|
|||||
|
بدأت قصيدة النثر بعدد من المقولات ـ حول الذاتي واليومي والهامشي وغيرها من المفردات ـ التي صارت دالاً هاماً عليها، و غاب عنهم أن المشاعر لا يمكن إلزامها بحد معين ، كأن يقول شاعر لذاته سأستخدم اليوم مفردات فرشة الأسنان وسكين المطبخ ومعجون الحلاقة لأنني أود أن أعبر عن قضايا صغيرة، وغداً سأجهز ذاكرتي لكتابة قصيدة تفعيلية لأنني سأستخدم مفردات كبرى مثل الفلسفة والتاريخ والحرب العالمية وتوحش الرأسمالية والنظام العالمي الجديد ، فقد كانت هذه مفارقة استخدمها الرواد ومن نحا نحوهم لخلق شرعية وموطئ قدم لقصيدة وليدة في ظل بناء كاتدرائي كبير يسمى بالعروض الشعري سواء في القصيدة العمودية أو التفعيلية ، لكنه بمرور السنوات جرت في النهر مياه كثيرة ، فجاءت الغلبة لرواد هذا النثر وانحصرت الروافد عن الشكلين التقليديين مثلما انحصرت مقولات الهامشي واليومي والذاتي ، وأصبح منوطاً بهذا النص ـ كغيره من النصوص الشعرية الأخرى ـ التعبير عن الذات الإنسانية بكافة همومها الصغرى والكبرى ، وهذا ما يتجلى لنا بوضوح في العديد من النصوص النثرية التي صدرت مؤخراً في العالم العربي ومنها ديوان «تواضعت أحلامي كثيراً ـ الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ـ للشاعرة الكويتية سعدية مفرح ، حيث اليومي والهامشي موجود لكن بصيغته الشعرية كما في كل تاريخ الشعر ، والقضايا الكبرى موجودة بنفس الأداء الذي جاء في كل النصوص الإنسانية الهامة والكبرى ولكن بطروحات تتماثل مع اللحظة والزمن المعاش ، أما الذات فقد صارت تمثل الشيء ونقيضه ، حتى أننا نشعر أن القصيدة الواحدة أصبحت رواية أصوات ، ولا يمكننا أن نتفق مع دعوى أن قصيدة النثر وحدها المختصة بالسرد ، فليس هناك فن لا يقوم على تقنية التتابع السردي ، وربما يكون توسع النثريين في استخدام هذه التقنية هو ما يجعل البعض يذهب إلى أن هذا النص قائم على فكرة البناء السردي في شعريته . عتبات النص ثمة مستويان في العتبات التي تؤهلنا للدخول إلى أي نص وهما : المستوى الخارجي المتمثل في العنوان والغلاف والإهداء والتقديم إن وجد ، والمستوى الداخلي المتمثل في عناوين القصائد ، وتعد وظيفة العتبات تأهيل القارئ إلى أجواء النص الدالف إليه ، ويمكننا رصدها لدى مفرح على المستوى الأول في الغلاف شبه الفقير لونياً وتقنياً لكنه يحمل من الغنى الفني مالا يجعلنا نلتفت إلى هذا الشحوب البادي عليه ، فهو لا يحمل سوى عنوان النص واسم الشاعرة المكتوب بالإنجليزية وبالعربية وبينهما كلمة صغيرة تحمل ماهية النص وهي الشعر ، ولوحة شبه مبهمة؛ في عمقها شبه نافذة تطل على شبه وجه فتاة صغيرة. ولعل مفردة «شبه» ذات الطابع العامي المصري أكثر الكلمات دلالة على ما تحمله اللوحة من تضاؤل للذات في مواجهة ما يحيطها من واقع غائم لا تتضح له أية معالم ، أما العتبة الثانية فهي العنوان «تواضعت أحلامي كثيرا» الذي يذهب بنا إلى وجود أحلام بالفعل ولكنها أقرب إلى التلاشي من فرط تواضعها أو تقزمها أو اختصارها أمام