكل مفرداته الحسية والمجردة وتطويعها مع العالم الحلم. يقول الشاعر في قصيدة «إرث» : (وارث اسمي / ووارث موتي / وسيفي، / وسرج حصاني / وارث أيقونتي / وردائي ووارث تاجي / وعرشي المرصع بالغيب والشعر/ وارث ماسي، / يدي، / خاتمي، / صولجاني/ وارث تعويذتي وصلاتي / وأدعيتي / ومكاني) (ص ٨٩، ٩٠) إن تماثل الذات الشاعرة مع الماء وتقمصها له هو استدانة لا كسير الحياة السحري الذي بحوزة الماء، وذلك بحثا عن الامتلاء والانتشار والقوة وامتلاك الحياة من خلال امتلاك مفاتحها ألا وهو الماء. ومن دلالات الماء الأخرى في هذه المجموعة الشعرية المائية الانجذاب نحو بدايات التكوين الطاهر. لذلك يسيطر الحنين إلى أسئلة البداية وإلى التجارب الأولى في معانقة مفردات العالم في الذاكرة الإنسانية. الماء في هذا السياق يتحول ببحاره وأنهاره ورذاذه وأمطاره إلى تلك القطرة الأولى قبل أن يتحقق نسلها المتدفق والجارف. لذلك نجد قي القصائد حنينا إلى التفاحة الأولى والرقصة الأولى والأبواب الأولى وحتى إلى الوثنية الأولى يقول الشاعر في قصيدة «عناصر»: (أعدني إلى أول الكون/ حيث المدى نيّء/ والجبال عجين/ وروحي هلامية لا تجفّ) (ص ٧٢) إن حنين الشاعر إلى بكارة الكون وإلى حالته الجنينية كذات إنسانية مطلقة، هو حنين إلى قصة تكون العناصر ذاتها وإلى سيرورة الماء الأولى في الكون وفي الجسد. لذلك يكثر استعمال مفردات «الاستحمام» و «التطهر» وهما جزء من الطقوس الدينية، مما يشير إلى أن بدايات الكون هي ذاكرة الماء الطاهر نفسه : يقول الشاعر في مقطع سماه «ما قبل التشكيل» : (منذ مليون عشق وورد/ ومنذ نبيذ كثير/ كنت أسكن رحم جدار العماء/ الذي يفصل الكون عني/ ويفصلني عن مداري الأغنّ ) (ص ١١٦ قصيدة فريسكو على جدار غائم) إن توظيف تيمة الماء للدلالة على الحنين إلى بدايات التكوين الأولى للعالم لا تخلو من أبعاد أسطورية فالماء هو رمز فكرة الميلاد المائي في الأساطير البابلية وتحكي الأساطير البابلية عن مردوخ الذي شطر الآلهة (تهامة) نصفين أحدهما أرض والآخر سماء. تهامة هي المياه الأولى. والماء كما تقول أسطورة أخرى أيضا هو أقدم مرهم استعمله الإنسان، إضافة إلى أنه في الأديان يرمز إلى الطهارة. للماء أيضا دلالات أخرى في الخطاب الشعري لجريس سماوي، فهو يحيل إلى الأنوثة والخصب. ولقد كتب الراحل محمود المسعدي في مقدمة مجموعتي الشعرية الأولى «أنثى الماء» أن أنوثة الأنثى لا تتاح إلا للماء لذة احتوائها والتلبس بجسدها. لذلك فإن حضور الأنوثة في «زلّة أخرى للحكمة» هو استحضار للجسد والشهوة والحواس والرغبة والشغف. وهو حفر في جدليات الأنوثة والماء، والماء والجسد. هذه العائلة ذات النسب الواحد أي الماء. يقول الشاعر في قصيدة «مطر وتمثال» : (والماء يشعل شهوة الأنثى / ويحبو مثل طفل الغيم يحبو كالندى،/ فتكاد تصحو الفتنة الرعناء / في الطقس الشفيف، / تكاد تصفو إذ يراودها السرير وتفر نحو الغيب/ والعري» اشتعال باذخ يسمو/ فيرتد هذا الماكر المطليّ/ بالأنثى إلى أبوابه الأولى / وينداح الحرير) (ص ٦٣) إن هذا المنحى الشبقي الإيروتيكي تسعى من خلاله الذات الشاعرة إلى تسييد الحواس واعتمدها أداة معرفة وكشفا عن المجهول. فالحواس تتدخل لتدلو بدلوها في تبديد قلق الذات الشاعرة واشتعالها. ولم تغفل قصيدة جريس سماوي التي قدت بالمياه الأولى وبالنبيذ المقدس، عن حرير الأنثى ورخامها وبلورها. هناك مقابلة حميمية جدا بين المياه الأولى وماء الرغبة. بين الماء وبين النار. وإذا كان الماء قد تكرّر استعماله ٣٦ مرة فإن النار قد تكررت ١٤ مرة، أي أن النار من عناصر تكوين القصيدة عند جريس سماوي. كما أن الحديث عن الجسد والرغبة والنشوة لم يكن في كل الحالات متوازنا، بل كثيرا ما يسمي الشاعر الأسماء بأسمائها وبالنسبة إلى كثافة تواتر استعمال الجسد والحواس قد بلغا معا ٤١ مرة، دون أن ننسى المسميات المجاورة كالفم والنهد والقبلة والحرير والرخام. ولكن هل كتب سماوي امرأة واحدة في مجموعته ؟ كثيرا ما تنازل الشاعر عن موقعه لفائدة امرأة كي تتحدث بلسانه. فالمرأة تقشر الذات الشاعرة وتعريها. ذلك أن الشاعر يسعى من خلال اللغة الشعرية إلى استنهاض الأنثى النائمة في داخله لتبوح له بالأسرار الخافية عنه والمختبئة في حوزتها بداخله. إنه يستحضر صورا عديدة للأنثى وللمرأة. وكثيرا ما يلتصق الماء بنسائه ويلتبس بهن. فنجد في قصائده الأنثى السابحة وامرأة الرصيف العائم وحورية البحر وأنثى الخرافة وبنات الشواطئ والماء والأميرة والنبية والعذراء وامرأة النار والبنات الملولات والمرأة الماجنة وامرأة متخيلة والمرأة النائمة وربة الإغواء. ورغم شبق قصيدته المائية، فإن جدلية الأنوثة والماء والجسد قد أملت على الشاعر إدراك ماهو روحي وتجاوز الجسد إلى مفاتن الروح وجمالية التوحّد مع الآخر. لذلك فإن صراع الروحي مع الإيروتيكي، كان صراعا من أجل المعرفة ولكن بالاستعانة بوحش الرغبة وبذئب الحواس للوصول في نهاية المطاف إلى ماء الله. |
|||||
|
|||||