نحــــــــن
 والتقنيـــــة

 

عبد السلام بنعبد العالي


-  توحيد أنماط العيش والتفكير،

-  تصنيع النشاط الفني والثقافي والسياحي،

-  الازدهار السريع للإعلام الذي لا يستهدف إلا ذاته،

-  اجتثات المكان والزمان، وإضفاء طابع الحياد عليهما،

-   فقدان الشعور بالقرب والبعد (الراجع لتقدم وسائل النقل والإعلام)،

-  فقدان الحساسية إزاء الألم الشديد (كون الحروب والكوارث غدت مشاهد تلفزيونية مكرورة ومألوفة)،

-  تشكيل مدخرات هائلة من الطاقة،

-  الاستهلاك المبالغ فيه،

-  استنفاد الثروات الطبيعية،

-  هوس التخطيط والبرمجة،

-  التنظيم البيروقراطي،

-  الأنظمة الشمولية،

-  الإيمان الدائم بأن الحل الممكن للقضايا البشرية حل «تقني»،

-  تسخير الرأي العام وصناعته وتطويعه عن طريق الدعاية والإعلام...

ما الذي يوجد وراء هذه الظواهر؟ وما الذي يوحّدها؟ لنجب بسرعة ولنقل إنها التقنية. ولكن ما علاقة التقنية بكل هذه الظواهر؟ أليست التقنية هي العلم المطبق؟ أليست مجرد تطبيق لمعرفة؟ أليست نقلا واستعمالا لآلات؟

هذه على أية حال هي الصورة التي حاول كثير من المفكرين العرب أن يكرسوها عن التقنية. إنها ،في نظر معظمهم، مجرد «تطبيق» للمعرفة العلمية، وما يهم هو منفعتها ومردوديتها وأساليبها في العمل والتنظيم. وهي لذلك مكسب إنساني وليست حكرا على الغرب وحده. لذلك فهم لا يرون مانعا في «نقلها» وتعميمها. وحتى الذين يعارضون منهم«استيراد» الفكر الغربي والذين ينددون بالغزو الثقافي، لا يقفون الموقف ذاته فيما يخص التقنية. كل ما في الأمر أنهم قد يشترطون أن يكون نقلها طاهرا نزيها.

ما هي المسلمة الأساسية التي يقوم عليها هذا الموقف؟ إنها الفصل بين العلم والتقنية، بين النظر والتطبيق، بين الفكر والممارسة. لا عجب أن تغدو التقنية في نظره شيئا محايدا. وما اشتراط النقل  «النزيه»  إلا نتيجة لذلك الحياد المفترض. يسلّم هذا الموقف إذا أن التقنية لا تنقل معها النظرية المتضمنة فيها، وأنها لا لون لها. هي مجرد أداة ووسيلة.و هي ليست خيرا ولا شرا، اعتبارا بأن الوسائل لا تستمد معناها إلا من الغايات التي تستهدفها. فلا خوف إذا«على ثقافتنا وهويتنا وأعرافنا وعاداتنا من هاته «الآلات» البكماء الصماء. إنها لا تحوّل مفهومنا عن المكان ولا الزمان، وهي لا تغيّر أنماط عيشنا وأسلوب تفكيرنا، ولا تؤثّر على فنوننا وآدابنا، ولا تغيّر أذواقنا وأهواءنا، ولا تنظّم إداراتنا ودواليبنا.

ما يبدو سندا لهذا الموقف «الطبيعي» من التقنية هو أن فلاسفة الغرب أنفسهم ظلوا، إلى وقت غير بعيد، يقفون الموقف ذاته. فهم أيضا اقتصروا على التساؤل حول أضرارها ومنافعها، ولم يعملوا على طرح هذا الموقف«الطبيعي» موضع تساؤل، ولم يجعلوا من التقنية «مسألة فلسفية» حتى وقت قريب. والغريب أننا لا نعثر حتى عند مفكر عصر الصناعة و«مفكر التقنية» نفسه إعادة نظر في المسلمة التي يقوم عليها الموقف «التلقائي»، وفي العلاقة التي تربط النظر بالعمل، والفصل المزعوم بينهما.

في محاضرة أصبحت نصا كلاسيكيا في الموضوع، يعزو هايدغر سيادة الموقف الطبيعي من التقنية إلى أن مساءلته تتطلب مساءلة الميتافيزيقا وأزواجها. فما دمنا نؤول التقنية انطلاقا من علاقة النظر بالعمل، والنظرية بالممارسة، وما دمنا ننطلق من الفصل الأوّلي بينهما، فلا يمكن للموقف التلقائي أن «يزعجنا» ولا أن يوقظ تفكيرنا.