ما يحيطها من واقع موحش وقاس ، وتجيء العتبة الثالثة حيث الإهداء الذي يقول «سأملأ الفراغ يوما» وهو إهداء مغاير لما هو معهود عن إهداء النصوص إلى شخوص لهم علاقة طيبة بحياة الشاعر ، ويحمل مفارقة بين أن يكون «يوماً ما» فيصبح دالاً على التمني شبه المستحيل ، أو يوماً فقط كما هو دون إضافة ضمنية لـ «ما» ، فيكون دالاً على التحدي وأن الذات الشاعرة تحجز لنفسها مكاناً في الوجود لمدة يوم بكامله ، أما العتبة الرابعة والأخيرة من هذا المستوى الأول فهي جملة تصدير الديوان المأخوذة من «يوميات شارل بودلير» حيث تقول «هناك من لا يستطيع أن يلهو إلا وهو في قطيع .... البطل الحقيقي يلهو وحيدا» وهذه هي العبارة التي تعد مفتاح القراءة للنص ، حيث الذات والقطيع ، حيث البطل الحقيقي والجماعة المزيفة ، حيث العزلة والقطيعة والانتحاء في مقابل الواقع الذي يحاصر نبيه بدعوى ما اتفقت عليه الجماعة . أما المستوى الثاني من العتبات فتمثله عناوين القصائد التي تصل إلى ٧١ عنواناً وهي ( تواضعت أحلامي كثيراً ، مفازة تنتشي بالكلام ، وكأنها سترحل بعد قليل ، نبتة صغيرة رأيتها هذا الصباح ، قهوة وبريد ، الحب كده ، مرحبا ، لهشاشة المشهد بيننا ، قطة خزفية جميلة ، البطل الحقيقي يلهو وحيداً ، أربع شرفات منسية ، لوحتان وحلم ، للعيد نكهته الأخرى ، رسائل هاتفية قصيرة ، غواية الصوف أم نزهة الذاكرة ، مجرد سلام ) ولعلنا نلحظ في هذا المستوى وضوحاً أكبر نظراً لقربه من العالم الداخلي ، وفيه تسيطر عدة مفردات الرحيل غير الحقيقي ، وهشاشة المشهد ، والرسائل القصيرة ، ومجرد سلام والقطة الخزفية . والمدهش أن مفردات الانتصار تجيء ملحقة بما يفيد دائماً هزيمتها ، فالبطل الحقيقي يلهو وحيداً وليس قائداً لمجموعه ، و الشرفات الأربع منسية ،والأحلام تواضعت . وكأن الشاعرة أرادت في كل المدخلات أن تؤكد على الوحدة والنسيان والتهميش وقسوة الواقع و الحياة على حد الموت ، لأن الذات وأحلامها وطموحاتها تراجعت إلى آخر خطوطها ولم يعد لديها سوى الرحيل أو إعلان الهزيمة . أسئلة الوجود وطرحها المعاصر من الوهلة الأولى نوقن أننا أمام عدد من الأسئلة الوجودية في الديوان ، فنحن أمام ذات تحاول أن تتعايش تحت سقف محدد لطموحاتها ورغباتها ، ومن ثم فالقصيدة التي تحمل عنوان الديوان تقوم المفارقات فيها دائماً على رغبة صغيرة للذات أو الفناء التام ، هذه الرغبة تمثل آخر ما يمكن التفاوض عليه مع الذات : أريد مجرد جناحي / أو يكف روحي عن توقه للطيران . ولا نعرف هل الذات هنا تقوم بتخيير الآخر أم أنها تهدده ، وإذا افترضنا السياق الأول فإن الذات هي التي تطلب واحداً من اثنين ، إما أن يعطيها الآخر جناحين وإما أن ينزع منها الرغبة في الطيران مطلقاً ، لكنها مع ذلك تمثل الطرف الضعيف الذي ليس أمامه سوى أن يطلب طلباً واحداً أقرب إلى التسليم وإعلان الهزيمة ، أما في السياق الثاني فإن التفاوض أقوى وأكبر ، فرغم الشعور الضمني بهزيمة الذات حقاً ، غير أنها هي التي تهدد وتخير وتملي ، لا تجبر وتهدد ولا يملى عليها ، لكنها على كلا السياقين ذات تضاءلت ، وتقلصت خياراتها ، وأصبح الرهان إما البقاء بحفظ ماء الوجه وإما الموت ، وتصبح أسئلة الوجود هنا ليست عن الخلود والعدم ولكن عن أقل متطلبات الحياة ، وتجسد هذا المتطلبات مفردة أريد التي بدأت بها كل مقاطع من مقاطع القصيدة : أريد أن أحيا / دون أن يكون ذلك قدري الأزلي / حين تعز الخيارات . أريد أن أموت / دون أن أضطر لذلك / أحياناً أسئلة تشبه أسئلة الجبر والاختيار ، وليست أسئلة الحياة أو الموت اللذين لا يشكلان للذات أهمية ، لكن عدم القدرة على نيل ما يحتاجه المرء في لحظة ما هو الإشكالية ، فحين تموت عندما تحتاج إلى الموت فتلك حياة ، وحين تحيا لأن قدرك أن تحيا ، وليس أمامك خيار سوى ذلك فهذا هو الموت ، هكذا تضعنا مفردات المقاطع أمام العديد من المفارقات الوجودية ، وإذا قمنا باختزال كلمة من مفرداتها فلن ينقص المعنى الشعري ، لكنه سيعطي أفقاً فلسفياً مخالفاً للأفق الذي يطرحه المقطع بشكله المكتمل ، فالجملة بغير «أحيانا» تختصر الرؤية عند أفق الحياة والموت بشكلهما الفيزيقي ، وبإضافتها يتسع الأفق على جانب مخالف لذلك تماماً حيث الحديث عن معنى الحياة وهيئتها ، فالموت الذي تعنيه الذات هنا ليس ذلك الذي تتوقف فيه عضلة القلب عن النبض والخلايا الجذعية للمخ عن العمل ، ولكنه الشعور بقدرتها على التحقق متى تريد . ولعل مفرح استطاعت بقدرة شعرية كبيرة أن تضعنا أمام مستويين فلسفيين يفضي كل منهما إلى الآخر بشكل دائري وبوظيفة مخالفة إلى ما عليه في الطبيعة ، حيث الموت والحياة ينتميان إلى المستوى النفسي الوجودي ، أما الرغبة في توقيفهما حسب إرادة ومشيئة الذات فإنه ينتمي إلى المستوى الواقعي ، حيث يصبح وجودهما مماثلاً لوجود الملابس وأدوات المطبخ وحاجيات التسوق وغيرها . ومن ثم فهي تعيد طرح الأسئلة الوجودية طرحاً يتناسب مع شاعرة تعيش في الحقبة الأولى من القرن الواحد والعشرين ، ونص ما بعد حداثي غير مؤمن بالقضايا الكبرى ويختصر فلسفة اللاهوت والوجود في الذات وحدها . لكن هذا في حد ذاته وبهذا الطرح جعله قضايا كبرى حسب المفهوم القديم ، وجعل الوجود مختصراً عن حدود الذات والجسد ومتطلبات الحياة . وأفضل تعبير عن ذلك ما قالته في نص «قطة خزفية جميلة»: القطب الشمالي ؟ ... / يحدثني عن نهاية العالم إذاً ... / وكأنه يحاول رسم المشهد القديم / بألوان جديدة / لكنني مؤمنة أن لكل مشهد ألوانه /المخلوطة من تراب زمنه ونسغ يومياته. يمتاز النص الصوفي بشكل عام بقابليته إلى التأويل على أكثر من مستوى ، وذلك لخلوه من متعلقات الزمان والمكان والأعلام التي تجعله مرتهنا بحادث أو لحظة معينة ، ومن ثم يغلب عليه الطابع التجريدي في لغته ، وهذا ما يمكننا ان نرفعه إلى المستوى المتافيزيقي المطلق ، كما يمكننا تأويله على المستوى المادي المعاش بحكم الطبيعة الإنسانية لصاحبه المتعينة بالمكان والزمان والفعل ، وفي ديوان سعدية مفرح «تواضعت أحلامي كثيرا» الذي يخلو من تقنية التناص ، على