و لكن لماذا الانطلاق من هذا الفصل؟ بالضبط كي نتبين أن التقنية ليست هي العلم المطبّق، وأن صلبها لا يكمن في استعمال الآلات، وأنها ليست آلة عظيمة تضم أجهزة وأساليب للتنظيم وأنماطا للعمل، وخلاصة القول كي نتبين أننا نكون «في» التقنية من غير أن نكون أمام آلات.

و حتى إن ظللنا «أمام» آلات فإننا نكون «في» التقنية. ذلك أن الآلية بمعناها الحديث ليست مجرد تطبيق للعلم. إنها حلول لممارسة جديدة. ليست ماهية الآلية تحويلا للأداة إلى آلة بقدر ما هي قائمة في الآلة ذاتها، تلك الآلة  التي ليست آلة إلا بمقدار ما فيها من رياضيات. الآلة آلة باطنيا وانطلاقا من الجدة النوعية للمعرفة المستخدمة، وليس خارجيا وكتطبيق للمعرفة. الآلة «تنطوي» على نظرية ولا تكتفي بتجسيدها.

إن المعرفة التي بفضلها اتخذت الممارسة شكلا آليا هي الرياضيات. إنها المعرفة التي أصبح فيها الوجود ذا طبيعة رياضية. يتعلق الأمر بمعرفة «تجعلنا سادة على الطبيعة وممتلكين لها». إرادة المعرفة هنا إرادة قوة. والعلم  ذاته لم يصبح رياضيا الا بالارتباط مع هذا الصراع وبغية السيطرة. للعلم إذا «صبغة تقنية. لهذا غدا الحديث اليوم عن أمر واحد موحد هو «التقنوعلم» الذي يجعل الانكشاف  يتعلق بالطبيعة، ليس كانفتاح وفيزي»، وإنما كأهم مستودع للطاقة. وإنسان عصر التقنوعلم مدعو إلى هذا الكشف.  وسلوكه هذا يتجلى في ظهور العلم الحديث. إن  شكل التمثل الخاص بهذا العلم يطارد الطبيعة ويعتبرها بمثابة مركب من القوى قابل للحساب الرياضي. ليست الفيزياء الحديثة فيزياء تجريبية لأنها تطبق على الطبيعة آلات من أجل فحصها. العكس هو الصحيح. فلأن الفيزياء، مسبقا وكنظرية خالصة، تجبر الطبيعة كي تظهر مركبا من القوى قابلا للحساب الرياضي، أمكن للتجريب أن يمحصها. التقنوعلم لا يطبق هنا على طبيعة محايدة ما ارتآه، انه منذ البداية يكون أمام موضوع من صنع التقنية. فضلا عن هذا فان المعرفة العلمية ذاتها يتم التعامل معها بنفس الأسلوب التقني الذي يتم به التعامل مع الكائن عموما من حيث ينظر إليه كطاقة تختزن رصيدا من المعلومات تكون رهن الإشارة وتحت الإمرة.

ما أبعدنا إذا عن التقنية كمجرد تطبيق، مادامت التقنية تغدو بفضل ما تقدم نمطا لتجلي الموجود. إنها الكيفية التي يختفي فيها الوجود ليظهر كمستودع. والأهم أن الإنسان ذاته، شأنه شأن العلم، يشكل هو كذلك جزءا من هذا المستودع. وبما أن الواقع الفعلي يمثل هنا في وحدة الحسابات التي تنقلها التصاميم والمخططات، فان الإنسان يحشر في هذه الوحدة والانسجام، ويمتد الموجود في غياب الاختلاف، ذلك الغياب الذي يستجيب لمبدأ الإنتاجية. ورغم أن هذا المبدأ يظهر أنه يِؤدي إلى نظام تراتبي، إلا أنه يقوم ، أساسا، على غياب كل تراتب، من حيث إن مرمى الإنتاج ليس إلا الفراغ الموحّد.

هذا الفراغ الموحّد،  هذا الغياب للاختلاف هو الذي يوجد وراء كل  تلك الظواهر التي أشرنا إليها في البداية، هو الذي يوحدها ويمكن أن يكون الاسم المشترك بينها، هو الذي يتسرب إلى ثقافاتنا إن حق لنا بعد أن نستعمل صيغة الجمع بهذا الصدد،  وهو الذي يستورد مع الآلات ونماذج التنمية ومخططات التنظيم فيحدد أسلوب تفكيرنا وطرق عملنا  ونمط وجودنا.


تصميم الحاسب الشامل