عكس دواوينها السابقة ، نجد هذا المناخ الصوفي ، فاللغة بسيطة متجردة قابلة للتأويل حسب المستوى الطامح للمطلق ، والمستوى الضارب في المتعين ، مما يضعنا أمام مفارقة جديدة يكمن طرفها الأول في رغبة سعدية مفرح في إنتاج نص يتمتع بذلك الثراء التجريدي الصوفي ، وهو أقرب إلى إنتاج الشعرية ، وطرفها الثاني يكمن في درجة التوحد مع التجربة وقسوتها مما ينتج نصاً يصل من إغراقه في المتعين إلى المناخ المتجرد مما سواها ، ولعلنا من القراءة الأولى نلحظ تجربة عاطفية بين الذات الشاعرة وبين آخر غير مسمى ولا معروف ، آخر استطاعت أن تخفي بعض ملامحه وتبرز بعضها بتكنيك يجعله حاضراً طيلة النص وغائباً طيلة الوقت : هل قلتها له بالفعل ؟ / لماذا لا أتذكر شكل المكان إذن / ولا رائحة الأرض / أو لون الهواء / ..... لحظتها ؟! (ص٤٤) تبارك الكلام / تبارك الكلام وأيقظ دمي / تباركتُ بالكلام / في طريقي إليه (ص٥٤) تذكرت الرائحة الأولى / حيث غابة لم نرها / وشواطئ لم نحص حبات رملها / وقوارب بعيدة دون أن نلوح لأشرعتها الظليلة / وحيث كلام لن نقصد كلماته كلها / وحيث لا شيء .... لا شيء . (ص ٥٤) تحيلنا مفردة كلمات إلى «فتلقى آدم من ربه كلمات» في سورة البقرة ، كما تحيلنا مفردة تبارك إلى «تبارك الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» في سورة الإسراء ، ويحيلنا الموقف كله إلى «فلما آتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى» في سورة طه ، حيث الرحلة والمكان المقدس والكلام الموحى واللقاء الأول الذي يحمل من الدهشة ما ينسى كل شيء دونه ، لكن أياً من المفردات لم تقل ذلك ، فقط ذلك الغياب المادي للمتعين ، والحضور السري للمتلقي ، والارتباط الشرطي للمفردة بالموقف ، مما خلق المناخ الصوفي الذي تدور فيه النصوص ، وهو مناخ يصعب الوصول إليه بقصد ، إذ تغلب الكلمات والمفردات على الذهن مما يجعلها في ذاتها متعيناً يشابه أصلاً أو ينحو نحوه ، وإنما تجربة موازية تدور في نفس المناخ ، ولكن بسياق مختلف ، ولحظة مختلفة ،طرفين مختلفين تماماً ، ومن ثم تدور القصائد في فلك الحديث عن رسائل بتوقيع مجهول ، رسائل بين طرفين ، نعلم أحدهما وتعلم الذات الشاعرة الآخر ، لكنه يظل مجهولاً ، مقدساً ، غير منتهك أو معروف ، يظل متعاليا ، خفيا ، غير متاح ، ووحدها تحتفظ بالسر والكلمات واللغة ، وتعيدها على نفسها ولنفسها غير مشغولة بذلك العالم الذي لم تأت الرسالة من أجله ، وكأن المظروف معنون بـ«سري للغاية» أو «لك وحدك» : مغلفة بعطر قهوة الساعة الخامسة مساءً/ بقيت الرسالة الأولى/ بتوقيعها المجهول/ وتوصيفاتها الظريفة/ وإشاراتها الذكية/ وسحرها المكتمل غموضاً/ في قاع الدرج الأخير/ اقترحاً أول/ للخروج من السكينة . مفارقات البلاغة الجديدة يمكننا أن ندعي أن البلاغة ليست كائناً جامداً ينتقل من جيل إلى جيل ومن لحظة إلى أخرى دون تطور أو تغيير ، بل إنها على العكس تماماً من ذلك ، لا لشيء سوى أنها ترتبط بمفهوم البشر للإشارة وما لها من دال والمدلول ، والإشارات دائماً متغيرة حسب المكان والزمان ومدى الاتفاق عليها أو شيوعها بين مجموعة من البشر ، وقد استطاعت قصيدة النثر أن تقدم جانباً من هذا التطور أو التغير في مفهوم البلاغة ، يمكننا أن نرصد بعض جوانبه من خلال هذا الديوان الذي يضع صاحبته في مرتبة متقدمة ضمن أسماء كتاب قصيدة النثر العربية . مفارقة المقطع الدائري اعتدنا على المفارقة في قصيدة النثر ، كأن يأتي الشاعر بكلمة مناقضة لما قدمه من سرد فيحيلنا إلى إعادة قراءة المقطع من جديد لنكتشف ما أراده من ذلك التناقض ، واعتدنا في بنية المقطع الشعري على التوالي التراكمي في السرد ، بحيث تضيف الكلمة الأخيرة أعلى ما يود الشاعر رصده ، لكن أن تكون الكلمة الأخيرة هي نفس الكلمة الأولى ، وأن يصبح السرد غير تراكمي بل دائريا فذلك ما اعتمدته مفرح في بعض مقاطع ديوانها: كما يحدث دائماً ../ أغرق في لجة الكتابة/ فأنساها ../ أتوارى بين الأوراق / فتبيض مفرداتي/ أحاول أن أتذكر حلم ليلة البارحة/ لأكتبه بتفاصيله الملونة/ فتفاجئني أحلام اليقظة بلونها الوحيد/ كما يحدث دائماً . فالسطر الأول هو نفسه السطر الأخير ، الفارق الوحيد بدلاً من نقطتي الاسترخاء ثم معاودة القراءة المزيل بهما الأول ، تجيئنا نقطة صمت كامل في نهاية الأخير ، فما الذي حدث ؟ حدثتنا الشاعرة بنفس اللغة الكثيفة المجردة عن شيء لا نعرفه ، ثم تفصح لنا دلالات الكتابة والأوراق والمفردات عما يخص الرسائل كما نتوقع حسب سياق التجربة ككل ، ثم تفصح لنا من جديد بجلاء هذه المرة السطور عن حلم في المنام ، فنترك ما توصلنا إليه لنوقن بما ساقته إلينا ، وهذا للآن بناء تراكمي يضيف إلى نفس البناء السردي ، لكننا في السطر قبل الأخير نفاجأ ـ مثلما فوجئت هي من قبل ـ بأحلام اليقظة التي تردفها بالسطر الأول «كما يحدث دائماً .» المزيل هذه المرة بنقطة بصمت لا حديث بعده ، لا انتظار لتفسير أو إضافة أو توضيح ، لا تراكم ، لتتركنا ونقطة البدء هي نقطة البداية ، ومثلما لم نعرف في البدء ما ذلك المجهول الذي لم تحدثنا عنه ، فإننا أيضاً لا نعرف هل هو الرسالة أم رؤيا المنام أم حلم اليقظة ، هل الورقة البيضاء التي تنصع كلما تكتب عليها أم حياتها التي تدور في فلك واحد أم ذلك التلاشي الذي يحدث دائماً ، ولأنها لم تضف فليس أمامنا سوى معاودة القراءة من جديدة للوقوف على أقرب هذه التفاسير للتلقي . استعارة الضد حين تقول شاعرة عن حبيبها «أسميته الرجل المستحيل / لعله لا يتحقق أبداً» فإننا نتوقف أمام هذا التناقض ، لكن كما قال أبو الطيب المتنبي لأحد النحاة من قبل «إذاً أخرج؛ فصح في الناس : هكذا قالها أبو الطيب المتنبي فقولوها»، ولأن بحر البلاغة واسع ومتغير ودائم الوفرة لا النقصان، فيمكن للبلاغيين أن يضيفوا باباً جديداً عن استعارة الضد إلى جانب الاستعارة المكنية والاستعارة الكلية ، وذلك من باب أن نسأل عن شخص ما فيقال لنا «إنه بعافية» والمقصود أنه مريض ، لكن الحس البلاغي الذي يتمنى له النقيض أثبت العافية تيمناً وحذف الواقع المرفوض ، ومن ثم فإننا لو أعدنا صياغة هكذا «اسميته الرجل غير المستحيل / لعله يتحقق دائما» لاتضح لنا مدى رغبة الشاعرة في إخفاء حبيبها عن الآخر ، هي تريده متحققاً لديها دائماً ، لكنها تستخدم لغة سرية أو بلاغة جديدة حتى لا يتضح أو يفتضح لدى الغير أو الرقباء ، تريد له العافية وتثبت للناس النقيض ، مثلما يريد الأهل المرض ويثبتون للشامتين العافية . وكان بإمكاننا أن نرى أنه خطأ لغوي أو تركيبي في الجملة لولا أن الشواهد تكررت مثل قولها «مثل فنجان قهوة صباحي / أفضل شربه على مهل / بقيت نكهة الرسالة الأولى / وتلاشى خدري اللذيذ / بحضورها» فلو أنها الرسالة الثانية أو الألف لصدقنا أنها رسالة فراق أفاقتها من فترة الخدر اللذيذ ، ولو أنها تقصد هذا ما وصفتها في البدء بشيء مقدس في حياتها ، تفعله على مهل شديد وبمحبة مدهشة كل صباح . مفارقة تطوير المشهد اعتادت قصيدة النثر على الرصد الشعري ، تاركة القارئ يستشف ما يتناسب مع رؤيته وثقافته في التلقي ، دون إقحام مقولات جاهزة أو وصايا واضحة على قارئها ، وذلك لاعتمادها على رؤية السرد لا الخطابة والإنشاء ، ويحدث في العادة أن تجيء القصيدة مكونة من عدة مقاطع ، كل مقطع يسرد مشهداً منفصلاً عن الآخر ، لكن المشاهد في تكوينها العام تدور في إطار واحد ، بمعنى أن ثمة خيطا ما يشملها جميعاً ، قد يتعاظم هذا الخيط حد تكرار أسماء وأفعال بعينها ، وقد يتلاشى حد أن يصبح عنوان النص أو اسم الشاعر هو كل الرابط بين المقاطع ، لكن سعدية مفرح أضافت مقترحاً جديداً في هذا الديوان ، وهو أن يرصد الشاعر في المقطع الأول المشهد الذي يتحدث عنه ، ثم تقدم في المقطع التالي نفس المشهد ولكن بصياغة أخرى تجعلنا نعيد النظر في المقطع السابق ، ففي قصيدة نبتة صغيرة هذا الصباح تقول: كل يوم أبدأ رحلتي في ذات الشارع / أعد بلاطات الرصيف مع كل خطوة / وقبل الوصول بقليل / يتشابه علي البلاط / فأبدأ العد من جديد . كل يوم أرسم شارعاً جديداً / أظلل امتداده بالنخيل / ألون رصيفه حجراً حجراً / أسوي إسفلته بحنين أصابعي / وأروي حشائشه بفيض قصيدي / أتممه خلواً من أي إشارة مرور . كل يوم أقابل أناساً متشابهين / يتزايد عددهم / كلما أوغلت في شارعي / وتتطابق ملامحهم / كلما اقتربت من خط النهاية / وعندما أصل / أصل وحدي بملامح تشبههم . هنا نحن أمام ثلاثة مقاطع بثلاث صور للمشهد ، كلما اتفقنا مع الشاعرة على شيء في انتظار تراكم الإضافة السردية نجدها تعيدنا إلى نقطة البدء وتخالف ما تم الاتفاق عليه ضمنياً لنبدأ في اتفاق جديد ، ورغم أن هذا من الخارج لا يبدو سرداً تراكمياً غير أنه في الواقع يحدث تراكماً سردياً ومعرفياً من خلال ما أنتجته المفارقات ، فالمشهد في حد ذاته ومن خلال ما طرأ عليه من تطوير في صيغته الجديدة يكون مفارقة تضعنا على طرفي تناقض مدهش ، لأنه يحدث في نفس الآن ومن نفس الفكرة والكلمة ، ففي المقطع الأول نتفق مع الشاعرة على أنها تعاني من الوحدة ومن ثم فهي تبدأ رحلتها في نفس الشارع وبنفس الآلية وهي عد البلاطات مع كل خطوة ، لكنها بالقرب من النهاية تنسى أو تنشغل بشيء آخر فلا تعرف عدد البلاطات التي وصلت إليها ، يحدث هذا كل يوم حسبما اتفقنا ضمنياً مع الشاعرة ، فماذا بعد ؟ لا توالي مفرح سردها للمشهد لكنها تقدم صياغة جديدة وكأن الأولى لم تلق إعجابها ، فتقول أنها ترسم كل يوم شارعاً جديداً ، بل إنها بنفس تكنيك الكتابة والرصد للمشهد الأول تضع النخيل وتلون الأحجار في المشهد الثاني ، وتأكيداً على لعبة الرسم والتخيل تخبرنا «أسوي إسفلته بحنين أصابعي» منتقلة من المتعين وهو الإسفلت إلى اللامتعين وهو حنين الأصابع ، حتى تجعله شارعاً مثالياً تروي شجيراته بالشعر ، ويخلو من أي إشارة توقف . فهل هو شارع مخالف للذي رصدته في المشهد الأول أم أنه نفس الشارع ولكن بصياغة أخرى ؟ تسير المفارقة بهذا الشكل في المقطع الثالث حيث توج شواهد تؤكد أنه متخيل وشواهد تؤكد أنه واقعي ، حيث الناس المتشابهون الذين يتزايدون كلما أوغلت إلى أن تصل في النهاية بملامح تشبههم ، فياء التنسيب في «شارعي» ومفارقة السرد في «أصل وحدي بملامح تشبههم» لا يؤكدان لنا سوى على معنى مخالف تمام وهو أن الذات الشاعرة تمارس السير يومياً في نفس الشارع لكنها تتعامل معه على أنه شارع جديد دائماً بالنسبة لها ، وأنها سادرة في توحدها مع ذاتها ومن ثم ترى الناس من الخارج على قالب واحد ، لكنها حين تنفصل عن هذا التوحد تصبح إنسانة مشابهة لهم حتى في الملامح ، وبغض النظر عن البعد الصوفي فإن المشهد يتطور ويترقى من المادي إلى اللامادي ، ومن الخارجي إلى الداخلي ، ومن الواقعي إلى النفسي ، رغم أن الكلمات والمفردات تمركزت في رصد الشارع الذي تسير فيه الذات كل يوم لمدة عشرين عاماً ، هي عمرهما الأثير كما أوضحت في المقطع الرابع . خاتمة ترصد لنا تجربة الديوان حالة من الوحدة والانعزال ، وهي أشبه ما يكون بالبطل الحقيقي الذي قرر أن يلهو وحيداً بعد تجربة خيانة كبرى من القطيع ، البطل الحقيقي هنا لا يمكننا أن نصفه بالقوة ولكن بالشرف في وقت لم تعد فيه لمثل هذه الكلمات وجود ، واختارت مفرح على عادة الرؤية النسائية أن تدور نصوصها في إطار عام هو الحب بمعناه المعتاد والمادي ، لكن الطرف الآخر منه غير موجود إلا في مخيلة الذات الشاعرة ، ليس موجوداً إلى في بعض الآثار كرسالة أولى ، كتهويمات ذكرى غير واضحة المعالم ، ومن ثم فالذات هي التي تهيمن على النص ولا يوجد لها شريك إلا بمقدار تهويمات التذكر ، ومن ثم يرتقي النص في رصده للعلاقة بين الطرفين عن طريق التجريد وغياب الآخر إلى حالة صوفية كبرى ، قد يأتي آخرون بعد سنوات ليعيدوا البحث في النص على أنه وثيقة صوفية في القرن الواحد والعشرين ،وثيقة مليئة بالعالم لكنه العالم المكنون ، العالم المتعدد الثراء لكنه في حدود قد تحجب الرؤية ، وقد تجعله «شبه» عالم أو وجه فتاة يطل من كوة في عمق لوحة مبهمة . وهذا ما أرادته مفرح لنصها كتعبير عن رفضها لواقع يحاصرها ولا يسمح لأحلامها بالنمو و والتحليق كما تشاء . |
|||||
|
|||||